بناء السلام من خلال التعاونيات

 

محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي

يعتبر الاستاذ محمد الفاتح عبد الوهاب محمد علي العتيبي واحداً من الخبراء و المتخصصين القلائل في مجال التعاون و التنمية الريفية في السودان. عمل الاستاذ محمد الفاتح محاضراً متعاوناً في عدد من المؤسسات التعليمية و التدريبية ، منها كلية الزراعة بجامعة الجزيرة و المركز القومي لتدريب التعاونيين بالخرطوم. عمل مستشاراً للاتحاد التعاوني الحرفي بولاية الخرطوم، و مسئولاً اعلامياً لمشروع برنامج المكافحة المتكاملة و كذلك برنامج الارشاد الغابي بمشروع الجزيرة. تعاون الاستاذ محمد الفاتح العتيبي ككاتب عمود مع عدد من الصحف السودانية المتميزة مثل جريدة الايام اليومية ، الراي العام، ، صحيفة ايلاف  ، و صحيفة الوسط الاقتصادي. كما و انه عمل مساعداً لرئيس تحرير جريدة الجزيرة الشهيرة بمشروع الجزيرة. جمع الاستاذ محمد الفاتح بين الخبرة العملية و الخبرة في مجال الكتاية الاقتصادية.


مدخل

على الرغم من أن التراث السوداني بعاداته وتقاليده و أعرافه العريقة السمحة يجسد في بقاع السودان المختلفة صورة حية و ناصعة لصور التعاون والعون المتبادل، والمساعدة الذاتية و الاعتماد على النفس، بصورة حققت الكثير من الفوائد والأهداف الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والمجتمع، إلا أن التعاون في شكله الحديث (نظام اقتصادي واجتماعي يضم عدداً من الوحدات الاقتصادية المرتبطة يبعضها البعض والقائمة على أساس مبادرات شعبية طوعية وفقاً للأسس الديمقراطية)، فشل إلى حد كبير في تحقيق أهدافه المعلنة. وصاحب ذلك الفشل الكثير من المشاكل المتراكمة منذ العهد الاستعماري وفي ظل الحكومات الوطنية المتعاقبة لنواجه اليوم بأزمة تعاونية مستفحلة تحتاج لتضافر جهود التعاونيين والدولة على السواء لمواجهتها والخروج منها. أهم أسباب هذه الأزمة طمس "الهوية التعاونية"، لقصور وتراجع دور الحكومة في علاقتها بالحركة التعاونية علي مر العهود، ففي العهد المايوي كان واضحاً وجلياً إن اهتمامها بالتعاون لم يكن من أجل نهضة و تطور الحركة التعاونية باعتبارها نظام شعبي، ديمقراطي حر، حيث قامت الحكومة بإلغاء قانون التعاون لعام 1973م الذي تميز بكثير من المزايا والافضليات واستبدلته بقانون 1982المجحف. في رأينا هذا التراجع يمثل نقطة البداية لانهيار الحركة التعاونية السودانية والذي ساهمت فيه حكومة الانتفاضة و حكومة الديمقراطية الثالثة، حتى أنقضت "الإنقاذ" بشراسة على البقية الباقية محاولة اغتيال الحركة التعاونية وإضعاف هويتها مع سبق الإصرار والترصد.

هذه الورقة محاولة في إطار"وأزمة الهوية السودانية" لتسليط الضوء علي الآثار السالبة والمدمرة لتدخل الدولة السافر في أخص وأعمق شئون العمل التعاوني وهويته، بقرارات سياسية متعارضة ومتضاربة مع الرأي الفني والعلمي، مما كان له سود العواقب علي الحركة التعاونية السودانية. وكان هذا التدخل السافر سمة ملازمة لكل الحكومات السودانية علي تفاوت فيما بينها، وكان أشد سفورا وشراسة وضراوة في عهد "الإنقاذ"، في محاولة بائسة ويائسة لاغتيال الحركة التعاونية السودانية معنويا وماديا باستهداف هويتها ومقوماتها ومكتسباتها، وذلك بإضعافها وتفتيتها وبالسطو علي مكتسباتها وتحويل مهامها الي منظماتها الإنقاذية، وتشريد الكفاءات الديوانية والشعبية، وتسليم دفة الأمور إلي غير أهلها من خلال لجان التسيير المعينة في مخالفة واضحة وسافرة لكل الأعراف والمواثيق والأسس والمبادئ التعاونية المعروفة والمعمول بها عالميا. كان من المؤمل أن يكون البنيان التعاوني حلقة هرمية تتمدد عضويته في سلسلة متصلة، تشكل صورة مكتملة للحركة التعاونية السودانية تهدف لتوفير الاحتياجات للقاعدة مثل المعدات التكنولوجية والبذور المحسنة والأسمدة، السلع، الخ ولكن ذلك لم يحدث إلا علي الورق فقط. ولم تستطع القيادة التعاونية الشعبية في قمة هرم البنيان التعاوني من رعاية التعاونيات وبخاصة التعاونيات الإنتاجية الزراعية والحرفية والنسوية، وهذا الإخفاق البين في الأداء يرجع بصورة أساسية لتسلط الحكومة وتوهان "الهوية التعاونية"، إلي جانب ضعف الكفاءات القيادية التعاونية الشعبية، خاصة بعد عام 1990،حيث تربعت جل هذه القيادات علي دفة العمل التعاوني بدون الانتخابات التعاونية والديمقراطية المعروفة، تنفيذا لقرار المجلس العسكري لحكومة الإنقاذ رقم 34 بتكوين (لجان التسيير) حيث لا تزال معظم هذه القيادات في مكانها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.

إن السلام حاجة الإنسانية اليوم والنظام التعاوني بمبادئه وأسسه يقوم علي السلام ويدعو له، ومدار "الهوية التعاونية" تحقيق السلام بالتركيز في العمل الاقتصادي علي تقديم الخدمة وليس تحقيق الأرباح، كما أن النظام التعاوني يعتمد علي الأسلوب الديمقراطي "لكل عضو صوت واحد مهما كان رأس المال". الإنسان مادة التعاون الأساسية ووسيلته وما لم يتوفر الإنسان الذي يمتلك الدوافع الأصلية لخدمة المجتمع فالمعوقات لابد أن تنشأ. أن للبيئة الاجتماعية والتكوين القبلي والديني أثر كبير في تحديد مستقبل التجربة التعاونية في المكان المعين، فالتعاون حركة وسط الناس غايتها الإنسان وهي تتأثر سلباً وإيجاباً بما يكتنف المجتمع من ظواهر وانقسامات وقيم وصراعات وحروب وأزمات مما يؤثر علي "الهوية التعاونية" و الكيان التعاوني ككل. ولذلك علينا أن لا ننظر للتجربة التعاونية في الشمال أن تكون نفسها في الجنوب أو الشرق أو الغرب بل ننظر لكل منطقة على أنها تجربة ثرية تختلف وتزيد من رصيدنا في التجارب والخبرة. ولذلك ليس من المصلحة تجاهل التعاون بقطاعاته وقياداته وإرثه العميق في المجتمع السوداني ودوره المؤكد في تنميته وتطوره.


ثقافة الاختلاف

تبدو غياب ثقافة الاختلاف (في عمومه) ظاهرة (1) مسيطرة على المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي والعربي، وهي ظاهرة تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف جوانب الحياة في مجتمعاتنا النامية والمثقلة أصلاً بأعباء اقتصادية هائلة وهموم تنموية كبيرة. من هنا تكمن أهمية مقاربة هذه الظاهرة المؤسِسة دون أدنى شك لاستشراء هذه المعضلات وتفاقمها ففي مجتمعات أحادية القطب محكومة بآليات تفكير مستبدة (حكيمة وكلية المعرفة بالضرورة !!)، سيبدو من الصعوبة بمكان الإشارة إلى مكامن الخلل ومواضع الوهن المُستشرية هنا وهناك، وسيكون للرأي الأخر ولا أقول بصوابه الحتمي بالضرورة موقع الدونية والإهمال إن لم يصل الأمر حد التخوين (سياسياً) والزندقة والتكفير (دينياً) والشذوذ (اجتماعياً) وضعف الوعي والضحالة (علمياً ومعرفياً) والجهل والقصور (ثقافياً). وهي بالمناسبة المصطلحات (التُهم) المعلبة والجاهزة دوماً، لكل من تسول له نفسه بالخروج عن القطيع المُلهَم والتحليق بعيداً عن السرب المُظَفر, ولكل من يجرؤ على تحدي السائد والقول بما يناقض الصحيح واليقيني بحكم شموله وطغيانه، ولكل ذلك انعكاساته الخطيرة علي موضوع الهوية. والمثير للدهشة، والفزع في آنٍ واحد، أن استشراء ثقافة غياب الرأي الآخر وتغييب الاختلاف يكتسب بعداً عامودياً في مجتمعاتنا، ولا يكتفي ببعده الأفقي الظاهر، حيث تولد صفات: الأحادية البطر كية كلية القدرة والمعرفة المُهيمنة على المؤسسات السياسية والدينية والثقافية الحاكمة لمجتمعاتنا نظيراتها على مستوى البني المتعددة داخل المجتمع، تدرجاً حتى الوصول إلى العلاقات الأسرية. والنتيجة مزيداً من حالات الاستلاب لهيمنة الرأي الأوحد والتعود على قبول لا بل والتماهي مع السائد دون أية مقاربات نقدية، والذهاب بعيداً في التعصب والتشبث المرضي والعنيف بما أملك في مواجهة رأي الآخر. فتتولد ظاهرة أخرى غاية في الخطورة تجب التوقف عندها طويلاً وهي غياب آليات الحوار الموضوعي ومفردات النقاش المنفتح، مثل ما يظهر في نقاشات الساسة وسجالات العديد من المفكرين والمثقفين حتى على المنابر الإعلامية (يكفي تذكر بعض البرامج الحوارية التلفزيونية التي تقوم على المواجهات الشرسة لمُتعصبي الفكر ورافضي الآخر). وهو إرهاص خطير لحجم الفقر الذي نعانيه لمفردات الحرية والتعدد، والحاجة الماسة لتبني ثقافة المُشاركة وقبول الآخر، التي لا تعني بأي حال من الأحوال (كما يحلو للبعض أن يصور الأمر) ضعفاً أو ثقةً منقوصة أو علاقة تبعية وارتهان بالآخر. ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذه الظاهرة عن المشكلة الأم : الغياب شبه التام لممارسة الحرية بأشكالها المختلفة وتجلياتها العديدة. ولعل أبرز هذه الممارسات وأكثرها التصاقاً بالمفهوم الإنساني والفلسفي للحرية هي حرية الرأي والتعبير عن الذات. فممارسة حرية الرأي ما هو إلا تحقق لفعل الحرية بأشكاله الأرقى إنسانياً، وما هو في حقيقة الأمر إلا تحول فلسفة الحرية إلى فلسفة فعل، ومعنى هذا أن فلسفة الحرية ليست فلسفة ركود بل هي فلسفة فعل وفعل الحرية يبدأ بالتعبير عن الذات وعن القناعات والمعتقدات والتخلص من أي حواجز وعوائق تمنع هذا التعبير دون وجه حق. والأمر الجدير بالملاحظة في مقاربة الغياب القسري لثقافة الاختلاف والحوار، هو الحضور القانوني والدستوري لكل ما يشرع ويحض على نفي هذا الغياب، لا بل على العكس تعزيز حضور حرية الاختلاف بالرأي وحمايتها ؟ وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يعد بقادرٍ على إدهاشنا بسبب من الفجوات الكبيرة والمتزايدة بين ما تنص عليه الدساتير في مجتمعاتنا العربية وبين الممارسة الحياتية اليومية.


الوضع الراهن

رغم إننا نعيش قرناً من الحداثة (2) والتمدن والرفاهية وبخصائصه الإيجابية، ‘إلا أننا عندما نحلل هذا القرن وما سيتمخض منه من قضايا تشغل الإنسانية بأجمعها ويصبح كابوساً يخنق أنفاسها يوماً بعد يوم فرؤية هذه الحقائق بجميع جوانبها توصلنا إلى تحليل صحيح ونتيجة إيجابية لمعرفة أنسب الطرق لحل كافة هذه القضايا. إن إحدى مبادئ الديمقراطية العصرية وخصائصها الهامة هي "المواطنة"، فالمواطنة تلغي كل تمييز بين الأجناس والأقوام، فالناس يولدون متساوون في الحقوق الإنسانية والتي تتمثل اليوم في حقوق الأجيال الثلاثة وكذلك هم متساوون أمام القانون وليس من فارق سوى في الأعمال ودرجة الإبداع والمشاركة في تسيير عجلة الحياة. إن الحضارة الأوروبية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لتطبيق جميع مبادئ الديمقراطية والمواطنة رغم التقدم الكبير في هذا المجال مقارنة بالدول المتخلفة ، ويرجع ذلك بصورة أساسية الي تفريط الغرب في الجانب الروحي والإفراط في الجانب المادي فتقدمت "رجل المادة" وتخلف "رجل الروح" مما جعل المجتمع الغربي يسير بخطي مختلة رغم التقدم الذي يبدو عليه ، ولذلك من الخطورة بمكان اعتبار النموذج الأوروبي حلا لجميع مشاكلنا وقضاينا الراهنة. إن المشاكل الراهنة (3) لأي بلد من البلاد هي ، في حقيقتها ، صورة لمشاكل الجنس البشري برمته ، وهي ، في أسها ، مشكلة السلام علي هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، ولذلك فقد وجب ان يتجه كل بلد إلي حل مشاكله علي نحو يسير في نفس الاتجاه الذي بمواصلته تحقق الإنسانية الحكومة العالمية ، التي توحد إدارة كوكبنا هذا وتقيم علائق الأمم فيه علي القانون ، بدل الدبلوماسية ، والمعاهدات ، فتحل فيه بذلك النظام والسلام. المسألة الأساسية التي يجب أن يعالجها دستور أي أمة من الأمم هي حل التعارض البادي بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة ، فان حاجة الفرد الحقيقية هي الحرية الفردية المطلقة ، وحاجة الجماعة هي العدالة الاجتماعية الشاملة: فالفرد – كل فرد- هو غاية في ذاته ولا يصح أن يتخذ وسيلة لأي غاية سواه ، والجماعة هي أبلغ وسيلة إلي إنجاب الفرد الحر حرية فردية مطلقة ، فوجب أذن أن ننظمها علي أسس من الحرية والاسماح تجعل ذلك ممكنا.

إننا نعتبر الدستور في جملته عبارة عن المثل الأعلى للأمة، موضوعا في صياغة قانونية، تحاول تلك الأمة أن تحققه في واقعها بجهازها الحكومي، بالتطوير الواعي من إمكانياتها الراهنة، علي خطوط عملية يقوم برسمها التشريع والتعليم، وبتنفيذها الإدارة والقضاء والرأي العام. فليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن علي حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد علي حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها ليحقق الدستور كل الأغراض المرجوة منه، فانا نتخذه من(القرآن) وحده: لا سيما وأن (القرآن) لكونه في آن معا، دستورا للفرد ودستورا للجماعة قد تفرد بالمقدرة الفائقة علي تنسيق حاجة الفرد إلي الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلي العدالة الاجتماعية الشاملة، تنسيقا يطوع الوسيلة لتؤدي الغاية منها أكمل أداء. أي أن المهمة الأساسية للدستور إتاحة الفرصة الكاملة لممارسة الحقوق الأساسية لأي مواطن سوداني. والحقوق الأساسية(4) هي حق الحياة وحق الحرية وما يتفرع عليهما: ويتفرع على حق الحياة الحقوق الاقتصادية ويتفرع على حق الحرية حرية العقيدة وحرية الرأي ويتفرع على هذه الفروع فروع كثيرة غرضها كرامة حياة بني آدم.. ينصص عليها الدستور ويستوعبها القانون. أن حرية الرأي واحترام الاختلاف (5) لا تتحقق إلا بتحقق حريات أُخرى منضوية تحتها، حرية التعبير التي تسمح لكل مواطن أن يعبر بحرية عن أفكاره وبالشكل الذي يراه مناسباً لذلك (مقال، كتاب، فيلم..) وتتضمن بالتالي حرية الصحافة وأيضاً كافة الاتصالات السمعية البصرية. حرية الاجتماع التي تسمح لجماعة ما من الأشخاص بالاجتماع لكي يتبادلوا الآراء أو لكي يدافعوا عن قضية ما. حرية التظاهر التي تسمح لأشخاص مدافعين عن قضية أو رأي بالتعبير عن موقفهم في الأماكن العامة. وبتعزيز هذه المفاهيم عبر تفعيل جدي للقوانين والمواد الدستورية، سنكون قد قطعنا خطوة عملاقة باتجاه تحقيق مفاهيم احترام الاختلاف وقبول الرأي الآخر، بالطبع مع التوازي في عملية هدم آليات التفكير الاستبدادية وأشكال الاستئثار بالرأي في كافة المؤسسات الثقافية منها والاقتصادية وحتى الدينية، ولهذا أثره علي "الهوية" وتماسكها. هناك بعض المثقفين من (6) المواطنين يشعر بالخطر من قيام دستور إسلامي مزيف، وقد جعلهم الخوف من هذا الخطر يدعون الى الدستور العلماني وهذا عندنا خطأ من جهتين: أولاهما أن الدستور العلماني ناقص في حد ذاته، وأنه، بالغ ما بلغ من الكمال، لن يأتي الى كفاية الدستور الإسلامي الصحيح، وثانيهما أن الدعوة الى الدستور العلماني تترك الميدان الإسلامي خاليا من الدعوة الواعية الرشيدة ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية، فكأن من يرون هذا الرأي من قطاعات الشعب قد اختارت أن تترك الشعب نهبا للتضليل المنظم وفي هذا خيانة للشعب وهروب من الميدان.الدستور الإسلامي لا يلتمس في الشريعة الإسلامية وإنما يلتمس في القران، على أن يفهم القرآن فهما جديدا، ببعث آياته التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم، وينسخ آياته التي كانت ناسخة وكانت صاحبة الوقت في القرن السابع، وعليها قامت الشريعة فإنه بغير ذلك لا نصل إلى الحقوق الأساسية، ولا دستور بغير الحقوق الأساسية. ذلك أن آيات الحقوق الأساسية منسوخة بآيات الإكراه وآيات الوصاية.. فإذا انبعثت الآيات المنسوخة فقد ارتفعنا بالإسلام من مستوى العقيدة الى مستوى الإيقان، وفي هذا المستوى الناس لا يتفاضلون بالعقيدة، وإنما يتفاضلون بالعقل والخلق، فلا يسأل الإنسان عن عقيدته وإنما يسأل عن صفاء الفكر وإحسان العمل. ومن هنا لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه ولا بسبب عدم دينه.. وهذا الدستور لا يسمى إسلاميا لأنه يسعى لإقامة حكومة دينية وإنما يسعى لإقامة حكومة إنسانية ويستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ولكن مصدره القرآن.. وهو إنما مصدره القرآن لأن القرآن موظف لجلاء الفطرة البشرية من حيث هي بشرية.. جلائها من أدران الأوهام التي غطت عليها وشوهت نقاءها، وبذلك تبرز"الهوية الإنسانية". "هذا، وهناك حق، كثيرا ما أريد به باطل،(7) وهو أن الشعب البدائي يحتاج إلي تربية قبل أن يستحق ممارسة السيادة، وهذا تسويغ للحكم المطلق، ووجه الحق أن الشعوب تحتاج إلي تربية، بيد أن الحكم المطلق لا يربيها تربية الأحرار، وإنما يربيها تربية العبيد، وهو بذلك لا يعدها للديمقراطية، وإنما يعدها للاذعان والانقياد، ونحب أن ننبه إلي الخطر الماحق المترتب علي هذا الاتجاه، ونحب أيضا أن نؤكد أنه ليس هناك طريق لتربية أي شعب تربية حرة إلا بوضعه أمام مشاكله، ومحاولة أعانته علي تفهمها، والتفطن إلي طرائق حلها بنفسه، حتى يطرد تقدمه إلي تحقيق الديمقراطية المباشرة." لذلك فإن حسّ " الهوية " في الإسلام هو حسّ الوجود المتميّز، حسّ العدالة العميق، المتجذّر في النفس البشرية التي تأبى الظلم وتقاومه. إن حسّ العدالة هذا هو جوهر الدين الإسلامي، والقصد الأساسي في الإسلام هو مبدأ العدالة الناتج من قيمة الإنسان نفسه، فالإنسان ليس فردا فقط، فكل فرد يمثل الإنسانية كلها.وهذا ما تقوله الآية الكريمة(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

هذا من ناحية الدستور الذي بدون وجوده وفاعليته لايمكن الخروج من أزماتنا الراهنة ومعضلاتنا المستعصية ومنها موضوع هذه الورقة المتعلق بالتعاونيات والسلام والهوية، فالدستور العادل الأساس لوجود هوية سودانية جامعة. وترتبط الهوية القومية لأي شعب (8) بسياسته تجاه الآخرين، فتفرز تبعاً لذلك مفاهيم نسبية مثل "أقلية عرقية"، أصولية الخ، وعلى ما يبدو أن الشعوب عامةً، ومنذ بداية تكوينها "كشعوب" تسعى إلى ترسيخ وتعميق هذه الهوية التي تملكها باعتبارها المميز الأساسي لهذا الشعب أو ذاك عن غيره من الشعوب، حيث تخلق هذه الهوية، أياً كانت طبيعتها، مجموعة من القيم التي تصبغ كل فرد من أفراد هذا الشعب بسمة معنية قد يزداد التمسك بها أو ينقص تبعاً لمستوى انتماء هذا الفرد. ولكن الإشكالية الحقيقية تبدأ في اللحظة التي تتم فيها محاولة خلق هذه الهوية، أو بمعنى آخر محاولة دمج مجموعة من الهويات القادمة من ثقافات متفرقة ومتباعدة وتحويلها إلى هوية واحدة، ففي رحلة البحث عن هذه الهوية الواحدة تحدث عدة إشكاليات تؤدي في النهاية، فيما لو نجحت، إلى خلق كيان قوي معافى ومتماسك، وإذا فشلت فإنها تنتج كائن مسخ، ذي هوية غير واضحة، لأن الهوية تخلق على امتداد زمني يقيم ويُسقِط، يتجدد ويثبت حتى يصل إلى تعريف واضح ومحدد لهويته الثقافية والقومية. أن مسالة الانتماء إلى هوية أخذت أبعادا جديدة دفعت في بعض الأحيان اللجوء للعنف الدامي، كما حدث في يوغسلافيا، كوسوفو، منطقة القوقاز، منطقة البحيرات بأفريقيا وغيرها من مناطق أخرى،وأن هذه النزاعات قد قامت حول "الهوية" وتأكيدها والاستماتة من أجل إبْـقائها أو إبرازها ماثلة ومؤثرة، وتجد قوتها القاتلة على أساس افتراض أن هوية ثقافية ـ مزعومة ـ تتناظر بالضرورة مع هوية سياسية، ولكن مزعومة هي أيضا في الواقع. هذا الحديث يجد سند في الواقع السوداني المتفتت والمتناحر والمتصارع في آن معا وخاصة في ما يتعلق بالصراع المأساوي في دارفور المكلومة، وما ذالك إلا لغياب الدستور الأساسي الذي يحكم السودانيين علي أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، وكان هذا دافعا وباعثا لحرب الهوية في بلادنا والتي أثرت علي كل مناحي الحياة السودانية ومنها التعاونيات، فقعدت عن أداء دورها في التنمية والنماء وبناء السلام.

مسألة الهوية اليوم

اكتسح مفهوم الهوية في بحر بضعة عقود مجمل العلوم الإنسانية (9) فقد فرض هذا المفهوم نفسه حتى غدا بمثابة كلمة سحرية، وذلك في تحليل حقائق جد متنوعة مثل علم نفس الأفراد، وتحولات الأديان، والعلاقات بين النساء والرجال، وموضوعات المهن، والحياة الأسرية، والهجرة، والصراعات العرقية. وطُرح سؤال الهوية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر(10)، ولا يزال وسيبقى يُطرح بصيغتين متباينتين يجوز التعبير عنهما مجازيا "بالصوت والصدى "، " أو الفعل ورد ّالفعل " إحدى هاتين الصيغتين كانت محور الخطاب النهضوي العقلاني المتجه إلى المستقبل، والمحفّز على التحرّك، الخطاب الفعّال المساهم في صناعة التاريخ من موقع قوة، والصيغة الثانية كانت ولا تزال محور الفكر المهزوم والانهزامي..فكر يستند إلى التسويغ والتبرير والفرار إلى الماضي والاحتماء بمحطاته المضيئة والتغنّي بأمجاده والدفاع الوهمي عن الذات. وتثار مسألة الهوية اليوم،(11) باعتبارها موضوع اللحظة الحضارية الراهنة، و موضوع القرن الواحد و العشرين بلا منازع، وهكذا يمكن أن نقرأ ملامح البحث عن الهوية والعودة إليها في العديد من مظاهر التوتر المنتشرة هنا وهناك؛ فالحملات في بلدان أوربا ضد الأجانب واللاجئين الوافدين تتم في مجمل صورها في إطار صراع الهوية. ومن الأمثلة أيضا العدوان الذي تمارسه "إسرائيل" علي الشعب الفلسطيني، وحركة الجمهوريات الإسلامية للتحرر من السيطرة السوفيتية سابقا كانت حركة في اتجاه البحث عن استرداد الهوية الإسلامية التي تم قمعها طويلا. وصمود البوسنة ضد الإبادة الصربية كان صمودا للهوية أيضا ونفس الشيء يقال عن كل الأقليات في التخلص من خطر الذوبان والتلاشي ولازالت معظم الصراعات التي تدور في إفريقيا تستند إلى جذور أثنية عرقية. ولا زال سؤال الهوية الذي لعب دورا حاسما في إنهاء معسكر الاتحاد السوفيتي يمارس الفعل نفسه في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتمل كثير من الصراعات والأحقاد العرقية والإثنية التي لا تأمن معها الدولة العظمى الانتهاء إلى مصير التفكك نفسه، بصيغة أو بأخرى. ان العديد من الشروط والحيثيات الحضارية والتاريخية تتحكم في سيرورة موضوع الهوية و تحولاته عند المجتمعات البشرية، وهي التي تفسر امتداده، ذلك أنـه قد يكون بالفـعل "بمثابة رد فعل سياسي اختياري من قبل المجموعة البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، حينما تشعر أنها مهددة بالانقراض و التبعية" كما يقول.Anarrdaw.P.Guruge فهذا الشعور بالقلق على الهوية يزداد حدة كلما لامست المجموعة مظاهر الاختـراق الخارجي لأنساقها القيمية ومعايرها المتميزة وهذا هو الذي يبرر لماذا "كانت المطالبة بالهوية في العصر الراهن أكثر حدة قوميا أو محليا، أو حين الهجرة الجماعية، وأيضــا حينما تبتنى قيم وخصائص ثقافية أجنبية من قبل فئة داخل الجماعة نفسها". بهذا المعنى يكون بحث التكتلات البشرية في حالات الأزمة عن هويتها، نوعا من العودة إلى الذات سعيا للانفلات من خطر الانقراض أمام التحديات الخارجية التي قد تهزها بعنف. جميع هذه العوامل، وغيرها تجعل موضوع الهوية بتعبيرC.L.Strauss "ينفتح على العديد من المنعطفات، باعتباره يهم بشكل إجرائي كل الأنساق والأنظمة وكل المجتمعات التي يشتغل عليها الأنتربولوجيون خاصة" ولهذا فإن موضوع الهوية سيكون معضلة القرن الكبرى.

إن الإشكالية المعاصرة لمفهوم الهوية(12) لا تعود في أصلها إلى التراث الميتافيزيقي فبعد عشرين قرناً، تحددت المسألة، وبدأت تقترب بما يشغل العلوم الإنسانية والاجتماعية حالياً، وذلك بفضل الطريقة التي طرح بها الفلاسفة الإمبريقيون،وعلى رأسهم دافيد هيوم وجون لوك"مشكلة الهوية الشخصية" كيف يمكن التفكير في وحدة الأنا في الزمان؟ هل أنا الشخص نفسه الذي كنته قبل عشرين سنة؟ لوك اقترح حل إشكال الهوية الشخصية بفكرة الذاكرة: إذا كنت الشخص ذاته الذي كان قبل عشرين سنة، فلأنني أذكر مختلف المراحل التي مر بها وعيي أو شعوري. إن الإشكال وحله قضيتان عصيبتان، تظلان محصورتين في إطار الفلسفة،وتبقى الهوية الشخصية مسألة تقنية دقيقة من اختصاص الفلاسفة أما بالنسبة للرأي العادي لعموم الناس، فالجواب نعم، فأنا هو نفسه من كان قبل سنتين، فهذا أمر بديهي.


تعريف الهوية

"الهوية" (13) مصطلح جديد في الحياة السياسية والثقافية، ففي العديد من البلدان العربية يطلقون كلمة هوية للبطاقة التعريفية ويمكن تبسيط المعنى بأنهم يقصدون معلومات تميز شخصيتك وهي بهذا الفهم ـ أي الهوية ـ هي منظومة العناصر المكونة لشعب من الشعوب أو مجموعة سكانية وهذه العناصر تتضمن الحضاري والاجتماعي والثقافي، ويمكن إن يكون الشعب المعني محدداً بحيز جغرافي واجتماعي وتربطه قواسم مشتركة." ويؤكد مصطفى المسعودي (14) ان " الهوية " في اللغة العربية مصدر صناعي، يتكون من ضمير الغائب المفرد ' هو ' المعرف ب 'ال' ومن اللاحقة المتمثلة في الياء المشددة إلى جانب ثاء التأنيث. ويذهب معظم الباحثين إلى أن اسم " الهوية " ليس عربيا وإنما كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من ال " هو " أي حرف الرباط.. الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو حرف " هو " في قولهم: زيد هو حيوان أو إنسان "، ولينقلوا، بالتالي، بواسطتها، و كما يقول الفارابي، "المعنى الذي تؤديه كلمة ' هست ' بالفارسية وكلمة 'استين' باليونانية، أي فعل الكينونة في اللغات الهندو- أوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة 'الموجود ' مكان ال ' هو' و 'الوجود' مكان 'الهوية ' ". إن غياب مفهوم الهوية بهذا المعنى الفلسفي تعضده المعاجم العربية القديمة ففي " لسان العرب " مثلا لا نقف على تخريجا للكلمة يؤرخ لامتداده في الذاكرة العربية القديمة. وبالمقابل نجد ذكر المفهوم عند فلاسفة العرب والمسلمين القدامى من أمثال ابن رشد في " تفسير ما بعد الطبيعة " وابن سينا والفارابي، والجرجاني الذي عرفها ب"الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق". وتلتقي تعريفات الفلاسفة المسلمين مع ما نجده عند فلاسفة اليونان القدامى خاصة أرسطو الذي يعرف الهوية باعتبارها: "وحدة الكائن، أو هي وحدة لتعدد الكائنات، أي وحدة الكائن الواحد المنظور إليه باعتباره متعددا؛ إذ حينما نقول – على سبيل المثال – إن الشيء الواحد متطابق في ذاته، إنما ننظر إليه في نفس الآن كما لو كان شيئين". و في نفس المنحنى يذهب كثير من فلاسفة ' الأنوار ' بأوربا حيث نجد عند ' فولتير ' التحديد التالي لمفهوم " الهوية ": "هذا المصطلح العلمي لا يعني سوى الشيء نفسه، ويمكن ترجمته إلى اللغة الفرنسية بمعنى التساوي". ولا يخرج " هيجل " وغيره من فلاسفة الغرب عن هذا الجذر التعريفي المؤسس لمفهوم " الهوية " والذي نقلت المعاجم و الموسوعات الفلسفية المعاصرة صياغته بنفس المعنى؛ حيث دأبت على اعتبار "الهوية" هي " مقولة تعبر عن تساوي و تماثل موضوع أو ظاهرة ما مع ذاته، أو تساوي موضوعات عديدة. في الثلاثينات قام (15) عالم النفس إ. إريكسون صاحب مفهوم الهوية بدور مركزي في انتشار استخدام هذه الكلمة وتوسع شعبيتها في العلوم الإنسانية من خلال عمله في المحميات الهندية لقبائل السيو بداكوتا الجنوبية وفي قبيلة يوروك بكاليفورنيا الشمالية، ودرس "الاجتثاث الثقافي" لهؤلاء الهنود المعرضين لموجة الحداثة. ثم نشر في سنة 1950 كتاب "طفولة ومجتمع"، حاول فيه تجاوز نظرية فرويد بالتأكيد أكثر على دور التفاعلات الاجتماعية في بناء الشخصية. فاعتبر أن الهوية الشخصية تتطور طوال وجودها عبر ثمانية مراحل تقابلها ثمانية أعمار في دورة الحياة، و "أزمة الهوية" (هذا التعبير الذي نقرؤه اليوم في كل مكان،هو من صياغة إريكسون) تتطابق مع تحول يقع في مسيرة تطور الهوية. ويكاد الجميع يتفق على أن إريكسون هو أب كلمة "الهوية" بالمعنى المعاصر. ولم يحتل مفهوم الهوية أهمية حاسمة في معجم علم الاجتماع إلا بواسطة "التفاعلية الرمزية"؛ فهذه المدرسة تبحث بالضبط في الطريقة التي تشكل عبرها التفاعلات الاجتماعية -وبناء على أنساق رمزية مشتركة- وعي الفرد بنفسه، وهذا بحث في صميم إشكالية الهوية. وبالرغم من ذلك لم يستعمل التفاعليون في البداية هذا اللفظ. ولهذا تفسير قريب، ذلك أن الآباء المؤسسين لمنهج المدرسة -شارل كولي وجورج ميد- تكلما عن "الذات" Soi، وهو المصطلح الذي راج بين التفاعليين في الستينات. ثم إن التفاعلية الرمزية انتقلت من استعمال اصطلاح الذات إلى استخدام اصطلاح الهوية بدءاً من سنة 1963، وذلك حين نشر إيرفين جوفمان -أحد رؤوس هذه المدرسة-: "آثار الجراح: ملاحظات على أسلوب التعاطي مع هوية مدمرة" وفي السنة ذاتها شهر بيتر برجر مفهوم الهوية وساهم في انتشار استعماله، بكتابه: "دعوة إلى دراسة علم الاجتماع"، وذلك حين خصّص له حيّزاً هاماً في تقديمه لنظريات الأدوار والجماعة المرجعية، وكذا من خلال المقاربة الظاهراتية التي طورها في كتابه هذا.

إن فهمنا للهوية ينبني (16) على تراثنا الحضاري، فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيار من النواحي كافة. ولفظ الهوية يطلق على معان ثلاثة: التشخص، والشخص نفسه، والوجود الخارجي. وجاء في كتاب (الكليات) لأبي البقاء الكفوي، أن ما به الشيء هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتاً، وباعتبار تشخصه يسمى هوية، وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية. وجاء في هذا الكتاب أيضاً أن الأمر المتعقل من حيث إنه مقول في جواب (ماهو) يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية. والهوية عند الجرجاني في (التعريفات) الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق. وتستعمل كلمــة (هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة identityالتي تعبرعن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله. وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: "حقيقة الشيء، أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميزه عن غيره، وتسمى أيضا وحدة الذات". ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة (هوية)، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز به الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات، ومن قيم ومقومات. أن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري، والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية، طابعاً تتميز به عن الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى. وتُعرف الهوية أيضا بمعنى " التفرّد " (17)، فالهوية الثقافية تعني التفرّد الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من عادات وأنماط سلوك وميل وقيم ونظرة إلى الكون والحياة. ويفسرها تركي الحمد في كتابه : "الثقافة العربية في عصر العولمة " ((الهوية طالما أنها مركب من عناصر فهي بالضرورة متغيرة في الوقت ذاته تتميز فيه بثبات معيّن، مثل الشخص الواحد يُولد ويشبّ ويشيخ وتتغيّر ملامحه وتصرّفاته وأحيانا ذوقه، لكنه يبقى في الخير هو نفس الشخص وليس شخصا آخر.)) د. أحمد بن نعمان يذهب في تعريفه للهوية يقول : ((إن مفهوم " الهوية " من ناحية الدلالة اللغوية هي كلمة مركبة من ضمير الغائب " هو " مضاف إليه ياء النسبة، لتدلَّ الكلمة على ماهية الشخص أو " الشيء " المعني كما هو في الواقع بخصائصه ومميزاته التي يُعرفُ بها. والهوية ـ الكلام لابن نعمان ـ بهذا المعنى هي اسم الكيان أو الوجود على حاله، أي وجود الشخص أو الشعب أو الأمة كما هي بناء على مقومات ومواصفات وخصائص معينة تمكن من معرفة صاحب الهوية بعينه، دون اشتباه مع أمثاله من الأشباه.)). وفي كتابه "تلخيص ما بعد الطبيعة" (18) يقول الفيلسوف الكبير ابن رشد "إن الهوية تقال بالترادف للمعني الذي يطلق علي اسم الموجود وهي مشتقة من "ال هو" كما تشتق الإنسانية من الإنسان"، وهو بهذا يعود بنا إلي مفهوم الهوية أو الذاتية في منطق أرسطو باعتبارها تماثل الشيء في ذاته. فألف هي ألف وليست لا ألف، ولذا نري في "التعريفات" للجرجاني "إن الهوية هي الأمر المتعقل من حيث امتيازه علي الأغيار"، والامتياز هنا بمعني الخصوصية والاختلاف , لا بمعني التفاضل. ولعل ابن خلدون إستصاع أن يبرز هذا المعني أكثر وضوحا في "المقدمة" بقوله "لكل شيء طبيعة تخصه". وعلي هذا فانتفاء خصوصية الشيء هو انتفاء لوجوده. من ذلك يتضح إن لمعني الهوية(19) أوجه عديدة الا أن جميعها تقوم علي أصل واحد هو الشعور بالانتماء إلي جماعة،فالإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يجد نفسه بل من المؤكد أنه لا يستطيع إن يحافظ علي حياته أو استمرارها أو استمرار نوعه بدون الانتماء إلي جماعة أي بدون ان تكون له هوية وهذا الوجه الاجتماعي لمعني للهوية ن إما الوجه القانوني فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية. وبذلك يمكن الحديث عن عدة هويات: الهوية القبلية، الهوية الدينية،الهوية العنصرية، الهوية الثقافية،الهوية اللغوية الهوية اللونية، الهوية الطائفية،الهوية العقائدية وهوية المواطنة، ويضيف الباحث هنا الهوية التعاونية والهوية الإنسانية.


تعريف التماهي :-Identification

عن التماهي يذكر الباقر العفيف (20) إن (قاموس العلوم الاجتماعية يعرف التماهي باعتباره "الميل للتقليد،و/ أو عملية تقليد سلوك شئ ما. وربما يدل كذلك على عملية التمازج العاطفي، أو حالة هذا التمازج الناجزة، مع هذا الشيء ذاته." وقد استخدم س. فرويد، هذا المصطلح في علم النفس، لأول مرة عام 1899، إذ قال أن "التماهي هو التعبير المبكر عن الرابطة العاطفية مع شخص أخر". يتماهي الفرد مع شخص أخر "كمثال للذات " بوصفه شخصاً يريد أن يكونه، أكثر مما يريد أن يمتلكه. وهذا ما يجعله مهماً في سلوك المجموعات. وهو يفسر حاجة الفرد ومقدرته علي الارتباط، وقوة الروابط العاطفية، المشار إليها، كخصائص جوهرية للبشر. وهو يذكر في نفس الوقت" الأصل الطفو لي لعملية التماهي، ويفترض أن هذا الأصل الطفولي هو الذي يفسر بقاءها على مستوي اللاوعي، وقوتها كعامل تحفيزي، وتظاهراتها اللاعقلانية والنكوصية في بعض الأحيان. ولكن التماهي بالنسبة إليه ليس مجرد محاكاة، بل هو بالأحرى تمثل يستند إلى سلسلة سببية متشابهة.). وبهذا المعني يمكن تصور لماذا تماهى الشماليون مع العرب؟ وتفسير دوافع انقلاب الهوية الذي حدث لهم، ومعرفة ما ا لذي يسّر للشماليين، بل لشعوب عديدة عبر العالم الإسلامي، أن تتعلق بالأصل العربي


أزمة وإشكالية الهوية

أن إشكالية الهوية وخطابها الفكري لا يزالان سائديْن بشدة في أيامنا هذه حيث أن العلاقة بين الثقافة والهوية علاقة تلاحم وكل خلخلة أو اختراق للثقافة سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف لمكونات الهوية إنْ لم نقلْ تفتيتا لها مستقبلا. إن الخطاب حول " الهوية " أصبح سائدا في كل ساحات النقاش الفكري، ليس في الدول الضعيفة فحسب، بل حتى في الدول المتقدمة، فالاتحاد الأوروبي الذي أصبح يشكل قطبا سياسيا واقتصاديا وثقافيا كبيرا في العالم، يتوجّس خيفة من الاختراق الثقافي الأمريكي، ويتخذ العديد من القرارات العملية لمواجهة مكونات النـمط الثقافي الأمريكي. الصحفي والكاتب الفرنسي أريك دوبان في (21) يستهل في كتابه الذي عنْونه ب :{هستيريا الهوية } بعبارة :(مَنْ أنا ؟) إذْ يرى بأن فكرة الهوية تعدّت ما هو معروف ومتداول لدى أغلب المفكرين والمثقفين ورجال الإعلام..و يؤكد مباشرة وبوضوح، بأن الألفية الثالثة تبدأ في ظل حالةٍ من تفاقم اللامساواة بين فقراء العالم وأغنيائه، بل وداخل كل شعب وأمة، وهذا بعد قرن من سيادة النزعة الداعية إلى " المساواة " وإتاحة الفُرص للجميع في ظل الأيديولوجيا الشيوعية والنظام الاشتراكي..لكن مع فقدان هذه الأفكار مصداقيتها في أرض الواقع، فقدت نزعةُ المساواة المطلقة أيضا الكثير من حضورها ؛ في الوقت نفسه بدا أن التمركز الذي كان حول التأكيد على المساواة، قد أخْلى المكان للتأكيد على " الهوية "، فتضاءلت الرغبة أن يكون المرْء " مثل الآخرين " وهو ما كانت تدعو إليه " فكرة المساواة "، بينما بالمقابل تعاظمت الرغبة أن يكون المرْء " مختلفا عن الآخرين". وبذلك تتضح الأزمة ويبقى سؤال الهوية في مقدمة الأسئلة الفكرية والمعرفية الأكثر إلحاحا من أنا ؟ ما علة وجودي وما غايته ؟ ومن هو هذا الآخر ؟ ما الذي يميزني عنه ؟ ما يربطني به ؟ ما وجوه الاختلاف بيننا ؟ ولكم نخطئ عندما نحصر سؤال الهوية في صيغة: من نحن ؟ ومن هو الآخر ؟ ولا نحصره في الآتي : كيف نحن ؟ وكيف هو الآخر؟ " السؤال في الصيغتين هو سؤال الهوية، بيْـد أن الصيغة الأولى تُـحيــلنا على مــاهية " الهوية " وجوهرها.أمّا الصيغة الثانية فتُـحيلنا على الواقع والتاريخ.الصيغة الأولى تدعو إلى التأمل وإعْمال الفكر.بينما الصيغة الثانية تدعو إلى التحرّك الإيجابي الفعّال والمشاركة ليس في صياغة التاريخ، بل في صنعه إلى جانب الآخر.صيغة تحصر " الهوية " في مجال الفكر والثقافة، بل هناك من يُغلِّـب عليها " التراث والفلكلور والثقافة الشعبية" يتحوّل لديها مفهوم الهوية إلى مفهوم الجوهر الثابت السرمدي، وصيغة ثانية تضعها كما سبق في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية للتاريخ المتحرّك أماما وليس خلْفا..تاريخ إنتاج البشر لوجودهم في كل مجالات الحياة، فيرتبط لديها مفهوم " الهوية " بالفاعلية الإنسانية الحيّة وبفكرة التغير والتقدم.الصيغة الأولى تقليدية في نظرتها إلى " الهوية " ترفض الاختلاف والتعدّد، نافية للواقع الفعلي، نافية للحرية الفردية، فالجماعية.

ويمكن لأزمة الهوية (22) أن تحدث علي المستويين، الشخصي والاجتماعي. على المستوي الشخصي، تنشأ الأزمة عندما تحين لحظة إحداث التوافق بين التماهيات الطفولية وبين تعريف جديد وعاجل للذات، وأدوار مختارة لا يمكن النكوص عنها. يضاف إلى ذلك أن الهوية الشخصية تقوم علي جهد يستمر كل الحياة، كما يقول إريكسون، والفشل في تحقيقها يسبب أزمة ربما تكون لها نتائج مدمرة على الأفراد. أما على المستوى الاجتماعي، فتنشأ الأزمة عندما يفشل الناس، وهم يصنعون هوياتهم، في العثور على نموذج يناسبهم تماماً، أو عندما "لا يحبون الهوية التي اختاروها أو اجبروا على تبنيها"، ولأن الهويات الاجتماعية يتم تكوينها عادة "من التشكيلة المتاحة من التصنيفات الاجتماعية، فإن ظهور الخلعاء يكون حتمياً". كذلك يمكن أن تحدث الأزمة عندما يسود الغموض نظرة الناس إلى هويتهم، أو يفتقرون إلى هوية واضحة. وفى حالة أخرى يمكن أن تنشأ أزمة الهوية عندما يكون هناك تناقض بين هوية الشخص ونظرة الآخرين إلى الهوية ذاتها. وأخيراً يمكن أن توجد أزمة الهوية إذا كان مركز الهوية، أي الجهة التي تملك صلاحيات إصباغ الشرعية، لا تعترف بادعاءات الهامش. يمكن للمرء أن يضع اليد علي ثلاثة عوامل، تستطيع إذا ما تفاعلت مع بعضها البعض، أن تفسر كل هوية اجتماعية. العامل الأول هو تصور المجموعة لنفسها. العامل الثاني هو تصور الآخرين للمجموعة. العامل الثالث هو الاعتراف أو عدمه من قبل مركز الهوية بهذه المجموعة. إذا تفاعلت هذه العوامل الثلاثة بصورة منسجمة، أي إذا كان تعريف الناس لأنفسهم مقبولاً وواقعياً، وكان تعريف الآخرين لهم منسجماً مع الرؤية الذاتية للجماعة، وإذا كان مركز تلك الهوية يمحضها اعترافه، حينها يقال أن تلك المجموعة تعيش في توازن. وهنا تتقدم النخبة الثقافية والسياسية لإعطاء هذا التوازن معناه، مزودة إياه بمنظومة من المعتقدات، والقيود، والمبادئ، الأساطير والنظام الرمزي. ويحاول النظام الرمزي إشاعة الانسجام في كل العالم المحيط بهذه المجموعة أو بمعني آخر، يحاول جعل العالم كله يبدو وكأنما ينبثق من الذات الجماعية للمجموعة، أو كأنما هو بعد واحد من أبعاد هويتهم. في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها صارت ذاتها، وأنها ترى العالم بعيونها أصالةً. أحد الأمثلة على الكيفية التي يشتغل بها النظام الرمزي، هو الكيفية التي أعادت بها الثقافات الغربية رسم صورة المسيح لجعله شبيهاً بالانجلو-ساكسون. وقد حدث هذا رغم حقيقة أنه يهودي، ولم يكن له بأي حال من الأحوال شعر أشقر ولا عيون زرقاء. ومع ذلك كانت إعادة التركيب والصياغة هذه ضرورية من أجل تحقيق الانسجام في هوية البيض، لأن الناس يدركون العالم بصورة أفضل، عندما يعبدون إلهاً يشبههم، وليس إلهاً غريباً عنهم. ومن الجانب الآخر، إذا تفاعلت العوامل الثلاثة بصورة متناقضة، إي إذا كانت تصورات الناس لأنفسهم لا تنسجم مع الطريقة التي يعرفهم بها الآخرون؛ أو، وهذا أخطر الأمور؛ إذا كانت القوى المالكة لصلاحيات إضفاء الشرعية، لم تقبل تعريف الجماعة لنفسها، فإن هذه الجماعة توصف بأنها تعيش تناقضاً، وعدم انسجام. في هذه الحالة لا ينبثق النظام الرمزي من الذات الجماعية للجماعة، بل يكون مستعاراً في العادة من مركز الهوية التي تهفو إليها تلك الجماعة، وترغب أن "تكونها". هذه الشروط تعد المسرح لبروز تناقضات الهوية، ولزحف عدم الاستقرار إلى خلايا المجتمع، ولتفاقم أزمة الهوية حتى تسد عليه الأفق.

أما في السودان فلم يطرح أمر الهوية بحده، بمثلما هو مطروح الآن (23) الأمر الذي نقل الموضوع من دائرة الحوار والعطاء المتبادل إلى دائرة الصراع والجدل السياسي، في ظل واقعنا الاجتماعي والاقتصادي المغبون والمشحون بعناصر التوتر والنزاع بعد حروب طويلة ساهمت في زرع بذور الشك وعدم الثقة بين مكونات السودان الاجتماعية والحضارية. إن الذي قفز بموضوع الهوية إلى سطح الأحداث السياسية والحربية هو الأزمة الوطنية نتيجة لتراكمات من الأخطاء ارتكبتها الأنظمة الوطنية التي تعاقبت على سدة الحكم منذ الاستقلال 1956م، بل يرجع البعض جذور الأزمة إلى ما قبل ذلك ويربطها بالمخطط الاستعماري البريطاني الذي حاول منع اندماج المجتمع السوداني، بحزمة سياسات عرفت بقانون المناطق المقفولة. والذي أوصل الموضوع إلى حافة الهاوية هو السياسات التي اتبعتها السلطة الحاكمة بعد 30 يونيو 1989م حيث ارتكبت أوزارا باسم الإسلام والعروبة وهي سياسات لا تشبه الدين الإسلامي والثقافة العربية في شئ ولكنها ولدت تيارات متطرفة رافضة لاى علاقة تربط السودان بالهوية الثقافية والحضارية التي تميزه مما زاد من حدة التوتر والاستقطاب في دوائر الصراع، السودان الأفريقي أم العربي؟. فالسودان افريقي - عربي بانتمائه الجغرافي وجذوره وثقافاته المتعددة و تتداخل تكويناته الاجتماعية والثقافية والحضارية في كل تلك الدوائر ولا يمنع ذلك من الإقرار والاعتراف بالتمايز الثقافي والحضاري لجنوبه عن شماله. واختلاف في درجة الاندماج والانصهار لاقاليم الشمال لظروف عديدة مثل جبال النوبة والنيل الأزرق وبعض مناطق متفرقة من اطرافه، وهي لها الحق في تطوير ثقافاتها وتنميتها في إطار الوطن الواحد أو ما أطلق عليه الوحدة في التنوع، أو التنوع في إطار الوحدة. ويجب علينا كسودانيين إن نعلي من شأن قيم الحوار والتثاقف بين مكونات المجتمع السوداني وان نبرز الموروث الايجابي لشعبنا فهو الذي أعطى بلادنا هذه الخصوصية المميزة التي نفاخر بها وان نكف عن التعامل الانتهازي مع دوائر انتماءاتنا فقد درج المسئولون وموظفو أجهزة الإعلام والمعنيون بالشأن العام عدم التعرض لمفاهيم ومصطلحات الأمة العربية أو الوحدة العربية والمصير المشترك والإخوة العربية والأشقاء العرب إلا عندما يحل بين ظهرانينا مسئول أو وفد من دولة عربية وكأننا ننافق الآخرين علنا ولا نتحدث عن خصوصية علاقتنا الأفريقية ودور السودان في دعم حركات التحرر الأفريقي منذ باتريس لوممبا إلى «نلسون مانديلا» إلا إذا ساءت علاقتنا مع إحدى دول الجوار وهكذا. فالهوية ليست اختياراً بل هي قدر علينا إن نحياه بمحبة اما الاختيار يمكن ان تتراجع عنه إذا لم تجد فيه ما تصبو وتريد.


الحركة التعاونية عالميا ومحليا

الشعار التعاوني المتفق عليه دولياً (24) الثلاث حلقات المتصلة والتي تعني (اتحاد، قوة، عمل) وأينما شوهد هذا الشعار على اللافتات والمباني في مدن وأرياف العالم يتذكر المرء ان هذا موقع او مقر لتعاونية ما أو للإدارات التعاونية. وتعتبر التعاونيات Co-operatives نوع من أنواع التنظيم ترتبط فيه جماعه من الناس ارتباطاً اختيارياً بصفتهم الإنسانية على قدم المساواة لإعلاء شأن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. عبارة بصفتهم الإنسانية هذه تعني ان ينضم العضو للجمعية دون أي تأثير أو حسبان لمركزه المالي او الاجتماعي او السياسي او الديني كما ان هذه المراكز لا تعطيه أية امتيازات في الجمعية على الآخرين. والتعاون كظاهرة اجتماعية، قديم قدم البشرية، وشمل العديد من أنماط النشاط الجماعي بين الأفراد المتمثل في العون والتضامن والمساعدة المتبادلة وذلك لتحقيق أهداف اقتصادية لا يمكن أن تتحقق بالمجهود الفردي، وسوف ينصب حديثاً عن التعاون المنظم كوسيلة وأداة أصلاحية وتصحيحية في المجتمع والذي برز بصورة واضحة في أعقاب الثورة الصناعية بأوربا في منتصف القرن الثامن عشر كرد فعل للمساوئ الناجمة عن فشل الرأسمالية، خاصة بالنسبة للفلاحين والطبقة العاملة، وتمثلت هذه الآثار السيئة للنظام الرأسمالي المتدهور في الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمال، وانتشار العطالة انخفاض وتدني مستوى المعيشة، استغلال النساء والأطفال في الإنتاج الرأسمالي لانخفاض أجورهم وظهور كثير من الأمراض والعلل الاجتماعية الخطيرة. ويعتبر روبرت أوين 1771- 1858 الأب الروحي للتعاون والذي حاول تطبيق أفكاره الإصلاحية عن طريق جمع جهود العمال تعاونياً، وعلى الرغم من الإخفاقات التي لازمت التجربة إلا أنها كانت كافية لانطلاق التجربة التعاونية العالمية الرائدة لرواد روتشيديل، حيث اجتمع في 15 أغسطس 1843، 28 عاملاً من بينهم امرأة بمدينة روتشيديل الإنجليزية معلنين أول جمعية تعاونية في العالم. وشهد العام 1844 بزوغ الحركة التعاونية العالميةً بتأسيس أول جمعية تعاونية ناجحة في العالم هي جمعية رواد روتشديل التعاونية حيث قام "رواد روتشديل المنصفين" (Rochdale Equitable Pioneers) بإنشاء أول متجر لهم في تود لين، بروتشديل "وهي بلدة صغيرة في مقاطعة لانكشاير بانجلترا". ثم توالى تأسيس التعاونيات بانجلترا من مختلف الأنواع والغايات، وفي نفس فترة ازدهار التعاونيات في انجلترا انتشرت هذه الجمعيات في كافة أقطار أوروبا ثم إلى كافة أنحاء العالم وتنوعت بتنوع حاجات المجتمعات الاستهلاكية والزراعية والإسكانية والصحية وصيد الأسماك والنقل والتسويق والأعمال النسائية والمدرسية والعمالية وأعمال أخرى كثيرة. لقد أكدت الحركة التعاونية هويتها وشعبيتها على مر العصور وانتمائها لمصلحة الأفراد والجماعة لتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها , واستطاع التعاون نتيجة النجاحات التي حققها نقل الاهتمام به من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي حيث تم تأسيس الحلف التعاوني الدولي بلندن عام 1895 وقد تم الاحتفال في السادس من يوليو 1995 بمرور مائة عام على تأسيسه وتم ترسيخ تعريف التعاونية بأنها "منظمة ذاتية الإدارة تتكون من أشخاص يتحدون اختياريا لمواجهة احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأمالهم من خلال مشروع ملكية مشتركة ويدار ديمقراطيا ". ويجب هنا أن نفرق بين التعاون الفطري التلقائي المتمثل في العمل الجماعي المشترك، مثل النفير والفزع و"الختة" عند النساء، وبين الشكل الحديث للتعاون "الذي (25) يتمثل في أن "التعاون نظام اقتصادي واجتماعي يضم عدد من الوحدات الاقتصادية والتي ترتبط يبعضها البعض وتقوم علي أساس مبادرة شعبية بشكل طوعي".

في السودان شهدت أواخر العشرينات من القرن الماضي (26) المحاولات الأولى لإقامة شكل تعاوني منظم، وذلك بتشجيع من حكومة المستعمر، ولا جدال في أن البدايات الأولى للحركة التعاونية السودانية كانت زراعية بظهور جمعيات التسليف الزراعي بدلتا طوكر، وبتشجيع من الحكومة لحماية المزارعين من استغلال التجار والمرابين الذين يقدمون سلفيات مجحفة لزراعة القطن الذي توسعت فيه الحكومة، والغرض الأساسي ليس حماية المزارعين ومصالحهم بل ضمان تحقيق إنتاجية عالية مع إمكانية تسويق هذا الإنتاج بما يعود بالمصلحة والدفع للحكومة، ولقد أدى ذلك إلى فشل التجربة واتجاه الحكومة إلى زراعة وإنتاج القطن طويل التيلة بمشروع الجزيرة بالتعامل مع المزارعين مباشرة دون تنظيمهم في شكل جمعيات تعاونية. في عام 1937 تكونت أول جمعية تعاونية بمبادرة شعبية سميت بالشركة التعاونية توالت بعدها التعاونيات في المديرية الشمالية ثم ظهرت أول جمعية تعاونية لمشروع الجزيرة بقرية ودسلفاب لطحن الغلال واستجلاب الجرارات والمحاريث وكان ذلك في عام 1944، وفي العام 1948 اتخذت الحركة التعاونية شكلها القانوني اثر المذكرة التي قدمها (27) المستر كامل للإدارة البريطانية معلنة صدور أول قانون للتعاون بالبلاد، والذي اكتمل في العام 1952. لقد ركز هذا القانون على الجانب الاقتصادي أكثر من الجانب الاجتماعي(28)، لذلك ولعدة أسباب أخرى لم ينل هذا القانون ثقة الحركة التعاونية الوطنية، فعلى الرغم من أنه في العام 1948 نفسه قد شهد تسجيل أول جمعية تعاونية وهي جمعية ودرملي التعاونية الزراعية، إلا أن ما تم تكوينه من جمعيات تحت هذا القانون قليل، بالإضافة لقلة وضعف العضوية ومن ثم ضعف أثر التعاونيات اقتصادياً واجتماعياً.

ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلي تدهور التعاونيات وبخاصة التعاونيات الإنتاجية الحرفية والزراعية إغفال الدولة "للهوية التعاونية" وللدور الحيوي والبارز للتعاون بصورة عامة والتعاون الزراعي بصورة خاصة بعدم إسناد دور يذكر للتعاونيات في خطط وبرامج التنمية , بالإضافة إلي المشاكل المتعلقة بعدم استخدام التكنولوجيا الزراعية والاعتماد في الغالب علي التكنولوجيا المستوردة والتي كثيرا ما لاتكون ملائمة للواقع السوداني. والحقيقة إن الحركة التعاونية نشأت في الزراعة ثم أصبحت بشكل متزايد استهلاكية التوجيه وتجنح للتمركز في المراكز الحضرية، "فالهوية التعاونية" ريفية زراعية تضامنية وإنتاجية.إن التعاونيات الزراعية محدودة الأثر في الإنتاج والمنتجات والمدخلات الزراعية وفى التصنيع الزراعي، و تواجه مشاكل ومعوقات كثيرة، وخير مثال لذلك التعاونيات الإنتاجية الزراعية المنضوية تحت الإتحاد العام النوعي التعاوني لمنتجي الأصماغ الطبيعية.

وفي نهاية السبعينيات ظل القطاع التقليدي الهام خارج قطاع التعاون ودائرة التمويل المؤسس وتركزت التسهيلات الائتمانية للبنك الزراعي على المستثمرين من قطاع الزراعة المطرية الآلية، وبدرجة أقل من مشاريع الدولة بالقطاع المروى وفى الزراعة النيلية الصغيرة. وعند ولوج التمويل المؤسس لهذا القطاع ارتبط ذلك باستقطاب العون الأجنبي. ومنذ ثمانينات القرن الماضي واجه القطاع التعاوني تنافساً شديداً من القطاع الخاص ليس فقط بالنظر إلى الموارد الذاتية للقطاع الأخير بل بقدرته على الحصول على الأموال العامة المخصصة للقطاع التعاوني والتغول على الأموال التعاونية، ثم كانت الطامة الكبرى في اغتيال الحركة التعاونية بقيام "الإنقاذ" في 1989 م. ولاتزال الغالبية العظمى من الجمعيات القاعدية وهى أساس الحركة التعاونية والوحدة الأساسية التي تبدأ منها تعبئة – الموارد وينبغي إن تكون مصب الخدمات والمدافع، تشكو من توفر التمويل المؤسس على مستواها المحلى، وسواء عبر تنظيماتها الثانوية أو مباشرة. بالرغم من الأهداف الرسمية المعلنة لإشراف الدولة ورعايتها للتعاون لم تتطور الحركة التعاونية كمكون أصيل لإستراتيجية تنمية طويلة المدى، وكانت النتيجة تكاثر "بروس" للجمعيات الاستهلاكية في المراكز الحضرية الآهلة بالسكان وخاصة العاصمة للتغلب على مشاكل الندرة في السلع المحلية والمستوردة ونتج عن هذا الوضع أمران ولهما ما يمكن أن نطلق علية مصطلح ابتذال الفكرة التعاونية وتحجيم الدورالاقتصادى الاجتماعي للجهد التعاوني في أذهان الشعب وبالتالي طمس "الهوية التعاونية" وإضعافها، وثانيهما شغل الجهاز الديواني عن متابعة وتقديم الإرشاد والتوجيه الفني للجمعيات الزراعية والاكتفاء بشكل إجراءات التسجيل ومراجعة الحسابات. لقد منح قانون سنة 1973م الجمعيات التعاونية (29) إعفاءات من بعض الضرائب والرسوم كما منحها العديد من المزايا دعما وتشجيعاً لها ولكن الإعفاءات والمزايا جاءت بصورة مطلقة ودون الأخذ في الاعتبار وجود قوانين ونظم أخرى تتعارض معها. ولهذا ظل بعضها حبراً على ورق ولم يجد طريقة للتنفيذ لهذا نقترح استصدار قرار سياسي بإعفاء الجمعيات التعاونية من جميع أو بعض الضرائب والرسوم والعوائد وتأكيد المزايا المتعلقة بمنح أي جمعية تخفيضاً في أجور النقل بواسطة وسائل النقل التابعة للدولة وتخفيضاً بنسبة 5% من إثمان البذور والتقاوي والأسمدة والمبيدات ومستلزمات الإنتاج , وكذلك الأفضلية في المعاملات وفى الحصول على قطع الاراضى اللازمة لإغراضها وفى إسناد الأعمال والخدمات الخاصة بالوحدات الحكومية ومؤسساتها للتعاونيات، و إعطاء أفضلية لتوزيع السلع التموينية لكسر حدة السوق السوداء وتركيز أسعار السلع خاصة الضرورية.


الهوية التعاونية

الشعب السوداني عرف ثمار تطبيقات التعاون(30) وله استعداد لتطبيقات جديدة تقدم له احتياجاته وطموحاته في التنمية، كما أن الحكومات يمكنها الاعتماد علي تطبيقات التعاون كوسيلة للتنمية من خلال القدرات الذاتية للأفراد بجمعهم في تجمعات سكنية، وبما يفيد في إمكانية الوصول إليهم لتقديم الخدمات مثل التعليم والصحة والإحصاء والانتخابات.. الخ. كما أن تطبيقات التعاون من مبادئها وشعارها تعلم الناس أسس الديمقراطية السليمة والحقوق والواجبات وتنمي القيم الفاضلة. إن الثروات القومية السودانية سريعة العائد إذا ما استخدمت فيها الطرق الاقتصادية المعتمدة علي التكنولوجيا وفي مقدمها النظام الاقتصادي التعاوني لامكن إحداث التنمية بأسلوب تطبيقات التعاون الذي لا يكلف الحكومات غير الإشراف والتوجيه. فمثلا (31) مبدأ (الباب المفتوح للعضوية) وكل مبادئها تكفل وتؤمن (الحرية والعدالة والمساواة). لهذا تتمتع الحركة التعاونية بالأمن والأمان و السلام لها و للملتزمين بمبادئها لانها تأخذ بهذا المبدأ ضمن مبادئها في المجتمع. إن العمل التعاوني يقدم خدماته للبشر دون تفرقة بينهم لأي سبب، كما إنه وسيلة الفقراء أوالضعفاء من أجل العيش العفيف الكريم. إن التعاون يهدف للبناء والإعمار والتنمية ولا يهدف أبداً إلي الحرب أو الدمار، ولا ينتهز ظروف الحرب ليحقق الأرباح كما يحدث في النظم الاقتصادية الأخرى ومنها النظام الرأسمالي. تؤكد "الهوية التعاونية" إن أحد أهم مبادئ التعاون هوالحياد السياسي والديني والعرقي وهنا مهمته كمهمة الطبيب الذي يعالج، فيعالج الجريحين المتحاربين دون انحياز.وتتبلورالهوية التعاونية وتظهر في مقومات ومكونات الحركة التعاونية ومبادئها المشكلة والمجسدة للصبغة والصفة التعاونية المميزة للعمل التعاوني المنظم و المتمثلة في:


أولا: الجمعية التعاونية

جاء في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي {إن التعاونيات عبارة عن مجموعات أولية تضم مجموعة من الأشخاص لإدارة مصالحهم الاقتصادية بصورة جماعية وعلي الأسس التعاونية الديمقراطية لكل عضو صوت واحد بغض النظر عن ما يملكه من رأسمال في التعاونية أي "رجل واحد صوت واحد" }. والجمعية التعاونية منظمة (32) عادلة ينشئها الأفراد لتباد المساعدة بقصد رفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي. فالتعاون هو تجميع واتحاد، لبعض الأشخاص وجهودهم بغرض تحقيق هدف مشترك وذلك عن أقصر الطريق وبأقل تكلفة وعلي أحسن وجه وهذا الهدف ينتهي إلي رفع المستوي الاجتماعي للأعضاء عن طريق زيادة الدخل أو الاقتصاد في التكاليف والسبيل إلي تحقيق هدف الأعضاء المتعاونين هو إنشاء منظمة اجتماعية تعمل بوسائل اقتصادية. المنظمة التعاونية ليس هدفها التخفيف من الموقف الذي خلقه الاقتصاد التجاري بل هو أكثر من ذلك – إذ يتلخص هدفها في ماهية وتحرير أعضائها من السيطرة الاجتماعية والاستغلال الاقتصادي اللذين يتمتع بهما المسيطرون علي المواقع الإستراتيجية التي خلقها الاقتصاد التجاري مما يرفع من مستوي معيشة أعضائها المتعاونين بزيادة دخولهم الحقيقية بمختلف الوسائل الإنتاجية والتسويقية الاقتصادية. ولذلك تتميز المنظمة التعاونية عن المنظمات الأخرى من حيث أهدافها ومن حيث الطرق التي تتبعها لتحقيق هذه الأهداف. وتحقيقا لهذه الأهداف يجب أن تقوم أية منظمة تعاونية علي أساس عنصرين أساسيين اجتماعي،اقتصادي يفسران علي أن المنظمة التعاونية تتكون من:(1)ترابط بين أشخاص أدركوا وما زالوا يدركون أن هناك تشابها بين بعض احتياجاتهم وان إشباع هذه الحاجة بالأسلوب التعاوني وبتكوين منشأة تعاونية يكون أحسن بكثير من إشباع هذه الاحتياجات بالطرق الفردية.(2)منشأة اقتصادية لها هدف مطابقا تماما للحاجيات التي يراد إتباعها وهكذا تري أن الروابط هو أصل الفكرة التعاونية وهو السبب المباشر في وجود المنظمة التعاونية.


ثانيا: المبادئ التعاونية

أكدت الحركة التعاونية (33) شعبيتها على مر العصور وانتمائها لمصلحة الأفراد والجماعة لتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها, واستطاع التعاون نتيجة النجاحات التي حققها نقل الاهتمام به من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي حيث تم تأسيس الحلف التعاوني الدولي بلندن عام 1895واحتفل في يوليو عام 1995بمرور مائة عام على تأسيسه وتم ترسيخ تعريف التعاونية بأنها منظمة شعبية طوعية ذاتية الإدارة تتكون من أشخاص يتحدون بمحض اختيارهم لمواجهة احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأمالهم من خلال مشروع ملكية مشتركة ويدار ديمقراطيا.

وقد اعتمد الحلف التعاوني الدولي المبادئ التالية:

(1) العضوية الاختيارية المفتوحة : التعاونيات منظمات مفتوحة لكل الأشخاص دون تميز جنسي أو اجتماعي أو عرقي أو سياسي أو ديني وتتمتع التعاونيات بالحياد تجاه الجميع.
(2) الإدارة الديمقراطية للتعاونيات: التعاونيات منظمات ديمقراطية يحكمها أعضاؤها ويشاركون في سياساتها واتخاذ القرار عن طريق ممثليهم المنتخبين ديمقراطيا والممثلين مسئولين أمام ناخبيهم وللأعضاء حقوق تصويت متساوية عضو واحد صوت واحد وعلى المستويات الأعلى تدار التعاونيات وتنظم بأسلوب ديمقراطي.
(3) مساهمة العضو الاقتصادية : يساهم الأعضاء بعدالة في رأس مال تعاونيتهم الذي يكون ملكية تعاونية , ويتلقى الأعضاء تعويضا عن رأس المال المسهم ويمكن تخصيص الفائض لتطوير التعاونية و دعم الأنشطة الاخري التي يوافق عليها الأعضاء ويوزع الباقي على الأعضاء بنسبة تعاملهم مع التعاونية.
(4) الإدارة الذاتية المستقلة :التعاونيات منظمات ذاتية الإدارة يديرها أعضاؤها ويؤمنون تمويلها المالي ويمكن لهم التعاون مع منظمات أخرى أو مع الحكومات سواء بالإدارة أو التمويل شرط تأكيد الإدارة الديمقراطية لأعضائهم والمحافظة على التحكم الذاتي التعاوني .
(5) التعليم والتدريب والإعلام : تقدم التعاونيات التدريب والتعليم لأعضائها بالتعاونيات ولقياداتها المنتخبة ومديرها وموظفيها ليستطيعوا أن يساهموا بفعالية لتنمية تعاونياتهم ، مع تنوير الرأي العام عن طريق الإعلان والإعلام وخاصة الشباب وقادة الرأي عن طبيعة ومزايا التعاون عن طريق التثقيف والتوعية التعاونية.
(6) التعاون بين التعاونيات : تخدم التعاونيات أعضاءها بكفاءة أكثر وتقوى الحركة التعاونية بالعمل سويا من خلال المؤسسات والمنظمات والاتحادات التعاونية المحلية والإقليمية والدولية. (7) الاهتمام بالمجتمع : تعمل التعاونيات من أجل التنمية الاجتماعية المتواصلة فتقدم خدماتها في مجال الصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب الخ لمجتمعاتها بموافقة الأعضاء.

إن عدم مراعاة "الهوية التعاونية"و التقيد والتنفيذ الصارم لهذه المبادئ يؤدى إلي عواقب وخيمة وضارة تذهب بالصفة التعاونية والشعبية والديمقراطية التي تتميز بها التعاونيات ، كما أنها تؤدي إلي الفشل و الإخفاق الذر يع. إن عدم إتباع المبادئ والأسس التعاونية التي أنشأت علي أساسها الكثير من المشاريع التعاونية وبصفة خاصة الجانب الإداري ، انعكس سلبا علي الأداء وبصفة خاصة في المجال التسويقي ، إذ اعتمدت هذه المشاريع في إدارتها علي أساس التعيين من قبل الوزير المختص مما يتنافى مع المبادئ والقوانين التعاونية. وذلك لأن التعاونيات ووفقا للمبدأ الثاني من المبادئ التعاونية ، منظمات ديمقراطية، يتحكّم بها أعضاؤها الذين يشاركون بفعالية في وضع السياسات واتخاذ القرارات. ولقد أثبتت التجارب العالمية أن مراعاة التقيد والتنفيذ الصارم لهذه المبادئ يؤدى إلى الاحتفاظ بالصفة التعاونية والشعبية للتعاونيات والحفاظ أيضا علي الديمقراطية التي تتميز بها التعاونيات، كما أنها تجنب التعاونيات الفشل و الإخفاق في تحقيق أهدافها. لقد كان للالتزام بالمبادئ التعاونية وبخاصة الديمقراطية، الأثر الكبير في استمرار الحركة التعاونية الأوروبية وتقدمها عالميا.


ثالثا: المبادئ العامة للإدارة التعاونية

أن المبادئ العامة للإدارة التعاونية مقارنة بإدارة(34) المؤسسات التجارية الخاصة والمؤسسات الحكومية تختلف اختلافاً بيناً وواضحاً. فبينما نجد أن المؤسسات التجارية الخاصة تعتبر الحصول على أكبر ربح هو المقياس السائد، فإن الجمعية التعاونية لها حافزان: الربح والخدمة. إذ أن للمؤسسة الحكومية أيضاً حوافز الربح والخدمة وأيضاً حافز التنمية. ولكن المؤسسات تدار من أعلى، والجمعية التعاونية تتضمن عاملاً قوياً هو اشتراك أعضائها في إدارتها. ومن المؤكد أن مشاركة الأعضاء هو أهم سمات المؤسسة التي يجب أن يضعها في الاعتبار كل من يهتم بنشر الفكر التعاوني لأنه من صميم "الهوية التعاونية". ولقد فشلت الحركة التعاونية في كثير من الدول النامية لأن الفكر التعاوني قد فرض على الناس فرضاً، حيث نجد أن الأعضاء قد حصلوا على المسئوليات الاقتصادية ولم يحصلوا على المشاركة الضرورية في صنع القرارات أو الشعور الضروري بالمسئولية التضامنية،لاعتقاد البعض استحالة تعليم الفلاحين والمواطنين الأميين ليشاركون مشاركة فعالة في إدارة الجمعية التعاونية ولا اعتقد أن هذا صحيح، زد على ذلك فإن فكرة التعاون تتفق تماماً مع التنظيم التقليدي للمجتمع القبلي.


رابعا: الديمقراطية التعاونية

إن التعاون نظام لتحرير الاقتصاد وإطلاق للقوى المنتجة من(35)عقالها وهو يمكن أن يكون الدواء الناجع لعلاج الكثير من المشكلات اليومية للسوق التي أصبحت اليوم مشكلات مزمنة بل أدت إلى اختناقات تموينية.. وفي آخر الأمر إلى ضائقة الغلاء.. بل أن الحركة التعاونية بما يمكن أن نضيفه من ثقافة جديدة في الوعي الزراعي والتجاري والإنتاجي، وبما تثري به المواطن من تجارب في المجالات الاقتصادية, وبما تبتدع من وسائل علمية لتطوير الإنتاج والعلاقات الإنتاجية، وبأثرها السلوكي على البناء القومي للمجتمع فإنها وسيلة حية لتعليم الشعب وتربيته. فالشعوب تتعلم بالممارسة وهي تتعلم أسرع عن طريق العمل الجماعي وبصفة خاصة عندما تكون وسيلة العمل الأساسية هي الديمقراطية التعاونية التي تتيح للأعضاء حرية التعبير عن الرأي وتساعد على التوصيل للقرارات الرشيدة عن طريق الحوار الهادف.. ثم هي تشعر الأعضاء بأنهم يصنعون مستقبلهم بأفكارهم وتخطيطهم ومجهودهم في العمل مما يجعل الوحدة في الفكر وفي العمل شاملة للتخطيط والتنفيذ. إن جوهر التعاون وطبيعته وظروف نشأته تقضي بحرية واستقلال ومساواة أعضاء التعاونية وتسيير ورقابة جمعيتهم التعاونية وهو ما يعبر عنه ويترجمه مبدأ الديمقراطية التعاونية الذي يعني الاعتراف بالسلطة العليا وعلي قدم المساواة لكافة الأعضاء الذين تكونت منهم ومن أجلهم الجمعية التعاونية فيكون لهم حق وسلطة قيادتها وتقرير مصيرها بحيث لا تكون حركة جمعيتهم مفروضة بواسطة سلطة خارجية وإنما تكون هذه الحركة خاضعة للإرادة الجماعية للأعضاء كما تكون معبرة عن مصالحهم ومشبعة (36) لحاجاتهم المشتركة والتي تكونت الجمعية بغرض إشباعها أفضل إشباع ممكن. يتحقق ذلك في الواقع العملي عن طريق ممارسة الأعضاء لحقوقهم وسلطاتهم كمنتجين وزراعيين وكأعضاء تعاونيين من خلال تشكيلاتهم الديمقراطية وأهمها الجمعية العمومية ومجلس الإدارة. ولا شك إن الديمقراطية التعاونية تعتبر بمثابة الأصل التعاوني العام الذي يتعين احترامه كقاعدة عامة تحكم الجمعيات التعاونية بكافة أنواعها.


خامسا: البنيان التعاوني الشعبي

يتكون البنيان التعاوني الشعبي من أربعة مستويات:- الجمعيات التعاونية الأولية في الأحياء والقرى، الاتحادات التعاونية علي المستوي المحلي، الاتحادات التعاونية علي المستوي والولائي،الاتحاد التعاوني علي مستوي القطر (الاتحاد التعاوني القومي). بالإضافة إلي ذلك توجد ثلاث إتحادات تعاونية متخصصة وهي: أ- الإتحاد التعاوني الحرفي(ولاية الخرطوم ومقره الخرطوم). ب- الإتحاد العام النوعي التعاوني لمنتجي الأصماغ الطبيعية ومقره الخرطوم. ج- الإتحاد التعاوني للتجاريين ومقره أمدرمان. ولتوضيح الصورة لذهن القارئ نفيد بأن السودان مقسم إلى ولايات (25 ولاية) وكل ولاية إلى محليات (110 محلية) ويوجد في العاصمة الاتحادية الخرطوم الاتحاد التعاوني القومي والإتحاد التعاوني الولائي لولاية الخرطوم وهذا بدوره يتكون من اتحادات محلية وهي: الاتحاد التعاوني لشرق النيل – والاتحاد التعاوني غرب النيل – والاتحاد التعاوني بين النيلين وتحت كل اتحاد محلي قاعدته من الجمعيات في أحياء المحلية. وهكذا في كل محليات ولايات السودان، وجملة البنيان نحو(135) اتحاداً. من البديهي والمفترض أن تكون مجالس إدارات الاتحادات التعاونية منتخبة من عضويتها القاعدية بمعني أن مجلس إدارة الاتحاد علي مستوي القطر منتخبة من مجالس إدارات الاتحادات الولائية، كما أن عضوية مجالس الاتحادات الولائية منتخبة من أعضاء مجالس إدارات الاتحادات المحلية في كل ولاية، ولكن هذا لم يحدث منذ عام 1989 إلا في قلة من الاتحادات المحلية الولائية.


سادسا: العلاقة بين الدولة والحركة التعاونية

هناك دول تعمل لحماية مصالح السواد الأعظم من الشعب وبالتالي لا خلاف لها(37) مع الحركة التعاونية.. بل إذ نجدها تحتضن الحركة التعاونية وتساعدها في الوقوف على قدميها، ولا غرابة في ذلك لأن النشاط التعاوني في ظل مثل هذه الدولة هو بالتأكيد نشاط مساعد ومكمل للخطة الاقتصادية والسياسية للدولة بل هو جزء لا يتجزأ من تلك الخطة. و هناك دول تستولي فيها على وسائل الإنتاج حفنة من الأفراد وهي التي تتحكم في دفة الحكم.. وهذه الطبقة لا تتماشى مصالحها مع مصالح السواد الأعظم للشعب بل تتعارض معها وذلك لأنها لا تقوم بالإنتاج وإنما تسيطر على نتائجه حارمة المنتجين الحقيقيين من ذلك، وذلك لأنها تمتلك وسائل الإنتاج وتضع قوانين ونظم لتحديد علاقات بصورة كفيلة بأن تضمن لتك الحفنة الاستيلاء على مجهودات المنتجين وابتزازهم. فإن كانت الجمعيات التعاونية تأتي لتحقيق أو إلغاء ذلك الاستغلال فمما لا شك فيه أنها لن تجد ترحيباً من مثل تلك الدولة للتعارض الواضح في الهدف، وهنا يحدث صراع بين "الهوية التعاونية" الديمقراطية التوجه وهوية الدولة الدكتاتورية الفاشية والشمولية المستبدة. إن أسوء الدول تلك التي تستند علي الأسس الفاشية والشمولية، لأن الشمولية ليست نظام للحكم فحسب، وإنما هي التعبير السياسي عن نظام اقتصادي اجتماعي تمدد الدولة فيه إخطبوط تسلطها إلي النظام الاقتصادي فتحتكر وسائل الإنتاج، وإلي النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم، والي النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته، وتستبدل الأيدلوجيات المتنافسة بأيدلوجيات التسلط والإرهاب وقيمه الأصيلة بقيم الاستهلاك المتعي، وحضارته بحضارة الخوف و الرعب. ومن ذلك يتضح أن النظام الشمولي نظام لايعترف بالآخر ويتعسف في معاملة المختلفين معه أيدلوجيا إذ يستند في تفاعله مع أفراد المجتمع علي القمع والقهر. وأن كل نشاط يقع خارج نطاق الحزب أو الدولة لا يحظي بالاعتراف من قبلها، فضلا عن سيطرتها المطلقة علي وسائل الإعلام كواحدة من القنوات التي تمارس عبرها تأثيرا علي أفراد المجتمع في محاولة منها لإلغاء ثقافتهم وتذويبها في إطارها الأمر الذي يؤدي لأن تكون الدولة و الحزب وآلياته هي الجهات الوحيدة الموجودة علي الساحة السياسية مما يكرث الأحادية وعدم الاعتراف بالمكونات الاخري التي يمكن أن تشكل عنصرا فرعيا داعما للنظام السياسي الرئيسي وذلك من قبيل الأحزاب والأيدلوجيات المغايرة للأيدلوجية الرئيسية وجماعات الضغط والدستور الذي يساهم كل المجتمع بمختلف قطاعاته في وضعه.

والسمات العامة للنظام الشمولي تتمثل في حزب سياسي مسيطر له أيدلوجية شاملة تحدد شكل الدولة والمجتمع، من خلال مؤسسة بوليسية ذات طابع تعسفي و سيطرة علي وسائل الإيصال الجماهيري والهيمنة علي المؤسسة العسكرية والاقتصاد والتوسع خارج الحدود.ولكل ذلك فإن اتخاذ القرار في السودان في الغالب لا يتم عبر المؤسسات الرسمية التي حددها الدستور إنما يتم خارجها. بمعني أن القرارات يتم اتخاذها خارج المؤسسات الدستورية بغض النظر عن النظام الحاكم، فصناعة القرار Decision Making تتم خارج المؤسسات الرسمية واتخاذ القرارTaking Decision تقوم به المؤسسات المعنية ولكن بدون أن يعطيها صناع القرار إلا خيارا واحدا و من هنا أتت التبعية وأصبح القرار من خارج المؤسسات. من معالم الاستبداد أن تنتقل الدولة من كونها تعبيرا عن جماعة وأداة للحكم بين الناس إلى التمركز حول شخص الحاكم، والتعبير عن مصالح نخبة ضيقة من بطانته، دونما اعتبار للناس ومصالح المواطنين، فلا يبقى ثمة وجود لقوى سياسية اجتماعية تتجاوز إرادة الدولة وهيمنتها. إننا في السودان نعاني من كل ذلك خاصة فيما يتعلق "بالهوية التعاونية" التي تتعارض مع الدولة "المتشسخنة" التي تحول النظام السياسي والاقتصادي والبيروقراطي بمؤسساتها من نظام قانوني يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد، وخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة المتسيدة على قمة هرم الدولة. وتسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذا مؤدى شخصي ومتشخصن لصالح أفراد وأناس بعينهم ذوي علاقات شخصية برأس الدولة ومن يحيطون به.


الأثار السالبة لضعف وفقدان الهوية التعاونية

تبعية الجهاز الديواني:

تنقلت تبعية الجهاز الحكومي الديواني للحركة التعاونية بين الوزارات منذ إنشائه وفيما يلي التطور لذلك :- السكرتير الإداري. وزارة الحكومات المحلية. وزارة الشئون الاجتماعية والعمل. وزارة التخطيط الاقتصادي. وزارة التجارة والتعاون والتموين. وزارة التعاون والتنمية الريفية. وزارة المالية والاقتصاد الوطني. وزارة التعاون. وزارة التجارة والتموين. وزارة التجارة والصناعة.وزارة التجارة الخارجية (حالياً). في حالة التبعية للوزارات يتعدل الاسم فتارة مصلحة التعاون وتارة قطاع التعاون و الآن الأمانة العامة للتعاون.

لقد كان هذا الوضع السيئ للجهة الإدارية المختصة بالتعاون من الأسباب الأساسية التي أثرت علي "الهوية التعاونية" مما أفقد الحركة التعاونية الكثير من حقوقها، فلازال السيد الأمين العام لأمانة التعاون يشغل منصبه بدون تكليف رسمي لما يزيد عن السنتين رغم الترشيح الرسمي الصادر من السيد وزير التجارة الخارجية التي تتبع لها الأمانة إداريا، وذلك بعدم توقيع السيد وزير مجلس الوزراء بالموافقة النهائية. أما في ما يتعلق بمكانة التعاون في التركيب الهيكلي لأجهزة الدولة يعتبر التعاون قسماً تابعاً لإدارة قطاع الخدمات. ولقد ضعت الحركة التعاونية في قطاع الخدمات تركيزا علي نشاطها الخدمي مما أدي إلي إهمال النشاط الإنتاجي للحركة التعاونية وعدم التركيز عليه. ولقد أدي هذا الوضع الشاذ إلي التركيز علي الجانب الخدمي للتعاونيات وأفقدها علاقاتها مع القطاعات الأخرى و التي تتشابه مع مناشطها. فالواقع التعاوني يؤكد عدم وجود صلات حقيقية واضحة للحركة التعاونية بقطاع الصناعة بالرغم من وجود التعاونيات الحرفية، وصلتها بقطاع الزراعة ضعيفة بالرغم من أنها تضم تعاونيات زراعية منتجة. هذا قبل ظهور "الإنقاذ" أما بعدها فلقد فقد التعاون وخاصة التعاون الزراعي حتى تلك الأهمية النسبية التي كان يتمتع بها سابقا. ويظهر ذلك بصورة واضحة لا لبس فيها , بإسقاط التعاون باعتباره أداة أونظاما للتغيير والتنمية والنماء، من أي خطط أو إستراتيجيات تضعها الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مثل: برنامج الألفية الثالثة، وبرامج محاربة الفقر، وحتى برامج مايطلق عليه "النهضة الزراعية" أو "النفرة الخضراء" ويمثل ذلك تجاهلا للهوية التعاونية وتهميشا لهذا القطاع الحيوي الهام.


هشاشة المحتوى الديمقراطي وضحالة التجربة الانتخابية

كشفت الانتخابات التعاونية التي جرت في السنوات العشر الأخيرة لاختيار القيادات التعاونية الجديدة، عن الأزمة التعاونية المتمثلة في هشاشة المحتوى الديمقراطي للعملية الانتخابية في بلادنا، سواء على مستوى الثقافة والفهم أم على مستوى الممارسة والفعل أم على مستوى المؤسسات والشخوص، أم على مستوى النخبة التعاونية و القيادات الشعبية، إلى درجة يمكن فيها توصيف الحالة الانتخابية التعاونية بأنها محاولة لبناء ديمقراطية بلا ديمقراطيين. فثمة ضحالة هائلة في التجربة الانتخابية، حيث لا توجد طبقة تعاونية متمرسة في العمل التعاوني باستثناء قلة قليلة من التعاونيين الشعبيين، ويعود هذا إلى سببين الأول منهما هيمنة الأنظمة الدكتاتورية لمدة طويلة تعذر معها نشوء طبقة تعاونية ديمقراطية متمرسة، من جهة، وبقاء كثير من التعاونيين خارج إطار العمل التعاوني من جهة ثانية. وثمة هشاشة كبيرة في الالتزام بقواعد العملية الديمقراطية، فضلا عن السطحية في فهمها وقبولها والاستعداد للالتزام بها والعمل بموجبها. حيث كانت التسويات القائمة على أساس التنازلات المتبادلة تمثل واحدة من هذه القواعد مما جعل هناك إصراراً غريباً على المواقف والمواقع يمنع حصول أي حراك وتزحزح، وظهور قيادة جديدة منتخبة.

وثمة فقر مدقع في الثقافة الديمقراطية والفهم الواعي للتعاون لدى النخب والجمهور في آن واحد.والطرفان معذوران كون الأنظمة السابقة وخاصة نظام "الإنقاذ" قد حرم أصلاً تداول هذا النوع من الثقافة، وعلى مدى حوالي عقدين من الزمان، مما أنتج نخباً وجمهوراً تعاونيا ليس لهما من الثقافة الديمقراطية إلا الشيء القليل الذي لا يغني ولا يسمن عن جوع. وتكشف عن هذا الفقر في الثقافة الديمقراطية وممارستها حيث لا يوجد فيها ما يؤمن إشاعة الثقافة الديمقراطية والمبادئ التعاونية بين صفوف المواطنين والتعاونيين. وثمة ضعف ينتاب المؤسسات التعاونية التي تمثل العمود الفقري للديمقراطية وفي مقدمتها مجالس إدارات التعاونيات وخاصة الإتحادات التعاونية وبصورة أخص الإتحاد التعاوني القومي والتي أصبحت مجالس صورية ليس لها من الدور القيادي الا الشيء اليسير والقدر النزير حيث تمت إدارة العمل التعاوني وراء جدران سميكة لغرف ذات ابواب محكمة الغلق، تصادر حق التعاونيين في ان يعرفوا ما يدور، وإنما تهمش دور مجالس الإدارات المنتخبة بشكل يجعلها هياكل بلا فعالية وأجساما بلا حياة.

فلتعاونيات تغطي بأنواعها المختلفة، استهلاكية، زراعية، خدمية، وحرفية مناطق واسعة من الريف السوداني، وأطراف المدن الكبيرة، وتضم هذه المناطق نسبة عالية من الأميين ومنهم المواطنون الأعضاء بالتعاونيات، مما يعني ان هناك صعوبة حقيقية لإلمام أعضاء التعاونيات بحقوقهم وواجباتهم وبمسؤولياتهم وبالمسئوليات والأعمال التي تؤديها جمعياتهم مما يضعف هذه التعاونيات والبنيان التعاوني السوداني بأسره، وليس أدل على ذلك من إن غالبية التعاونيات والمنظمات التعاونية لم تتمكن رغم الجهود الجبارة لإدارة التعاون- من عقد جمعياتها العمومية لانتخاب مجالس الإدارات الجديدة في الوقت المحدد، مما عطل تغيير الإدارات الحالية في الاتحادات القمة بالولايات والاتحاد التعاوني القومي في سابقة خطيرة جعلت هناك الكثير من هذه القيادات "قابعة" بمجلس الإدارة لعشرات السنين بدون فاعلية ولا نشاط، وأصبح جل تلك القيادات أرقاما سالبة بعيدة عن الواقع التعاوني وهمومه وآلامه وأحلامه.

ومن الطبيعي أن تهتم الحكومات والأحزاب السياسية بالتنظيمات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني فهي لا يمكن أن تغفل التنظيمات الجماهيرية النقابية والتعاونية والطلابية والشبابية والنسائية وغيرها من المنظمات الأخرى بل أن من واجب هذه الحكومات والأحزاب دعم النمو الطبيعي لهذه المنظمات والتنظيمات والعمل على ازدهارها وتفعيل نشاطها والتنسيق معها واجتذابها سياسيا للعمل من خلال نشاط مشترك يراعي كيانها وخصوصيتها واستقلاليتها بعيدا عن أساليب الإغراء والإكراه والغرض.

وبالرغم من العلاقات المتداخلة والمركبة بين التعاونيات كتنظيمات جماهيرية شعبية ديمقراطية حرة والحكومات وأحزابنا السياسية المختلفة، إلا أن الملاحظ هذه العلاقة تتسم بالضعف والضمور فيما بين التعاونيات والأحزاب السياسية ومنذ الاستقلال وحتى اليوم لا تشكل التعاونيات أي ثقل أو ذكر في برامج الأحزاب السياسية وهي قضية خطيرة يستثنى من ذلك الحركة الشعبية والتي ركزت على التعاون كأسلوب لحل قضايا المواطنين في الجنوب ويتضح ذلك بجلاء من خلال إنشاء وزارة التعاون والتنمية الريفية مما يؤكد عمق الفهم والإدراك لدى قادة الحركة الشعبية وذلك بربطهم للتنمية الريفية بالعمل التعاوني الذي يعتمد على تجميع الجهود الذاتية المبعثرة في كيان واحد فعال تحت إشراف ودعم الدولة. قد فشل التعاون إلى حد كبير في تحقيق أهدافه المعلنة، وصاحب ذلك الفشل الكثير من المشاكل المتراكمة منذ العهد الاستعماري وفي ظل الحكومات الوطنية المتعاقبة لنواجه اليوم بكارثة تعاونية مستفحلة، يتباري في صناعتها التعاونيون أنفسهم وخاصة أصحاب الشأن، التعاونيون الشعبيون وبصورة أخص القيادات العليا منهم، بالإضافة للحكومة وكافة الأحزاب السياسية التي أهملت القطاع التعاوني ولم تعيره أي نظرة مع أنها تتسابق لتسجل حضورا مكثفا في انتخابات الطلاب مما يعني مدي القصور في النظر في الأولويات والتعامل معها بالجدية اللازمة.


انحراف بنك التنمية التعاوني

لقد كان قيام بنك لتمويل القطاع التعاوني أملاً من آمال التعاونيين طالبوا به، وسعوا إليه حتى كلل نضالهم بقيام بنك التنمية التعاوني الإسلامي والذي من أهم أهدافه دعم وتطوير القطاع التعاوني وتوفير التمويل للجمعيات التعاونية. التعاون طريقة جيدة للعمل، وغالباً هي أفضل طريق ولكن هناك بعض المهام التي لا تناسب التعاونيات هذه المهام يجب تركها حتى لا تتسبب في فشل التعاونيات وبالتالي تسئ إلى اسم التعاون. ومن أهم أسباب ذلك ما هو متعلق بالسياسات العامة والمتمثلة في السياسات والتوجيهات والإجراءات التي يصدرها البنك المركزي (بنك السودان) والتي تطبق على جميع البنوك التجارية دون اعتبار لأهداف البنك التنموية ودوره تجاه الجمعيات التعاونية ونذكر من تلك السياسات اشتراط دفع هامش جدية (المقدم الفوري) وهو لا يقل عن 25% من قيمة التمويل متضمناً هامش المرابحة وقد أثبتت التجربة أن ذلك يشكل عبئاً ثقيلاً على الجمعيات التعاونية والمزارعين خاصة في مجال التمويل قصير الأجل لمدخلات الإنتاج (الاسبيرات،التعاوني،المحروقات،السماد الخ) وعدم توفر هذا الجزء لديهم يدفعهم إلى العزوف عن التعامل مع البنك وربما اللجوء إلى تجار الشيل. ولم يقدم هذا البنك شيئا يذكر للحركة التعاونية السودانية وخاصة التعاونيات الزراعية، وأنتهي به الأمر أن بيع لمستثمر عربي دون الرجوع للقواعد التعاونية في سابقة خطيرة تؤكد الإستخفاف بالتعاونيات وممتلكاتها وأصولها وقواعدها. بل الأدهى والأمر إن ضعف الإدارة بالبنك إنعكس علي أدائه والذي أثار الكثير من التشويه والتشويش علي الحركة التعاونية لأنه يحمل صفة التعاون وهو غير تعاوني لأنه مسجل وفقا لقانون الشركات وليس بقانون التعاون.

جاء في صحيفة السوداني الغراء، العدد 196 الموافق الثلاثاء 23 مايو 2006 إن هناك مخالفات حدثت في ثلاثة بنوك منها بنك التنمية التعاوني الإسلامي فرع الخرطوم، وإنها حدثت في الحسابات الجارية للعملاء وذلك بإجراء قيود محاسبية بقيمة شيكات وهمية خصماً على حساب الرئاسة أو الفروع وأضافتها لحساب جار للعملاء ومن ثم صرفها. وحمل تقرير المراجع العام أسباب هذه التجاوزات ومسؤولية ذلك إلى ضعف المتابعة والرقابة اللصيقة على الموظفين، هذا الخبر الفضيحة. قد أضر ضرراً بليغاً بالحركة التعاونية والتعاونيين، وذلك لأن هذا البنك وان سمي تعاونياً فهو بنك قطاع خاص تابع لمستثمر أجنبي بعد ان تم بيعه، بدون الرجوع للقواعد التعاونية مما يعد خروجاً صارخاً على أساس ومبادئ التعاون المعمول بها والتي يرجع في اتخاذ القرارات فيها دائماً إلى العضوية التعاونية وفقاً للديمقراطية المعمول بها في التعاونيات. والضرر الناتج يتمثل في إن القراء- والذين يستقبلون الكثير من التشويش عند سماعهم أو قراءتهم عن الحركة التعاونية السودانية- هؤلاء القراء يقوم في بالهم ان هذا البنك مازال تحت مظلة الحركة التعاونية، وما هو بذلك، فيقوم في ذهنهم- إن هذا الخلل البائن، نتيجة للممارسات التعاونية من قبل التعاونيين مما يضع الحركة التعاونية في وضع لا تحسد عليه، بعد إن نالها ما نالها في عهد (الإنقاذ) من تحطيم وتفتيت، وان عدم تصحيح هذا الوضع يضعف من جهود بعض التعاونيين المخلصين الذين يعملون على إعادة الحركة التعاونية لموقع الريادة فيما يتعلق بتحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمواطن السوداني عبر التعاونيات، لقد تعرضت الحركة التعاونية بالحق والباطل في كثير من الأحيان لتشويه متعمد لأهدافها وغاياتها ووسائلها وانجازاتها التي لا تتكرر، وعليه يجب فوراً على إدارة هذا البنك، وعلى المختصين من التعاونيين في جهات الاختصاص العمل على سحب هذا الاسم (التعاوني) لأن هذا مخالف للدستور والقانون، فقانون التعاون الساري الآن لعام 1999 ينص في المادة 16 (2) لا يجوز لأية جهة غير مسجلة بموجب أحكام هذا القانون إن تستعمل كلمة (تعاون) أو (تعاوني) أو أية كلمة مماثلة إلا بموافقة المسجل العام وهو ما تنص عليه كل القوانين والتشريع والأسس والمبادئ التعاونية في العالم.

وفقاً للمبادئ التعاونية والتي تلزم كل من يطلق عليه (تعاوني) أو (تعاون) أو (تعاونية) ان يتقيد بالمبادئ والأسس التعاونية والتي تعتمد على العضوية الطوعية والاختيارية، والديمقراطية والمشاركة الاقتصادية والاستقلال والاستقلالية، التعليم والتدريب والإعلام، التعاون بين التعاونيات والاهتمام بشؤون المجتمع المحلي. وهذا البنك لا يتقيد في عمله وأدائه بهذه المبادئ التعاونية بالإضافة إلى انه غير مسجل كجهة تعاونية. وان هذه الصفة سقطت فور بيعه وبذلك ومن الناحية المهنية (التعاونية) أو من الناحية القانونية حسب قانون التعاون المسنود بالدستور. هذا البنك لا يحمل هذه الصفة (التعاوني) لذلك هذه الفضيحة وهذا الفساد لا علاقة له بالحركة التعاونية السودانية... وان المؤسف حقاً إن يحدث مثل هذا في الصحف السيارة مما يشوه وجه الحركة التعاونية في ظل صمت رهيب للاتحاد التعاوني القومي راعي الحركة التعاونية السودانية بالاسم وليس بالفعل. فاين هذا الاتحاد... وأين الاتحادات والمنظمات الأخرى في القيام بدورها تجاه قواعدها من العضوية التعاونية العريضة؟، بعدما فرطت هذه الاتحادات وقياداتها في البنك وغيره من مكتسبات التعاونيين!!.


المركز القومي لتدريب التعاونيين... التعدي والاغتصاب

إن تقدم ونجاح واستمرار العمل التعاوني فى شتى مجالاته المتعددة والمتنوعة ينبع في الأساس من الجانب التعليمي والتدريبي، ولاشك إن غياب هذا الجانب يقف حجر عثرة أمام كل المحاولات والتجارب المبذولة لتنظيم تعاونيات تتأسس على فهم راسخ وقبول واعي بالمبادئ التعاونية التي تشكل "الهوية التعاونية" وتميز الشكل التعاوني من غيره من الأشكال والتنظيمات ألاقتصاديه والاجتماعية الاخري. وموضوع بنك التنمية التعاوني الإسلامي مرتبط أيضا بالتعدي علي مباني ومقر المركز القومي لتدريب التعاونيين بالخرطوم حيث استولت ولاية الخرطوم علي مقر المركز ومبانيه في مساحة 18000 م.م منذ عامين دون وجه حق، في تحد سافر لكل القوانين والأعراف القومية والدولية، وتم تشريد المدربين التعاونيين، والذين يتنقلون من مكان آخر،دون وجود مقر دائم، حيث فقدت وتبعثرت المكتبة التعاونية القيمة والوحيدة بالسودان، وحتى الآن لايعرف أحد إلي أين يتجه مصير هذا المركز العريق الذي باشر دوره الطليعي في التعليم والتدريب التعاوني في العام 1976 م.


ممتلكات الحركة التعاونية والأثمان البخسة(38)

أما ممتلكات الحركة التعاونية فقد بيعت وبأثمان بخسة، ولقد تعرضنا لهذا الأمر وتناولناه كثيرا بكتاباتنا في الصحف ولا حياة لمن تنادي، ومن ضمن ماكتبنا ماجاء بصحيفة "السوداني" اليومية في العدد رقم: 530 بتاريخ 2007-05-04 الآتي {في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدراء التعاون بالولايات الذي انعقد في صباح يوم السبت الموافق 7/4/2007م بمقر الأمانة العامة للتعاون بالخرطوم، خاطب السيد وزير الدولة بوزارة التجارة الخارجية، الحاضرين من ومن جملة ما قاله (إنه بعد العام 1989م أخواننا التعاونيين لم يستطيعوا التكيف مع التحول الاقتصادي وسياسات التحرير التي أعلنتها الدولة وقاموا ببيع ممتلكات التعاون وبأثمان بخسة، وان التعاونيين لم يصمدوا في مواجهة الواقع الجديد) وأضاف (إن الدولة لم تحل التعاون ولم تصدر قراراً بوفاته بل إن التعاونيين باعوا الممتلكات الخاصة بالتعاون بأثمان بخسة وبصورة تصل للمساءلة الجنائية وأكد (أن التعاون مافي زول (حٌلاهو) ولابد لنا من وقفة جديدة) انتهى كلام السيد الوزير. هذا حديث شجاع لمسئول حكومي يعتبر الراعي والمشرف على الحركة التعاونية والمسئول الحكومي والسياسي والإداري الأول عن العمل التعاوني بالبلاد.. وهو حديث خطير يستوجب منا وقفة جادة وعمل صادق لاسترداد أملاك التعاونيين الضائعة وحقوقهم المسلوبة والمهدرة، وهي مسؤولية السيد الوزير في المقام الأول بالإضافة إلى الاتحاد التعاوني القومي، قمة الحركة التعاونية والشعبية إلى جانب جميع التعاونيين وكل الحادبين على أمر الوطن والمواطن السوداني المغلوب على أمره. جاء في المادة (6) من قانون التعاون لعام 1999م (ترعى الدولة الحركة التعاونية باعتبارها نشاطاً جماعياً يخدم أغراض الفرد والمجتمع وتعمل ـ الدولة ـ على تفعيل دور الحركة التعاونية، وتمكينها من القيام بواجبها في كل المجالات تحقيقاً لأهدافها الكلية) وتنصص المادة (3) بأن الوزير المختص بشؤون الحركة التعاونية هو وزير التجارة الخارجية كما تنص المادة(8) ـ1 ـ على رئاسة الوزير للمجلس القومي لرعاية وتنمية الحركة التعاونية والذي تحدد المادة (9) اختصاصاته والتي منها وضع سياسات وخطط وبرامج الحركة التعاونية والإشراف عليها ومتابعتها وتقديم النصح لها. اما المادة (21) من قانون التعاون لسنة 1999م فتحدد بصورة قاطعة ان الجمعيات التعاونية تخضع لإشراف الوزير ورقابة المسجل العام للتعاونيات الذي يعينه السيد الوزير. هذا باختصار غير مخل فيما يتعلق بالوضع القانوني للسيد الوزير، اما بالنسبة للاتحاد التعاوني القومي، فتحدد المادة(23) بوضوح تام دور الاتحاد ومسؤوليته في تنفيذ خطة الدولة في القطاع التعاوني، وتمثيل الحركة التعاونية في الداخل والخارج والعمل على نشرها وربطها بالجماهير وإعداد القيادات الواعية والصالحة لتسيير الحركة التعاونية والواقع يثبت انه من الناحية الفكرية والنظرية والقانونية، المسؤولية المباشرة للسيد الوزير والاتحاد التعاوني القومي، تجاه الحركة التعاونية السودانية.

وعلى ضوء ماتقدم به تبرز للسطح العديد من الأسئلة الملحة، والتي نتمنى إن تجد الإجابة عليها بكل الوضوح والشفافية والشجاعة من السيد الوزير، والسادة أعضاء مجلس إدارة الاتحاد التعاوني القومي..وهي: من الذي قام ببيع ممتلكات الحركة التعاونية بأثمان بخسة؟ وهل هم التعاونيون الشعبيون أم الديوانين؟ أم هم الذين نسبوا للحركة التعاونية بعد قرار (الإنقاذ) رقم 34 الشهير بتكوين لجان التسيير والتي خلت محل التعاونيين المنتخبين ديمقراطياً؟ ومن وماهي تلك الجهات التي استولت على هذه الممتلكات نظير هذه الأثمان البخسة؟ هل هي حكومية أم شركات قطاع خاص أم أفراد؟ وكيف تم ذلك؟ ومتى؟ وما الذي تم حيال هذه التصرفات وهذا الفساد؟ وماهو دوركم (السيد الوزير، والسادة، أعضاء مجلس إدارة الاتحاد التعاوني القومي)؟ وماهو الدور الواجب الذي قام به السادة الوزراء السابقون؟ لقد جاء في المادة(28) ـ1ـ أموال الجمعية التعاونية ملك لأعضائها وجاء في المادة (25) من قانون التعاون البند ـ2ـ لايجوز لأية جمعية تعاونية التصرف بالبيع أو الرهن أو ترتيب أي حق على أصولها الثابتة والمنقولة إلا بقرار من الجمعية العمومية وموافقة المسجل العام، على إن تحتفظ الجمعية التعاونية بسجل لكل التصرفات والرهونات والقيودات بالطريقة التي تحددها اللوائح). فكيف جاز لهؤلاء وأولئك التصرف في ممتلكات التعاون والتعاونيات دون الرجوع إلى أهلها وأصحابها؟؟؟ إن ما قاله السيد الوزير أمام المؤتمرين صباح السبت 7/4/2007م حق !! ولكنه ليس كل الحق!!! لقد حاول السيد الوزير أن يثبت الخلل البائن في الحركة التعاونية على التعاونيين وحدهم.. وهذا مجاف للحقيقية.. والحقيقة أن (الإنقاذ) قصدت وحاولت اغتيال الحركة التعاونية السودانية الشعبية التوجه، الحرة، الديمقراطية في أساليبها وغاياتها.. وذلك بكل الشراسة، مستخدمة كل الأسلحة، من التشريد والإقصاء للكفاءات التعاونية النادرة، وتفتيت الجهاز الإداري الحكومي المختص بالتعاون، الذي تفرقت مهامه وسلطاته هدراً بين مدراء المالية بالولايات، وفي عهد (الإنقاذ) تم بيع بنك التعاون، الذي أسسه التعاونيون، واغتصبت مباني ومقار المركز القومي لتدريب التعاونيين، بصورة مخالفة لكل الأعراف والمواثيق الدولية في سابقة هي الأولى والأخطر على مستوى الحركة التعاونية العالمية. في عهد (الإنقاذ) جرت محاولات مستميتة لتفتيت البنيان التعاوني الشعبي، وطوعت معظم التعاونيات والاتحادات التعاونية وفي قمتها الاتحاد التعاوني القومي من خلال لجان التسيير الموالية (للإنقاذ) لتكون رافداً من روافدها، بالرغم من مقاومة بعض أعضاء مجالس إدارات التعاونيات لهذه الهجمة الشرسة.

إذا أردت الحق، السيد الوزير حكومة (الإنقاذ) هي التي كانت وراء بيع ممتلكات الحركة التعاونية من خلال تهاونها في حسم هذا الأمر.. ثم إن البيع بأثمان بخسة ليس بغريب على (الإنقاذ) والتي باعت الكثير من ممتلكات هذا الشعب، وخير مثال لذلك بنك الخرطوم العريق العتيد...وبذلك إذا كان رب البيت بالدف ضارباً،فشيمة اهل البيت الرقص فلا غرو ولا غرابة، أن تباع ممتلكات التعاونيات في زمن (الإنقاذ) بعد ما حافظ عليها التعاونيون منذ الثلاثينيات من القرن الماضي حتى العام 1989م، وعضوا عليها بالنواجذ، فجاءت (الإنقاذ) وبعثرت هذا التراث السوداني الثر الفريد، هذه هي الحقيقة الناصعة.. وعلى الرغم من ذلك فالتعاونيون لهم دور في ذلك، حيث إن هناك قلة انساقت وراء (الإنقاذ) رغبة أو رهبة مما فاقم من الكبوة التي لحقت بالحركة التعاونية، والتي إن شاء الله، سوف تقوم منها وهي أكثر قوة، بفضل الله ثم بفضل أبنائها التعاونيين الذين لايزالون يرابطون في الولايات والمحليات والقرى والفرقان والاحياء.. في بقاع السودان المختلفة وهم يصارعون الظروف السياسية والاقتصادية والمعاشية السيئة، من أجل كرامة المواطن السوداني الحر، ينشئون التعاونيات وينشرون الفكر التعاوني، يدفعهم لذلك، وطنيتهم وإخلاصهم للعمل التعاوني والذي هو مسؤولية، وعقيدة وإيمان. السيد الوزير أبدؤوا بالإصلاح.. و(تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) والناس بخير ما تعاونوا السيد الوزير..انها فرصة لن تتكرر..وضياعها، بعد التحرك الفوري لرد هذه الممتلكات يعني مزيداً من التدهور، وتكريساً للظلم وضياع الحقوق.


الخاتمة

من العرض السابق في هذه الورقة يتضح أثر الصراع علي الهوية بصورة عامة والهوية التعاونية بصورة خاصة، علي مجمل أداء العمل التعاوني، وظهر ذلك جليا في المكتسبات التي فقدتها الحركة التعاونية السودانية، مثل بنك التنمية التعاوني، مباني ومقار مركز التدريب التعاوني، تشريد الكفاءات التعاونية، نهب الممتلكات التعاونية وبيعها بأثمان بخسة. و نحب أن نقرر هنا أن معالجة مشاكل التعاون في الإطار الحالي للهياكل الأساسية للاقتصاد السوداني لن يحرره من أسر المشاكل التقليدية المزمنة التي ظلت تلازمه وقتاً طويلاً... ما لم تحدث قفزة في التصور وفي التخطيط تضع التعاون موضعاً جديداً وفريداً وما لم يحدث تغيير فعلي وجذري بعيد ترتيب وتنظيم البنية الفوقية للاقتصاد السوداني ليعطي التعاون دوراً طليعياً وأساسياً في الحركة التنموية فإن الحديث عن إزالة سلبيات الحركة التعاونية وهدم السياسات الخاطئة التي سجنت التعاون في إطار ضيق سيكون عبثاً وطحنا بلا طحين. إن تحديد أي تصور جديد لموقع العمل التعاوني لابد أن يكون منطلقاً من مقومات "لهوية التعاونية" ومن التجربة الماضية ليعطي الأبعاد لما يجب أن يؤديه التعاون في رفع معدلات الدخل القومي، وفي مجالات الإنتاج وكسب الأرصدة الأجنبية للبلاد ومجالات تحريك المدخرات المحلية الضعيفة لتجميعها وتحويلها إلى قوة اقتصادية مؤثرة – خاصة وأن الواقع التعاوني تؤكد ضعف المخصص للادخار من الفائض المتحقق في دخول أعضاء التعاونيات برغم عدم توفر هذا الفائض لغالبية الأعضاء بجانب ما يمكن أن يلعبه التعاون في دفع الثورة الاجتماعية على امتداد قطاعات المجتمع بما ينمي من قيم العمل الجماعي في الإدارة الديمقراطية والروح الجماعية، وبما يقدمه من خدمات في مجال الضروريات مثل الصحة والتعليم والإسكان... الخ. إن التعاون لا يمكن بحال من الأحوال أن يفصل من عملية الثورة الاجتماعية ولا يمكن أن ينظر غليه كقطاع للتطور الوئيد فهو قطاع ثوري له دور ثوري إيجابي.. ودور متميز في اقتصاديات التحول، دور أساسي في عمليات تغيير القطاع التقليدي الذي يشمل أكبر مساحة من الأرض الصالحة للزراعة وأكبر عدد من المواطنين – وتحويله إلى قطاع حديث ورائد وفق برنامج متكامل للإصلاح الزراعي.. أن النمو الأفقي والرأسي للقطاع الزراعي، والرعوي وخلق كيان اقتصادي متماسك لفقراء المزارعين ومتوسطي الحال منهم... واستبعاد الاستغلال الربوي (نظام الشيل) والتجاري.. وحمايتهم من الغلاء وتسهيل العمليات الزراعية بالمشاركة الجماعية في عمليات الحصاد بالآلة وبالوسائل التقليدية، وتغيير الوسائل العاجزة في التسويق والتخزين عمل يتم بصورة أسرع وأكفأ عن طريق التعاون إذ أن العمل التعاوني يتميز بالقدرة على إعطاء الحافز الطبيعي والصحي للعمل.. فدافع الإنتاج هو تلك الفائدة المباشرة والحاسمة التي يجنيها باذل الجهد وتجنيها المجموعة.. والتعاون علاقة مباشرة تلغي عملية الوسيط بين المنتج والمستهلك وتخلق مسارات سليمة وطبيعية للاستهلاك... بل هي بدون شك تزيل الافتراق الإنتاجي إذ تعطي الفرصة الواسعة لانتقال السلعة من الإنتاج للاستهلاك تحت رعاية القوى المنتجة، وهي بذلك تؤدي إلى نمو السوق المعتدل الذي يبرأ من الأنشطة الطفيلية التي تضيف إلى قيمة السلعة قيمة غير حقيقية مما يؤدي إلى نمو السوق السوداء والمضاربات التجارية التي تضر أشد الضرر بالمستهلك وبالوضع العام للاقتصاد.. إن الشعار العالمي الذي رفعه الحلف التعاوني الدولي للعام الماضي 2006 هو "بناء السلام من خلال التعاونيات" يحتم علينا استثمار هذا الشعار وترجمته علي أرض الواقع بأن تكون هناك حركه تصحيح للمسار التعاوني يقودها ويوجهها التعاونيون. كما لابد أن يكون للتعاون الزراعي من خلال الجمعيات التعاونية المختلفة , دور رائد في ذلك. لذلك لا بد من بدء مرحله جديدة بإعادة هيكله وتطويرا لنظام التعاوني بما يتماشى مع الاقتصاد الحر والشراكة مع القطاع الخاص مع الحفاظ علي "الهوية التعاونية"، في إطار دور جديد للدولة تلبية للاحتياجات المتعددة والمتجددة للحركة التعاونية السودانية وفي ظروف التحول من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام والتي يجب أن تلعب التعاونيات وخاصة الإنتاجية الزراعية دورها المنتظر في هذا الظرف الجديد وهي جديرة بذلك وأهل له‏ بإذن الله.‏ كل ماسبق يصب في صالح الجهود المبذولة لتحقيق السلام وبذلك يصبح فعلا لا شعارا تحقيق السلام من خلال التعاونيات.


الهوامش
(1) د. رولى إيليا موسى ، حرية اختلاف الرأي و قبول الآخر June 27, 2007 ،www.tharwacommunity.typepad.com
(2) ديلمون كريم الحوار المتمدن - العدد: 1698 - 2006 / 10 / 9 http://www.rezgar.com/m.asp?i=1471
(3) محمود محمد طه ، أسس دستور السودان ، الحزب الجمهوري ، أمدرمان- الموردة ص.ب 46نوفمبر 1968، الطابعون: مطابع سودان ايكو (ص2)
(4) محمود محمد طه ، أسس حماية الحقوق الأساسية ، منشور الحزب الجمهوري ، 20 مارس 1969
(5) د. رولى إيليا موسى ، حرية اختلاف الرأي و قبول الآخر، مرجع سابق زكره
(6) محمود محمد طه ، أسس حماية الحقوق الأساسية مرجع سابق زكره
(7) محمود محمد طه ، أسس دستور السودان ، مرجع سابق زكره ، ص 5 (8) خالد جمعة ، قراءة في كتاب ، إشكالية الهوية في إسرائيل http://www.sis.gov.ps/arabic/roya/images/baner.jpg
(9) كاترين هالبيرن مفهوم الهوية: تاريخه وإشكالاته ترجمة د.إلياس بلكا http://www.fursah.net/articles/alhaweea.htm
(10) بشير خلف ، سؤال الهوية وصدمة العولمة ، http://www.aklaam.net/aqlam/showthis.php?id=276
(11) مصطفى المسعودي ، سؤال الهوية:في تعريف الهوية حول تنامي الوعي بالهوية www.albadilalhadari.com .
(12) كاترين هالبيرن مفهوم الهوية: تاريخه وإشكالاته ، مرجع سابق زكره
(13) أحمد مختار أحمد الهوية في السودان قدر أم اختيار 22-7-1428 هـ http://www.alnilin.com/index.htm
(14) مصطفى المسعودي ،.سابق ذكره
(15) كاترين هالبيرن مفهوم الهوية: تاريخه وإشكالاته ، مرجع سابق زكره
(16) أ.د عبد العزيز بن عثمان التويجري ، الهوية والعولمة من منظور حق التنوع
(17) بشير خلف ، سؤال الهوية وصدمة العولمة مرجع سابق ذكره
(18) د. محمود أمين العالم ، حول مفهوم الهوية ، مجلة العربي ، العدد 437 ، أبريل 1995
(19) طه إبراهيم ، الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة ، مركز الدراسات السودانية ، أكدال – الرباط – المغرب ، 1992، ص 3
(20) د. الباقر العفيف أزمة الهوية في شمال السودان متاهة قوم سود...ذوو ثقافة بيضاء ترجمة الخاتم عدلان ، 1999 ص 3
(21) بشير خلف ، سؤال الهوية وصدمة العولمة مرجع سابق ذكره
(22) د. الباقر العفيف المصدر السابق ذكره ص 6 - 7
(23) أحمد مختار أحمد الهوية في السودان قدر أم اختيار ، مرجع سابق ذكره
(24) محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي ، الطريق نحو إصلاح تعاوني عاجل "تطوير وتنمية الجهاز الإداري والحكومي المختص بالتعاون" ، وزارة التجارة الخارجية (الأمانة العامة للتعاون) ، ورقة عمل مقدمة الي مؤتمر مديري إدارات التعاون بالولايات ، الخرطوم ، 7 - 8 أبريل 2007 ، ص 5 - 6
(25) حسن الوديع السنوسي – تطور الحركة التعاونية السودانية – مؤتمر التنمية التعاونية الشاملة – المركز القومي لتدريب التعاونيين – الخرطوم – السودان – 22-26 فبراير 1987 م. ص 3
(26) د. حسن الوديع السنوسي – الحركة التعاونية بالسودان تحت الحكم البريطاني – مجلة محاور ، المجلد الاول ، العدد الاول – مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة امدرمان الاهلية– السودان – يوليو 1998 م. ص 99
(27) المصدر السابق زكره ص 100
(28) محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبى ، دور جديد للدولة في دعم التعاونيات الزراعية المنتجة "الجمعيات التعاونية لمنتجي الأصماغ الطبيعية نموذجا"، ندوة دور تنظيمات المزارعين في ترقية الإنتاج تجربة إتحادات المزارعين وجمعيات منتجي الأصماغ الطبيعية، (مؤسسة النيل الأبيض برس - الهيئة القومية للغابات - إتحاد عام مزارعي السودان) قاعة إتحاد عام مزارعي السودان ، الخرطوم ، 7/9/2006 ، ص 5 - 6
(29) جعفر محمد يوسف ، التعاونيات الاستهلاكية في السودان ومعوقاتها الاساسية ، بحث لنيل دبلوم معهد التخطيط القومي ، القاهرة ، مصر ، 1986 ص 38
(30) محمد عبد الرازق سيد أحمد - تطبيقات اقتصاديات التنمية في تكوينات الجمعيات التعاونية بالسودان1945م – 2005م - رسالة ماجستير (أكاديمية السودان للعلوم برامج البحوث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. وزارة العلوم والتقانة + معهد الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية – الخرطوم - سبتمبر 2005م ص 8
(31) محمد عبد الرازق سيد أحمد - المرجع السبق زكره
(32) محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبى ، آثار القرار السياسي على دور ومستقبل التعاون الزراعي ، ورقة عمل مقدمة الي ورشة عمل"دور ومستقبل التعاون الزراعي والزراعة التعاونية" ، وزارة الزراعة و الغابات الخرطوم، 30/8/2006 ص
(33) منشورات منظمة العمل الدولية – "التعاونيات" مقتطف من البيان حول الهوية التعاونية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للاتحاد الدولي للتعاونيات، 1995 – منظمة العمل الدولية – مكتب العمل الدولي – الطبعة الأولى - جنيف – سويسرا – 2000www.ica.coop
(34).محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي ، الحركة التعاونية السودانية وفرص التنمية المهدرة "التعاون الزراعي نموزجا" ورقة مقدمه لمؤتمر مركز الأرض حول "مستقبل التعاون الزراعى فى ضوء التغيرات السياسية الراهنة إهدار حق التنظيم للفلاحين فى مصر.... مسئولية من ؟"، 8/9 يونيو 2007 ، فندق رويال جاردنز – القاهرة – مصر ، ص 18
(35)د.فرح حسن أدم و د.كامل إبراهيم حسن ، الحركة التعاونية بين النظرية و إمكانية التطبيق ، المجلس القومي للبحوث ، مجلس لأبحاث الاقتصادية والاجتماعية ، الخرطوم – يناير 1980م.
(36) هناءعلي كريم هن لي كريم (دكتور) – أصول الشرعية والفعالية التعاونية– كلية الحقوق –– جامعة القاهرة فرع الخرطوم – الخرطوم 1993م.
(37) محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبى،اثار القرار السياسي على دور ومستقبل التعاون الزراعي ، مرجع سابق ذكره
(38)محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي – إختصاصي التعاون والتنمية الريفية – مقال بصحيفة "السوداني" ، الخرطوم العدد رقم: 530 ، 2007-05-04