التنميــــة و الإســــتثمار

في ظـــل الحــــكم الفــــــــدرالي

(*) د. احمد محمد حامد

مقدمة :

هذه الدراسة مكرسة لتناول بعض موضوعات التنمية والاستثمار في ظل الحكم الفيدرالي قبل وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005. تقف الدراسة وباختصار عند مفهوم التنمية واهدافها وضرورة وجود استراتيجية وطنية لبلوغ تلك الأهداف وتؤكد على الطبيعة الديمقراطية للتنمية، التي تتطلب المشاركة الواسعة للجماهير في كل مراحل العمل التنموي ومدى ملاءمة الحكم اللامركزي بشكل عام لأن يكون وسيلة فعالة لتجسيد هذه المشاركة على أرض الواقع. وتؤكد الدراسة على أن مجرد إعلان الحكم الفيدرالي وقيام مؤسساته لا يعني تحول أجهزته إلى أجهزه تفضي إلى المشاركة الواسعة للجماهير الشعبية وتدعم مسيرة التنمية إذ أن طبيعة هذه الأجهزة مستمدة من طبيعة نظام الحكم في المركز. الأنظمة الشمولية التي حكمت السودان لفترات طويلة حالت دون اضطلاع أجهزة الحكم اللامركزي بدورها التنموي. و تتعرض الدراسة بالتحليل لتجربة الحكم الفيدرالي في المجال الاقتصادي ومدى نجاحها في تحقيق التنمية المتوازنة وإزالة التفاوت بين ولايات السودان المختلفة. كما تقف على وجهة استثمارات القطاع الخاص الوطني ورأس المال الأجنبي ومدى استعدادهما ومساهمتهما في تنمية المناطق الأقل نمواً وتحقيق تنمية متوازنة. و تتطرق في محورها الأخير لآفاق تطور ودمقرطة أجهزة الحكم الفيدرالي في كل المستويات (الاتحادي، الولائي، المحلي) بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، التي تفتح طريقاً لإمكانية التحول الديمقراطي والدور المطلوب أن تلعبه الدولة لتعزيز عملية التنمية في كل الأقاليم والمناطق ووضع الأساس المتين لوحدة الوطن.


1- في المفهوم والاستراتيجية:

يزداد الوعي بأهمية التنمية باعتبارها العملية التي تمكِّن المجتمع من تجاوز نظام التخلف، والسير على طريق ارتياد آفاق التطور الرحبة. و يتطلب تحقيق هذه الغاية أن تكون التنمية عملية مجتمعية واعية وموجهة لاحداث تحولات هيكلية تؤدي إلى تكوين قاعدة واطلاق طاقة انتاجية ذاتية، يتحقق بموجبها تزايد منتظم في متوسط انتاجية الفرد وقدرات المجتمع . جوهر هذه العملية هو توليد القدرة الذاتية التي يرتكز عليها الاقتصاد في إنتاج وإعادة إنتاج نفسه بوتائر منتظمة ومتزايدة تمكنه من إقامة علاقات مع الاقتصادات الأخرى على أساس تبادل المنافع من منطلق الندية والتكافؤ. الحلقة الأساسية في عملية تحقيق تلك الغايات هي توحيد البنية الاقتصادية المفككة، التي تعبر عن تعددية التكوينات الاقتصادية الاجتماعية كسمة مميزة للاقتصاد السوداني وغيره من اقتصادات البلدان النامية. تفكك هذه البنية يعني وجود أنماط إنتاج مختلفة في أطوار جنينية متفاوتة، بمعنى عدم تبلور أحد هذه الأنماط وتحوله إلى أسلوب إنتاج سائد يعمل كل الاقتصاد ويتطور بموجب قوانينه. تفكك البنية الاقتصادية هي أساس تجزؤ السوق الوطنية وضعفها وهي السبب الرئيسي في ترهل وبطء حركة الاقتصاد.

التنمية باعتبارها عملية واعية وموجهة، فإن تحقيق أهدافها يتطلب إعداد استراتيجية وطنية لها، تحدد أهدافها في المدى الطويل، وكذلك السياسات، والخطط، والبرامج، والمؤسسات والآليات المختلفة، التي يتم استخدامها لتجسيد تلك الأهداف على أرض الواقع. فمن خلال الاستراتيجية ينظر المجتمع لحاله بعد انقضاء فترتها. لأن "المجتمع يرسم لنفسه الصورة التي يريد أن يكون عليها بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. وتلك هي الغايات التي على التنمية أن تبلغها. ولابد من أن نشير هنا إلى أن استشراف هذه الصورة يجب أن يأخذ في الحسبان أن تحقيقها يعني تغييراً عميقاً في بنية الاقتصاد والمجتمع والعلاقات بين مختلف القوى الاجتماعية" .(2)

لاستراتيجية التنمية الوطنية ثلاثة أبعاد وهي القطاعي، الجغرافي والخارجي. هذه الأبعاد الثلاثة تتكامل وتتفاعل مع بعضها ويغذي كل منها الآخر.

البعد الأول يركز على بناء اقتصاد متعدد القطاعات ومتنوع المنتجات بما يفضي إلى توسيع القاعدة الاقتصادية، وتوسيع وتعميق تقسيم العمل حيث تتكامل القطاعات والوحدات الإنتاجية ويعتمد كل واحد منها على إنتاج الآخرين لتكتمل عمليته الإنتاجية. هذا التكامل يتحقق من خلال مجموعة الروابط الخلفية والأمامية التي تنبثق ويزداد عددها خلال عملية البناء هذه. تعدد القطاعات وتنوع المنتجات تمكن الاقتصاد من تلبية الاحتياجات المجتمعيه – الانتاجية والاستهلاكية من خلال علاقات السوق.

البعد الثاني وهو البعد الجغرافي ينطلق من حق كل اقليم ومنطقة في التنمية ويرتكز على مبدأ التنمية المتوازنة ويعمل على تحقيقها. هذا البعد يتكامل مع البعد القطاعي من خلال توظيف المزايا النسبية التي يتمتع بها كل اقليم ونشر الوحدات الانتاجية جغرافياً بناءً على هذه المزايا يساعده تنوع الموارد الطبيعية – الأرض، المياه، المعادن، المناخ، والموارد البشرية .استغلال هذه المزايا لتكريس التخصص على مستوى الاقاليم والمناطق. إذ أن النشاط الزراعي والتعديني يرتبطان أكثر بموقع الموارد الطبيعية. تكامل البعدين القطاعي والجغرافي لاستراتيجية التنمية، يعني أن الأخيرة تنظر للبعد القطاعي على امتداد الوطن وفي كل أقاليمه لا في كل اقليم منعزلاً عن الاقاليم الأخرى. لذلك فإنها وهي تسعى لتحقيق التكامل بين القطاعات والوحدات الإنتاجية على مستوى الوطن ككل تهدف إلى تقليل درجة تماثل هياكل الإنتاج في الأقاليم المختلفة على نحو تدريجي يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أعلى درجات التكامل بين هذه الأقاليم ويرسخ موجبات وحدة الوطن. إلا أن توسيع القاعدة الإنتاجية في هذا الاقليم أو ذاك لا يتوقف على وجود ميزة نسبية طبيعية قابلة للاندثار والزوال. لأن ذلك من شأنه أن يوقف عملية التنمية في هذا الاقليم، وينسف مبدأ التنمية المتوازنة وحق كل أقليم في التنمية، بغض النظر عن الموارد الموجودة فيه، وما يتمتع به من مزايا نسبية. إذ أن الأخيرة يمكن خلقها بواسطة الجهد البشري كما يحدث اليوم في ظروف الثورة العلمية التقنية. "إن الميزة النسبية، ويهذا المعنى هي مقولة تاريخية، فهي لا تشير إلا إلى فترة ما في تاريخ التطور الاقتصادي الاجتماعي للبلد، كأن يتميز فيها بإنتاج سلعة (أو سلع) معينة في ضوء سياق تاريخي اقتصادي واجتماعي وتكنولوجي وعالمي معين، بحيث ما أن يتغير هذا السياق، داخلياً وعالمياً، إلا وتتغير معه الميزة النسبية للبلد. كما اتضح أيضاً، أنه في ضوء الثورة العلمية والتكنولوجية العارمة التي نعيشها الآن، تغير كثير من المفاهيم المرتبطة بالمزايا النسبية (مثل مفهوم وفرة أو ندرة المورد الاقتصادي) بحيث يجوز الآن أن نتحدث عن مزايا نسبية تصنع صنعاً" . هذا الاستنتاج الذي توصل إليه رمزي زكي في مجرى تناوله للعلاقة بين البلدان النامية والمتقدمة، يمكن أيضاً توظيفه في العلاقة بين أقاليم البلاد المختلفة للتأكيد على استمرارية التنمية وتصاعدها في كل الظروف. وجود المزايا النسبية الطبيعية يمكن أن يلعب دوراً هاماً في توسيع الاستثمارات بين أقاليم البلاد ومناطقها المختلفة في المراحل الأولى لعملية التنمية. تواصل عملية التنمية واستمرارها، وإتساع دائرة التراكم الحقيقي لرأس المال يفضي إلى تهيئة الشروط الملائمة لخلق مزايا نسبية جديدة لا يشترط أن تكون لها علاقة مع المزايا النسبية الطبيعية الأولى. هذا بالإضافة إلى أن تلاشي الأخيرة وزوالها خاصة في حال الموارد الناضبة كالنفط مثلاً يجب أن لا يؤثر على استمرارية التنمية وتصاعدها في الاقليم المعني. إذ أن مبدأ التنمية المتوازنة يعتبر مبدءاً حاكماً وموجهاً لاستراتيجية التنمية الوطنيه، مما يدعو الى أهمية التأكيد للربط بينه وقومية الموارد وامكانية انسيابها دون عوائق بين الأقاليم بهدف تحقيق التنمية المتوازنه وازالة التفاوت فى مستويات تطورها الاقتصادى والاجتماعى. و يعتبر هذا نقيضاً للشكل الآخر لانسياب الموارد بين الاقاليم والذى يقوم على اساس استغلال الأقليم الاقوى للآخر الضعيف ويكرس نزعة الاخضاع والهيمنه. بل ان قومية الموارد تعنى ايضاً أن يصبح الأقليم أو (الأقاليم) الذي حقق قدراً افضل من التنمية أن يصبح بؤرة لدفع عملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية فى الاقاليم الآخرى. حيث تتجه الموارد من هذا الاقليم فى اتجاه الاقاليم الأخرى لتوسيع القاعدة الانتاجيه ومجمل النشاط الاقتصادى فيها، حيث تشهد عملية التراكم الرأسمالى تطوراً جديداً ومعاكسا لتلك العمليه التى اعتمد فيها التراكم الرأسمالى فى القطاع الحديث وخاصة فى المدن على الفائض الاقتصادى المحقق فى القطاع التقليدى والريف بشكل عام. إن التطور الجديد هو هجرة رؤوس الاموال من القطاع الحديث، تحديداً من المدن فى اتجاه الريف لتوسيع نطاق التراكم الحقيقى فى الآخير فى اطار تنفيذ ماترمى اليه استراتيجية التنمية الوطنية. السعى لبلوغ هدف ازالة التفاوت بين اقاليم البلاد المختلفة من خلال التنمية المتوازنة لايعنى مطلقاً إيقاف عجلة التنمية فى الاقاليم التى نالت حظاً منها فى انتظار أن تلحق بها الأقاليم التى تم تجاهلها فى اطار مشاريع التنمية التى جربت ولايزال التمسك بتطبيقها يعتبر المرجعية الرئيسية للسياسات الاقتصادية للدولة. لأن أى اجراء من شأنه ايقاف أو عرقلة عملية التنمية ان يلحق الضرر بمجمل العملية ويعطلها عن تحقيق غاياتها لانه يعنى وضع العراقيل امام زيادة الموارد القومية، التى تشكل عملية اعادة توزيعها أمراً حيوياً لدفع جهود التنمية فى الاقاليم والمناطق الاقل نمواً. اذ أن المشروع الوطنى للتنمية من خلال الادارة الفاعلة لعمليات استخدام الموارد القوميه وزيادتها من خلال توسيع رقعة الاستثمار الانتاجى وزيادة العائد منه. يقوم هذا المشروع من ثم باعادة توزيع هذه الموارد على النحو الذى يفضى الى تلبية احتياجات كل اقليم فى التنمية وهذا يتحقق عندما تكتسب عملية التنمية سمة الاستمرارية والتصاعد فى كل مناطق السودان.

يتم تحقيق الاهداف الاستراتيجية للتنمية عبر تحقيق الأهداف المرحلية .أى التدرج فى تنفيذ هذه الاستراتيجية بعد تقسيمها الى مراحل. كل مرحلة لها اهداف ترنو الى تحقيقها وبوسائل تلائمها. و لابد من تحديدالاهداف والوسائل بعناية فائقة تضع فى الاعتبار خصائص الواقع السودانى وتنوع هذه الخصائص من اقليم لآخر، ومستوى التطور الاقتصادى الاجتماعى الذى تنطلق منه هذه الاستراتيجية مع مراعاة اختلاف هذا المستوى من اقليم لآخر وبالتالى اختلاف احتياجات التنمية على المستوى القومى وفى كل اقليم ومنطقة. لذلك لن يكون الأمر غريباً ان كان التباين فى اهداف الخطط الاقليمية المرحلية وفى آليات ووسائل تحقيقها سمة من سمات استراتيجية التنمية الوطنية فى مراحلها الأولى. الا أن هذا التباين فى الاهداف ووسائل التنفيذ المرحلية هو تباين فى اطار وحدة، أى وحدة استراتيجية التنمية الوطنية .اذ أن كل خطة مرحلية لكل اقليم هى جزء من الخطة المرحلية العامه لكل الاقتصاد وبالتالى لابد من ان تتسق وتتكامل مع الخطط المرحلية للاقاليم الأخرى. إن ازالة التناقض بين خطط الأقاليم المرحلية فى اطار الخطة المرحلية العامة للتنمية ليس عملاً سهلاً، بل معقداً دونه الكثير من المصاعب فى كل جوانب حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لذلك فهو يتطلب عملاً مثابراً ، متواصلاً وكفاءة مهنية عالية وارادة سياسية يسندها وعى مجتمعى منفعل بقضية التنمية يولد الالتزام الصارم بتجسيد استراتيجية التنمية ببعديها القطاعى والجغرافى على أرض الواقع وتوظيف البعد الخارجى لتحقيق هذه الغاية.

2- ديمقراطية التنمية:

يعتمد تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية على المشاركة الواسعة لأفراد المجتمع. اذ أن التنمية كما جاء فى تعريفها انها جهود مجتمعية واعية، تشارك فيها قاعدة المجتمع وقمتة. الوعى المجتمعى بأهمية التنمية وأنه لا سبيل للخروج من وهدة التخلف الا بواسطتها، هو الذى يغذى هذه المشاركة ويدفع المواطنين لقبول تقديم التضحيات وتحمل الأعباء التى تفرضها عملية انزال استراتيجية التنمية والسياسات والخطط والبرامج المنبثقة عنها الى ارض الواقع. القناعة بتقديم هذه التضحيات طواعيه ودون اكراه تتولد من الوعى بان ثمار التنمية وفوائدها تعود لكل أفراد المجتمع ولا تستأثر بها القلة. هذا الوعى ينتشر بين المواطنين عندما تتخلل الديمقراطية كل جوانب حياة المجتمع. وعندما تشاع الحريات الديمقراطية وتصبح سلوكاً وممارسة فى كل مستويات الحكم. وان تكون التنمية ركنا اساسياً فى برامج الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى ويصير الالتزام بها شرطاً للوصول لسدة الحكم وأحد محددات مشروعية السلطة السياسية وبقاءها. يحدد يوسف صايغ ثلاثة ركائز تقوم عليها عملية التنمية. أولى هذه الركائز"هى الحرية والتعبير الديمقراطى عن الارادة العامة، وقدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية الأساسية بوحى من ضميرهم ومصلحتهم. وهى شرط اساسى لانطلاق عملية التنمية واستمرارها بشكل معافى، فبدون الحرية والديمقراطية لا يمكن للمواطنين المفاضلة بحرية ووعى واستقلالية بين الخيارات الاقتصادية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالى اجراء مفاضلة صحيحة بين الأعباء والمردود المتوقع لكل الخيارات". ويواصل نفس الكاتب مجملاً القول "حيث لا مشاركة لا تعبئة وطنية ولا إلتزام وحيث لا إلتزام بالأغراض والجهود والأعباء التنموية لا تنمية ثابتة الخطى. وينبغى أن نضيف أن حيث لا إشتراك بمكاسب التنمية ومردودها ضمن نمط مقبول من التوزيع، لا إلتزام فعال بالجهود والأعباء التنموية"5.

تتسع ديمقراطية التنمية لتشمل مشاركة الجماهير فى كافة عمليات اتخاذ القرار السياسى والاقتصادى فى كل مستويات الحكم. المشاركة فى اختيار ممثليها فى أجهزة الحكم بحرية كاملة و كذلك المشاركة فى إعداد سياسات وخطط وبرامج التنمية ومناقشتها مما يهيئ الشروط الملائمة لإقدام أفراد المجتمع وأقبالهم على تنفيذ هذه الخطط والبرامج كل فى موقعة بالحماس والفاعلية. "فلكى تنجح عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لابد لها من أن تكون ديمقراطية،بمعنى المشاركة الشعبية الواسعة فى كل ما يتعلق بهذه التنمية من اتخاذ القرارات الاولية مروراً بتحضير مشروعات التنمية، تنفيذها، مراقبة سير العمل فيها، تقييمها ...الخ، وحتى المراحل الاخيرة فيها، ومن ثم تأخذ هذه المشاركة الشعبية كل الامر بين يديها. هذه هى الديمقراطية التى تؤدى الى التغيير الاجتماعى, وتقدم للمجتمع بشمول فوائد وثمار الثروة لمختلف طوائفة فى اطار متين من العدالة وتكافؤ الفرص(6)". إذا كانت الحرية والتعبير الديمقراطى عن الإرادة العامة هى الركيزة الأولى للتنمية فإن ركيزتها الثانية هى العدالة الاجتماعية. أى تحقيق تكافؤ فرص العمل والكسب والخدمات الصحية والتعليم و الاسكان و نمط أفضل لتوزيع الناتج القومى على المناطق والفئات الاجتماعية والمواطنيين. بمعنى أن تكون حدود النمط المستهدف أقرب الى بعضها فتضيق فجوة التوزيع، مدركين أن التباين الفاحش فى نمط التوزيع لا يمكن أن يكون انعكاساً صادقاً للتباين فى القدرة الذاتية للفئات والمواطنيين على الاسهام فى توليد الناتج القومى، وأنه فى معظمه لابد أن يعكس التباين فى النفوذ والقدرة السياسية والموقع الإجتماعى من موروث أو مكتسب.(7)

لقد أدت تجارب التنمية التابعة التى توجت بسياسات التحرير الاقتصادى، فى بداية تسعينات القرن العشرين إلى تعميق التفاوت الإجتماعى فضلاً عن التفاوت بين أقاليم ومناطق السودان المختلفة. فانتشرت البطالة واتسعت رقعة الفقر وتراكمت الثروة فى أيدى القلة. بيانات الجدول رقم (1) تسلط بعض الضوء على النتائج الاجتماعية لتلك التجارب.


الجدول رقم (1)

معدلات البطالة والفقر فى السودان 1996

. . .
الاقاليم
.
معدل البطالة (%)
.
معدل الفقر(%)
. . .
. . . . . . .
ريف
.
حضر
.
ريف
.
حضر
.
الخرطوم
.
18.6
.
22.3
.
80
.
76.9
. . . . . . . . .
الأوسط
.
16.4
.
16.3
.
91.2
.
93.1
. . . . . . . . .
الشمالى
.
15.7
.
19.6
.
93.3
.
84.6
. . . . . . . . .
الشرقى
.
24.1
.
20.7
.
94.3
.
88.4
. . . . . . . . .
كردفان
.
14.7
.
21.0
.
93.0
.
86.5
. . . . . . . . .
دارفور
.
10.2
.
13.9
.
97.0
.
98.1
المصدر: التقرير الاستراتيجى السودانى 1998 ص 98

هذه البيانات تشير إلى إرتفاع نسبة البطالة وكذلك نسبة الفقر فى كل اقاليم السودان، حتى اقاليم الوسط التى حظيت بقدر من التنمية وانتقل إليها قدر كبير من الفائض الاقتصادى من الأقاليم الأخرى إلا انها لم تنجح فى توظيفه فى خلق فرص الاستخدام والتخفيف من وطأة البطالة والفقر بتوسيع دائرة النشاط الاقتصادى وفرص كسب العيش وتوخى العدالة فى توزيع الدخل القومى.

وتشير الاحصائيات الى أن معظم السكان فى السودان يحصلون على دخل أقل بكثير من متوسط الدخل، فالنصف الأكثر فقراً من السكان يحصل على 8% فقط من الدخل القومى، مقارنة بحوالى 22% لنفس الفئة فى دول أفريقيا حنوب الصحراء، كذلك فان 80-90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الذى حددته الامم المتحدة ب370 دولار للفرد الواحد. هذه البيانات والنتائج المختصرة تشير بجلاء الى بعد تجربة التنمية الحالية عن الطبيعة الديمقراطية وافتقارها للركائزالأساسية التى تضمن لها النجاح. بل أن عدم استناد هذه التنمية على الحرية والعدالة الاجتماعية سيقود حتماً إلى فشلها. وزيادة حدة التوتر الإجتماعى ومايترتب عنه من مشاكل وصعوبات تزيد من التحديات التى تواجه الوطن.

3- الحكم الفيدرالي والتنمية

يعتبر الحكم اللامركزي بشكل عام أحد وسائل توسيع قاعد الديمقراطية وتحقيق مبدأ مشاركة أفراد المجتمع في إدارة شئون الحكم في كل المستويات. أحد الأسباب الهامة التي تستدعي اللامركزية هو الرغبة في تشجيع المشاركة الفعالة للمواطنين في تنفيذ المهام المحلية. وهذه المشاركة لا تؤدي إلى زيادة الشعور بالكرامة لدى المواطنين، وتنمية روح الجماعة فيهم فحسب، ولكن تعد المشاريع التي تنفذ بمزيد من الحيوية وتؤمن فرض رقابة شعبية محلية عليها. وهي فوق ذلك تهيء فرصاً أكبر لوضع برامج واقعية تتفق مع حاجات المواطنين المحلية الحقيقية والإفادة من المبادرات المحلية العديدة في تنفيذها. مما جعل الحكم اللامركزي والذي يعتبر الحكم الفدرالي أحد أشكاله إطاراً ملائماً لتحقيق ديمقراطية التنمية وتوسيع دائرة مشاركة الجماهير في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية. إلا أن مجرد إعلان وتطبيق لامركزية نظام الحكم لا يعني إطلاقا ً حرية المشاركة هذه. فتجربة السودان التي عرفت الحكم اللامركزي بأشكاله المختلفة قبل أن يصدر رئيس الجمهورية المرسوم الدستوري الرابع في 4/2/1991 الذي تم بموجبه تأسيس الحكم الفيدرالي بمستوياته الثلاثة (الاتحادي، الولائي، المحلي) في السودان. ومن ثم أصبح نظام الحكم الفيدرالي امتداداً وتوسيعاً لتجربة اللامركزية. تأثرت هذه التجربة في مراحلها التاريخية المختلفة بطبيعة نظام الحكم في المركز وأيضاً بطبيعة الهيكل الاقتصادي الاجتماعي الذي يتسم بتعددية التكوينات الاقتصادية الاجتماعية. "لقد شهد السودان تجربة الحكم السلطوي ثلاث مرات(58-64، 69-85، 89-2003) التجربة الأولى لم تأبه بالمشاركة الشعبية في السلطة. حيث استندت إلى التعيينات في أغلب الأحيان، فلم تحفز طلاب المناصب استنفار إتباعهم لخوض الانتخابات إلا نادراً. أما التجربتان الثانية والثالثة فقد عمدتا إلى الحكم عن طريق المشاركة الشعبية. فقد أوجدت المجالس أو المواقع القيادية وأتاحت للناس فرصة المنافسة لنيلها ولكن في ذات الوقت منعتهم حرية التنظيم وحرية التعبير. كان على الراغبين في تبؤ المواقع القيادية الانخراط في التنظيم السياسي الواحد(69-1985) أو حزب الحكومة المهيمن(89-2003)".

لقد غطت تجارب الأنظمة الشمولية معظم سنوات الاستقلال ونقلت الطابع الشمولي من قمتها إلى قاعدتها وحالت دون تحويل الحكم اللامركزي لمدرسة للديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة. التجارب الديمقراطية الثلاث لم يكتب لها الاستمرار حيث لم يزد مجموع فتراتها عن الاحد عشر سنه مقابل أربعين عاماً للانظمة الشمولية. لهذا السبب بالاضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالهيكل الاقتصادى الاجتماعى لم تتمكن أنظمة الحكم الديمقراطية فى فتراتها المتقطعة والقصيرة من وضع الأسس السليمة لنظام الحكم اللامركزى. إذ عمدت الأحزاب الكبيرة التى وصلت الى سدة الحكم عبر صناديق الانتخابات إلى الاعتماد على أصحاب النفوذ من زعماء العشائر في الريف وعلى الرأسمالية التجارية في المدن في تقوية مواقعها، مما جعل هذه الشرائح الاجتماعية هي المسيطرة على أجهزة الحكم اللامركزي. ولم تفلح هذه الشرائح في التعبير عن الاحتياجات التنموية للمواطنيين والمناطق، دع عنك تلبيتها. إلا أن جوانب النقص هذه يمكن التغلب عليها بتوسيع دائرة الممارسة الديمقراطية وتنفيذ مشاريع التنمية التي تفضي إلى التغيير التدريجي في البنى والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الاقتصادية في الريف وبالتالي فتح أبواب المشاركة الشعبية الواسعة في إدارة الشؤون المحلية.

تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً في مستوياتها الثلاثة بإنتهاجها أسلوب الإرضاءات والاستجابة للضغوط بديلاً عن الديمقراطية فأفرزت العديد من النزعات التي تعوق عملية التنمية وتهدد وحدة الوطن. غياب الممارسة الديمقراطية الذي صاحب التجربة غذى النعرات الإقليمية والجهوية وقنن الانكفاء الذاتي داخلها، مما يتعارض أصلاً والأهداف التي يرمي إليها الحكم الفيدرالي. في ظل توفر الديمقراطية يتعلم المواطنون من خلال تجربتهم كيف يختارون الأفضل والأحسن من بين أبنائهم ولا يمكن لهذا الاختيار الأفضل والأحسن أن يظهر إلا بوجود الحريات والأحزاب والنظام البرلماني الذي تهييء المناخ المناسب لحركتهم كما يوفر لهم ظروف أفضل لتطوير وعيهم السياسي ولانجاح التجارب التي يتبنونها. كما أن تشكيل الأحزاب التي عادة ما تكون على أساس قومي يقلل النعرات الجهوية والاقليمية ويربط الولايات بالمركز. مثل هذه الافرازات السلبية لا شك في أنها تفضي إلى زيادة التوتر الاجتماعي وتهدد الاستقرار السياسي علماً بأن هذا الاستقرار يعتبر أحد الشروط الضرورية التي يجب توفرها لكي تتمكن عملية التنمية من تحقيق أهدافها.

على الصعيد الاقتصادي تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً، بأن تطبيقها تم في ظروف اتساع نطاق الحرب الأهلية في جنوب السودان، جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان وأخيراً دارفور. وتصاعد الانفاق العسكري والأمني مما جعله منافساً خطيراً للتنمية، بالإضافة إلى الآثار السالبة العديدة التي تفرزها الحرب وتقلل من فرص التنمية، وتدمر كل الجهود التنموية السابقة.

العامل الثاني هو تبني الدولة لسياسات التحرير الاقتصادي والتي بموجبها تخلت الدولة عن الكثير من وظائفها في دائرة الإنتاج المباشر للسلع والخدمات. ونقل المركز العديد من وظائفه (تعليم الأساس، الصحة، مياه الشرب...الخ) للولايات. لقد تسبب إضعاف دور الدولة التنموي في كل المستويات (الاتحادي، الولائي، المحلي) في حرمان عملية التنمية من جهودها في هذا المجال، دون أن يكون رأس المال المحلي الخاص مؤهلاً للاضطلاع بهذه المهمة.

العامل الثالث يكمن في التوسع الهائل في أجهزة الحكم الفيدرالي هذا التوسع الذي أصبح هدفاً في حد ذاته (عدد الولايات، المحافظات، المحليات) وما ترتب عليه من زيادة ضخمة في الانفاق الجاري على أجهزة الحكم هذه. مما جعله منافساً إلى جانب الانفاق العسكري للانفاق على التنمية والحاق الضرر بها.

الجدول رقم (2)
نسبة الانفاق على التنمية (الانفاق على الفصلين الثالث والرابع)

من الانفاق الكلي في الولايات الشمالية للعام 2003

.
الولاية/الانفاق
.
الفعلي الكلي (مليون دينار)
.
على الفصلين الثالث والرابع (مليون دينار)
.
نسبة الانفاق على التنمية إلى الانفاق الفعلي الكلي(%)
.
الشمالية
.
4771
.
191
.
4
. . . . . . .
الخرطوم
.
61921
.
28728
.
46,3
. . . . . . .
النيل الأزرق
.
3301
.
345
.
10,4
. . . . . . .
كسلا
.
5470
.
852,2
.
15,5
. . . . . . .
نهر النيل
.
7303
.
1237
.
16,9
. . . . . . .
البحر الأحمر
.
6481
.
1161
.
17,9
. . . . . . .
سنار
.
4469
.
411
.
9,1
. . . . . . .