صفحة 1 من 1

نقيض التفسير الغيبى لارتفاع الدولار بواسطة وزير المالية والإ

مشاركةمرسل: الاثنين يناير 04, 2016 11:24 pm
بواسطة حسين احمد حسين
نقيض التفسير الغيبى لارتفاع الدولار بواسطة وزير المالية والإقتصاد الوطنى

مدخل

فى نهاية أكتوبر 2014 كذَّبنا ما ذهبَ إليه وزراء القطاع الإقتصادى فى أنَّ أسباب إنخفاض الدولار تُعزى إلى التحسن فى معدل النمو القومى. وقلنا بالحرف الواحد أنَّ أسباب إنخفاض الدولار مرتبطة بالسوق الموازى وليس بالتحسن فى معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى (راجع/ى: http://www.alrakoba.net/news-action-sho ... 168838.htm. وقلنا أنَّ العوامل الداعمة لقدرة تحكم السوق الموازى فى الإقتصاد هى: أ/ الإمعان فى إفقار الشعب السودانى، وبالتالى إضعاف قدرته على الإدخار، وذلك ليسهُل إنقياده إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً، واستئثار فئة محدودة بهذه القدرة على الإدخار وبالتالى التأثير على مجريات الواقع الإقتصادى. ب/ فقدان الثقة فى النظام الحاكم وفى نظامه المصرفى بعد تبديلَىْ عملة قصدَ منهما معرفة القدرة الإقتصادية للغرماء السياسيين وتحجيمها. وبالتالى هذا الأمر قد أدى إلى خروج المزيد من الرساميل خارج النظام المصرفى. ج/ وجود أموال طائلة من عائدات البترول والمعادن النفيسة وأموال الزكاة وأموال السرقات الجارية خارج الدورة الإقتصادية للبلد، وخارج النظام المصرفى نتيجةً لواقعٍ من الفساد ما أنزل الله به من سلطان، ولكنْ قد جرأَ على اجتراحِهِ الفاسدون العضويون.

وفى مقال لاحق حددنا المحدِّدات الدَّالة على كِبَر حجم السوق الموازى فى السودان، وكيف أنَّ هذه المحددات قد جعلت السودان مكاناً آمناً لكلِّ أنواع الأموال الخبيثة (http://www.alrakoba.net/news-action-sho ... 179863.htm. وذكرنا أنَّ العوامل التى حوَّلت وزراء القطاع الإقتصادى إلى مجرد ضباط علاقات عامة لرأسمالية الكازينوهات الإسلاطفيلية هى: أ/ وجود نظام شمولى تنعدم فيه أنظمة الرقابة والشفافية الحقيقيتيْن، ب/ الضرائب والقوانين الضريبية والإعفاء والتهرب من الضريبة، ج/حجم الطلب على السيولة، د/ حجم النقود خارج النظام المصرفى، ه/ تضخيم الدولة لأرقام الموازنة، و/ الفجوة الزمنية لاستجابة السوق للسياسة النقدية، ز/ إنعدام الإرداة السياسية لتصحيح مسار الإقتصاد السودانى، ح/ تضافر هذه العوامل فى البلد يجعله فى حالة إنكشاف إقتصادى ماحقة وفادحة العواقب.

والآن نؤكد أيضاً بأنَّ إرتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السودانى (واحد دولار = 11.6 جنيه فى السوق الموازى، ويساوى 6.2 جنيه للسعر الرسمى) هو بسبب ذات السوق الموازى الطفيلى فى تداخله مع المتنفذين الأخوانويين الفاسدين العاملين بالدولة. وهذا يحدث فى وجود كل الظروف المواتية التى تجعل سعر صرف الدولار مستقراً لو لا فساد هؤلاء القوم.

منهــــجية

يعتمد هذا المقال خصيصة النظر فى الواقع المحسوس للسياسة المالية والسياسة النقدية والإئتمانية؛ وهل طرأ عليها ما يزيد من الطلب على الدولار والنقود عموماً، فتكون هناك تفسيرات مادية لزيادة سعر الدولار، أم أنَّ الأمر برمته مرتبطٌ، كما قال وزير المالية والإقتصاد الوطنى، بعوامل غيبية/غير مرئية كالعوامل النفسية وغيرها.

وهنا سأُذكِّر السيد وزير المالية والإقتصاد الوطنى لمرة أُخرى بما يعلم، وهو أنَّ الإقتصاد الموازى أقوى من إقتصاد محمد – أحمد بكثير، وأنَّ حجم النقود خارج النظام المصرفى ثلثى حجم النقود داخله، خاصة مع نغمة محاربة الفساد التى بدأت تأخذ منحنىً إيجابياً مغايراً لمحاربته فى السابق. وعليه فأنتَ فى ظل هكذا واقع يجب أنْ تكون كالقاضى، ممنوع من الثرثرة، وذلك ببساطة لأنَّ أى ثرثرة من سيادتكم سيترتب عليها معاملات مالية بواسطة الإقتصاد الموازى. وبالتالى نطالبك بأن تكون وزيراً لكلِّ شركاء العملية الإنتاجية (العمال/القوى الحديثة + رجال الأعمال/رواد الأعمال + (عوامل الإنتاج الأُخرى) = العملية الإنتاجية) فى السودان دون تحيز، إذا كنتَ معنى بالفعل بمحاربة الفساد، واخرجْ من عباءة ضابط العلاقات العامة لرأسمالية الكازينوهات الإسلاطفيلية هذه.

سنتطرق هنا لسياسات الإقتصاد الكلى محل إختصاص وزارة المالية وتلك التى يصدرها بنك السودان المركزى لمعرفة ما إذا كانت الأرقام التى تتضمنها الموازنة العامة لسنة 2016 قد شكَّلَتْ سبباً لارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه السودانى أم لا.

السياسات المالية والنقدية لعام 2016

لعل الأمر الذى كان لافتاً للنظر فيما يتعلق بالموازنة الجديدة هو المناشدة الشاذة للسيد وزير المالية والإقتصاد الوطنى لمجلس الوزراء والمؤتمر الوطنى بالمصادقة على رفع الدعم الحكومى عن الدقيق، القمح، والمحروقات فى موازنة 2016 والتى رفضها مجلس الوزراء رفضاً ظاهرُهُ فيه الرحمة وباطنُهُ من قِبَلِهِ العذاب؛ فماذا وراء الأكمة؟

السياسة المالية وترشيد الإنفاق العام

1- أولى الملاحظات فى هذا الشأن هى أنَّ واحدة من الإختلالات المنهجية لهذه الميزانية أنَّنا حينما نتحدث عن ترشيد الإنفاق العام، يجب أن تكون لنا سنة أساس (سنة مقارنة) نبضط بها مسألة الترشيد المزعوم. ولما كان هذا الأمرُ غيرَ واضحٍ فى حيثيات خطاب الميزانية، فسوف نفترض أنَّ الأساس لذلك الترشيد المزعوم هو السنة السابقة. وعليه يجب أن تكون أرقام الإنفاق العام أقل أو مساوية لأرقام الميزانية السابقة، أو على أقل تقدير يجب أن تكون الزيادة فى أرقامها مبنية على التوقعات التضخمية من خارج الإقتصاد القومى وعلى التغيرات المحلية والعالمية غير المنظورة؛ ويجب ألاَّ يتجاوز ذلك فى أسوأ أحواله نسبة الـ 3%.

أمَّا أن يكون معدل نمو الإنفاق العام بنسبة 11% لميزانية 2016 عنه فى ميزانية 2015، ومازلنا نَمْرَدُ على قول الترشيد، فذلك كلامٌ مرسلٌ (Fallacious) خالى من الأسانيد وللإستهلاك السياسى فقط. وهذا الزعم تسنده حقيقة زيادة الإنفاق العام بنسبة 80% منذ إنفصال الجنوب، وكان الأحرى أنْ ينخفض الإنفاق العام بنسبة 45% (د. التيجانى الطيب، الراكوبة). وهذا الواقع تقرُّهُ مؤسسات التمويل الدولية وأقرَّ به أيضاً إجتماع مجلس التخطيط الإستراتيجى لتعميم الخطة الخمسية فى قياسه لأداء الميزانيات حتى ميزانية 2015، والذى أشار بشكل واضح للزيادة المضطردة فى الإنفاق العام من سنة إلى أخرى (محمد عبد القادر خليل: الراى العام، 21/12/2015).

هذه الزيادة المضطردة فى الإنفاق العام منذ إنفصال الجنوب لم تنعكس على جسد التنمية، ولا على الخدمات الإجتماعية التى تزيد من حيوية العمليات الإنتاجية وفعاليتها، ولا ذهبتْ كمقابل محلى لقروض تنموية واستثمارات أجنبية مباشرة؛ وإنَّما صُرفتْ وسوف تُصرف فى شكل إنفاق جارى على الفصلين الأول والثانى من الميزانية. وبالتالى مازال الإنفاق الجارى غير الحيوى يلتهم الجزء الأكبر من ميزانية العام 2016 (60%)، وولاية الخرطوم تستحوز على الجزء الأكبر منه مقارنة بالولايات الأخرى. والسؤال المهم: هل المتبقى من الإنفاق العام يفى بتلبية إلتزامات الدولة نحو التنمية ونحو العالم الخارجى؟

والإجابة بالضرورة بلا، لأنَّ هناك عجزاً فى الموازنة يُقدر بـ 1.6% من جملة الناتج المحلى الإجمالى، والذى سوف يُموَّل على حد قول د. عبد الرحمن ضرار (وزير الدولة بالمالية والإقتصاد الوطنى فى قناة الشروق) إما بالإقتراض من العالم الخارجى، أو بالتمويل باالعجز، أو بالإستدانة من الجمهور (الجمهور تطير عيشتو البيتحملكن فى اللَّقى والعدم).

ومن هذه القراءة يمكن أن نقول بكل طمأنينة بإنَّ السياسة المالية المعلنة لن تنجز أهداف الموازنة فيما يتعلق بالترشيد. بل على العكس؛ فهى سياسة تضخمية وسوف تؤدى لا مُحالة إلى إرتفاع المستوى العام للأسعار وتزيد من الطلب على النقود لا سيما الدولار (وتزيد من الطلب على العقار).

2- إنَّ قرار مجلس الوزاء عن رفضه لرفع الدعم عن السلع الإستراتيجية، كما جاء بعاليه، ظاهرُهُ فيه الرحمة (إستمرار الدعم) وباطِنُهُ من قِبَلِهِ العذاب (أبشع أنواع السرقات الجارية) كما سنرى أدناه.

فظاهرياً؛ سيفرحُ الجمهور بتدخل مجلس الوزراء لمنع رفع الدعم عن السلع الإسترتيجية وسيحِمدُ الإنقاذ بانحيازها للفقراء ويُثنى عليها (ولو بغير ما اكتسبتْ كما سنرى)؛ وذلك هو كل الغرض من هذه المسرحية السخيفة والسيئة الإخراج.

أمَّا باطنياً؛ ففى واقع الأمر أنَّ الدولة بالمحصلة لم تكن داعمة للمحروقات منذ زمن ليس بالقصير، وبفاعلية منذُ فبراير المنصرم. بل هى فى حقيقة الأمر تبيع المحروقات للمواطن السودانى المغلوب على أمره بسعر أعلى من سعرها فى الأسواق العالمية. وهذا الصنيع الأخوانوى اللصوصى يُمثِّل أسوأ أنواع الإستغلال لفقراء السودان، والذى لا يوجد له مثيل فى أىِّ مكان على هذا الكوكب، وينفى انحياز الميزانية المزعوم لهؤلاء الفقراء.

فعلى سبيل المثال، بدلاً من أنْ تساهم الدولة فى رفاه كافة المواطنين السودانيين مستفيدة من إنخفاضات أسعار البترول المتتالية، فقد رأت الدولة أن تساهم فقط فى رفاه "ما يُسمَّى بالأخوان المسلمين" وذلك ببيعها لبرميل البترول بأضعاف قيمة سعره المحددة بالعرض والطلب فى الأسواق العالمية (36-37 دولار حتى هذا اليوم) لتدعم بفروقات سعره مناصِريها.

هذا الأمر ينطبق أيضاً على القمح الذى رفعتْ الدولة يدها عن دعمه بالكامل (أو كادت)، وذلك برفع سعر صرف دولار القمح إلى 4 دولار، ثمَّ إلى 6 دولار (وهو قريب جداً من سعر صرف الدولار الرسمى 6.2 دولار مقابل الجنيه السودانى). وحتى دعم الكهرباء فهو ليس دعماً مرتبطاً بالعمليات الإنتاجية (ليس دعماً تنموياً)، وإنَّما يقابل صرفاً جارياً كمجانية خدمات الكهرباء لمنسوبى ما يُسمى بالأخوان المسلمين، وليُساعدهم على التمكين بالفساد والإفساد فى إطار عقود تنموية صورية ذات جدوى إقتصادية خالية من أىِّ جدوى للوطن والمواطن كما هو الحال مع عقود شركة بكس المحدودة لتوليد الكهرباء من النفايات (تقرير المراجع العام عن ولاية الخرطوم).

ولو أنَّ المواطن السودانى قد تُركَ ليأخذ محروقاته من خُشاش محصلة العرض والطلب العالميَيْن، لانخفضتْ جميع تكاليف الإنتاج بالبلد، ولازداد معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى بأكثر 5.3% (ولو بمعدل متناقص فى هذه الفترة)، ولانخفض متوسط معدل التضخم بأكثر مما هو معلن (17.9%) وكذلك سينخفض سعر العقارات، ولزادت القوة الشرائية لمداخيل المواطنين.

فالدول التى قلوبها على شعوبها تتابع أسعار البترول ساعةً بساعة، ويوماً بيوم، وشهراً بشهر، ومتى ما انخفضت أسعارُهُ، إغتنمت الفرصة لِتُنْعِشَ إقتصاداتها وسرعان ما ينعكِسُ ذلك رفاهيةً على المواطنين. والجدير بالذكر بأنَّ كل التحسن الذى طرأ، والذى كان من الممكن أن يطرأ بأكثر منه، لم يكن من جراء سياسات مواتية لوزارة المالية أو بنك السودان كما يدعى وزير المالية والإقتصاد الوطنى ومُحافظُ بنك السودان المركزى، بل فقط بسبب إنخفاض أسعار البترول. ولكن كعادة الأنقاذ تريد أن تُجيِّر الأثر الإيجابى الذى أحدثه إنخفاض سعر برميل البترول لمصلحتها الخاصة، وبالتالى لتُحْمَد بما لا تفعل.

ففى بريطانيا مثلاً، حينما انخفض برميل البترول إلى ما دون الـ 50 دولار تسابقت جميع المحال التجارية الكبيرة والصغيرة إلى خفض أسعارها لكسب المواطن إلى جانبها، ووصل التضخم إلى أقلَّ من 1% (0.08%) فى معظم العشرة أشهر الفائتة، إذا أخذنا التضخم المرتبط بأسعار السلع الإستهلاكية (https://www.statbureau.org/en/united...om/inflation)، وبحسابات أُخرى لمعدل التضخم فإنَّنا نجده قد وصل -1%.

وبالتالى فإنَّ إستمرار الدولة (وزارة المالية والإقتصاد الوطنى/بدر الدين محمود عباس) فى هذه السرقة الجارية البشعة، والسطو على رفاه المواطن بهذه الطريقة الشيطانية التى لم تخطر على بال الحاكم قراقوش ذات نفسه - وذلك ببيعها لبرميل البترول بأضعاف ما هو معروض فى السوق العالمى، بالرغم من حديث منظمة أوبك عن إستقرار سعره الحالى إلى عام 2020 (وأنَّه لن يتجاوز الـ 100 دولار إلى 2040) - سيدفع بالإتجاه العام للأسعار إلى أعلى، وسيحفِّز الطلب على الدولار.

3- الشاهد أنَّ أفراد تنظيم ما يُسمى بالأخوان المسلمين فى السودان يتلقون من الدعومات ما لم يحلم به أى إقطاعى من الإقطاعيين الأوروبيين فى العصور الوسطى. فمثلاً؛ إلى جانب إعفاء كل شركاتهم من الضرائب ورسوم الإنتاج والزكاة (8683 شركة)، فكلهم يملك من البيوت الفارهة المعفية من رسوم العتب وفى نفس الوقت تصرف لهم بدلات سكن شهرية بملايين الجنيهات، وبدلات العلاج المجانى والسفر المجانى والمياه والكهرباء المجانيتين والنفايات المجانية؛ إلى آخر القائمة.

كذلك فإنَّ أفراد تنظيم ما يُسمى بالأخوان المسلمين يتلقون أموالاً طائلة فى شكل تسهيلات مصرفية وقروض ميسرة، والواحد منهم يصرف ماهية فى مكان عمله المحدد، ويصرف ماهية أخرى لأنَّه يقوم ببعض المهام الأمنية، بالإضافة إلى أتاوات التمكين الأخرى.

فمثل هذا النوع من الدعومات يزيد من الفروقات الإجتماعية بالبلد، ويؤثر هو الأخر فى النمط الإستهلاكى العام فى السودان، مما يؤدى بالضرورة إلى إرتفاع الإتجاه العام للأسعار، وبالتالى يزيد من معدل التضخم والطلب على الدولار. ويا كم شهدنا أفراداً يتسوقون لجلبِ سلعهم الإستهلاكية العادية فى أسواق دبى وتركيا ولندن وغيرها من مدن دول العالم.

4- إن حقيقة تعامل الحكومة مع مخصصات التنمية فى السنوات التى أعقبت الإنفصال كمحفظة لدعم وترقيع الإنفاق الجارى، يفتح الباب لسرقات جارية أخرى من المال العام، ويزيد من عرض النقود وبالتالى يرفع من المستوى العام للأسعار ويزيد من معدل التضخم الذى من شأنه أن يجعل النَّاس يُسارعون لشراء الدولار للمحافظة على ما فى أيديهم من نقود قبل أن تنقص قيمتها.

السياسة المالية ومعظمة الإيرادات العامة

1- لما كانت الدولة قد خصخصتْ جلَّ مؤسساتها وشركاتها العامة وأوقفت إنفاقها الإستثمارى (الصرف على التنمية) خاصةً بعد إنفصال الجنوب، وذهاب معظم عائدات البترول، وتوقف عائدات خدمات عبور بترول الجنوب بسبب الحرب هناك؛ وعجزت الدولة بكلِّ ما أُتيت من حِيَل أنْ تستقطب المزيد من مدخرات المغتربين الذين فَطِنوا لِحِيَلِها؛ ومازال بنك السودان عاجزاً عن وضع يده على كل الذهب المنتج بالبلد، وتحديداً ذهب الولايات الغربية؛ فمن غير المنظور أنْ تكون للحكومة إيرادات ذات بال من غير الضرائب بكل أنواعها خاصةً الضرائب المباشرة.

عليه إذا اعتزمت الدولة معظمة الوردات فى ظل هذه الميزانية فلن يُنتظر ذلك من الإنفاق الإستثمارى الذى يتجاوز عائدُهُ المدى المتوسط، ولن يكون ذلك بِبَسط المظلة الضريبية لتشمل أفراداً وشركاتِ ما يُسمى بالأخوان المسلمين؛ وهم الذين رفضوا إستقطاع 25% من مخصصات الدستوريين، وهم الذين يتململون من زيادة رسم الضرائب الجمركية وضرائب شركات الإتصالات والضرائب على السلع الكمالية.

فأمام الحكومة خيارات أحلاها مُرٌّ على الشعب السودانى: إمَّا أنْ تزيد الضرائب المباشرة التى سيقع جلُّ أثرها على البؤساء (فقراء العملية الإنتاجية)، أو أنْ تستمر فى سرقتها الجارية المتعلقة ببيع النفط للمواطن بأعلى من السعر الذى يحدده العرض والطلب العالمِيَيْن، أو الخيارين معاً. وهذا الوضع سوف يضع البلد فى وضعية الركود التضخمى (Stagflation) التى يقل فيها معدل النمو وترتفع فيها معدلات البطالة، ومن عجبٍ يرتفع فيها معدل التضخم (بدل من أن ينخفض حسب النظرية الإقتصادية) كما هو حادث الآن بالضبط، وبالتالى يرتفع الإتجاه العام للأسعار، ويهرع النَّاس لشراء الدولار والعقار كمخزَنَىْ قيمة.

2- وإذا نظرنا إلى حقيقة هذه الميزانية الجديدة بعين ثاقبة سنجدها (كما سابقاتها) لم تخرج من النسق أعلاه ومازالت تتبع تمييزاً إقتصادياً لصالح الشرائح الرأسمالية (خاصةً أفراد ما يُسمى بالأخوان المسلمين فى السودان/شريحة رأس المال المالى) على حساب الفقراء فيما يتعلق بتحصيل الضرائب. وليتضح ذلك فلنُوزِّع الإيرادات العامة من الضرائب على شركاء العملية الإنتاجية بمقتضى معادلة الإنتاج الشهيرة (العمال/القوى الحديثة + رجال الأعمال/رواد الأعمال + (عوامل الإنتاج الأُخرى) = العملية الإنتاجية).

فالعمال والقوى الحديثة يدفعون ضرائب مباشرة قدرها 48 مليار جنيه سودانى + 3.4 مليار جنيه سودانى يدفعها رجال الأعمال/ورواد الأعمال + 108 مليون جنيه تؤخذ كضرائب ملكية على عوامل الإنتاج الأخرى (التنظيم، الأرض، التقنية) = 51.508 مليار جنيه سودانى. وإذا علمنا أنَّ عدد 8683 شركة إخوانوية معفية من الضرائب (راجع: ديوان الضرائب 2014)، سنجد أنَّ الشركات التى تدفع مبلغ الـ 3.4 مليار جنيه هى فى حقيقة الأمر شركات التنظيمات التى قَبِلَت بالتوالى السياسى مع النظام والشركات التى بها شركاء أجانب (كشركات الإتصال التى زِيد رسمُ ضريبتها من 2.5% إلى 5%).

وبالتالى هذه الأرقام المتعلقة بإيرادات الضرائب توضح بشكل جلى، أنَّ فقراء السودان يساهمون أكثر من الشرائح الرأسمالية فى إيرادات ميزانية 2016 وهم من يتحمل زيادة عبء الضرائب البالغ 22% فى هذه الميزانية، وأنَّ كل ضرائب الأعمال (إنْ وُجِدَتْ) ستدفعها الشركات المحلية والخارجية التى توالت سياسياً مع النظام، وأنَّ شركات الأخوانويين لا تدفع جنيهاً واحداً لخزينة الدولة.

وهذه النظرة توقفنا على كذبتين كذبهما السيد وزير المالية والإقتصاد الوطنى فيما يتعلق بإيرادات الضرائب: الأولى، أنَّه قال: "لن تكون هناك زيادة فى الضرائب المباشرة". والشاهد أنَّ الضرائب المباشرة قد زادت فى ميزانية 2016 عن ميزلنية 2015 بنسبة 22% كما جاء بعاليه، وهو أمرٌ أمَّنَ عليه عضو البرلمان والرئيس المناوب لاتحاد أصحاب العمل السيد على محمد الحسن أبرسى فى مناقشة الميزانية فى البرلمان، الذى قال بالحرف الواحد "أنَّ الميزانية تتضمن ضرائب وهى بالتأكيد ستؤثر على المستهلك والمواطن ..." (إشراقة عباس، سونا، 17/12/2015).

أما الكذبة الثانية، فهى قول السيد وزير المالية والإقتصاد الوطنى "أنَّ الزيادة فى الضرائب ستكون أفقية وليست رأسية"؛ بمعنى أنَّه سيدخل عدداً من الشركات المعفاة من الضرائب تحت المظلة الضريبية. ولكن هذا القول المرسل الفصيح لا تقابله أىُّ زيادة على أرباح الأعمال (خلا الضريبة على شركات الإتصالات كما ذكرنا آنفاً، وذلك فقط لأنَّ بها شركاء أجانب) تدل على أنَّنا أمام حقبة جديدة من إدخال شركات الأخوانويين الـ 8683 تحت المظلة الضريبية.

وبالتالى إذا الحكومة زادت الضرائب المباشرة بنسبة 22% عمَّا كانت عليه فى الميزانية السابقة، فهى تعلم علم يقينى مسبق بأنَّ ذلك سيرفع الإتجاه العام للأسعار وسيزيد التضخم والطلب على الدولار والعقار، ومع ذلك تلجأ للتفسير الغيبى لارتفاع الدولار! أىُّ نوعٍ من الإقتصاديين أنتم!

3- إذاً اضطرت الحكومة تحت أى ظرف من الظروف أن تبسط المظلة الضريبية لتشمل الـ 8683 شركة المعفاة من الضرائب هذه (وهو ما لم يحدث بعد)، وأنْ تتخذ إجراءات صادقة لمحاربة الفساد ومنازلة الإقتصاد الموازى كما يُلوَّحُ به هذه الأيام، فإنَّ ذلك هو العامل النفسى الوحيد (من جملة عوامل أخرى ذات أثر مباشر وأهم على زيادة سعر صرف الدولار) الذى سيؤدى إلى خروج مزيدٍ من الأموال خارج النظام المصرفى ومن ثمَّ خارج البلد، وسيزيد ذلك من تحريك الإتجاه العام للأسعار إلى أعلى، وسيزيد من الطلب على الدولار والعملات الصعبة الأخرى بشكل حثيث كمخزن للقيمة، إيذاناً بتهريبها للخارج.

السياسة النقدية والإئتمانية

هناك عدد من الملاحظات فيما يتعلق بالسياسة النقدية والإئتمانية نُجملها فيما يأتى:-

1- إنَّ إلتقاء محافظ بنك السودان المركزى السيد عبد الرحمن حسن باتحاد أصحاب العمل واتحاد المصارف بغرض التشاور معهما والأخذ بوجهتَىْ نظرهما فى رسم السياسات النقدية والإئتمانية، دون الإهتمام بإلتقاء إتحاد عام نقابات عمال السودان (لا يهم كونه مخصياً فى إطار نقابة المنشأة)، يشى ابتداءاً بالتحيُّز الواضح لرجال المال ورواد الأعمال على حساب العمال والفئات الحية الحديثة. وبالتالى لا يُتوقَّع أن تكون السياسة النقدية والإئتمانية قد حَفَلَتْ أصلاً بحقوق العمال والقوى الحديثة (بحقوقِ الفقراءِ إجمالاً).

2- إنَّ إنخفاض متوسط معدل التضخم فى ميزانية 2015 من 18% إلى 17.9%، وانخفاض معدل التضخم الشهرى إلى 12% مقارنة 25.7%، وازدياد معدل النمو إلى 5.3%، لا يعنى بالضرورة نجاعة السياسة الترشيدية التى إتبعها بنك السودان. ولكن يعكس وجود عوامل أخرى أكثر فاعلية من تلك السياسة (كإنخفاض أسعار البترول وزيادة السيولة). خاصةً أنَّ ما يُقارب الـ 66% من حجم الكتلة النقدية خارج نطاق تأثير السياسة النقدية لبنك السودان، أى خارج الجهاز المصرفى. كما أنَّ بنك السودان نفسه يعلم أنَّ درجة إستجابة سوق النقد لسياسته يترواح ما بين 12 إلى 18 شهراً. وهذا المنطق ينسحب أيضاً على صندوق إدارة السيولة الذى يصبح عديم الفاعلية مع هذين السببين.

كما أنَّ الزيادة فى معدل النمو (إن كانت هى بالفعل زيادة وليست طبخة) فى ظل الركود التضخمى، هى زيادة ظاهرية مؤقتة لارتباطها بالزيادة فى عرض النقود. إذ أنَّ الزيادة الفعلية فى الناتج المحلى الإجمالى ترتبط بالسعات الإنتاجية للإقتصاد، والتى تهملها الإنقاذ عمداً منذ إنفصال الجنوب فى عام 2011.

كذلك فإنَّ التحسن الذى طرأ على ميزان المدفوعات وتحوُّلُهُ من حالة عجز 3.3 مليون دولار إلى تحقيق فائض قدره 28.6 مليون دولار فى نهاية 2015 لا يمكن ردَّه هو الآخر لسياسات بنك السودان المركزى الترشيدية، وإنما يُعزى لتضخيم ميزانية عام 2015 بسبب التقديرات غير الواقعية لحجم دعم السلع الإستراتيجية البالغ 10.5 مليار جنيه سودانى، مقارنة بالمشتروات الفعلية من هذه السلع البالغة 6.2 مليار جنيه سودانى (4.3 مليار جنيه فائضة عن الحاجة)؛ وذلك لحاجة فى نفس يعقوب وزراة المالية والإقتصاد الوطنى.

وفيما يتعلق برفع إسم السودان من القائمة الرمادية، هل رفع إسمه منها (بسبب القدرات التفاوضية للدولة) يعكس عدم صلة الإنقاذ بغسل الأموال والإرهاب؟ ماذا عن تقرير بعض الإستخبارات الغربية الذى يحذر من سقوط السودان فى يدِ داعش! (http://www.albawabhnews.com/1678960http ... om/1678960.

3- فى إطار السياسة النقدية فإنَّ تلميح وزير المالية والإقتصاد الوطنى بأنَّ هناك تدابير لتجسير الفجوة بين السعر الرسمى (6.2) والسعر الموازى للدولار (11.6)، فيه إفصاح صريح "لمن يهمهم الأمر" بأنَّ سعر الدولار الحالى سيتحرك إلى أعلى (ومن المرجَّح أن يكون الدولار ما بين 7 - 9 جنيهات سودانية). وإذا تحرك الدولار الرسمى إلى أعلى، فإنَّ هذا الأمر سيجعل أرقام هذه الميزانية على المحك، بسبب إرتفاع المستوى العام للأسعار وارتفاع معدل التضخم، مما يضطر الدولة لتحريك أرقامها وبالتالى فضح عدم شفافيتها من الأساس وفقدان الثقة فيها.

وعليه هذا النوع من الثرثرة هو واحد من عُدة أسباب أدَّتْ لتحريك المستوى العام للأسعار إلى أعلى، بما أوْحَتْهُ للسوق الموازى ليطلب من الصرافات وغيرها المزيد من العملات الصعبة، ومن ثمَّ زاد الطلب على الدولار. وهذه الزيادة على وجه التحديد مسئول منها وزير المالية والإقتصاد الوطنى ذات نفسه، وبالتالى إرجاع إرتفاع الدولار إلى أسباب غيبية ونفسية من قِبَله، هى حجة داحضة ومردودة، ولا يُمكن إعتبارها زلة لسان فى خضم الصراعات المحتدمة بين الأخوانويين السودانيين (محمود وداعة، الراكوبة 30/12/2016).

عوامل أخرى تزيد من الطلب على الدولار وبالتالى ترفع سعره

1- قانون حيازة العملة لسنة 2004 يسمح للفرد أن يحوز أىَّ رقم من العملات من أىَّ مصدر والإتجار بها بعد موافقة بنك السودان المركزى، دون أن يكون مسئولاً من تحديد ذلك المصدر، إلاَّ حين تسأل عنها آلية مكافحة غسل الأموال.

2- طلب المكتنزين الغير واثقين فى الجهاز المصرفى الذين يطلبون الدولار كمخزن للقيمة، وهم يمتلكون مع الفئات الأخرى (الطفيلية المضاربة فى العملات والممارسة لغسل الأموال) ثلثى الكتلة النقدية فى السودان، يزيد من الطلب على الدولار ويرفع سعره (عدد السودانيين الذين يملكون حسابات مصرفية لا يتجاوز المليون شخص، د. النور حمد: الراكوبة).

3- بالطبع هناك طلب على الدولار بواسطة صغار وكبار التجار، بواسطة المسافيرين، والدارسين والمتعالجين بالخارج، بواسطة المدخرين الصغار من المواطنين، بواسطة الشركات الأجنبية؛ ولكن تعقيدات بنك السودان لفتح الإعتمادات تجعلهم يتجاوزون النظام المصرفى ويطلبون الدولار من سوقه الأسود؛ وبالتالى يساهمون فى فى زيادة الطلب على الدولار.

4- عدم تقيُّد الصرافات بسعر الصرف الرسمى، وبالتالى زيادة سعر صرف الدولار فى صرافاتهم لكسب مزيد من الزبائن يؤدى إلى زيادة الطلب على الدولار. وإذا تأكَّدت إشاعة أنَّ الحكومة هى أكبر المشترين للدولار من السوق الأسود، فمن يمنع الصرفات بعدم التقيُّد بالسعر الرسمى؛ "خربانة من كُبارا".

5- الحظر الأمريكى على التحويلات البنكية السودانية فى إطار العقوبات على السودان، يجعل التجار يتجاوزون النظام المصرفى للتعامل مع عملائهم مباشرةً عبر وكالات تأخذ العملات الصعبة من السودانيين الموجودين فى الخارج، وإعطاء مقابلها لذويهم عملة محلية بالسعر الأسود، وهذا يزيد من إرتفاع الطلب على الدولار. وليكون هذا النفع حِكراً على الأخوانويين وحدهم، فقد قام جهاز الأمن الإقتصادى فى إكتوبر بقفل جميع المكاتب التى تتعامل فى تجارة العملة خارج تنظيم ما يُسمى بالأخوان المسلمين.

"فأينما حلَّتْ سحابةُ اللهِ، فخراجها سيأتى للحركة الإسلامية" كما قال الزبير محمد الحسن فى المؤتمر التنشيطى للحركة الإسلامية.

6- رفع الفدرالى الأمريكى لسعر الفائدة من أجل الحد من الإنفاق العام وبالتالى زيادة الإدخار وجعل المزيد من دولارات العالم تأوى إلى أمريكا، يؤدى ذلك بالضرورة إلى زيادة الطلب على الدولار على مستوى العالم.

المحصلة

1- وزير المالية ومحافظ بنك السودان يعلمان، قبل غيرهما، علم اليقين أنَّ معالجاتهما لبنود الإنفاق العام والإيرادات العامة فى إطار السياسات المالية والنقدية والإئتمانية تؤدى إلى زيادة الطلب على الدولار، ومع ذلك يعزى وزير المالية والإقتصاد الوطنى إرتفاع الدولار إلى عوامل نفسية وغيبية. (راجع: تحديات موازنة عام 2016، وراجع: موقع بنك السودان، تحديات السياسة النقدية للفترة 2012 – 2016).

2- المتتبِّع لسياسات الإقتصاد الكلى فى السودان يعلم أنَّ أهداف الإقتصاد الكلى المضمنة فى موجِّهات ميزانية 2016 (زيادة معدل النمو إلى 6.4%، تخفيض التضخم إلى 13% من 18%، تخفيض البطالة إلى 18%، تجنُّب عدم إستقرار النظام المالى وإختلالات ميزان المدفوعات وتذبذب سعر الصرف بين 6.2 و 11.6 مقابل الجنيه السودانى) هى أهدافٌ تصارعية بطبيعة الحال، أى تحقيق بعضها يُلغى البعض الآخر (Always there is a trade-off/opportunity cost) خاصة فى المدى القصير. وبالتالى على الدولة أن تختار بين خيارين: بين أن تزيد معدل النمو وتخفِّض البطالة (وفى المقابل يزداد التضخم ويختل ميزان المدفوعات)، أو أنْ تتبع السياسات التى من شأنها أن تُخفِّض التضخم واختلالات ميزان المدفوعات (وفى الناحية الأخرى يقل معدل النمو وتزداد البطالة)؛ إذ لا يُمكن تحقيق الأهداف الأربعة مجتمعة فى المدى القصير.

وفى غالبية الـ 35 سنة المنصرمة درجت حكومة السودان (مدفوعة بمؤسسات التمويل الدولية، وبعقيدَتَىْ الفساد والإنتقام من الشعب السودانى خلال الـ 26 سنة الأخيرة) على الإنحياز التام لسياسات الإقتصاد الكلى المرتبطة بمعالجة آثار التضخم واختلالات ميزان المدفوعات، وبالتالى أهملت السياسات المُحَفِزة لمعدلات نمو الإقتصاد الوطنى والمكافِحَة للبطالة خاصة بعد إنفصال الجنوب؛ ولن تكون هذه الميزانية بدعاً من أخواتها بأى حال من الأحوال.

هذا الإتجاه العام لواقع سياسات الإقتصاد الكلى يحض الأفراد والشركات على البحث عن مخزن قيمة لأموالِهم فى نهاية كلِّ سنة مع إقتراب إذاعة خطاب الميزانية، تحسباً لسياسات من شأنها أن تُنْقِصَ قيمة النقود التى بطرفهم. ولما كان الإقتصاد مبنيَّاً بالأساس على التوقعات واغتنام الفُرَصِ البديلة، فمن الطبيعى إذاً أن يهرع النَّاس لشراء الدولارات والعقارات، وهذا ما أدى بطبيعة الحال لزيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره وسعر العقارات بهذه الصورة الفلكية.

وهذا هو السبب النفسى الوحيد الذى يؤدى إلى زيادة الطلب على الدولار، من جملة عدة أسباب مادية أخرى محسوسة وأكبر أثراً فى زيادة الطلب على الدولار. ولكن وزير المالية والإقتصاد الوطنى يعوِّل على الجانب النفسى لينفى عن نفسه خطل السياسات المالية والنقدية التى هى المسئولة بالأساس عن زيادة الإتجاه العام للأسعار وزيادة معدل التضخم وبالتالى زيادة الطلب على الدولار. وما لم تُحَرَّر أسعار المحروقات من قبضة الدولة بالكامل، وتركها للعرض والطلب العالميين ليستفيد المواطن السودانى من انخفاض أسعار البترول إلى أقصى حد؛ شأنه شأن كل البشر على هذا الكوكب، فإنَّ سياسات وزارة المالية والإقتصاد الوطنى وسياسات بنك السودان المركزى ستكون أكثر فداحة عليه.

3- هناك شواهد كثيرة على إرتفاع المستوى العام للأسعار فى الميزانية المقبلة وزيادة الطلب على الدولار؛ أهمها بقاء معدل التضخم عالياً و من رقمين اثنين (Two digits)، الأمر الذى يُفسد كل السياسات الإصلاحية حتى إنْ وُجِدت الإرادة السياسية. وأخطر من ذلك كله أنَّ معدل التضخم متذبذب عبر سنوات طويلة؛ مما يجعل الإستثمار المنتج، الأجنبى والمحلى، شبه متوقف. وقد ذكرنا فى مقال سابق هنا (وفى مواضعَ أخرى) أنَّ ثبات معدل التضخم ولو كان من رقمين خيرٌ من تذبذبه بين الإنخافض الحاد والعلو الحاد، لأنَّ ذلك مُنَفِّر للإستثمار الأجنبى بالبلاد.

خاتمة

أُتركوا هذا الشعب ليأكل من خُشاش الأرض؛ فإنْ دخلتِ النَّارَ امرأةٌ فى حبس هِرَّة، فأىُّ جحيم سيختاره اللهُ الحَكَمُ العدلُ لكم فى حبسِ شعبٍ بأكمله فى الغلاءِ والبلواء.