هذه البيانات تشير إلى إرتفاع نسبة البطالة وكذلك نسبة الفقر فى كل اقاليم السودان،حتى اقاليم الوسط التى حظيت بقدر من التنمية وانتقل إليها قدر كبير من الفائض الاقتصادى من الأقاليم الأخرى إلا انها لم تنجح فى توظيفه فى خلق فرص الاستخدام والتخفيف من وطأة البطالة والفقر بتوسيع دائرة النشاط الاقتصادى وفرص كسب العيش وتوخى العدالة فى توزيع الدخل القومى.
وتشير الاحصائيات الى أن معظم السكان فى السودان يحصلون على دخل أقل بكثير من متوسط الدخل، فالنصف الأكثر فقراً من السكان يحصل على 8% فقط من الدخل القومى، مقارنة بحوالى 22% لنفس الفئة فى دول أفريقيا حنوب الصحراء، كذلك فان 80-90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الذى حددته الامم المتحدة ب370 دولار للفرد الواحد. هذه البيانات والنتائج المختصرة تشير بجلاء الى بعد تجربة التنمية الحالية عن الطبيعة الديمقراطية وافتقارها للركائزالأساسية التى تضمن لها النجاح. بل أن عدم استناد هذه التنمية على الحرية والعدالة الاجتماعية سيقود حتماً إلى فشلها. وزيادة حدة التوتر الإجتماعى ومايترتب عنه من مشاكل وصعوبات تزيد من التحديات التى تواجه الوطن.
3- الحكم الفيدرالي والتنمية
يعتبر الحكم اللامركزي بشكل عام أحد وسائل توسيع قاعد الديمقراطية، وتحقيق مبدأ مشاركة أفراد المجتمع في إدارة شئون الحكم في كل المستويات. أحد الأسباب الهامة التي تستدعي اللامركزية هو الرغبة في تشجيع المشاركة الفعالة للمواطنين في تنفيذ المهام المحلية. وهذه المشاركة لا تؤدي إلى زيادة الشعور بالكرامة لدى المواطنين، وتنمية روح الجماعة فيهم فحسب، ولكن تعد المشاريع التي تنفذ بمزيد من الحيوية وتؤمن فرض رقابة شعبية محلية عليها. وهي فوق ذلك تهيء فرصاً أكبر لوضع برامج واقعية تتفق مع حاجات المواطنين المحلية الحقيقية والإفادة من المبادرات المحلية العديدة في تنفيذها. مما جعل الحكم اللامركزي والذي يعتبر الحكم الفدرالي أحد أشكاله إطاراً ملائماً لتحقيق ديمقراطية التنمية وتوسيع دائرة مشاركة الجماهير في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية. إلا أن مجرد إعلان وتطبيق لامركزية نظام الحكم لا يعني إطلاقا ً حرية المشاركة هذه. فتجربة السودان التي عرفت الحكم اللامركزي بأشكاله المختلفة قبل أن يصدر رئيس الجمهورية المرسوم الدستوري الرابع في 4/2/1991 الذي تم بموجبه تأسيس الحكم الفيدرالي بمستوياته الثلاثة (الاتحادي، الولائي، المحلي) في السودان. ومن ثم أصبح نظام الحكم الفيدرالي امتداداً وتوسيعاً لتجربة اللامركزية. تأثرت هذه التجربة في مراحلها التاريخية المختلفة بطبيعة نظام الحكم في المركز وأيضاً بطبيعة الهيكل الاقتصادي الاجتماعي الذي يتسم بتعددية التكوينات الاقتصادية الاجتماعية. "لقد شهد السودان تجربة الحكم السلطوي ثلاث مرات(58-64، 69-85، 89-2003) التجربة الأولى لم تأبه بالمشاركة الشعبية في السلطة. استندت إلى التعيينات في أغلب الأحيان، فلم تحفز طلاب المناصب استنفار إتباعهم لخوض الانتخابات إلا نادراً. أما التجربتان الثانية والثالثة فقد عمدتا إلى الحكم عن طريق المشاركة الشعبية. أوجدت المجالس أو المواقع القيادية وأتاحت للناس فرصة المنافسة لنيلها ولكن في ذات الوقت منعتهم حرية التنظيم وحرية التعبير. كان على الراغبين في تبؤ المواقع القيادية الانخراط في التنظيم السياسي الواحد(69-1985) أو حزب الحكومة المهيمن(89-2003)".
تجارب الأنظمة الشمولية غطت معظم سنوات الاستقلال ونقلت الطابع الشمولي من قمتها إلى قاعدتها وحالت دون تحويل الحكم اللامركزي لمدرسة للديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة. التجارب الديمقراطية الثلاث لم يكتب لها الاستمرار حيث لم يزد مجموع فتراتها عن الاحد عشر سنه مقابل أربعين عاماً للانظمة الشمولية. لهذا السبب بالاضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالهيكل الاقتصادى الاجتماعى لم تتمكن أنظمة الحكم الديمقراطية فى فتراتها المتقطعة والقصيرة من وضع الأسس السليمة لنظام الحكم اللامركزى. إذ عمدت الأحزاب الكبيرة التى وصلت الى سدة الحكم عبر صناديق الانتخابات إلى الاعتماد على أصحاب النفوذ من زعماء العشائر في الريف وعلى الرأسمالية التجارية في المدن في تقوية مواقعها، مما جعل هذه الشرائح الاجتماعية هي المسيطرة على أجهزة الحكم اللامركزي. ولم تفلح هذه الشرائح في التعبير عن الاحتياجات التنموية للمواطنيين والمناطق، دع عنك تلبيتها. إلا أن جوانب النقص هذه يمكن التغلب عليها بتوسيع دائرة الممارسة الديمقراطية وتنفيذ مشاريع التنمية التي تفضي إلى التغيير التدريجي في البنى والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الاقتصادية في الريف وبالتالي فتح أبواب المشاركة الشعبية الواسعة في إدارة الشؤون المحلية.
تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً في مستوياتها الثلاثة بإنتهاجها أسلوب الإرضاءات والاستجابة للضغوط بديلاً عن الديمقراطية فأفرزت العديد من النزعات التي تعوق عملية التنمية وتهدد وحدة الوطن."غياب الممارسة الديمقراطية الذي صاحب التجربة غذى النعرات الإقليمية والجهوية وقنن الانكفاء الذاتي داخلها، مما يتعارض أصلاً والأهداف التي يرمي إليها الحكم الفيدرالي. في ظل توفر الديمقراطية يتعلم المواطنون من خلال تجربتهم كيف يختارون الأفضل والأحسن من بين أبنائهم ولا يمكن لهذا الاختيار الأفضل والأحسن أن يظهر إلا بوجود الحريات والأحزاب والنظام البرلماني الذي تهييء المناخ المناسب لحركتهم كما يوفر لهم ظروف أفضل لتطوير وعيهم السياسي ولانجاح التجارب التي يتبنونها. كما أن تشكيل الأحزاب التي عادة ما تكون على أساس قومي يقلل النعرات الجهوية والاقليمية ويربط الولايات بالمركز." مثل هذه الافرازات السلبية لا شك في أنها تفضي إلى زيادة التوتر الاجتماعي وتهدد الاستقرار السياسي علماً بأن هذا الاستقرار يعتبر أحد الشروط الضرورية التي يجب توفرها لكي تتمكن عملية التنمية من تحقيق أهدافها.
على الصعيد الاقتصادي تأثرت تجربة الحكم الفيدرالي سلباً، بأن تطبيقها تم في ظروف اتساع نطاق الحرب الأهلية في جنوب السودان، جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان وأخيراً دارفور. وتصاعد الانفاق العسكري والأمني مما جعله منافساً خطيراً للتنمية، بالإضافة إلى الآثار السالبة العديدة التي تفرزها الحرب وتقلل من فرص التنمية، وتدمر كل الجهود التنموية السابقة.
العامل الثاني هو تبني الدولة لسياسات التحرير الاقتصادي والتي بموجبها تخلت الدولة عن الكثير من وظائفها في دائرة الإنتاج المباشر للسلع والخدمات. ونقل المركزالعديد من وظائفه (تعليم الأساس، الصحة، مياه الشرب...الخ) للولايات. إضعاف دور الدولة التنموي في كل المستويات (الاتحادي، الولائي، المحلي) حرم عملية التنمية من جهودها في هذا المجال، دون أن يكون رأس المال المحلي الخاص مؤهلاً للاضطلاع بهذه المهمة.
العامل الثالث يكمن في التوسع الهائل في أجهزة الحكم الفيدرالي هذا التوسع الذي أصبح هدفاً في حد ذاته (عدد الولايات، المحافظات، المحليات) وما ترتب عنه من زيادة ضخمة في الانفاق الجاري على أجهزة الحكم هذه. مما جعله منافساً إلى جانب الانفاق العسكري للانفاق على التنمية والحاق الضرر بها.
الجدول رقم (2)
نسبة الانفاق على التنمية (الانفاق على الفصلين الثالث والرابع)
من الانفاق الكلي في الولايات الشمالية للعام 2003