(1)" اقتصاديات التنمية و سودان ما بعد النزاع "

*علي عبد القادر علي
خامساً - هيمنــة النظرية النيوكلاسيكية للتنمية:

تعرضت نظرية التنمية الإقتصادية، بمعنى تراكم المساهمات النظرية التي طورت خلال الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، للنقد المكثف ليس من جانب بناءها النظري ولكن من جانب النتائج التطبيقية التي ترتبت على السياسات والإستراتيجيات التنموية التي توصل إليها التحليل. وكما سبق وأن أشرنا فقد إتفق علماء التنمية الأوائل، على إختلاف البنى النظرية التي شيدوها، على أن التنمية تعني إحداث تحولات هيكلية يعتد بها في إقتصاديات الدول المتخلفة، وأن تحقيق معدلات مرتفعة للنمو الإقتصادي في هذه الدول، سوف لن يتأتى إلا عن طريق التشييد القصدى والمخطط لهياكل صناعية متطورة. وعلى هذا الأساس فلعله ليس بمستغرب أن تتعرض نظرية التنمية الإقتصادية، من وجهة النظر التطبيقية، إلى الهجوم من مدخلي التصنيع والتخطيط وذلك إستناداً على الشواهد التجريبية لمسار النمو في عدد من الدول المتخلفة خصوصاً دول أمريكا اللاتينية.(13)

هذا وقد إزدادت حدة النقد الذي وجه للنموذج الأساسي لإقتصاديات التنمية مع الزمن إبتداءاً من أوائل ستينات القرن العشرين. وقد إرتكز هذا النقد على عدد من النتائج التطبيقية التي قارنت بين سجل النمو الإقتصادي المتدني لعدد من الأقطار التي إتبعت سياسات للتصنيع لإحلال الواردات تحت مظلة التخطيط والحماية (كالهند والصين) وسجل النمو الإقتصادي المرتفع للأقطار التي إتبعت سياسات إقتصادية تحريرية هدفت إلى تحقيق مصفوفة للأسعار التنافسية بغرض تحفيز المنتجين للإنتاج للسوق العالمي (كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونج كونج).(14) هذا وقد أفرد البنك الدولي (1987) تقريره حول التنمية في العالم لتلخيص هذه النتائج وتدعيمها حيث إستخدم عينه من 41 قطر نامي قسمت حسب توجهها الخارجي لأربعة مجموعات: أقطار ذات توجه خارجي قوى (3 أقطار) وأقطار ذات توجه خارجي متوسط (10 أقطار) وأقطار ذات توجه داخلي متوسط (12 قطراً) وأقطار ذات توجه داخلي قوي (16 قطراً). وإستناداً على معلومات النمو لهذه الأقطار خلال الفترة (1985-1963) توصل البنك الدولي إلى وجود علاقة إيجابية معنوية وقوية بين التوجه الخارجي والنمو الإقتصادي.

هذا وكما هو معروف فقد تعرضت معظم الدول النامية بعد منتصف السبعينات لأزمة إقتصادية شديدة الوطأة تسبب فيها تدهور البيئة الإقتصادية العالمية (كالتدهور السريع والعميق في شروط التبادل التجاري، وإرتفاع أسعار الفائدة العالمية) وتدهور البيئة الطبيعية في بعض البلدان بالإضافة إلى تدهور الأوضاع السياسية والأمنية الداخلية في بعض آخر من البلدان. وقد إستعصت الأزمة الإقتصادية هذه، والتي أظهرت نفسها في أزمة للديون هددت إستقرار النظام النقدي العالمي في بداياتها، على الحلول التقليدية التي كان يشرف على تنفيذها صندوق النقد الدولي من خلال ما يعرف ببرنامج التثبيت المالي والإستقرار الإقتصادي.

وكما هو معروف فإنه يمكن تفسير برامج التركيز المالي على أنها تنطوي على تجسيد للنظرية النيوكلاسيكية لإدارة الإقتصاديات (نامية ومتقدمة: بحكم عالمية تطبيق النظرية) في المدى القصير. ولقد أصبح من المعروف أيضاً أن الإجراءات التي تتبع لتحقيق التثبيت الإقتصادي الكُلي عادة ما تهدف إلى إستعادة التوازن الإقتصادي بمعنى توافق مستوى وتركيبة الطلب الإجمالي مع إجمالي الإنتاج المحلي ومع التدفقات العادية للموارد الخارجية. وكما هو معروف أيضاً فإن هذه البرامج تمثل قراءة مباشرة لمضامين السياسات المستقاة من نموذج كُلي للإقتصاد تشكل فيه المعادلة التعريفية للنتائج القومي الإجمالي أحد المحاور الرئيسية ويستنبط منها مقترح تطابق التوازن الداخلي مع التوازن الخارجي. وبالطبع فهذا مقترح صحيح بحكم التعريف إذ كلما كان الطلب الإجمالي (مجموع الإستهلاك والإستثمار والإنفاق الحكومي) أكبر من الناتج القومي (العجز الداخلي) كلما أنعكس ذلك بالتطابق في أن تكون الواردات أكبر من الصادرات (العجز في ميزان المدفوعات). وعلى أساس عدد من الإفتراضات السلوكية المتعلقة بمحددات دوال الإستهلاك (الدخل وسعر الفائدة) والإستثمار (سعر الفائدة) والإنفاق الحكومي والصادرات (سعر الصرف) والواردات (سعر الصرف) يتم إستهداف سعر الصرف كأهم سياسة لخفض العجز في ميدان المدفوعات من ناحية وإستهداف تقليص الإمتصاص مباشرة عن طريق خفض الإستهلاك والإستثمار والإنفاق الحكومي، وذلك بإفتراض أن الناتج القومي سيظل ثابتاً في المدى القصير.

لإستكمال بناء النموذج النيوكلاسيكي الكُلي عادة ما يضاف إلى النموذج أعلاه (الذي يمثل التوازن في سوق السلع والخدمات) معادلة توازنية تلخص التوازن في سوق النقود والتي عادة ما تكون في شكل النظرية الكمية للنقود والتي يستخلص منها سياسة الحد من التوسع الإئتماني خصوصاً فيما يتعلق بإقتراض الحكومة والقطاع العام من النظام المصرفي. كذلك يضاف إلى النموذج معادلة تعريفية تربط بين العجز في ميزان المدفوعات والإحتياطات الخارجية ومعادلة تعريفية أخرى للعجز في الميزانية. وبتعقد الأزمة المالية والإقتصادية للدول النامية في نهاية السبعينات رأى البنك الدولي، بوصفه أحد حراس النظام الإقتصادي العالمي السائد، أنه قد أصبح لزاما عليه التدخل المباشر في إدارة إقتصاديات هذه الدول بالتعاون والتكامل مع ما يقوم به صندوق النقد الدولي. وجاء تدخل البنك الدولي عن طريق ما يعرف ببرامج التكيف الهيكلي (أو برامج الإصلاحات الهيكلية). ودون الدخول في تفاصيل دقيقة لمحتوى سياسات هذه البرامج يهمنا ملاحظة أنها تشتمل على مجموعة سياسات التثبيت من الناحية التجميعية ومجموعة أخرى من السياسات التي تعني بتحرير أسرع وأعمق للأسواق المحلية للسلع والخدمات (بزيادة أسعار السلع والخدمات في إتجاه الأسعار العالمية بوصف الأخيرة تمثل الأسعار التنافسية)، وبتقليص دور الدولة وزيادة دور القطاع الخاص في النشاط الإقتصادي، وبتعديل التركيبية المؤسسية والتشريعية للإقتصاد لتتوافق مع متطلبات عمل آليات السوق. ويزعم البنك الدولي أن هذه البرامج تهدف إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية في الإقتصاد ومن ثم فإنها تستهدف زيادة النمو الإقتصادي عن طريق التوجه الإقتصادي نحو الخارج. وكما هو معروف فقد عرفت حزمة السياسات الإقتصادية لبرامج التكيف الهيكلي "بوفاق واشنطن".(15)

مع هيمنة كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على عملية صياغة السياسات التنموية في العالم ظهر الجيل الثاني من إقتصادي التنمية (1970 – إلى الحاضر) الذي تميز بقدر كبير من الواقعية المستندة على القواعد الأساسية للنظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية. وتلخصت النظرة إلى قضايا التنمية المعقدة في ملاحظة أن تفاوت الأداء التنموي للأقطار النامية لا يكمن في التفاوت في الظروف الإبتدائية وإنما في التفاوت في السياسات المتبعة، وأن السبب في فقر قطر ما لا يكمن في "الحلقة المفرغة للفقر" وإنما في "فقر السياسات"، ومن ثم فإن إهتمام صناع القرار لا بد وأن يركز على الأسواق والأسعار والحوافز.

وعلى عكس ما قال به الجيل الأول من أن "إقتصاديات التنمية" تمثل علماً فرعياً خاصاً من علم الإقتصاد، قال معظم أفراد الجيل الثاني بعالمية النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية الأمر الذي يعنى أن دراسة قضايا التنمية تصبح فرعاً من "الإقتصاد التطبيقي" للنظرية النيوكلاسيكية ولا تحتاج لعلم فرعي خاص بها. وعلى عكس منهجية الجيل الأول التي ركزت على النماذج الإقتصادية الكُلية لعملية التنمية، ركزت منهجية الجيل الثاني، وفي إتساق مع هيكل النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية، على الدراسات التطبيقية على المستوى الجزئي لوحدات الإنتاج والأفراد المستهلكين. كذلك حدث تحول واضح من التفكير حول "عملية التنمية" إلى تناول مظاهر محددة لظاهرة التخلف بإستخدام نماذج رياضية وقياسية أكثر حبكاً ودقة إعتماداً على تزايد توفر المعلومات المقطعية على مستوى الأفراد والوحدات الإنتاجية.

تناولت العديد من دراسات الجيل الثاني ما ترتب على السياسات التنموية المتبعة في الدول النامية من تشوهات للأسعار، ومعدلات مرتفعة للحماية ولأنماط السلوك التي تسعى نحو جَني الريع. وتوصل الجيل الثاني إلى النتيجة القائلة بأن عدم ملائمة السياسات المحلية، وليس الظروف الخارجية السلبية، هي التي تفسر لماذا تفشل الأقطار في الإستفادة من الفرص الإقتصادية الخارجية. كذلك توصل الجيل الثاني إلى أن السياسات التنموية الصائبة تتمثل في التحول من إستراتيجيات التوجه نحو الداخل إلى تحرير نظام التجارة الخارجية وتشجيع الصادرات، والخضوع لبرامج التثبيت، ونقل ملكية الأصول الإنتاجية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وإتباع ما تملية آلية السوق.

إستفاد الجيل الثاني من تطورات نظرية النمو الجواني التي إشتملت مضامينها للدول النامية على أهمية رأس المال البشري، وعملية التعليم والإستفادة من الأفكار في مجال التقنيات الإنتاجية، وعلى المنافع التي تترتب على تبادل الأفكار على المستوى العالمي في إطار إقتصاديات منفتحة على التجارة العالمية. كذلك ترتب على نظرية النمو الجواني إحتمال أن تلحق الدول النامية بالدول المتقدمة وذلك عن طريق عبور فجوة تقنيات الإنتاج التي يمكن تجسيرها من خلال تسارع معدلات إنتشار المعرفة التي تترتب على حرية إنتقال رؤوس الأموال عبر الحدود السياسية.

بتمعن تجارب التنمية منذ الإستقلال أدرك الجيل الثاني التفاوت الكبير بين الدول النامية ومن ثم أولى إهتماماً أكبر لتفسير إختلاف معدلات الأداء التنموي بين الأقطار في إطار من الدراسات المقارنة ولفهم الظروف التي تؤدي إلى نجاح أو فشل مختلف السياسات. وبإستخدام بعض جوانب الإقتصاد السياسي الحديث تم نمذجة سلوك الدولة، ليس كحارسة للصالح العام، وإنما كأحد الفاعلين الإقتصاديين لها دالة هدف تقوم بتعظيمها كما يفعل المستهلك النمطي، وتنطبق عليها مختلف أساليب التحليل الإقتصادي النيوكلاسيكي من تكلفة المبادلات، وحقوق الملكية، والسعي نحو الحصول على الريع. وترتب على مثل هذا التحليل ملاحظة أن الأقطار النامية قد أفرزت حالات للدولة المشتتة، والدولة السلبية والدول النهابة والدولة المستغلة.

أدى إدراك الجيل الثاني للأنواع الحديثة من إخفاقات نظام الأسواق إلى إعادة الإهتمام ببعض نماذج التنمية التي طورها الجيل الأول خصوصاً فيما يتعلق بقضايا تخصيص الإستثمار ونشاطات التنسيق لحل المشاكل المترتبة على العوائد المتزايدة للحجم في الإنتاج وعلى التأثيرات الخارجية في الإستهلاك والإنتاج وهي مظاهر تقنية ومظاهر تفضيلات كان الجيل الأول قد أثبت أهميتها وبنى عليها أهمية تدخل الدولة لإحداث التنمية.(16)

على الرغم من كل ذلك، طور بعض أفراد الجيل الثاني فهما أكثر تقدماً لأنواع جديدة من إخفاقات نظام الأسواق. وقد أدى الإدراك بوجود ظواهر "المعلومات غير التامة والمكلفة"، و "الأسواق غير الكاملة" و "تكاليف التبادل" و "إنعدام الأسواق المستقبلية لعدد من السلع والخدمات"، أدت كل هذه الظواهر في نظام الأسواق إلى توسع مدى "إخفاق آلية السوق" ليتعدى حالات "السلع العامة" و "التأثيرات الخارجية" التي كانت تتطلب تدخلاً إنتقائياً بواسطة الدولة. على هذا الأساس أصبحت قضايا تشوه وعدم كمال المعلومات وإرتفاع المخاطر أكثر أهمية في تحليل التنمية ووفرت تبريراً لدور أكبر للدولة لتصحيح التشوهات المترتبة على هذه المظاهر(17).


سادساً - التعريف العريض للتنمية :

يعد أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل للعلوم الإقتصادية لعام 1998، من أهم المنتقدين لنظرية الرفاه الإجتماعي النيوكلاسيكية التي ترى أن الرفاه يعتمد على المنفعة التي تترتب على إستهلاك السلع والخدمات. ولم تقف مساهماته في هذا المجال على نقد أساسيات نظرية الرفاه فحسب بل هدفت إلى إيجاد بديل فلسفي مقنع. ويعتبر كتابه "التنمية صنو الحرية" تلخيصاً مكثفاً لأهم هذه المساهمات في تطبيقها على قضايا التنمية. تتلخص الفكرة المحورية لمساهمات سن في أنه "يمكن النظر إلى التنمية على أنها عملية لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر". ويتجاوز مثل هذا المنظور الذي يركز على حريات الإنسان المقاربات الضيقة للتنمية كتلك التي تعتبر التنمية على أنها نمو الناتج القومي الإجمالي، أو أنها إزدياد متوسط دخل الفرد، أو أنها التصنيع أو أنها التقدم التقني أو أنها التحديث الإجتماعي. وعلى الرغم من أن بعض هذه المقاربات تمثل وسائل لتوسيع حريات البشر إلا أن الحريات تعتمد على محددات أخرى كالترتيبات الإجتماعية لتوفير خدمات الصحة والتعليم، والحقوق السياسية والمدنية التي تهيئ الفرص للمشاركة في الجدل حول القضايا العامة ومساءلة أولى الأمر.

فإذا كان توسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس هي ما تعنى به عملية التنمية، فهنالك ما يبرر التركيز على هذه الغاية النهائية عوضاً عن الإهتمام ببعض الوسائل التي تخدمها كمتوسط دخل الفرد أو التصنيع أو التحديث. وفي مثل هذا المنظور تتطلب التنمية القضاء على أهم مصادر عدم الحرية: كالفقر، وإنعدام الفرص الإقتصادية والحرمان الإجتماعي، وإهمال الخدمات العامة ومظاهر القمع بواسطة أجهزة الدول.

تتأتى الأهمية المحورية للحرية في عملية التنمية من مصدرين: الأول يُعنى بتقييم أداء السجل التنموي بمعنى أن التقدم الذي يتم إحرازه من خلال العملية التنموية لا بد وأن يتم تقييمه بالنظر إلى ما إذا كانت الحريات التي يتمتع بها الناس قد تم تعضيدها وتوسعيها. والمصدر الثاني يُعنى بكفاءة الأداء التنموي بمعنى أن كل تقدم يحرز في مجال التنمية لا بد وأن يكون قد أرتكز على التفاعل الحر بواسطة البشر وإشتراكهم في إحراز التقدم المعني كشركاء، وليس كأطراف مستقبلة لنتائج البرامج التنموية التي تطبق عليهم بواسطة طرف آخر.

ويلاحظ في هذا الصدد أن فائدة الثروة تكمن في أنها تمكننا من القيام بعدد من الأفعال ومن ثم تحقيق عدد من الحريات. إلا أن هذه العلاقة ليست إستقصائية، بمعنى أن هنالك مؤثرات أخرى في حياة الأفراد، كما وأنها ليست منتظمة، بمعنى أن وقع الثروة يتباين مع المؤثرات الأخرى. ومن ثم فإن الإطار المفاهيمي الملائم للتنمية لابد وأن يتعدى عملية تراكم الثروة لينظر إلى أبعاد حياتية أخرى تهم الناس ويثمنها الناس.

ينطوي مفهوم الحرية، في آن معاً، على "العمليات" التي تسمح بحرية إتخاذ القرار وفعل الأشياء وعلى "الفرص الواقعية" التي تتوفر للناس، كل حسب ظروفه الشخصية والإجتماعية. وينشأ "عدم الحرية" عن طريق عدم كفاية العمليات (على سبيل المثال الإخلال بفرص الإنتخاب الحر والتصويت) أو من خلال عدم كفاية الفرص التي يتوفر عليها الأفراد لتحقيق ما يودون تحقيقه حتى ولو كان على مستوى الإحتياجات الأساسية (بما في ذلك الفرص الأولية كالمقدرة على تفادي الوفاة المبكرة أو عدم التعرض للجوع القسري).

بالنظر إلى التنمية "كعملية لتوسيع حريات البشر" ينصب الإهتمام على توسيع "إستطاعة"، أو "مقدرة"، الناس ليحيوا حياة يثمنونها، أو يرغبون في تحقيقها، أو حياة لديهم من الأسباب ما يدعوهم لتثمينها. ويلعب مفهوم "الإستطاعة" دوراً محورياً في التحليل كبديل لمفهوم الدخل في تعريف رفاه الناس وما يسعون إلى تحقيقه وفي تقييم الأداء التنموي عموماً. ويلاحظ في خصوص إستخدام "الإستطاعة" لتقييم الأداء التنموي أنه لم يقصد به وجود معيار وحيد ومحدد لمقارنة وترتيب التجارب التنموية المختلفة. ففي ظل تباين مكونات الحرية، وفي ظل الحاجة للأخذ بعين الإعتبار تفاوت الحريات الشخصية للأفراد، فإنه لا مناص من وجود إتجاهات متضاربة في تجارب التنمية تحول دون التوصل إلى ترتيب كامل لمختلف هذه التجارب. وعلى هذا الأساس فإن النظر إلى التنمية على أنها عملية لتوسيع حريات البشر يرمي إلى إيلاء مختلف جوانب عملية التنمية الإهتمام الذي يليق بكل منها.

تعتبر عملية توسيع حريات البشر الغاية الأساسية للتنمية والوسيلة الرئيسية في تحقيق التنمية المرغوبة. ويمكن فهم "الغاية الأساسية" على أنه الدور البنائي (الإنشائي) للحرية في عملية التنمية كما يمكن فهم "الوسيلة الرئيسية" على أنه الدور الأدواتي (الوسائلي) للحرية في عملية التنمية. ويُعنى الدور البنائي بأهمية الحريات الحقيقية في إثراء حياة البشر وتشتمل هذه الحريات على المقدرات الأولية لتفادي مختلف أنواع الحرمان (الجوع، وسوء التغذية، وإعتلال الصحة، والوفاة المبكرة) والإستمتاع بمختلف أنواع الحريات المرتبطة بالمعرفة والتعليم والمشاركة السياسية. بينما يُعنى الدور الأدواتي (الوسائلي) للحرية بالطريقة التي تساهم بها مختلف أنواع الحقوق والفرص والإستحقاقات في توسيع حريات البشر. وتكمن فاعلية الحرية كوسيلة للتنمية في حقيقة أن مختلف الحريات ترتبط ببعضها البعض وأن الحرية في جانب تساعد كثيراً في إضطراد الأنواع الأخرى من الحرية.

وعلى الرغم من إمكانية إستنباط عدد من المكونات الإنشائية للحرية، فقد تم التركيز على خمس جوانب أعتبرت ذات علاقة بعدد من قضايا السياسات التي تتطلب إهتماماً خاصاً، وتتميز هذه الحريات الوسائلية بأن كل منها يساهم في توسيع إستطاعة الفرد للعيش بحرية، كما أنها تكمل وتعضد بعضها البعض. وقد إشتملت هذه الحريات الوسائلية على ما يلي:

أ

الحريات السياسية: بمعناها العريض، بما في ذلك الحقوق المدنية، تتعلق بالفرص المتاحة للناس ليقرروا من سيحكمهم وعلى أي مبادئ، وليراقبوا وينتقدوا ويحاسبوا السلطات، وليعبروا عن آرائهم من خلال صحافة حرة، وليقرروا الإنضمام لمختلف الأحزاب السياسية. وتشتمل الحريات السياسية على الإستحقاقات المتوفرة في النظم الديموقراطية بمعناها الواسع بما في ذلك فرص السجال السياسي والمعارضة والنقد وحرية المشاركة السياسية.

ب

التسهيلات الإقتصادية: وتتعلق بالفرص المتاحة للأفراد لإستغلال الموارد الإقتصادية لأغراض الإستهلاك والإنتاج والتبادل. وتعتمد الإستحقاقات الإقتصادية للفرد على ما يملكه من موارد أو ما هو متاح من مثل هذه الموارد لإستخدامه وعلى ظروف التبادل مثل الأسعار النسبية وعمل الأسواق. وللمدى الذي يترتب فيه على عملية التنمية زيادة ثروات الأمم، تنعكس هذه الزيادة في تعزيز مقابل للإستحقاقات الإقتصادية للسكان. ولعله من الواضح أن إعتبارات توزيع منافع التنمية تلعب دوراً محورياً في العلاقة بين الدخل القومي والثروة، من جانب، وإستحقاقات الأفراد والأسر، من جانب آخر. فكيفية توزيع الزيادات في الدخل والثروة بين الأفراد والأسر يترتب عليها فروقات ذات مغزوية من الحريات التي يتمتع بها الأفراد.

ت

الفرص الإجتماعية: وتتعلق هذه بالترتيبات الإجتماعية في المجالات التي تؤثر في الحريات الحقيقية المتاحة للأفراد ليعيشوا حياة طيبة كالترتيبات المتعلقة بالتعليم والصحة. وتستمد مثل هذه الخدمات أهميتها ليس فقط من أهميتها للحياة الخاصة للأفراد وإنما أيضاً لتأثيرها على تفعيل مشاركتهم في النشاطات الإقتصادية والسياسية.

ث‌

ضمانات الشفافية: وتتعلق هذه بتعزيز الثقة في التعامل بين الناس في إطار المجتمع وهو أمر يتعلق بالحرية في التعامل بين الأفراد على أساس من ضمان الإفصاح والسلاسة. وتلعب هذه الضمانات دوراً واضحاً في الحد من الممارسات الفاسدة وعدم المسؤولية المالية والتعامل بنوايا مبطنة وغير معلنة.

ج‌

الأمان الوقائي (الحمائي): إعترافاً بأنه مهما كان من كفاءة تنظيم وعمل النظام الإقتصادي، يوجد بعض الناس في حالة من الإنكشاف تعرضهم لقدر كبير من الحرمان والمعاناة نتيجة التغيرات الفجائية التي تؤثر سلباً على أنماط حياتهم. والأمان الوقائي يُعني بتوفير شبكات حماية ورعاية إجتماعية للحيلولة دون وقوع مثل هذه الشرائح في شراك الفقر المدقع، وفي بعض الأحيان الجوع والموت. ويشتمل مجال الأمان الوقائي على ترتيبات مؤسسية ثابتة ومستمرة (كالإعانات، وبرامج الضمان الإجتماعي، والمنح الدخلية) وترتيبات إنتقالية حسبما تتطلبه الظروف (كبرامج العون الطارئة في حالات المجاعة والبرامج العامة للتشغيل).

يُؤدي مفهوم التنمية "كعملية لتوسيع خيارات النشر" إلى إختلافات جذرية في طرق تقييم السياسات الإقتصادية والإجتماعية. ويلاحظ في هذا الصدد أن مختلف الطرق تستند على هدف للرفاه الإجتماعي ينطوي بدوره على قيم أخلاقية، كإستناد مقاربة "المنفعة"، التي تشكل الأساس الفلسفي للنظرية النيوكلاسيكية، على تفضيلات الأفراد. ويلاحظ أيضاً أن كل هدف للرفاه الإجتماعي ينطوي على مفهوم للعدل الإجتماعي يتم من خلاله الحكم على الحالة الإجتماعية ومن ثم على رفاه الناس، وأن الحكم على الحالة الإجتماعية بإستخدام أي من الطرق يعتمد على محتوى المعلومات الذي تستخدمه الطريقة في صياغة هدفها الإجتماعي.

ويلاحظ أن إستخدام مقاربة "الإستطاعة" في الحكم على الأحوال الإجتماعية من وجهة نظر رفاه الإنسان سيتطلب، مثله في ذلك مثل إستخدام بقية المقاربات، تحديد أوزان صريحة لتقييم مختلف مكونات الحياة الطيبة: الصحة، التغذية، التعليم، الأمان والمشاركة. وكما هو الحال بالنسبة لبقية المقاربات يلاحظ أن هنالك عدد من الصعوبات التطبيقية التي تعترض قياس عدد كبير من مكونات "الإستطاعة"، الأمر الذي يحول دون صياغة مؤشر تجميعي.(18)

أدى تطوير مفهوم التنمية ليُعنى بتوسيع الحريات التي يتمتع بها البشر إلى تطوير عدد من المبادرات الدولية حول المناهج التطبيقية التي يمكن إستخدامها لتقييم جهود التنمية تمثل أهمها في الأهداف الدولية للتنمية التي اتفق عليها المجتمع الدولي في إطار الأمم المتحدة في سبتمبر 2000، والتي أصبحت تعرف بأهداف "الألفية للتنمية" والتي اشتملت على:

·

إنقاص نسبة من يعيشون في فقر مدقع بمعدل النصف خلال الفترة من 1990 إلى 2015.

·

إلحاق جميع الأطفال بالتعليم الإبتدائي قبل حلول 2015.

·

التقدم نحو هدف تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من أسباب القوة عن طريق إزالة التفاوت بينهما في التعليم الإبتدائي والثانوي قبل حلول 2015.

·

إنقاص معدلات وفيات الأطفال الرضع بنسبة الثلثين خلال الفترة من 1990 إلى 2015.

·

إنقاص معدلات الوفيات أثناء الولادة بنسبة ثلاثة أرباع خلال الفترة من 1990 إلى 2015.

·

توصيل الخدمات الصحية الإنجابية لكل من يحتاجها قبل حلول عام 2015.

·

تنفيذ إستراتيجيات وطنية للتنمية القادرة على الإستمرار حتى عام 2015 حتى يمكن عكس إتجاه الخسارة في الموارد البيئية حتى عام 2015.

ويلاحظ في هذا الصدد أن كل هذه الأهداف تتمحور حول الإقلال من الفقر وأن هدف الإقلال من الفقر إلى نصف مستواه الحالي بحلول عام 2015 قد تمت صياغته على أساس المنهجية المهيمنة للقياس الكمي لظاهرة الفقر، بينما تمت صياغة بقية الأهداف على أساس منهجية الإستطاعة. وعلى وجه التحديد فقد تمت صياغة هدف الإقلال من الفقر على أساس "مؤشر عدد الرؤوس" والذي يقصد به نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط للفقر يتم تحديده، وهو في ظل الأهداف الدولية للتنمية يساوى دولار للفرد في اليوم بالمكافئ الشرائي لعام 1985.

من جانب آخر، أدت التطورات النظرية في الفكر الاقتصادي إلى أن يعيد البنك الدولي نظرته إلى مفهوم التنمية في الدول النامية الأمر الذي ترتب عليه صياغة مبادرة "الإطار الشامل للتنمية" ليهتدي بها البنك الدولي في عملياته الإقراضية لأغراض التنمية. ويهمنا، دون الدخول في تفاصيل المبادئ التي تستند عليها المبادرة، ملاحظة أن الإطار الشامل يتطلب أن يقوم كل قطر بتطوير إطار تنموي شامل وطويل المدى يوضح الرؤى المستقبلية للقطر بما في ذلك الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها وتقديرات الموارد اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك الأهداف الاقتصادية الفنية المتعلقة بالاستقرار المالي والنقدي على المستوى التجميعي. هذا وعلى الرغم من أن رئيس البنك الدولي قد حرص على أن يوضح أن الإطار الشامل للتنمية لا يمثل دعوة للعودة إلى نهج التخطيط الاقتصادي المركزي إلا أن ماكسويل وكونواي (2000: 21 إطار رقم 5) قد استشفا من تقييمهم للمبادرة أنها تنطوي على قدر كبير من نهج التخطيط ومن ثم قاما باستنباط عدد من الموجهات التي ينبغي إتباعها عند تطبيق متطلبات مبادرة الإطار الشامل للتنمية (أنظر أيضاً ستيرن (2002)).

تزامن مع، وربما سبق، مبادرة الإطار الشامل، اتفاق بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يعبر عن قناعة مجموعة الدول المانحة للمعونة على أن يتم تقديم المساعدات التنموية الميسرة على أساس ما سمى "بوثائق استراتيجية الإقلال من الفقر"، عوضاً عن التقليد السابق الذي استند على "خطابات النوايا" الذي كان يركز فقط على متطلبات تحقيق التوازن المالي والنقدي. تحت هذا التوجه الجديد يتوقع أن يقوم كل من الأقطار بصياغة وثيقة لاستراتيجية للإقلال من الفقر بحيث يتوقع أن تكون الاستراتيجيات شاملة بشكل كافٍ وبحيث تشتمل على البرامج ذات الأولوية لمناهضة الفقر والإصلاحات المؤسسية والهيكلية المطلوبة، والسياسات الاقتصادية التجميعية المتسقة مع خدمة الأهداف التنموية المحددة في الاستراتيجية ويكون كل ذلك في إطار مترابط متناسق.


سابعاً - الفقر وقضايا النزاع :

تطورت منذ نهاية تسعينات القرن الماضي أدبيات متخصصة في محاولة لتحديد أهم العوامل التي يمكن أن تفسر النزاعات المسلحة في عدد كبير من دول العالم، خصوصاً الدول النامية وبالأخص الدول الأفريقية جنوب الصحراء. هذا وقد اتفقت الأدبيات على اعتبار الحروب الأهلية على أنها تمثل أعلى أنواع النزاع المسلح، واتفقت على تعريف الحرب الأهلية على أنها "نزاع داخلي تكون الحكومة طرفاً فيه، ويترتب عليه عدد وفيات مرتبطة بالمعارك تبلغ ألف حالة على أقل تقدير، على أن تكون وفيات الطرف الأقوى 5 في المائة من إجمالي الوفيات على أقل تقدير".

ويعتبر كوليير (2000-b، و 2000-a و 1999) وكوليير وهوفلر (2004-a و 1998) من رواد تطوير النظرية الاقتصادية للحروب الأهلية.وتحت هذه النظرية يفترض أن يسلك الأفراد سلوكاً رشيداً فيما يتعلق بانضمامهم لحركة متمردة على الحكومة على أساس مبررات تستند على الجشع والطمع من ناحية أو على أساس مبررات تستند على الشعور بالغبن (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وربما الديني كذلك) من ناحية أخرى. ويلاحظ في هذا الصدد أنه بغض النظر عن مبررات حمل السلاح ضدّ الحكومة، تحتاج الحركات المسلحة لمقابلة قيود مالية لتكون ذات فعالية. فلأغراض شنّ الحرب الأهلية لا بدّ للمجموعات المتمردّة من بناء تنظيمات كبيرة نسبياً تتطلب موارد مالية لأغراض دفع مرتبات المحاربين والاتباع وشراء الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية. ويلاحظ في هذا الصدد، وبما أن كل المجتمعات تعجّ بمختلف أنواع الغبن التي يمكن معها حمل السلاح، إلاّ "أن ما يفرق بين المجتمعات المسالمة وتلك التي تعاني من النزاع المسلح والعنف ليس هو وجود الغبن وإنما هو مقدرة المجموعات المتمردة من تمويل مستويات مضطردة من العنف". وعليه في صياغة النموذج التحليلي عادةً ما يفترض أن تستوفي المجموعات المتمردة قيد للاستمرار أو البقاء يعتمد على حجم القوات المسلحة المتمردة مقارنة بحجم القوات المسلحة الحكومية بحيث توجد نسبة فاصلة للقوات تحدد الإمكانية الفعلية لانفجار النزاع المسلح بين الطرفين. ويترتب على قيد البقاء هذا، وبطريقة تلقائية، قيد مالي يتوجب على المجموعات المتمردة مقابلته لتخطّي النسبة الفاصلة للقوات المسلحة.

وبعد، تركز النظرية الاقتصادية للحرب الأهلية على إمكانية حدوث التمرد بالإضافة إلى ما يمكن أن يكمن خلفه من مبررات تتعلق بالغبن. وتتلخص أطروحة إمكانية حدوث التمرد في ملاحظة أنه إذا توفرت الفرصة في المجتمع لاندلاع نزاع مسلح فسيكون هنالك من الأفراد من سيستغل هذه الفرصة، مثله في ذلك مثل كل المستثمرين الذين يهتبلون وجود فرص متميزة للاستثمار.

على أساس من مثل هذه الصياغات الاقتصادية النظرية تطورت أدبيات تطبيقية متخصصة هدفت إلى استكشاف العوامل المسببة للنزاع، والعوامل التي تتسبب في العودة إلى النزاع(19). تستند هذه الأدبيات التطبيقية في استكشافها لمختلف العوامل المسببة تحت أي من المجالات، مثلها في ذلك مثل الأدبيات الاقتصادية التطبيقية، على عينات دولية لعدد كبير من الدول وعلى مدى زمني طويل لكل دولة بحيث يتم تقدير نماذج اقتصادية قياسية تمكن من الاختبار الإحصائي لمختلف العوامل المفسرة لمؤشر الحرب الأهلية تحت الدراسة.

وبعد، تعتبر دراسة كوليير وهوفلر وبوهنر (2007) أحدث الدراسات التي تناولت العوامل المسببة للنزاع حيث صنفت هذه العوامل في خمس مجموعات عريضة: اقتصادية، وتاريخية، واجتماعية، وجغرافية، وسياسية (بمعنى الديموقراطية ولم تكن ذات مغزوية إحصائية).هذا ودون الدخول في تفاصيل فنية يمكن تلخيص أهم النتائج فيما يلي(20).

·

العوامل الاقتصادية: يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما كان الدخل الحقيقي للفرد مرتفعاً، وكلما كان معدّل النمو الحقيقي مرتفعاً.

·

العوامل التاريخية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما طالت مدة السلام التي يتمتع بها القطر (عدد سنوات السلام)، وكلما كان القطر مستعمرة فرنسية في السابق.

·

العوامل الاجتماعية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما تمتع القطر بتجانس اجتماعي (حسب المؤشر المركب للتشتت الإثني واللغوي والديني)، وكلما اتصف الهيكل العمري للسكان بتدني نسبة الشباب في عمر 15-29 سنة، وكلما كان عدد السكان قليلاً.

·

العوامل الجغرافية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما انخفضت نسبة المساحة التي تغطيها الجبال من إجمالي مساحة القطر.

وبعد، تعتبر دراسة كوليير وهوفلر ومسودربوم (2006) من أهم الدراسات التي حاولت استكشاف العوامل التي تتسبب في ارتفاع احتمال عودة القطر إلى الحرب الأهلية بعد توقيعه لاتفاقية سلام. هذا وقد تم التركيز على تقدير دالة لاحتمال انهيار السلام خلال الحقبة الأولى من التوقيع على اتفاقية السلام.ويلاحظ في هذا الصدد أنه من 74 حالة لما بعد النزاع رصدت 33 حالة للعودة للنزاع مما يعني متوسط احتمال العودة للنزاع ما بعد السلام يبلغ 0.45. كذلك الحال، تمت ملاحظة أنه بالتركيز على الحقبة الأولى من التوقيع على اتفاقية السلام بلغ متوسط احتمال العودة للنزاع حوالي 0.42 وهو متوسط يمكّن من تقدير تأثير مختلف العوامل.

وكما كان عليه حال تقدير دالة احتمال اندلاع الحرب اشتملت المجموعات العريضة للعوامل المفسرة لاحتمال انهيار عملية السلام خلال الحقبة الأولى لتوقيع اتفاقية السلام على تلك الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والعسكرية. ودون الدخول في تفاصيل فنية يمكن تلخيص النتائج التي تمّ التوصل إليها فيما يلي (حيث تمتعت كل العوامل المذكورة أدناه بمعنوية إحصائية يعتدّ بها حسب المستويات التقليدية):

(i)

العوامل الاقتصادية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفع مستوى الدخل الحقيقي للفرد وكلما ارتفع معدل النمو الاقتصادي.

(ii)

العوامل السياسية: يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما منح النظام السياسي نحو الاستبداد (بعيداً عن الديموقراطية)، ولكن أيضاً كلما كانت هنالك انتخابات(21).

(iii)

العوامل الاجتماعية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفعت نسبة مواطني القطر في المهجر الأمريكي لإجمالي سكان القطر.

(iv)

العوامل العسكرية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفعت نفقات حفظ السلام الدولية.

وبعد، يهمنا أن نسارع لنلاحظ أن التفسير الاقتصادي للحروب الأهلية، خصوصاً في بداياته، يركز على أهمية فهم عامل الدخل الحقيقي للفرد على أنه مؤشر للفقر مما يعني أنه يمكن فهم معدّل نمو دخل الفرد على أنه مؤشر لسرعة الانتشال من حالة الفقر.

في إطار مثل هذا الفهم يمكن الربط بطريقة مباشرة بين استراتيجية للتنمية تتبنى القضاء على الفقر في المدى الزمني القصير وبين استراتيجية تجنيب الدول الوقوع في حالة حرب أهلية أو العودة للحرب الأهلية بعد توقيع اتفاقية السلام، وذلك عن طريق الدور الذي تلعبه ظاهرة الفقر في اندلاع النزاع والعودة إليه بعد السلام. هذا، وفي حالة السودان، على سبيل المثال، سوف يلاحظ المراقب الحريص أن الخطاب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان قد تمحور حول تهميش عدد كبير من أقاليم القطر في عملية التنمية منذ الاستقلال الأمر الذي انعكس في فصول اتفاقية السلام الشامل فيما يتعلق باقتسام السلطة والثروة.


ثامنـاً – ملاحظات ختامية :

قدمت هذه الورقة إستعراضاً مكثفاً، وإنتقائياً، لأهم المقترحات النظرية التي قالت بها "النظرية الراقية للتنمية" وتتبعت الورقة ما حدث لهذه المقترحات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. هذا وقد أوضحت الورقة أن معظم المساهمات الرائدة في هذا المجال قد إستندت على رفض مقترح عالمية وشمولية النظرية النيوكلاسيكية وملاحظة عدم توفر إفتراضاتها الأساسية في الدول النامية الأمر الذي تترتب عليه ظاهرة إخفاق آلية السوق. وتعرضت هذه المساهمات للأسباب الكامنة وراء إخفاق آلية السوق والتي إشتملت على وجود الإحتكارات أو شبة الإحتكارات، ووجود الوفورات الخارجية، وتميز تقنيات الإنتاج بالعوائد المتزايدة للحجم، وعدم وجود الأسواق، وتميز الأسواق بالإستجابة البطيئة نسبة لعدم توفر المعلومات أو نسبة لضعف البنية المؤسسية، والإستجابة البطيئة لمؤشرات الأسعار بواسطة المنتجين، وعدم تحقيق إفتراض التعظيم بواسطة المنتجين والمستهلكين، وحتمية فرض الضرائب المشوهة للتخصيص التنموي للموارد. وإتفقت أدبيات إقتصاديات التنمية أن كل هذه الأسباب تفضي إلى عدم تمكن الإقتصاد من تحقيق نقطة التوازن المثلى وتتطلب تدخلاً قصدياً بواسطة الدولة بما في ذلك إتباع نهج التخطيط لإدارة الإقتصاد وتخصيص الإستثمار.

كذلك أوضحت الورقة أنه خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي، وبعد هيمنة النظرية النيوكلاسيكية على مقاليد صياغة السياسات الإقتصادية في الدول النامية، تبلورت العديد من الأفكار التنموية التي شكلت إضافات لأهم مقولات النظرية الراقية للتنمية إشتمل أهمها على:

أ

أ‌- إعادة الاحترام لدور الدولة في الاقتصاد والتبرير النظري لهذا الدور من خلال لفت النظر إلى نقد أهم افتراضات النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية والمتعلق بتوفر المعلومات الكاملة للمشاركين في عمليات التبادل الإقتصادي في ظل الأسواق، وما يترتب على ذلك من توسع مجال إخفاق آلية الأسواق. على هذا الأساس أصبحت قضايا تشوه وعدم كمال المعلومات وارتفاع المخاطر أكثر أهمية في تحليل التنمية.

ب

ب‌- تعريف أكثر شمولاً لمفهوم التنمية على أنها عملية تعنى بتوسيع الحريات الحقيقية للبشر وذلك في إطار مراجعة أساسية لمكونات الرفاة الإجتماعي من تعريفة على أساس دالة للمنفعة مُعرفة على السلع والخدمات التي يستهلكها الأفراد تحت ظل النظرية النيوكلاسيكية إلى دالة للرفاهية مُعرفة على استطاعة البشر في تحقيق حياة يرغبون فيها حيث يعكس مفهوم الاستطاعة الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر.

ت

ت‌- استنباط هدف محوري لعملية التنمية يتمثل في القضاء على الفقر في الدول النامية في مدي زمني محدود، وما يترتب على ذلك من إعادة الاحترام لمنهج تخطيط التنمية في الدول النامية.

ث‌

استنباط هدف محوري لعملية التنمية يتمثل في القضاء على الفقر في الدول النامية في مدي زمني محدود، وما يترتب على ذلك من إعادة الاحترام لمنهج تخطيط التنمية في الدول النامية.

واستعرضت الورقة أهم النتائج التي توصلت إليها الأدبيات المتخصصة في مجال استكشاف العوامل المؤثرة في اندلاع الحروب الأهلية وفي العودة مرة أخرى للنزاع المسلح بعد الاتفاق على السلام بين الأطراف المتحاربة. وأوضح الاستعراض أن أهم هذه العوامل تشتمل، ضمن ما تشتمل عليه، على الفقر (كما يستدل عليه بواسطة الدخل الحقيقي للفرد) وعلى معدل نمو الدخل الحقيقي للفرد. وتمثل هذه النتائج ربطاً تلقائياً مع أهم ما توصلت إليه أحدث التطورات الحديثة في نظرية التنمية والتي أفضت إلى أهمية أن تتبنى الدول النامية هدف الإقلال من الفقر على أنه الهدف المحوري للتنمية.

وبعد، وبغضّ النظر عن طبيعة الأسباب الكامنة حول اندلاع الحروب الأهلية هنالك اتفاق عام على أن اتفاقيات السلام عادةً ما تحاول معالجعة مختلف مظاهر الغبن التي حفزت شرائح من المجتمع لأن تلجأ للسلاح والعنف لتحقيق طموحاتها. واتفاقية السلام الشامل، بعد تضمين بنودها في الدستور، ليست استثناءً في هذا الصدد. هذا وقد نصّ الفصل الرابع من الباب الثالث عشر من الدستور في المادة 24 على أن "السودان دولة لا مركزية، وتكون مستويات الحكم فيها على الوجه التالي : (أ) مستوى الحكم القومي، (ب) مستوى الحكم في جنوب السودان، الذي يمارس السلطة فيما يتعلق بأهل جنوب السودان وولاياته، (ج) مستوى الحكم الولائي، (د) مستوى الحكم المحلي". وفيما يتعلق بمستوى الحكم في جنوب السودان أفرد الدستور بابه الحادي عشر لحكومة جنوب السودان حيث نصّت المادة 159 على أن "تنشأ حكومة في جنوب السودان بحدوده في الأول من يناير 1956 تعرف بحكومة جنوب السودان وتتكون من أجهزة تشريعية وتنفيذية وقضائية". ونصّت المادة 162 من الدستور على أن "تكون مسؤوليات حكومة جنوب السودان الأساسية هي ترقية الحكم الراشد والتنمية والعدالة وممارسة السلطة فيما يتعلق بجنوب السودان وولاياته، وتشكل حلقة وصل بين الحكومة القومية وولايات جنوب السودان، وحماية حقوق أهل جنوب السودان وتأمين مصالحهم".

ونُسارع لنلاحظ أن تحقيق هدف الإقلال من الفقر كهدف محوري للتنمية في السودان تحت ظل هذا النظام اللامركزي، بحكومة مستقلة في الجنوب، سيتطلب ابتداع أُطر للتخطيط تتلاءم مع هيكل الحكم الذي توافق عليه أهل السودان في اتفاقية السلام الشامل. ويقيننا أن مثل هذا التخطيط للتنمية سيتطلب بدوره أن يتم تحليل المشاكل التنموية للقطر على أساس إقليمي (ولائي) مما سيفرض تحديات نظرية وتطبيقية على الباحثين وصناع القرار.

أ

الحريات السياسية: بمعناها العريض، بما في ذلك الحقوق المدنية، تتعلق بالفرص المتاحة للناس ليقرروا من سيحكمهم وعلى أي مبادئ، وليراقبوا وينتقدوا ويحاسبوا السلطات، وليعبروا عن آرائهم من خلال صحافة حرة، وليقرروا الإنضمام لمختلف الأحزاب السياسية. وتشتمل الحريات السياسية على الإستحقاقات المتوفرة في النظم الديموقراطية بمعناها الواسع بما في ذلك فرص السجال السياسي والمعارضة والنقد وحرية المشاركة السياسية.

ب

التسهيلات الإقتصادية: وتتعلق بالفرص المتاحة للأفراد لإستغلال الموارد الإقتصادية لأغراض الإستهلاك والإنتاج والتبادل. وتعتمد الإستحقاقات الإقتصادية للفرد على ما يملكه من موارد أو ما هو متاح من مثل هذه الموارد لإستخدامه وعلى ظروف التبادل مثل الأسعار النسبية وعمل الأسواق. وللمدى الذي يترتب فيه على عملية التنمية زيادة ثروات الأمم، تنعكس هذه الزيادة في تعزيز مقابل للإستحقاقات الإقتصادية للسكان. ولعله من الواضح أن إعتبارات توزيع منافع التنمية تلعب دوراً محورياً في العلاقة بين الدخل القومي والثروة، من جانب، وإستحقاقات الأفراد والأسر، من جانب آخر. فكيفية توزيع الزيادات في الدخل والثروة بين الأفراد والأسر يترتب عليها فروقات ذات مغزوية من الحريات التي يتمتع بها الأفراد.

ت

الفرص الإجتماعية: وتتعلق هذه بالترتيبات الإجتماعية في المجالات التي تؤثر في الحريات الحقيقية المتاحة للأفراد ليعيشوا حياة طيبة كالترتيبات المتعلقة بالتعليم والصحة. وتستمد مثل هذه الخدمات أهميتها ليس فقط من أهميتها للحياة الخاصة للأفراد وإنما أيضاً لتأثيرها على تفعيل مشاركتهم في النشاطات الإقتصادية والسياسية.

ث‌

ضمانات الشفافية: وتتعلق هذه بتعزيز الثقة في التعامل بين الناس في إطار المجتمع وهو أمر يتعلق بالحرية في التعامل بين الأفراد على أساس من ضمان الإفصاح والسلاسة. وتلعب هذه الضمانات دوراً واضحاً في الحد من الممارسات الفاسدة وعدم المسؤولية المالية والتعامل بنوايا مبطنة وغير معلنة.

ج‌

الأمان الوقائي (الحمائي): إعترافاً بأنه مهما كان من كفاءة تنظيم وعمل النظام الإقتصادي، يوجد بعض الناس في حالة من الإنكشاف تعرضهم لقدر كبير من الحرمان والمعاناة نتيجة التغيرات الفجائية التي تؤثر سلباً على أنماط حياتهم. والأمان الوقائي يُعني بتوفير شبكات حماية ورعاية إجتماعية للحيلولة دون وقوع مثل هذه الشرائح في شراك الفقر المدقع، وفي بعض الأحيان الجوع والموت. ويشتمل مجال الأمان الوقائي على ترتيبات مؤسسية ثابتة ومستمرة (كالإعانات، وبرامج الضمان الإجتماعي، والمنح الدخلية) وترتيبات إنتقالية حسبما تتطلبه الظروف (كبرامج العون الطارئة في حالات المجاعة والبرامج العامة للتشغيل).

الهوامش
(*)
المعهد العربي للتخطيط
(1)
لاحظ أننا نشير إلى المؤلف في متن الورقة بكتابة اسمه باللغة العربية في حين تثبت المرجع في قائمة المراجعة باللغة الإنجليزية.
(2)
لمعدلات نمو الدخل الحقيقي للفرد انظر علي (2006: 30، جدول رقم 1) ولمعدل النمو عام 2005 انظر صندوق النقد الدولي (2007: 23 جدول رقم 1).
(3)
انظر صندوق النقد الدولي (2007: 28، جدول رقم 5).
(4)
في نسختها النهائية تشتمل الاتفاقية على ديباجة، وست فصول وملحقين، حيث تتكون الفصول الست من : بروتوكول مشاكوس (الذي وقع في 20 يناير 2002)، واتفاقية اقتسام السلطة (26 مايو 2004)، واتفاقية اقتسام الثروة (7 يناير 2004)، واتفاقية حل النزاع في أبيي (26 مايو 2004)، واتفاقية حل النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق (26 ابريل 2004)، واتفاقية الترتيبات الأمنية (25 سبتمبر 2003).
(5)
لعلة من المعروف أن أدبيات أقتصاديات التنمية قد تراكمت مع الزمن بطريقة تستعصي على الإستعراض المكثف ويقف دليلاً على ذلك المجلدات التي حررها شينرى وسرينيفاسان (1989) و (1988) وبهرمان وسرينيفاسان (1995) والتي إشتملت على 55 مقالة إستعراضية للحالة المعرفية في إقتصاديات التنمية في 2998 صفحة من القطع الصغير. هذا بالإضافة إلى كتب القراءات والكتب المدرسية. وتشتمل الكتب المدرسية الحديثة على هيامي وجودو (2005)، وراي (1998)، وباسو (1997)، وباردان وأودري (1999).
(6)
تعرف العوائد المتزايدة للحجم في إطار دالة للإنتاج متجانسة من الدرجة على النحو التالي، حيثY هي الإنتاج و K هي عنصر رأس المال و L هي عنصر العمل: Y=F(K,L) بحيث وحيث أكبر من واحد. بمعنى أنه إذا زادت عوامل الإنتاج بنسبة متساوية يزداد الناتج بنسبة أعلى.
(7)
عادة ما تقوم الكتب المدرسية برصد إفتراضات "المنافسة الكاملة" كتجانس وحدات السلع وكثرة المشاركين بحيث لا يكون لأحد منهم تأثير على الأسعار؛ وسهولة الدخول إلى، والخروج من، السوق بالإضافة إلى ذلك إفتراض كمال المعلومات والذي ينص على أن كل المشاركين في السوق تتوفر لديهم معلومات كاملة عن الأسعار الراهنة والمبادلات الجارية وتقنيات الإنتاج وكل أنواع المعلومات التي تمكنهم من تعظيم الأرباح والمنفعة.
(8)
كما هو معروف يتلخص مقترح كفاءة النموذج التنافسي في أن كل نقطة توازن عام تتصف بالكفاءة بمعنى أنه سوف لن تكون هنالك نقطة أخرى للتوازن يكون فيها أحد المشاركين أعلى رفاهية دون أن يتضرر بقية المشاركين في النشاط الإقتصادي، وهي خاصية تعرف بأمثلية "باريتو". كذلك الحال، فإن أي حالة باريتو مثلى يمكن إقامتها على أساس إقتصاد تنافسي يتم فيه إعادة توزيع الموروثات الإبتدائية بطريقة غير تشويهية.
(9)
انظر مير وسيرز (1984) لانطباعات رواد اقتصاديات التنمية حول مساهماتهم النظرية والتطبيقية.
(10)
تعرف "البطالة المقنعة" على أنها تعنى إنتاجية حدية للعمال مساوية للصفر. وبالطبع فإنه تحت مثل هذا الإفتراض تنهار نظرية التوزيع النيوكلاسيكية والتي تتطلب أن تتساوى الإنتاجية الحدية للعمل مع الأجر في نقطة توازن الإنتاج. وأثير السؤال حول لماذا نشاهد أجوراً موجبة في ظل البطالة المقنعة.
(11)
طور رودريك (2001) مفهوم "الانتقال الاستثماري" كمفهوم تطبيقي لإطروحة لويس فيما يتعلق بالمسألة المحورية لاقتصاديات التنمية.
(12)
كما هو معروف يتم حساب الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج من معادلة النمو التعريفية لنمو الإنتاج للعامل والتي تأخذ في شكلها العام ما يلي: حيث y هي الإنتاج للعامل و k هي رصيد رأس المال للعامل و A هي التقدم التقني. بمشاهدة يمكن حساب G(A) وهي الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج.
(13)
أنظر هيرشمان (1982) لمصادر الهجوم على نظرية التنمية والتي يمكن تلخيصها في الهجوم من جانب مدرسة التبعية في شكل أطروحة "تنمية التخلف" وتعضيد الهجوم من جانب المدرسة النيوكلاسيكية في شكل ملاحظة سوء تخصيص الموارد المترتبة على التخطيط).
(14)
أنظر البنك الدولي، (1987: 198-180) لرصد للمراجع في هذا المجال. ولكن أنظر ويد (1990) وإستجلتز (2002) وشانق (2006) لتفسير مغاير لتجربة الدول الأسيوية.
(15)
قام ويليامسون (1990) بصياغة هذا الاسم كتابة لحزمة السياسات التي اتفق عليها كل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية بمقراتها في العاصمة الأمريكية واشنطن، لنقد سياسات "وفاق واشنطن" على طريقة شهد شاهد من أهلها، أنظر أستجلتز (2002). ويلاحظ أن موقف إستجلتز لا يختلف كثيراً عما قال به عدد كبير من الاقتصاديين من الدول النامية.
(16)
راجع في هذا الصدد باسو (1997) وباردان وأودري (1999).
(17)
انظر، على سبيل المثال، راي (1998: 4-5) الذي يورد كمبرر لتأليف كتاب حول اقتصاديات التنمية تفشي ظواهر "انعدام الأسواق" و "إخفاق علم آلية الأسواق"، و "الآثار الخارجية"، و "تأثير عدالة توزيع الدخل في النمو الاقتصادي"، و "عدم كمال المعلومات". ويلاحظ بروتن (2001) أنه على الرغم من التعمق في فهم، ومجالات، إخفاق آلية السوق مما يبرر تدخلاً أعمق للدولة في الاقتصاد إلا أن هيمنة المدرسة النيوكلاسيكية على صياغة السياسات التنموية حالت دون ذلك.
(18)
يمثل مؤشر التنمية البشرية الذي طوره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إطار تقريره السنوي حول التنمية البشرية في العالم أحد أهم المحاولات لصياغة مؤشر تجميعي لمفهوم "الإستطاعة". وكما هو معروف تشتمل العوامل التي تدخل في هذا المؤشر على الدخل الحقيقي للفرد (إستطاعة تحقيق مستوى للمعيشة)؛ والعمر المتوقع للحياة (إستطاعة الحياة الصحية)؛ ونسب التعليم (إستطاعة المعرفة).
(19)
هنالك أيضاً أدبيات تناولت العوامل المساعدة على أساس استعادة الانتعاش الاقتصادي في فترة ما بعد النزاع (انظر على سبيل المثال، كوليير وهوفلر (2004)).
(20)
تتمتع كل العوامل المذكورة في النتائج بمعنوية إحصائية لمستويات المعنوية التقليدية من 10 في المائة وأحسن.
(21)
هنالك صعوبة في فهم هذه النتائج ربما لأسباب تتعلق بصياغة المؤشرات التي تمّ استخدامها.
المراجـــع
Ali, A.A.G., (2005), The Challenges of Poverty Reduction in Post-Conflict Sudan; Arab Planning Institute , Kuwait.

Adelman, I., (2001), “Fallacies in Development Theory and their Implications for Policy”; in Meier and Stiglitz (2001).

Bardhan, P., and C. Udry, (1999), Development Microeconomics; Oxford University Press.

Basu, K., (1997), Analytical Development Economics: The Less Developed Economy Revisited; MIT Press, London.

Bauer, P., (1957), Economic Analysis and Policy in Underdeveloped Countries; Duke University Press, Durham, N.C.

Behrman, J., and T.N. Srinivasan, (eds.), (1995-a), Handbook of Development Economics, vol. III.B; Elsevier, Amsterdam.

Behrman, J., and T.N. Srinivasan, (eds.), (1995-b), Handbook of Development Economics, vol. III.A; Elsevier, Amsterdam.

Bruton, H., (2001), On the Search of Well-Being; University of Michigan Press, Ann Arbor.

Chang, H.J., (2006), The East Asian DevelopmentExperience: The Miracle, the Crisis and the Future; Third World Netwest, Penang, Malaysia.

Chenery, H., and T. N. Srinivasan, (eds.), (1989), Handbook of Development Economics, vol. 2; North-Holland, Amsterdam.

Chenery, H., and T. N. Srinivasan, (eds.), (1988), Handbook of Development Economics, vol. 1; North-Holland, Amsterdam.

Hall, R., and C. Jones, (1999), “Why Do Some Countries Produce So Much More Output per Worker Than Others?”; Quarterly Journal of Economics, vol. : 83-116.

Hayami, Y., and Y. Goda, (2005), Development Economics: From the Poverty to the Wealth of Nations; Clarendon Press, Oxford.

Hirschman, A., (1984), “A Dissenter’s Confession: The Strategy of Economic Development Revisted”; in Meier and Seers (eds.).

Hirschman, A., (1981), “The Rise and Decline of Development Economics”; in Essays in Trespassing, Cambridge University Press, Cambridge, U.K.

Hirschman, A., (1958), The Strategy of Economic Development, Yale University Press, New Haven, Conn.

Hoff, K., and J. Stiglitz, (2001), “Modern Economic Theory and Development”; in Meier and Stiglitz (2001).