(1)" اقتصاديات التنمية و سودان ما بعد النزاع "

*علي عبد القادر علي
 

بروفيسور/ علي عبد القادر علي

البروفيسور علي عبد القادر علي، سوداني الجنسية، من مواليد 1944 تخرج من كلية الاقتصاد، بجامعة الخرطوم، ونال درجتي الماجستير و الدكتوراه من جامعة اسكس في بريطانيا. عمل أستاذا للدراسات الاقتصادية في جامعة الخرطوم ، و في جامعة الجزيرة في السودان و يعتبر واحداً من المؤسسين الأوائل لجامعة الجزيرة. وكذلك عمل كاقتصادي أقدم بالمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا ومديراً للبحوث في المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، ومديراً لقسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة. ويعمل البروفيسور علي حالياً نائباً للمدير العام في المعهد العربي للتخطيط بدولة الكويت.

وعمل البروفيسور علي مستشاراً لعدد من المنظمات الإقليمية والدولية مثل البنك الأفريقي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والبنك الدولي ؛ وكذلك المنظمات الاقتصادية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، ومنظمة اليونسيف، ومنظمة العمل الدولية.

يُعتبر البروفيسور علي واحداً من الاقتصاديين السودانيين المميزين الذين رفدوا الأدب الاقتصادي بالغزير من المساهمات الجادة خاصة في حقلي التنمية الاقتصادية و قضايا الفقر ، و هو يعتبر واحداً من أعلامهما. أضاف البروفيسور علي حوالي 97 عملاً في المجال الاقتصادي، تضمنت تلك الإضافة 6 كتب ، و 63 بحثاً و ورقة متخصصـــــة، و20 موضوعاً ، و 8 كتيبات. و لقد نُشرت هذه المساهمات في دوريات متخصصــــــة و مجلات علمية رفيعة. وللمزيد عن تفاصيل مؤلفاته يمكنكم الاطلاع على موقع المعهد العربي للتخطيط و هو:
http://www.arab-api.org

أولاً- مقدمة وخلفية:

كما هو معروف يمثل عام 1999 عاماً فاصلاً فيما يتعلق بهيكل وأداء الاقتصاد السوداني نظراً لما شهده العام من الاستغلال التجاري للنفط وتصديره. كذلك الحال يمثل عام 2005 عاماً فاصلاً فيما يتعلق بالترتيبات السياسية والمؤسسية للقطر في ضوء توقيع إتفاقية السلام الشامل التي ترتب عليها نهاية حرب أهلية كانت مستعرة منذ عام 1983.

وعلى الرغم من كل المآخذ على النظام السياسي الذي ظل يتحكم في أمور البلاد منذ 30 يونيو عام 1989 إلا أن أحدث النتائج التطبيقية فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي للسودان توضح أنه ولأول مرة في تاريخه الحديث تمكن القطر من تحقيق معدلات نمو للدخل الحقيقي للفرد موجبة ومستمرة ومتزايدة خلال الفترة منذ عام 1994 حيث ارتفعت معدلات النمو هذه من حوالي 0.5 في المائة سنوياً إلى حوالي 6.3 في المائة سنوياً عام 2005.(2)

من جانب آخر، توضح المعلومات المتاحة أن السودان، مثله في ذلك مثل عدد كبير من دول أفريقيا جنوب الصحراء، لم يتمكن من تحقيق تحولات هيكلية يُعتدّ بها منذ استقلاله وحتى عام 1999 وذلك بدلالة انخفاض نصيب قطاع الزراعة من حوالي 55% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1960 إلى حوالي 41% عام 1999، وازدياد نصيب قطاع الصناعة من حوالي 14% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1960 إلى حوالي 19% عام 1999، وازدياد نصيب قطاع الخدمات من حوالي 31% عام 1960 إلى حوالي 41% عام 1999. وبعد أن تمكن القطر من تصدير النفط تغير الهيكل الإنتاجي بطريقة سريعة نسبياً حيث توضح معلومات البنك الدولي (2007 : 1) أنه في عام 2006 بلغ نصيب قطاع الزراعة حوالي 31% من الناتج المحلي الإجمالي بينما بلغ نصيب قطاع الصناعة حوالي 35%. بالإضافة إلى ذلك ، ومنذ عام 1999 تغير هيكل الصادرات بطريقة جذرية من الاعتماد على عدد من الصادرات الزراعية إلى هيمنة صادرات النفط والتي بلغ نصيبها عام 2005 حوالي 87% من إجمالي قيمة الصادرات. (3)

وعلى الرغم من كل التحفظات التي يمكن أن تُثار ضد النظام السياسي الذي ظلّ يتحكم في أمور البلاد منذ يونيو عام 1989، إلا أن هنالك إجماع عام على أن التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يناير 2005 يُمثل انجازاً سياسياً يضارع في أهميته ما حققته الحركة الوطنية في الأول من يناير عام 1956 بتحقيقها للاستقلال من الاستعمار البريطاني(4). هذا وقد ذهب عدد كبير من المحللين إلى اعتبار عام 2005 على أنه يمثل عام الاستقلال الحقيقي للقطر وذلك بعد سنوات طويلة من الحروب الأهلية بين الشمال والجنوب.

وكما هو معروف، فقد تم تضمين أهم مرتكزات اتفاقية السلام الشامل في الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2005. ويهمنا في هذا الصدد ملاحظة أن الدستور قد نصً في الفصل الثاني، من الباب الأول، حول "المبادئ الهادية والموجهات"، وتحت المادة (10-1) على أن "تكون الأهداف الأشمل للتنمية الاقتصادية هي القضاء على الفقر وتحقيق أهداف ألفية التنمية وضمان التوزيع العادل للثروة وتقليص التفاوت في الدخول وتحقيق مستوى كريم من الحياة للمواطنين".

ونُسارع لنلاحظ في هذا الصدد مواكبة اتفاقية السلام الشامل، ومن ثم الدستور الانتقالي، للتطورات النظرية والتطبيقية في مجال اقتصاديات التنمية والتي أفضت إلى أن يتبنى المجتمع الدولي، ممثلاً في قمة الألفية التي انعقدت في سبتمبر 2000 في نيويورك، "الأهداف الإنمائية للألفية". وتوضح القراءة المتأنية لهذه الأهداف أن المجتمع الدولي قد أجمع على اعتبار أن الهدف المحوري للتنمية، خصوصاً في الدول النامية، هو الإقلال من الفقر. وعلى الرغم من أن هذا الإجماع قد جاء متأخراً، بعد تطبيق متعاقب لفترة عقدين من الزمان لوصفات اقتصادية غير تنموية أخذت تعرف بوصفات "وفاق واشنطن"، إلا أنه قد جاء نتيجة لتراكم معرفي في مجال اقتصاديات التنمية أفضى إلى تعريف عريض للتنمية على أنها عملية "لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر"، كما عبّر عن ذلك بروفسور أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لعام 1998 (انظر سن (1999)).

وبعد، تهدف هذه الورقة في نهاية مطافها إلى لفت أنظار المهتمين بقضايا التنمية في السودان إلى أن أهم مقولات اقتصاديات التنمية التي جاء بها رواد هذا الفرع من الاقتصاد خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تزال صالحة للاهتداء بها في صياغة سياسات تنموية ملائمة للسودان النفطي ما بعد النزاع. وتشتمل بقية الورقة على سبعة أقسام: يتناول القسم الثاني استعراضاً سريعاً ومكثفاً لتصنيف نظريات التنمية الاقتصادية والذي سيمكننا من التركيز على تطور الأفكار في مجال "اقتصاديات التنمية" كعلم فرعي من علوم الاقتصاد. ويتناول القسم الثالث بعض أهم أطروحات "اقتصاديات التنمية" والتي أطلق عليها صفة "النظرية الراقية للتنمية" بهدف استجلاء أهم مكونات السياسات فيها، بينما يستعرض القسم الرابع الشواهد التجريبية حول أداء الدول النامية منذ استقلالها وحتى عام 1973، وهي الفترة الزمنية التي أخذت تعرف بالعهد الذهبي للنمو الاقتصادي الحديث على مستوى العالم وهي أيضاً الفترة التي اتبعت فيها معظم الدول النامية سياسات تنموية اعتمدت على مقولات :النظرية الراقية للتنمية". هذا وقد شهدت الفترة التالية لهذا العام وحتى نهاية تسعينات القرن الماضي هيمنة النظرية النيوكلاسيكية للتنمية على مجمل جهود محاولات التنمية، أو بالأحرى إجهاض مثل هذه الجهود، وهو أمر يتناوله القسم الخامس. ويتناول القسم السادس تطور الفكر التنموي الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تعريف عريض للتنمية يُمكّن المهتمين بأمورها من تحليل مختلف الجوانب التي تشتمل عليها عملية التنمية بمعنى أنها "عملية لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر". وتلاحظ الورقة في هذا الصدد أن التعريف العريض للتنمية قد وجد قبولاً واسعاً على مستوى العالم وترجمته الأمم المتحدة في "الأهداف الإنمائية للألفية"، وهي الأهداف التي تتمحور حول الإقلال من الفقر كهدف للتنمية في الدول النامية. وفي إطار التعريف العريض للتنمية، والهدف المحوري للتنمية، يلخص القسم السابع أحدث النتائج التي توصلت إليها الأدبيات المتخصصة في استكشاف العوامل المحددة للنزاعات، خصوصاً الحروب الأهلية، والتي توضح أهمية عامل الفقر في تفسير احتمال نشوب الحروب الأهلية وتجدّدها بعد فترة سلام متفق عليه. وأخيراً يتقدم القسم الثامن بملاحظات ختامية.

ثانياً: النظرية الراقية للتنمية:

في ورقته الشيقة "إزدهار وإنحطاط إقتصاديات التنمية" لاحظ هيرشمان (1982) أن أهم الأفكار التي كانت متداولة في أوساط المهتمين بالتنمية في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين قد تمحورت حول ملائمة النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية لظروف البلدان المتخلفة وحول وجود منافع متبادلة بين الدول المتخلفة من جانب والدول المتقدمة من جانب آخر. على أساس هذه الملاحظة طور هيرشمان معيارين لتصنيف نظريات التنمية:

·

المعيار الأول: هو قبول أو رفض مقترح عالمية النظرية الإقتصادية (بمعنى ملائمة النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية للتطبيق في كل المناطق في كل الأوقات).

·

المعيار الثاني: هو قبول أو رفض مقترح وجود منافع متبادلة في إطار التبادل التجاري الدولي بين الدول المتقدمة والدول النامية.

بإستخدام هذين المعيارين تمكن هيرشمان من تصنيف نظريات التنمية الإقتصادية إلى أربعة أنواع على نحو ما يوضح الجدول التالي.

الجدول رقم (1): نظريات التنمية: تصنيف هيرشمان

أسس التصنيف

قبول مقترح وجود منافع متبادلة بين الدول

رفض مقترح وجود منافع متبادلة بين الدول

رفض مقترح شمولية النظرية الإقتصادية تظرية إقتصاديات التنمية
(الجيل الأول لإقتصادي التنمية: 1970-1940 )
نظرية التنمية الإقتصادية النيوماركسية
قبول مقترح شمولية النظرية الإقتصادية النظرية النيوكلاسيكية للتنمية
(الجيل الثاني لإقتصادي التنمية 1970 إلى الآن)
النظرية الماركسية

ودون الدخل في تفاصيل، ربما كانت شيقة في مقام مختلف، يمكننا ملاحظة ما يلي حول النظريات التي تم تصنيفها.


نظرية إقتصاديات التنمية:

تبلور خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي "تقليد علمي عام" ترتب عليه رفض قابلية تطبيق نتائج ومقولات النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية على كل البلدان بغض النظر عن مرحلتها التنموية، من جانب؛ وقبول مقترح وجود منافع متبادلة بين مختلف الدول، إستعمارية كانت أو متخلفة، من جانب آخر. هذا ولقد كان من أهم أسباب تبلور هذا "التقليد العلمي العام" ما إختصت به عدد من الدول المتخلفة من خصائص ثقافية تحدد أنواع السلوك الإقتصادي والإجتماعي وتختلف إختلافاً جوهرياً عن الخصائص الثقافية في الدول المتقدمة. هذا وقد أطلق كروقهان (1992) صفة "النظرية الراقية للتنمية" على أهم المقولات التي تمت بلورتها خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، بينما صنف مير (1999) الاقتصاديين الذين شاركوا في صياغة أهم الأفكار التنموية على أنهم الجيل الأول من اقتصادي التنمية.


النظرية النيوكلاسيكية للتنمية:

تستند هذه النظرية على القول بوجود نظرية واحدة للإقتصاد هي النظرية النيوكلاسيكية والتي تتكون من عدد من النظريات البسيطة ولكنها ذات قوة تفسيرية عالية، قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان. كذلك تستند هذه النظرية على قبول مقترح المنافع المتبادلة بين الدول وذلك بحكم النتيجة القائلة بأن المنافع المترتبة على إقتصاديات السوق ( بمعنى تعظيم دالة رفاهية المشاركين في الحياة الإقتصادية) تنطبق على الأفراد والدول على حد سواء. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن البناء النظري للنيوكلاسيكية قد إستند على الأفكار الأساسية التي قال بها آدم سميت، والذي لاحظ أن الدوافع الإقتصادية للأفراد تتركز حول المصلحة الذاتية، وأن السعي نحو تحقيق المصلحة الذاتية بصورة فردية وتنافسية هو مصدر القدر الأكبر من الخير العام وأن الفرد في سلوكه نحو تحقيق مصلحته "الذاتية تقوده يد خفية نحو تحقيق غاية لم تكن جزءاً من مقصده". هذا ولقد كان لهذه النظرية ممثلين في أوساط المهتمين بقضايا التنمية في الأربعينات والخمسينات لعل أشهرهم لورد بور وفاينر، وشولتز.


نظرية التنمية الإقتصادية النيوماركسية:

وهي نظرية تستند على رفض مقترحي عالمية علم الإقتصاد ووجود المنافع المتبادلة. ويستند هذا الرفض على ملاحظة أن أهم السمات الجوهرية للعلاقات بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، في إطار النظام الإقتصادي العالمي الذي كان سائداً، هي الإستغلال والتبادل اللامتكافئ، وأنه كنتيجة لعملية الإستغلال التي طال أمدها فقد أصبحت التركيبة السياسية والإقتصادية للدول المتخلفة مختلفة كل الإختلاف عن أي وضع هيكلي شهدته الدول المتقدمة في ماضي أيامها ومن ثم فسيكون من المستحيل على الدول المتخلفة أن تسلك في مسار تنميتها نفس الطريق الذي سلكته الدول المتقدمة مما يعني أنه سوف لن يتاح لها إحداث نهضة صناعية ناجحة تحت نظام رأسمالي. وبمعنى آخر، إذا كان مقترح آحادية علم الإقتصاد في الخطاب الماركسي يعني أن الدول المتقدمة تعكس صورة المسار الإقتصادي للدول المتخلفة، فإن النظرية النيوماركسية ترفض مثل هذا المقترح. هذا وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أن هذه النظرية قد تبلورت تحت تأثير باران في كتابه الهام "الإقتصاد السياسي للنمو". وكما هو معروف، فقد تبلورت نظرية التبعية المشهورة لتفسير تطور الرأسمالية في أمريكا اللاتينية.


نظرية التنمية الإقتصادية الماركسية:

وهي نظرية ترفض مقترح وجود منافع متبادلة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة (بسبب الإستغلال كما في النظرية النيوماركسية) إلا أنها تقبل مقترح آحادية علم الإقتصاد (الماركسي في هذا الحالة). وآحادية علم الإقتصاد الماركسي إستشفت من ملاحظة ماركس الشهيرة القائلة بأن "الدول الصناعية الأكثر تقدماً لا تفعل شيئاً سوى رفع صورة مستقبلها هي لتلك الدول التي تعقبها على السلم الصناعي".

وبعد، يهمنا ملاحظة أن التقليد العلمي الذي ساد في أوساط العلماء المهتمين بقضايا التنمية في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين قد تأسس تحت تأثير الهجمة المنهجية التي شنتها النظرية الكينزية على علم الإقتصاد التقليدي خصوصاً فيما يتعلق بإدارة الإقتصاديات الرأسمالية. وكما هو معروف فقد حاجج كينز بأن علم الإقتصاد التقليدي ربما كان ملائماً للحالات التي يتمتع فيها الإقتصاد بعمالة كاملة وأنه في ظل ظروف البطالة هنالك حاجة لتطوير أطر نظرية مختلفة. على أساس مثل هذه الملاحظة نشأ علم إقتصاديات التنمية تحت زعم أن الدول المتخلفة كمجموعة تتميز عن الدول المتقدمة كمجموعة بعدد من السمات المشتركة ومن ثم تحتاج إلى أطر نظرية مغايرة لتلك السائدة في تحليل مشاكل الإقتصاديات المتقدمة وأن أدوات التحليل الإقتصادية التقليدية تحتاج إلى تعديلات جوهرية لكي تصبح ملائمة للتطبيق في الدول المختلفة.

هذا ما كان من أمر الإطار التصنيفي الذي إقترحه هيرشمان. وعلى الرغم مما يمكن إثارته من تحفظات حول هذا الإطار إلا أنه يمكننا، لأغراض هذه الدراسة، قبول التصنيف الذي أفضى إليه كممثل للحالة المعرفية السائدة في مجال التنمية(5). ويهمنا، على وجه التحديد، التركيز فيما يلي على أسس الإسناد النظري في مجال تطور نظرية إقتصاديات التنمية. هذا ولعله من المعروف أن معظم رواد إقتصاديات التنمية قد ركزوا على إعتبارين في مجال تميز مجموعة الدول المتخلفة عن الدول المتقدمة هما وجود بطالة مقنعة في الريف وتأخر عملية التصنيع. وقد لعب هذين الإعتبارين دوراً محورياً في كل المحاولات التنظيرية التي بذلت خلال الأربعينات والخمسينات.


ثالثاً- بعض أطروحات النظرية الراقية للتنمية:

في مساهمة بعنوان "نحو ثورة مضادة للثورة المضادة لاقتصاديات التنمية" زعم كروقمان (1992) أن إقتصاديات التنمية كفرع متخصص من فروع علم الإقتصاد لم يعد لـه وجود. ولتفسير هذا الزعم أطلق كروقمان صفة "النظرية الراقية للتنمية" على مجموعة الأفكار المحورية لإقتصاديات التنمية التي تبلورت خلال الأربعنيات والخمسينات من القرن العشرين. ويعتقد كروقمان أن "النظرية الراقية للتنمية" قد تم تجاهلها فيما بعد لأن الذين قالوا بها لم يتمكنوا من تبيان رسائلهم النظرية بقدر كاف من الوضوح التحليلي ولم يتمكنوا من صياغة أفكارهم في شكل نماذج رياضية حسب التطورات التي حدثت في منهجية علم الإقتصاد النظري. ويرى كروقمان أن مرد هذا الفشل قد كمن في صعوبة نمذجة الإقتصاديات ذات المنافسة غير الكاملة التي تترتب على وجود وفورات خارجية وعوائد متزايدة الحجم،(6) وهي الظواهر الإقتصادية التي ركزت عليها النظرية الراقية للتنمية كأهم خصائص إقتصاديات الدول النامية. وعلى الرغم من هذا النقد إلا أنه قد تمت الإشادة بمجموعة الأفكار المحورية التي قالت بها النظرية الراقية للتنمية وتمت ملاحظة أن هذه الأفكار لا تزال صحيحة من الناحية النظرية وأنها ستظل ذات قيمة عالية لأغراض التطبيق. هذا وقد دعى كروقمان إلى إعادة الحيوية للنظرية الراقية للتنمية وذلك من خلال تطوير نماذج نظرية للإقتصاديات التي تتصف بعوائد متزايدة للحجم وحذر في نفس الوقت من الإتباع الحرفي لمقولات النظرية النيوكلاسيكية خصوصاً فيما يتعلق بقضايا إحداث التنمية وبدور الدولة في المجال الإقتصادي. في تعليقة على هذا النقد لاحظ إستجلتز (1992) أن قراءة كروقمان لتاريخ المساهمات التنظيرية في مجال إقتصاديات التنمية تتسم بقدر لا بأس به من المحدودية وأن الدول النامية توفر مجموعة غنية من المشاهدات والحقائق التي تحتاج إلى تفسير وأن التحدى الذي يواجه النظرية الإقتصادية هو تطوير النماذج التي من شأنها تفسير أكبر عدد من المشاهدات والحقائق وليس فقط تلك النماذج التي يمكنها تناول الظاهرة التقنية للعوائد المتزايدة للحجم. كذلك لاحظ إستجلتز أن النقد الموجه للنظرية النيوكلاسيكية لا يقتصر فقط على عدم مقدرتها للتعامل مع العوائد المتزايدة للحجم وإنما يشتمل وبطريقة جذرية على النقد الموجه نحو إفتراضاتها فيما يتعلق بمحتوى معلومات النموذج التنافسي الذي تعتمد عليه النظرية وهي إفتراضات تتصف بعدم المعقولية وعدم الواقعية.(7) ويلاحظ في هذا الصدد أن عدم توفر المعلومات المطلوبة للنموذج التنافسي، أو توفرها بطريقة غير كاملة، يتسبب في أن تفقد النظرية النيوكلاسيكية قوتها خصوصاً فيما يتعلق بالتخصيص الأمثل للموارد الإقتصادية، ومن ثم تفقد قوة مقترحها الخاص بتحقيق الكفاءة في تخصيص هذه الموارد.(8) وفي البلدان النامية، أكثر منها في البلدان المتقدمة، يكتسب إفتراض "توفر المعلومات" المطلوبة لعمل النموذج التنافسي أهمية حرجة، إذ عادة ما تتفشى في هذه الدول ظواهر عدم كمال المعلومات وعدم وجود الأسواق.

تبلور خلال الأربعينات إتفاق في أوساط المهتمين بالتنمية آنذاك أن التصنيع سيحتل مكانة هامة في أي سياسة إنمائية نشطة وأن بناء هياكل صناعية في الدول المتخلفة سوف لن يتأتى عن طريق عمل آليات السوق التنافسية بالطريقة التقليدية وإنما سيتطلب بذل جهود واعية ومكثفة عُبر عنها بعدد من الإطروحات الشهيرة: أطروحة "الدفعة القوية"، رونشتين – رودان (1943)، وأطروحة "الجهد الأدنى الحرج"، لبنستايــــــن (1957)، وأطروحة "النمو غير المتوازن"، هيرشـمــــــان (1957) وأطروحة "الحلقة" المفرغة، نيركس (1953)، بالإضافة إلى "استراتيجية إحلال الواردات"، بريبيش (1950)(9).

وعلى هذا الأساس ركزت حزم سياسات التنمية في ذلك الوقت على الإستثمار في التصنيع، وحماية الصناعات الوليدة، والتراكم السريع لرأس المال، وإستغلال مخزون فائض العمالة في القطاعات الريفية، وإحداث التنمية من خلال التخطيط وتفعيل دور الدولة في النشاط الإقتصادي وتقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية بأقل التكاليف للأفراد. وإستند نقاش كل هذه المفاهيم على حجج نظرية هدفت إلى إستحداث تبريرات للحماية والتخطيط والبرمجة وإنطوى النقاش، صراحة أو ضمناً، على رفض لمقترح آحادية وعالمية علم الإقتصاد، كما إنطوى أيضاً على إفتراض وجود موارد حقيقية بمكن إستنفارها محلياً لتمويل عملية التصنيع وتمثل أحد أهم هذه الموارد في وجود فائض للعمال في القطاع الريفي للدول النامية.

وبعد، كما هو معروف فقد ركز أشهر رواد النظرية الراقية للتنمية على ظاهرة "البطالة المقنعة في الريف" على أنها إحدى السمات المميزة للتخلف.(10) وإستند معظم الرواد في تطوير أطرهم النظرية ومقترحاتهم العملية على هذه السمة للقول برفض التحليل الإقتصادي المتعارف عليه (بمعنى النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية التي سادت منذ أواخر القرن التاسع عش). هذا وقد تتوج هذا الإتجاه في مقالة لويس (1954) الشهيرة حول "التنمية الإقتصادية في ظل عرض غير محدود للعمل". ويهمنا في هذا المجال إبراز أهم ما جاء في هذه المقالة من الناحية المنهجية المتعلقة بآحادية علم الإقتصاد النيوكلاسيكي.

في مقدمة مقالته لاحظ لويس أنه يكتب إنطلاقاً من الأعراف الكلاسيكية بإفتراضاتها الأساسية (مثال وجود عرض غير محدود من العمل لقاء أجر الكفاف) وأسئلتها المحورية (مثال كيف سيتسنى للإنتاج أن ينمو مع الزمن؟) ولاحظ أيضاً أن الكتاب الكلاسيكيين قد وجدوا الإجابة على أسئلتهم بإثبات أن الإنتاج ينمو عن طريق تراكم رأس المال وأن تفسير ذلك يكمن في تحليل عملية توزيع الدخل فيما بين العناصر المختلفة التي تدخل في عملية الإنتاج. على هذا الأساس فقد نجح التحليل الكلاسيكي في التحديد الآني للنمو والتوزيع بينما لم تلعب الأسعار النسبية إلا دوراً ثانوياً في الإطار التحليلي.

وكما هو معروف فقد طور لويس نظرية متكاملة لتنمية الإقتصاديات المتخلفة إستناداً على إفتراض وجود بطالة مقنعة في الريف. وقد إشتهرت هذه النظرية فيما بعد بإسم "نموذج الإقتصاد الثنائي" وهو النموذج الذي تعرض للإضافة والتعديل بواسطة عدد كبير من الإقتصاديين. هذا وقد أشاد هيرشمان (1981) بالجهد النظري الذي بذلـه لويس في هذا المجال بملاحظته "أن لويس قد إستطاع، بطريقة أقرب إلى الإعجاز، أن يستخلص من التحليل الذي كتب عن البطالة المقنعة مجموعة متكاملة من قوانين الحركة للدول المتخلفة".

ويهمنا في هذا المقام ملاحظة أن لويس قد قام بصياغة المسألة المحورية لنظرية التنمية الإقتصادية على أنها تتمثل في "فهم العملية التي من خلالها يتمكن مجتمع كان يدخر ويستثمر 4 أو 5 في المائة أو أقل من دخله القومي من تحويل نفسه إلى إقتصاد تكون مدخراته الإختيارية حوالي 12 أو 15 في المائة أو أكثر من دخله القومي. وتمثل هذه الإعتبارات المسألة المحورية لأن الحقيقة المحورية للتنمية الإقتصادية تتمثل في التراكم المتسارع لرأس المال (بما في ذلك المعرفة والمهارات). ولا يمكننا تفسير أي ثورة صناعية إلا بعد أن نفسر لماذا إزداد الإدخار كنسبة من الدخل القومي"(11).

إستناداً على تحليلة للإقتصاديات الثنائية يخلص لويس إلى ملاحظة أن نموذجه يمكننا من الإجابة على التساؤل حول لماذا تدخر البلدان النامية هذا القدر الضئيل من دخولها القومية. ويجيب أن السبب الأساسي في ذلك يكمن في أن هذه البلدان تتميز بقطاع رأسمالي صغير للغاية (مع ملاحظة أن القطاع الرأسمالي لا يقصد به فقط القطاع الخاص وإنما يشمل أيضاً قطاع رأسمالية الدولة). ويفسر لويس ذلك بقولـه إذا كان لهذه البلدان قطاعاً رأسمالياً كبيراً فإن الأرباح ستكون كبيرة نسبياً ومن ثم سيكون الإدخار كبيراً نسبياً أيضاً. ويلاحظ في هذا الخصوص أن قطاع رأسمالية الدولة يمكنه أن يساعد في تراكم نسبة أعلى من رأس المال مقارنة بالقطاع الخاص وذلك بسبب إمكانية فرضه لضرائب على القطاع التقليدي بالإضافة إلى ما يتم إدخاره بواسطة القطاع الخاص الرأسمالي.

هذا باقتضاب شديد ما كان من أمر نموذج الإقتصاديات الثنائية. وبغض النظر عما تعرض لـه تحليل لويس من نقد وتعديل يتضح لنا من هذا الإستعراض السريع والمكثف أن لويس قد رفض صراحة مقترح آحادية وعالمية علم الإقتصاد ليس فقط في ثوبه النيوكلاسيكي وإنما أيضاً في ردائه الكينزي وأنه قد قام ببناء إطار مغاير ومستحدث لتحليل المشكلة المحورية للتنمية الإقتصادية وأنه قد توصل إلى نتائج نظرية متفردة أدت في نهاية المطاف إلى تطوير مقترحات لسياسات تنموية متفردة أيضاً. وعلى الرغم من أنه ليس من أغراضنا التوسع في إستعراض العديد من نتائج هذا التحليل إلا أنه يجدر بنا ملاحظة أن نموذج الإقتصاديات الثنائية ينطوي على مقترح أساسي يركز على الأهمية البالغة التي يلعبها التصنيع في إحداث التحولات الهيكلية في الإقتصاديات المتخلفة، فالقطاع الرأسمالي الذي يستخدم رأس المال المنتج قد قصد به أصلاً قطاع الصناعات التحويلية.


رابعاً - النظرية الراقية للتنمية والأداء التنموي:

يلاحظ رودريك (68:1999) أن الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1973 قد كانت العهد الذهبي للنمو الإقتصادي وأن العديد من الدول النامية قد شهدت معدلات للنمو الإقتصادي لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم. هذا وتوضح قاعدة معلومات البنك الدولي التي إستخدمها رودريك أن هنالك ما لا يقل عن 42 قطراً، من عينة ضمت 50 قطراً ذات نمو موجب، قد سجلت معدلات لنمو دخل الفرد فاقت 2.5 في المائة في السنة خلال الفترة 1960 – 1973 الأمر الذي يعنى أن دخل الفرد كان سيتضاعف فيها كل 28 سنة أو أقل. هذا ولم يكن هنالك سوى عشر دول فقط، من بين الدول النامية التي توفرت لها المعلومات، التي لم تسجل نمواً في دخل الفرد، وإشتملت هذه الدول على النيجر والسودان وتشاد وبنجلاديش والصومال وروانداوهايتى والسنغال ومدغشقر والنيبال.هذا وقد اشتملت عينة الدول سريعة النمو خلال هذه الفترة على 4 دول عربية و 14 دولة من أفريقيا جنوب الصحراء، وجاءت سلطنة عُمان على رأس القائمة (بمتوسط معدل لنمو دخل الفرد بلغ حوالي 11 في المائة سنوياً خلال الفترة 1960 – 1973.

ويلاحظ رودريك (1999: 71-70) أن معظم الدول النامية التي سجلت معدلات مرتفعة للنمو قد إتبعت "إستراتيجية إحلال الواردات" وأنه على عكس الحكمة الشائعة فإن مثل هذا النمو لم يترتب عليه مظاهر لعدم الكفاءة على مستوى الإقتصاد بل بالعكس من ذلك تماماً حيث كان الأداء، محكوماً عليه بالإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج، والتي تعكس أثر التقدم التقني، في عدد من دول أمريكا اللاتينية ودول الشرق الأوسط أداءاً متميزاً نسبياً.(12) هذا ويرصد الجدول رقم (2) النتائج التي توصل إليها رودريك في هذا الصدد مجمعة حسب أقاليم العالم النامي. ويلاحظ من الجدول أن معدل نمو التقدم التقني خلال فترة العهد الذهبي للنمو الإقتصادي لكل من أقاليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (2.3 في المائة) وإقليم أمريكا اللاتينية (1.8 في المائة) قد فاق معدل التقدم التقني في إقليم شرق أسيا (1.3 في المائة).

جدول رقم (2): الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج (معدل نمو التقدم التقني)
في أقاليم العالم النامي (1994-1960) (نسبة مئوية)
الأقاليم (عدد الدول) شرق آسيا
( 8 )
أمريكا اللاتينية
( 22 )
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ( 9 ) جنوب آسيا
( 5 )
أفريقيا جنوب الصحراء
(21)
1973-1960 :
معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للعامل 4.2 3.4 4.7 1.8 1.9
معدل نمو التقدم التقني 1.3 1.8 2.3 0.1 0.3
1984-1973 :
معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للعامل 4.0 0.4 0.5 2.5 0.6 -
معدل نمو التقدم التقني 0.5 1.1 - 2.2 - 1.2 2.0 -
1994-1984 :
معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للعامل 4.4 0.1 1.1 - 2.7 0.6 -
معدل نمو التقدم التقني 1.6 0.4- 1.5 - 1.5 0.4 -
المصدر: رودريك (1999: 72، جدول رقم 4.2)

حلت كارثة النمو الإقتصادي بمعظم دول العالم النامي بعد عام 1973، وخلال الفترة 1984-1973 يوضح الجدول رقم (2) إنهيار معدل نمو الدخل للعامل في كل من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأمريكا اللاتينية (إلى 0.5 و 0.4 في المائة على التوالي) وأفريقيا جنوب الصحراء ليصبح سالباً ولم يسلم من هذا الإنهيار سوى أقاليم آسيا. كذلك إنهارت كفاءة أداء الإقتصاد في الأقاليم التي إنهار فيها النمو الإقتصادي حيث أصبح معدل نمو التقدم التقني سالباً. ويلاحظ رودريك (1999: 75) أن هذا الإنهيار لم يكن نتيجة لإستنفاذ إستراتيجية إحلال الواردات لطاقتها وأن التوقيت المشترك يشير إلى مسؤولية الإضطراب الإقتصادي الذي إجتاح العالم في أعقاب عام 1973 في تسبيب هذا الإنهيار. وإشتملت أسباب الإضطراب الإقتصادي على التخلي عن نظام بريتون – وودز لأسعار الصرف الثابتة؛ وصدمتى أسعار النفط؛ ودورات إرتفاع وإنهيار أسعار السلع الأولية، بالإضافة إلى صدمة سعر الفائدة في بداية عام 1980 التي ترتبت على السياسات النقدية المتشددة التي مارسها بول فولكر رئيس مجلس الإحتياطي الأمريكي".

بالإضافة إلى نتائج رودريك وفيما يتعلق بالأداء التنموي إستخدم ستيرن (1989) المعلومات الواردة في تقرير عن التنمية في العالم لعام 1988 حيث عقد مقارنات لتلك الدول التي وردت في التقرير. ويهمنا، دول الدخول في تفاصيل إستعراض نتائج ستيرن، ملاحظة المقارنات التي عقدها فيما يتعلق بالإنجاز التنموي حيث لاحظ التفاوت الواضح في الأداء التنموي بين الأقطار وعدم إرتباط مؤشرات الأداء التنموي بمتوسط دخل الفرد. فعلي سبيل المثال لاحظ أن معدل وفيات الرضع في الصين (حيث يبلغ متوسط دخل الفرد 300 دولار في السنة) وسيريلانكا (بمتوسط لدخل الفرد 400 دولار للفرد في السنة) يساوي أقل من ربع معدل وفيات الأطفال في اليمن الديمقراطي (بمتوسط دخل للفرد بلغ 470 دولار في السنة) واليمن الشمالي (بمتوسط دخل للفرد يبلغ 550 دولار في السنة)؛ ويساوي ثلث معدل وفيات الأطفال في الجابون (3080 دولار في السنة للفرد) وعُمان (4980 دولار في السنة للفرد)؛ ويساوي نصف معدل وفيات الأطفال في الأردن (1540 دولار في السنة للفرد) والبرازيل (1810 دولار في السنة للفرد). وتصدق نفس المقارنات لمؤشرات العمر المتوقع عند الولادة ونصيب الفرد من الإمداد اليومي من السعرات الحرارية.

هذا وكان سن (1983) قد إستخدم مثل هذه المقارنات فيما يتعلق بمؤشرات التنمية لا ليقول بعدم ترابطها بمتوسط دخل الفرد ومن ثم تفاوت الأداء التنموي بين الأقطار وإنما ليطرح وجهة نظره المتعلقة ببعض أوجه القصور التي عانت منها النظرية الراقية للتنمية كما تم تطويرها في الأربعينات والخمسينات. ويلاحظ سن في هذا الخصوص أن القصور الحقيقي لنظرية التنمية لم يكن في إختيارها للوسائل اللازمة لتحقيق هدف النمو الإقتصادي (كتراكم رأس المال والتصنيع وإستنفار فائض العمال في القطاع الريفي والتخطيط والدول النشطة إقتصاديا) وأنما تمثل في الإدراك غير الكافي بأن النمو الإقتصادي ليس إلا وسيلة واحدة من بين الوسائل المختلفة لتحقيق أهداف كبرى. فعلى سبيل المثال لاحظ سن بأن العمر المتوقع عند الولادة في عام 1970 قد كان 63 سنة للصين (290 دولار) و 65 سنة للمكسيك (2090 دولار) و 65 سنة لكوريا الجنوبية (1520 دولار) و 66 لسيريلانكا (270 دولار). من هذه المقارنات يتوصل سن إلى ملاحظة أنه إذا صممت حكومة إحدى البلدان المتخلفة على زيادة مستوى رفاهية الشعب من خلال تحسين البيئة الصحية فإنها ستكون من الغباء بمكان إذا حاولت تحقيق ذلك بواسطة زيادة متوسط دخل الفرد عوضاً عن تحقيقه بالتدخلات الحكومية المباشرة والإصلاحات الإجتماعية كما فعلت سيريلانكا والصين. والنقطة الجديرة بالتأمل في هذه الخلاصة هي ملاحظة أن النمو الإقتصادي ليس هدفاً في حد ذاته وإنما هو وسيلة لتحقيق أهداف أخرى كما سبق وأن لاحظنا وملاحظة أن النمو الإقتصادي، في حقيقة الأمر، لا يمثل وسيلة فعالة لتحقيق أهداف تنموية حيوية.