على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الثلاثاء إبريل 16, 2013 9:21 pm

على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال:

ـ حروب رأس المال،
ـ إذابة قطاع الدولة،
ـ تسطيح العالم،
ـ خياران لا ثالث لهما: دولة أعمال أو دولة فاشلة (الإندماج الوظيفى مقابل الإندماج الإكراهى)،
ـ جبرية حقوق الملكية الخاصة، إندماج/غلاب رأسمالى، المزاد (بائع/مشترى).

كيف يتعامل الفكر التقدمى/اليسار السودانى/العالمى مع واقعٍ كهذا؟

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الخميس إبريل 18, 2013 10:01 pm

توطــــئة:

يحتاج المرء بالضرورة لمعرفة كيفية إدارة العالم من حوله (Global Governance)، ليتكيَّف مع المآلات، لا سيما إذا كان عاجزاً عن صناعتها. ولا شك أنَّ العالم يتغيَّر بوتيرة أسرع من ذى قبل، نتيجةً للتطور الهائل فى التقانة ووسائط الإتصالات. والمجتمعات التى لا تستطيع أن تواكب، سوف تتخلف عن الركب. فالسيرورة محتدمة بالصيرورة، والنظرةُ البصيرةُ المستقصيةُ للواقع، تجد أنَّ من يملكُ؛ يدير ويوجه ويسوق العالم.

فالعالم يتعولم كما يقول عالم الإجتماع كارل ماركس (أول من قال بالعولمة) وفق تطور قواه المنتجة. وينتقل من نمط إنتاج إلى آخر، وفق مؤشر الربح؛ فإذا مال للتناقص، تزيد عدائية رأس المال. وسوف نرى ذلك واضحاً من النموذج/المتلازمة الدائرية التالية: تناقص الأرباح/الكساد - الحرب - التسوية الإقتصادية الجبرية - تناقص الأرباح من ثان، وهكذا دواليك الديالكتيك الرأسمالى المشؤوم. وهذا النموذج سارى المفعول، على فكرة، منذ ما قبل حروب نابليون بل والحروب الدينية لِأُوروبا.

فالرأسمالى الشره (ماغنى غنىٌ إلاَّ على حساب فقير) من الممكن أن يشعلَ حرباً الآن، لمجرد أنَّ أرباحه قد تميل للتناقص بعد حين، وسوف لن تتوقف تلك الحرب إلاَّ إذا أوجد تسوية إقتصادية تُغنيه عن الحرب (بريتون وودس مثالاً). وسوف نرى فيما يأتى كيف أن الحروب والتسويات الإقتصادية الجبرية قد إستخدمت لِإعادة صياغة الشعوب وفق الهوى الرأسمالى.

والحروب كأدوات للتغيير وإعادة صياغة الشعوب، هى نفسها قد تطورت: من من تلاحم جيوش الدول (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، إلى الحروب بالوكالة (الحرب العراقية الإيرانية)، إلى الحروب بين الناس (وما أكثرها هذه الأيام فى السودان والصومال وأفغانستان والوطن العربى، على سبيل النذر لا الحصر). وما يتبقى من النُّدُب والنتوءآت يتم تسويته وتسطيحه بالتسويات الإقتصادية المجحفة (الخصخصة/ذوبان قطاع الدولة). فما عاد العالم الآن منقسماً بين دولة رأسمالية وأُخرى شيوعية فيما بعد الحرب الباردة، ولكنه يتمايز الآن بحيثيات الدولة الفاشلة (Failed State) الغير مندمجة، والدولة البراقماتية المندمجة؛ دولة الأعمال (Business State).

سوف لن يكون هناك شئٌ إسمه قطاع الدولة فى العقدين القادمين. والدولة نفسها سوف تتحول فى القريب العاجل إلى مكتب علاقات عامة للرأسماليين القطريين. وسوف يلتقى عمَّا قريب مزارع مشروع الجزيرة بمشترٍ أوربىٍّ فى مزادٍ علنىٍّ، يتساومان فيه على سلعة القطن أو زهرة الشمس. ولربما اشترى الأوربى حصة ذلك المزارع الصغير (طالما أنَّه يتمتع بكافة حقوق الملكية الخاصة لمشروعه) بدراهِمَ معدوداتٍ وبالتالى يتحول إلى أجير زراعى بنفس الحواشة، ثم يتم إستبداله بآخر أكثر كفاءةً أو بآلة. والسؤال المُقْلِق هو: ما هو مآل المستضعفين فى هذه الفوضى/ فى هذا المزاد اللامتكافئ؟ كيف يُجيب الفكر التقدمى على هذا السؤال؟

سوف تستعرض هذه المدخالة كل ما جاء بعاليه بشئٍ من التفصيل، حتى يتسنى لنا الإجابة على السؤال المطروح.

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في السبت إبريل 20, 2013 3:16 pm

حروب رأس المال:

دعنى أيها القارئ الكريم أنْ أبدأ بهذه التساؤلات: من أين تأتى الحروب ، وكيف تبدأ، وما هى دوافعها، وما هى أنواعها، ومن الذى له القدرة على إشعال حرب، وكيف يديرها، ولمصلحة من، ومن هو المتضرر الرئيس منها؟ كل هذه الأسئلة هى محل قلقنا المعرفى، وسنحاول الإجابة عليها بقدر المستطاع.

منشأ الحروب:

الحرب، كما تقول العرب، أوَّلُها كلام، ولكن التأريخ يخبرنا أنَّ وراء الحربِ حاجة. فمنذ بدائية الحياة على أيام الأقتصاد البدائى الذى يعتمد على الجمع والصيد قبل عشرة ألف سنة بدأت شرارة الحرب المؤسسية المتعارف عليها الآن. فالنَّاسُ يخرجون للصيد والإلتقاط لضرورة البقاء. وبإزدياد عدد السكان والإختلالات البيئية، تأثر المجموعُ والمصادُ (المخزون الإستراتيجى البدائى) بالنقصانِ واقْتُدِحَ الصراع.

ولمَّا كانت الحاجة أُمُّ الإقتراع، أى لابد من وجود حلٍ لتجنُّبِ الحروب، تم إكتشاف الزراعة لتعويض الإختلال البيئى وتوفير قدر من الغذاء يقابل تزايد عدد السكان المضطرد. وبالفعل حلَّتْ الزراعة محل الصيد والجمع، وشهد العالم بدايات تخصص العمل وولادة جهاز الدولة لحماية الأرض التى تمَّتْ فِلاحتُها والمنتجات الزراعية من المعتدين الخارجيين، وظهرتْ ضرورة المحافظة على نوع من الإستقرار مع إزدياد التعقيد الذى بدأَ يطرأُ على عِلاقاتِ النَّاسِ الإجتماعيةِ والإقتصادية، والتى بدأَ المجتمع الزراعى يتمأسس عليها شيئاً فشيئا (Leys 1996).

ولا شك أنَّ ظهور الزراعة شكَّلَ نقطة تحول مُهِمَّة فى تاريخ الإنسانية، والتى معها إضطردَ تطورُ المجتمع (Social Evolution) بشكل أسرع نسبياً من الوتيرة التى تطور بها منذ نحو مليونى سنة (Ibid). وحتى بعد إقتراع الزراعة مازال ذلك المجتمع الزراعى يتطور ببطء وبعدم إستقرار داخل حيِّزِهِ الزمنى، ولا تكادُ تُلحظُ معه وتيرةُ ذلك التطور. وهنا بدأتْ الحاجة مرة أُخرى إلى إيجاد نظامٍ جديد يمنع الإحتراب بسبب قوانين تناقص الغلَّة فى المجتمع الزراعى.

ومع بزوغ فجر النظام الرأسمالى فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وبالأحرى فجر الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر، فإن المجتمعات الزراعية خرجتْ من حيِّزِ التطور إلى حيِّزِ الثورة (From evolution to revolution).

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الأربعاء إبريل 24, 2013 3:30 pm

منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:


كثيرون هم الذين نوَّهوا إلى عالمية النظام الرأسمالى وتعولمه، كأمثال الموسوعى (Condorcet) قبل أن يتوفى فى السجن فى 29 مارس 1794، وأيضاً كأمثال (Kant). ولكن يظل هيقل وماركس (خاصة الأخير) الفيلسوفان الإجتماعيان الَّلذان إقترعا وبشكلٍ دقيق عالمية التطور التاريخى ومن ثمَّ عالمية النظام الرأسمالى (Rist 2002). ولَإنْ نحا هيقل فى عالمية حركة تطور التاريخ نحو الميتافيزيقيا، إلاَّ أنَّ ماركس ربط ذلك بالتطور المادى للتاريخ (أنماط الإنتاج).

ولعلَّ ما يجعلهما الفيلسوفين الأصليين فى إقتراع نظرية التطور التنموى، هو إدراكهما الواثق للحظات الفارقة (النُّقلات النوعية) فى حركة التاريخ المصاحبة لمعدل التغيير الذى يجلبه التطور (الروحى عند هيقل) والمادى عند كارل ماركس(Op.cit).

إذاً، هذه العجلة وهذا الإزدياد المضطرد فى معدل التغيير الملازم لعملية التطور، نابعٌ من حاجاتِ النَّاس وصراعهم الأزلى ليبقوا أحياءاً على وجه هذه البسيطة، أى أنَّه، وفى نهاية التحليل، ملازمٌ لتحقيق الربح. وما أن يميل هذا الربح نحو النقصان، كما يقول كارل ماركس، إلاَّ ويحتدم الصراع، وقد تنشأ معه الحاجة إلى ولوجِ آفاقٍ جديدةٍ من بينها خيار الحرب.

ومن هذه الحقائق المهمة، ستنحى هذه المداخلة إلى تحقيب التاريخ (وبالتالى التحقيب للحروب) بما يطرأ على تطور قوى الإنتاج، وليس بالتواريخ المرتبطة بحدث فوقى، وذلك لمعرفة الأسباب الحقيقية للحروب، ولمعرفة كيفية محاولة الخطاب اللبرالى التمويه لتلك الأسباب وبشتَّى السبل.

لعل الإستقصاء الدقيق لدرجة معدلات التغيير فى المجتمع، بواسطة عالم الإجتماع كارل ماركس، مكَّنته من تشخيص المجتمعات العالمية فى سيرورة تطورها التاريخى إلى عدد من أنماط الإنتاج أهمها (العبودى، الإقطاعى، الرأسمالى). وكما تمت الإشارة سابقاً، فإنَّ ظهور الرأسمالية الصناعية فى نهاية القرن الثامن عشر، كان لحظةً فارقة فى تطور المجتمع البرجوازى فى أُوربا، والذى أحدث ثورة حقيقية، مكَّنت المجتمعات الأُوربية من مضاعفة مداخيلها القومية، خاصةً بريطانيا العظمى. وقد كانت المنافسة فيما بين الدول الأُوربية على أشدِّها فى فترة الرأسمالية الميركانتايلية، التى تولدت منها مفاهيم كالقومية الإقتصادية (Economic Nationalism) والدولة القومية (Economic Nationalist State) القائمة على فكرة التنافس على موارد شحيحة لإشباع حاجات لانهائية (Woo-Cumings,in, Helleiner and Pickel 2005).

ولا شكَّ أنَّ دول القومية الإقتصادية هذه (Economic Nationalist States) هى التى سارعت بتمدد النظام الرأسمالى رأسياً على مستوى المركز، وأُفُقياً على مستوى الأطراف. ولعلَّ ذلك قد تمَّ من جراء العملية التنافسية الحادة فيما بين هذه الدول من أجل إستغلال كافة الموارد المحلية المتاحة فى أُوربا والذى أدى فى نهاية المطاف إلى ميل الأرباح إلى التناقص، مِمَّا حدا بهذه الدول أن تُفكِّر بتطوير العمليات التقنية داخل المركز بهدف الإستغلال الأمثل للموارد، وبتمديد النظام الرأسمالى خارج نطاق المركز، بهدف إبتزاز الموارد الأولية الرخيصة فى الأطراف. وتلك هى اللحظة من الصراع على البقاء (الآنى والإستراتيجى) التى يصوِّبُ فيها رأس المال بندقيته على الآخر.

وما أكثر الأيديولوجيات التى ظهرت آنذاك لتبرر لجوء الإقتصادات القومية (مدعية التنافس الحر) إلى الحماية الإقتصادية والإحتراب على موارد المستعمرات. فدوافع مثل، بناء الدولة، بناء الأُمة، الأمن القومى فى مواجهة التفوق الإقتصادى والعسكرى لبريطانيا، حماية الإقتصادات الناشئة، القضاء على الإقطاع، وتحديث المستعمرات، كانت واسعة السيادة فى فترة الرأسمالية الميركانتايلية (O'Brien and Williams 2007).

إذاً، حين إكتمل تمدد النظام الرأسمالى فى المركز، أى بإنتقاله من مرحلة إعادة الإنتاج البسيط (Simple Reproduction of the Capitalist System) الذى يعتمد على الإستغلال المباشر للعمل وأدواته الإنتاجية البسيطة، إلى مرحلة إعادة الإنتاج المعقد التراكبى (Extended Reproduction of the Capitalist System) للنظام الرأسمالى مع ظهور الثورة الصناعية الذى يعتمد على تطوير أدوات الإنتاج والإستغلال غير المباشر للعمل، عند هذا الحد، بدأ مؤشر الربح (المتناقص بالطبع) ينذر بالحرب. وقد غزت تلك الدول المتنافسة العالم واستعمرته، وقسَّمته فيما بينها بُناءاً على موازين القوى الإقتصادية و العسكرية آنذاك.

وبالرغم من تمدد النظام الرأسمالى بهذه الكيفية فى المركز، ظل السياسى (فى زمن هيمنة الإقتصادى) مهيمناً لوقتٍ طويل، هيمنة لا تبررها عملية إحلال العناصر كما يقول (Poulantzas 1978)، ولايبررها القضاء على بقايا الإقطاع كما يقول (Anderson 1974) فى مركزٍ جاز إعادة الإنتاج البسيط لنظامه، ولكن يبررها إستكمال دمج المستعمرات/الدول المستقلة حديثاً، فى النظام الرأسمالى. بل وقد إستمرت هيمنة السياسى (السياسى يستبطن العسكرى) فيما بعد القضاء على الأشكال القبل-رأسمالية فى الأطراف (Pre-capitalist forms of production) للقضاء على الأشكال اللارأسمالية (Non-capitalist forms of production) والعليلة الليبرالية (Ill-Liberalist forms of production). كل هذا يحدث لتفادى نقصان الأرباح.

إذاً، فحقيقة التنافس على الموارد الشحيحة لإشباع حاجات لانهائية (التنافس على البقاء آنياً واستراتيجياً) هو الذى يفسر حقيقة الصراع/الحرب. وبالرغم من تقسيم المستعمرات بين الدول المستعمرة، فإنَّ ذلك الوضع لم يدرأ عن هذه الدول، نشوب حربيين كونيتين الأخيرة منهما وحدها أفنت أعداداً مهولةً من البشر، تُقدر بحوالى أكثر من 56 مليون نسمة (حوالى 17.5 مليون جندى من كل الأطراف، أكثر من 39 مليون مدنى من كل أنحاء العالم. وعدد الجرحى من الجنود 35 مليون جريح، أما عدد الجرحى وسط المدنيين فلا يُحصى) (Smith 2005)، وأثَّرت تسوياتها الصراعية فيما بعد على إقتصادات المستعمرات/الدول الفتية تأثيراً بالغاً.

وعلى أىِّ حال، فإنَّ ذاكرة العالم الجماعية المشحونة بمآسى الحربين الكونيتين، قد إضطرت أُوربا فيما بعد إلى خلق نظام بريتون-ودس (Bretton-Woods) لمعالجة آثار تينك الحربين الكونيتين. إلاَّ أنَّ نظام بريتون ودس ذا التسويات الصراعية، قد نقل الحرب بين الدول الأُوربية من أرض المعارك إلى المجال الإقتصادى (Kapstein and Mastanduno, eds, 1999)، وبين دول الأطراف جعلها بين الناس. والتسويات الصراعية لا تنتج إلاَّ الصراع، ولَكَمْ أزكتْ تلك التسويات الحروبَ بين النَّاس كما سيجئُ ذكره وتفصيله لاحقاً إن شاء الله. وسيتم شرح الكيفية التى إنتهجها الخطاب الليبرالى ونظرياته الإقتصادية، لإخفاء هذه الحقائق.


يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الاثنين إبريل 29, 2013 5:52 pm

إضاءة:
إنَّ أحداث أُم دوم هى أنصع مثال لما تُحدِثُهُ الرأسمالية من شرور على هذا الكوكب. فالدم المسفوح فى تناسب طردى مع ما يفعله رأس المال وهو يسوِّى العالم (Making it flat) وفق هواه.
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الاثنين إبريل 29, 2013 6:07 pm

* إضاءة:

سبق الحرب العالمية الأولى تناقص أرباح حاد، أدى بدوره لتنافس الدول ألأوربية على المستعمرات واندلاع الحرب العالمية الأولى. أعقب الحرب تسوية فراساى عام 1919 وإنشاء عصبة الأمم. ثم أعقب تلك التسوية الكساد الكبير 1929 الذى أدى بدوره إلى الحرب العالمية الثانية. أعقب تلك الحرب تسوية بريتون وودس عام 1945. أعقب بريتون عدة مراحل من الكساد آخرها كساد 2008 الذى ظل مستمراً إلى الآن) ، والتى أدت إلى الحروب بالوكالة (الحرب الكورية، حرب فياتنام، الحرب العراقية الإيرانية) والحروب بين الناس (السودان الصومال، أفغانستان، حروب الربيع العربى). وهكذا يعمل النموذج الدائرى: الكساد - الحرب - التسوية - الكساد ... من جديد.
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الخميس مايو 02, 2013 9:07 pm

منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:


بعض الأراء تقول بأنَّ الفوضى (Anarchy) التى يخلقها القائمون على مقاليد الأمر فى العالم عن طريق الحروب، عادة ماتغذى تغييراً منشوداً فى مجال الإقتصاد (Cox, in, Middleman (ed) 1997). بل إنَّ مارك دوفيلد يعتبرها محوراً مهماً لإعادة صياغة الشعوب (Duffield 2007). وهناك آراء أُخرى، كما رأينا بعاليه، تقول بأنَّ الحربَ يُسعِّرُها التنافس على الموارد الإقتصادية. إذاً نحن أمام نموذج دائرى/مُفرغِ الحلقة، يبدأ: بتناقص الأرباح/الكساد - الحرب - التسوية الإقتصادية - تناقص الأرباح/الكساد من جديد، وهكذا دواليك.

وكما جاء بعاليه، فإنَّ بريتون ودس نقلت الصراع من ساحة الحرب إلى الإقتصاد فيما بين الدول الغنية (وجعلت المواجهة العسكرية {كما سيجئ بالتفصيل لاحقاً} بين الدول الغنية تتم خارج أراضيها، كما فى الحرب الكورية وحرب فِيَتنام والحرب العراقية الإيرانية). ولعلَّ التسوية الإقتصادية التى تمَّت بموجب بريتون ودس، قد مكَّنتْ هذه الدول الغنية من وضع يدها على الموادِّ الخام للمستعمرات/الدول الفتية. وهو أمرٌ زاد من وتيرة ما يُعرف بإنكشاف الموارد(Resource Vulnerability) خلال فترة الخمسينات - السبعينات. الأمر الذى أصبح مصدراً للصراع العالمى المتعارف عليه بالحرب الباردة الناشئة من المارثون الإقتصادى نحو المصادر الرئيسة للمواد الخام.

وقد أخذ هذا السباق المتمحور فى حلفين، أحدهما بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والآخر بقيادة روسيا، عُدة أشكال، منها: السباق عل تسليح الحلفاء، السباق على تخزين المواد الإستراتيجية (Stockpiling of strategic resources)، سباق الدعم الدبلماسى، سباق دعم الشركات المتعددة الجنسيات، سباق الإتفاقيات المواتية للدول الغنية (Billon, in, Billon (ed) 2005). وكما يقول أحد الإقتصاديين السياسيين: "فإنَّ هذه التسويات هى عبارة عن إتفاقيات تعاون إقتصادى تمّت فى مناخ الحرب (In the shadow of conflict)، وهى مجرد تحايل على العداء ضد الآخرين، أو ردِّ فعلٍ له. والأُمم تميل نحو الحرب أو التعاون الإقتصادى، بحسب هامش الربح المتوقع من كليهما" (Hirshleifer 2001). وذلك يعنى فيما يعنى، أنَّ قرار الحرب/ التعاون الإقتصادى لمقابلة الأرباح المتناقصة يعتمد على قانون الفرصة البديلة فى علم الإقتصاد (Comparative Advantage).

وسوف نرى إن شاء الله ما إذا كانت الأدارة الأمريكية قد أخطأت القرار بإتخاذ الحرب بدلاً عن التعاون الإقتصادى فى شأن الحرب الأخيرة على العراق (Stiglitz and Bilmes 2008)، بغرض تفادى نقصان الأرباح فى خزينتها كما يقول بذلك أُوبراين ووليامز بكل الوضوح ("Budget deficits allowed {US} government to pursue war in Iraq and cut taxes ..."O'Brien and Williams 2007).

إذاً، نحن تاريخياً أمام وضع أحكم فيه الإمبرياليون قبضتهم على الموارد الطبيعية للمستعمرات بغرض إستنزافها، مستفيدين من عمالتها ومواردها الرخيصتين. وقد عمل نموذج الإستنزاف هذا، طِوال المرحلة الأُولى للإستعمار، أى مرحلة إلحاق الأنماط القبل-رأسمالية بالنظام الرأسمالى وتحت قبضة نظام إدارى فى غاية الصرامة، ولم تُتَحْ معه إى عمليات تصنيع (ولا حتى إى إستثمارات من أى نوع)، وذلك بغرض منع أى نوع من التغيرات التنموية، على الأقل إلى حين (Palma, in, Ayres (ed) 1995).

ولقد كانت محصلة إستمرار نموذج الإستنزاف فى الفترة الأُولى من الإستعمار، ولمدة طويلة، إفقار المستعمرات وإعاقة تنميتها، وإعاقة عمليات التصنيع فيها، الأمر الذى جعلها فيما بعد تتخصص فى إنتاج المواد الأولية فقط، وبشروط أملاها المستعمر ضمن تسوياته الصراعية المجحفة (Frank, in, Roberts (ed) 2007).

إذا ما يُعرف بالحروب بين النَّاس، أو الحروب الداخلية ( كما سيجئ مفصَّلاً فيما بعد إنْ شاء الله) قد بُذرت بذرتها جراء إفقار الأطراف، ومنع التنمية الصناعية فيها، الأمر الذى أدَّى إلى فشل التنمية الإقتصادية منذ الفترة الأُولى للإستعمار. ولم يترك المستعمر أىَّ عائدٍ إقتصادىٍّ ليعود على أهل المستعمرات فى هذه الفترة الأولى، فقد كان إستنزافياً فقط، ولم يبدأ بعد فى عمل أىِّ إستثمارات فى الدول التى إستعمرها. وقد بدأ النَّاس يضيقون ذرعاً بالمستعمر، ولكن قبضته الإدارية الصارمة كبتتْ حربهم عليه، فظلَّتْ كامنة لتتفجر (ويا للأسف) فيما بينهم لاحقاً كما يقول أُوبراين (O’Brien 1979).

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في السبت مايو 18, 2013 9:42 pm

منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:


أما بالنسبة للمرحلة الثانية من الإستعمار (والتى تتزامن مع توهج الثورة الصناعية) فقد بدأت بعض المستعمرات تنتج بعض المواد الخام فى مقابل توفير بعض الصناعات التحويلية بواسطة المستعمر. وهنا بدأ يطرأ بعض التغيير على قوى الإنتاج، جراء تنوع المحاصيل المنتجة وعمليات التبادل مع دولة المستعمر الأم. وعند هذا الحد (وكما ذكرنا هذا فى مواضعَ مختلفة)، فإنَّ أنماط الإنتاج القبل - رأسمالية بدأت فى التفكك، وجزءٌ من عناصرها (عملها وأدوات إنتاحها) أصبحت تؤدى وظيفةً ودوراً رأسماليين. وبناءاً على هذه الحيثية، فقد "بدأ تقسيم جديد للعمل يُطلُ برأسه، قِوامُهُ صغار المنتجين، شريحة التجار والمرابين، ورأس مال الدولة المستعمرة" (Simoniya 1985).

وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة أنَّ جموع الناس لم تستفد كثيراً من تخصص بلدانهم فى المواد الخام، عدا تلك القلة القليلة من التجار والمرابين الذى دعمهم المستعمر. وظلَّت جموع المهمشين من جيوش العمل الإكراهى خارج نطاق الإنتفاع بهذا النموذج الإستعمارى فى المرحلة الثانية من الإستعمار. الأمر الذى فاقم من حدة نقمة القطاع الأوسع من الناس على المستعمر بسبب إزدياد الفوارق الإقتصادية عمَّا كانت عليه فى المرحلة الأُولى.

وفى المرحلة الثالثة من الإستعمار، التى تتزامن مع دولة القومية الإقتصادية (دولة الحماية) والرأسمالية الإحتكارية، طرأت تغيرات جدُّ ملحوظة على القوى المنتجة فى المستعمرات. فالمستعمر بدأ يرسل رؤوس أموال إلى المستعمرات، بدلاً من أن يُصدِّر إليها منتجاته، مصحوبة بتقنيات صناعية وإدارية غيرت قليلاً من نموذجه الإستنزافى فى المرحلتين السابقتين (Bhagwati 1985). هذا الأمر أدى إلى تغيير وكلاء علاقات الإنتاج الإستعمارية السابقة الذكر. فالدور الذى كان يلعبه صغار المنتجين ، بدأ يقوم به العمل الأجير المرتبط مباشرةً بالمنشئات الأجنبية فى المستعمرات. والدور الذى كا يقوم به التجار والمرابين قد بدأ يتقلَّص فى هذه المرحلة، وحلَّ محلَّه دور الرأسمالييين النَّاشئين (Buyers-up) وبعض الفئات الكومبرادورية. وقد صحِبَ هذه المرحلة أيضاً نظام إدارى مركزى صارم، مهمته حماية النظام الرأسمالى الوليد. وقد سمح المستعمر فى هذه الفترة لبعض الفئات الخاصة بعمل النشاطات التجارية، ووزع عليهم بعض المشاريع الزراعية وملَّكهم الأراضى (فى شان كل الدول الأفريقية أُنظر (Dunn 1974) وفى الشأن السودانى أُنظر (Niblock 1978)).

وموضع الشاهد هنا أنَّ دخول المستعمر مستثمراً (لإول مرة) فى المستعمرات، لم يكن لإحداث تغيير تنموى بالطبع، ولكن كان له هدفاً مُهمَّاً آخراً، ألا وهو التغطية على التناقضات الحادة التى سادت مجتمعات المستعمرات آنئذٍ حتى يتمكن النظام الرأسمالى الجديد من النضج والقدرة على الإستمرار بإعادة إنتاج نفسه (Dunn 1974, P. 93). وبعبارة أُخرى، وبحسب نظرية متلازمة التنمية/الأمن فهو إستثمار يكافح الآثار الناجمة عن الإفقار التنموى (Underdevelopment) ويُخرص الحنق على المستعمر حتى يقوى عود النظام الرأسمالى فى الأطراف (Duffield 2007).

وحين حانت اللحظة، أى حين سادت علاقات الإنتاج الرأسمالى على غيرها من العلاقات الأخرى، حين قويت شوكة فئات الرأسماليين الناشئين والفئات الكومبرادورية، عند هذا الحد، شعر المستعمر بعدم جدوى وجوده الفيزيائى فى المستعمرات. وقد إستأمن هذه الفئات لأخذ سدة الحكم وشغل جهاز الدولة لتمديد نظامه، من ثم كانت بريتون ودس وكان الإستقلال.

ولذلك فأنا أميل للقول بأنَّ المستعمر قد خرج من المستعمرات بالأساس نتيجةً لهذا التطور الذى طرأ على القوى المنتجة، الأمر الذى تنتفى معه جدوى إستمراره فيها. وهذا الزعم يدعمه ما جاء به الإقتصادى السياسى التقدمى الأفريقى جون دَنْ حين قال: "إنَّ منطق وتوقيت إنهاء الإستعمار نفسه قد نُفِّذَ وفقاً للإنتهاء من إنجاز المهام التى كانت تشغل بال المستعمر {سيادة النظام الرأسمالى}، وَوِفقاً لجدوله الزمنى"(The logic and timing of decolonisation itself was determined by metropolitan preoccupations and according to metropolitan timetable - Dunn 1974, P., 71)

إذاً ليس مصادفةً، عندى، أن يخرج المستعمر من المستعمرات متزامناً مع ما طرأ من تطور على القوى المنتجة. أما العوامل الأُخرى، فهى عوامل مواكبة ومساعدة. فمثلاً، لا أحد يُنكر دور حركات التحرر فى التخلص من الإستعمار. لا أحد يُنكر أنَّ الليبراليين الأمريكيين كانوا غير متحمسين لإستمرار الإستعمار التقليدى، والذى يعنى لهم إستمرار دولة الحماية الإقتصادية الإحتكارية. ولا أحد يُنكر دور الروس المباشر فى دعم حركات التحرر فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لتنال دولها إستقلالها. ولكن أن يتزامن كل ذلك مع زهد المستعمر فى الإستمرار، ومع ما طرأ على القوى المنتجة من تطور، فذلك بالطبع، ليس مصادفة.


يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الخميس يونيو 06, 2013 7:45 pm

منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:


هناك شواهد كثيرة تؤكد ما جاء بعاليه من زعم. فأمريكا لم تقدم أىَّ دعم ملحوظ لتخفيف وطئة الأستعمار المجحف على جموع المهمشين فى دول العالم الثالث، لا من الناحية النظرية/العلمية (نظريات التحديث التنموى خاصة نظرية مراحل النمو لرُسُّو، فقد كان الغرض منها محاربة الشيوعية وفتح أسواق للصناعات الأمريكية (Pieterse 2001)، أُنظر أيضاً ما قاله رسو نفسه عن نفسه ( 1990 Rostow))، ولا من الناحية العملية. فقد كانت مشغولة مع حلفائها الأُوربيين بالقضاء على النازية. وبعد القضاء على النازية، كان الهم الأكبر لأمريكا بالأساس هو إعادة بناء الدول الأُوربية. وهو أمر قامت أمريكا بِجُلِّهِ وحدها من خلال ما يُعرف بخطة مارشال. وقد قامت بذلك لسببين: الأول إيجاد أسواق لفوائض منتجاتها الصناعية والتكنولوجية، والثانى محاربة الشيوعية. ولم تكن المستعمرات على بالها، بالرغم من أنَّ الرئيس ترومان قد أعلن فيما يُعرف "بالنقطة الرابعة" من خطابه الرئآسى عام 1949عن "عصر التنمية" لتخفيف وطئة الإفقار التى حاقت بالمستعمرات. ولكنها كانت كلمةُ تنميةٍ أُريدَ بها شيئاً آخر.

وبالمقارنة، فأنَّ أمريكا قد وفرت 19.3 بليون دولار لإعادة بناء الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية عبر خطة مارشال، وكلُّ ما قدمته من أموال لدعم "عصر التنمية" لم يتجاوز 3 مليون دولار (Scobar 1995). وحتى هذا الدعم قد إنهار/توقف بشكل شبه كامل بعد إنهيار الشيوعية (التى إنهارت معها حتى نظريات التنمية(Modernisation Theories))، حتى وصل الأمر بأنْ كان العون المقدم من أسخياء النظام الرأسمالى الأمريكى أكبر من دعم الحكومة الأمريكية لدول العالم الثالث (بِلْ قَيْتسْ مِثالاً).

إذاً، بإنهيار الشيوعية، توقف دعم الغرب لما يعرف برأسمالية الدولة، وكثرت المناداة بالخصخصة. وعند هذا الحد، سقط القناع، قناع إستثمارات المستعمر التنموية، قناع إستثمارات الحكومات الوطنية لكلِّ شركاء العملية الإنتاجية، والذى قُصِدَ منه فى حقيقة الأمر توسيع رقعة إنتشار النظام الرأسمالى والذى بات يتمدد من تلقاء نفسه الآن.

فالنتيجة إذاً، هى توقف الدعم من الدول الغنية للدول الفقيرة على علاَّتِ شحِّه ومقصده، إنهيار رأسمالية الدولة التى كانت داعمة للفقراء والمهمشين (خاصة فى أفريقيا)، سوء إدارة وسوء توزيع الثروة والدخل، الأمر الذى أَدَّى إلى إزاحة القناع عن الحروب والصراعات المكبوتة/الكامنة والمؤجلة، فاستعرت من جديد.

ولما كانت الرأسمالية لا ترقبُ فى فقراء العالم إلاًّ ولا ذِمَّة (لاتوجد رأسمالية بلا شرور كما يقول سمير أمين)، فها هى تشعل الحروب، وتسميها حروب داخلية تارةً، وحروب بين الناس تارةً أُخرى، لتسيطر بها على أرصدة حكام دول العالم الثالث العليل الليبرالية وفق التسوية الإقتصادية القادمة الوشيكة. وهى إذ تنعتها بالحروب الداخلية وتختار لها شعاراتها العجيبة المتناقضة (ربيع العرب)، تحاول بذلك نفى صلتها التاريخية بها وأنها أُسُّ أوارها، قبل أن يُكرِّسها أهلُ الدار على بنيهم.

يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



Re: على حافة عالم مملوك لرجال الأعمال

مشاركةبواسطة حسين احمد حسين في الجمعة يونيو 07, 2013 5:19 am

منشأ الحروب (مستمر)
المستعمر وصناعة الصراع:

لعلَّ إزدياد عدد السكان والتدهور البيئى المُضطردين، يشكلان عبر التاريخ مِحَكَّاً للإنسانية على هذا الكوكب. ولقد أثّرا، كما رأينا من قبل، على المخزون الإستراتيجى البدائى، مما جعل النَّاسَ شعوباً وقبائلَ يتعاركون على مقوماتِ البقاء (الآنية والإستراتيجية).

لقد فَدَتْ الإنسانية نفسها، كما جاء سالفاً، من الحروب بإقتراع الزراعة قبل عشرة ألف سنة. وامتدَّ بها هذا التعافى من الحروب حيناً من الدهر. ولكن مع مرور الأيام، والفعل الإنسانى يتركُ تراكمَه على هذه الأرض، وصلت معدلات إزدياد السكان والتدهور البيئى مقداراً أثر على التوليفات الإقتصادية التى إتبعها المجتمع الزراعى (وهى تسويات إقتصادية بلغة عصرنا)، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بقانون تناقص الغلّة. وهو قانون إقتصادى كلاسيكى (يقول الإقتصاديون الكلاسيكيون بأنَّه ينطبق على المنتجات الزراعية فقط، ولكن قد وُجدَ حديثاً بأنَّه ينطبق على غيرها) يقضى بأنَّ إزدياد مقدار أحدِ عناصر الإنتاج، مع ثبات مقادير العناصر الأُخرى يؤدى، بعد حين، إلى تناقص الناتج الحدى (أى تناقص الإنتاج الإضافى).

وبمرور الزمن، فإنَّ تراكم فعل هذا القانون قد وضع إنسان المجتمع الزراعى من جديد أمام محكات الإحتراب. ولكن الإنسانية، تلك الخلاقة، ما فتئت تبتدع الحلول لمشاكلها كلما مرَّتْ بها أزمة من الأزمات. فجاءت الرأسمالية التجارية، ومن ثمَّ الرأسمالية الصناعية، لمعالجة آثار قانون تناقص الغلة ذاك. ولكن مع تعقيدات الحياة وتشعبها بعد الثورة الصناعية، أصبح القانون يعمل فى أكثر من مجال: الزراعة، الصناعة، والخدمات. وقد إزداد عدد السكان بشكل مخيف، وتدهورت البيئة بشكل مخيف أيضاً.

ولعلَّ النظام الرأسمالى وهو يستبطن المالتوسية (نمو السكان يتم بموجب متوالية هندسية، وإنتاج الغذاء يتم بموجب متوالية عددية، إلى جانب فعل قانون تناقص الغلة) فهو كذلك يستبطن علاجاتها التى تقترحها، مثل العقم الإختيارى، تخفيض الولادات، وإتباع الوسيلة الناجعة فى ذلك وهى الحروب من أجل تحقيق توازن بين السكان وإنتاج الغذاء (من الصعب زيادة الغذاء مع فعل قانون تناقص الغلة والتدهور البيئى).

وعليك أنْ تنظر أيها القارئ الكريم إلى بشاعة النظام الرأسمالى هذا وهو يُحْدِثُ تسوياته وكيف يُموه خطابه الليبرالى لها. فليس من قبيل المصادفة أن يختار العالم الأول تحديد النسل (العقم الإختيارى، تخفيض الوِلادات)، ولكنه لا يبالى أن يصدِّر إلى العالم الثالث (خاصة أفريقيا) الكروب والحروب، وما أقساها من تسويات.

إذاً، مع تراكم فعل قانون تناقص الغلة المتشعب فى المرحلة الرأسمالية، من المرحلة التجارية إلى الإمبريالية الراهنة، والذى يقضى بميل الأرباح إلى التناقص لا مُحالة، ومع واقع أنَّ نمو السكان يزيد على المنتج من الغذاء (بسبب القانون سالف الذكر وبسبب التدهور البيئى سالف الذكر أيضاً)، ومع واقع أنَّ العالم فى حالة تنافس دائمة على الموارد التى تبقيه حياً، فقد ظلَّ العالم، وبشكلٍ دائبٍ، يمر عبر حلقته المفرغة: تناقص أرباح، حرب، تسوية إقتصادية، تناقص أرباح من جديد. والتاريخ المادى يؤيد هذا النموذج. فآخر تسوية هى بريتون ودس، وقبلها كانت الحرب العالمية الثانية، وقبل الحرب العالمية الثانية كان تناقص الأرباح بفعل ما يعرف بالكساد الكبير، وقبل الكساد الكبير كانت التسوية التى أعقبت الحرب العالمية الأولى (تسوية فراساى عام 1919 وإنشاء عصبة الأمم)، التى هى الأخرى جاءت بعد فترة كساد (O'Brien and Williams 2007). وهكذا هو الحال وصولاً بالقهقرى إلى المجتمع البدائى.

ومنذ بريتون ودس، فإنَّ العالم الرأسمالى يخرج من أزمة ويدخل أُخرى. والآن تتناقص الأرباح منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم، وبشكل حاد منذ عام 2006 (Stiglitz 2006). فالعالم الآن يعيش فترة كساد (ركوض إقتصادى)، قد تتحول إلى فترة كساد حاد (Double - Dip Recetion) فى أىِّ وقتٍ الآن، وكل الحروب السابقة أعقبت فترات الكساد(Op.Cit).


يتبع ...
حسين احمد حسين
 
مشاركات: 84
اشترك في: الأربعاء يناير 13, 2010 12:34 am



التالي

العودة إلى ملتقى الحوار الإقتصادي السوداني

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron