ولا مناص من النقد الموضوعي،

حول آن اوان التغيير، لكاتبها المفكر الراحل الخاتم عدلان،

 

              صديق عبد الهادي Siddiq01@sudaneseeconomist.com                                                

(1)

 “وكأن أنوار العلم الصافية، هي الأخرى، لم تعد لها قدرة السطوع سوى علي خلفية من الجهل، مظلمة” (*)         ( كارل ماركس.)

 

 وتلك حقيقة عصرية بسيطة يستشفها المرء من الاستنكار الذكي لماركس، بأن بروز الحقيقة ليس بالضرورة أن يكون مرتبطاً بوجود جهل مطلق، أو ان يكون إشراقها مشروطاً ورهيناً به. فمن نسبية المعرفة، يمكن لأنوار علم الغد الصافية أن تسطع علي خلفية علم الأمس، التي كانت بالغة البهاء، والتي بالفعل قد كانت كاملةً بمقاييس الأمس الذي قبلها!.

فمن هذه الحقيقة البسيطة اسعى لتناول مساهمة الراحل ” الخاتم عدلان” ـ آن أوان التغيير ـ  بالتحليل والنقد، واللذين آمل في التوفر علي قدرٍ معقولٍ ومقبولٍ من الموضوعية فيهما.

مقدمة/

كتب الخاتم عدلان مساهمته التي نحن بصددها في أوائل التسعينات من القرن المنصرم. كان ذلك في عام 1993م، وقد قام الحزب الشيوعي السوداني بنشرها كاملةً في العدد رقم 157 من مجلته الداخلية المعروفة بإسم “الشيوعي”، وهي مجلة نظرية معروفة، عادةً ما تُقدَم فيها مساهمات الاعضاء الفكرية، إثراءً للحوار النظري. وتلك مهمة درجت علي حملها مجلة “الشيوعي” منذ عقودٍ خلتْ.

أثارتْ تلك المساهمة الفكرية الرصينة للراحل “الخاتم عدلان”، جدلاً غنياً واسعاً، تعدى حدود الحزب الشيوعي ومواعينه إلي أوساط المفكرين، والأكاديميين والساسة. لم تقف تداعيات تلك المساهمة عند منعطف الإختلاف الفكري وحسب، و إنما ساهمتْ في إنقسامٍ وخروجٍ علي الحزب تكونت علي إثره حركة القوى الجديدة، “حق”. و لا تزال تداعيات تلك المساهمة  تدفع بالجدل والحوار داخل الحزب الشيوعي وخارجه.

في تناولي لهذه المساهمة أحاول الإجابة عن سؤالين ـ في إعتقادي ـ أساسيين ، هما:

أولاً/ هل ما قدمه الخاتم في مساهمته تلك، يمثل تجربته في الحزب الشيوعي فحسب؟

أم،

ثانياً/ إن كان ما قدمه تخطى ذلك، بل وتعدى تجربته كقيادي، ونفذ إلي لب النظرية الماركسية، وهل إستطاع الخاتم أن يقدم نقداً كافياً ومقنعاً لمرتكزات تلك النطرية؟.

يبدو أن الخاتم في كتابته لهذه المساهمة حاول هو الآخر الإجابة عن أسئلة كان يرى إلحاحها إذ كتب، ” هذا العبور من عصر البطولة إلي عهد الإنحطاط، هل يخصنا نحن، في الحزب الشيوعي السوداني؟ هل يمكن أن يكون مصيرنا كمصير الآخرين؟ وهل سنشترك يوماً في قمع شعبنا وقهره بالسلاح؟ وهل في مآسي الأحزاب الشيوعية الأخرى ومصائرها شيئاً نتعلمه منها؟ وهل في إستطاعتنا أن ندير ظهورنا لما حدث، ونتعامل كأن شيئاًلم يكن؟” (“آن أوان التغيير” ص9  ). فبالإضافة إلي ذلك، ومما يؤكد قناعة الخاتم بما يود كتابته، وكذلك يؤكد حرصه علي موضوعية محتواه، أشار وبشكلٍ واضحٍ إلي أنه، “وليس في نية كاتب هذه السطور، أن يكتفي بالإجابات العاطفية، والجمل الطنانة المفجرة للحماس والعواطف النبيلة” (“آن أوان التغيير” ص 10).

و لكي يكون طرحه متماسكاً ايضا، حاول الخاتم من البداية طمر الهوة التي كان يُفهم أو يُراد لها أن تميز الحزب الشيوعي السوداني عن بقية الأحزاب الشيوعية في العالم، وخاصة الأوربية الشرقية منها، أي انه حاول تأكيد حقيقة هامة، وهي أن النظم الإشتراكية التي حاقت بها الكارثة كانت تقوم علي شروطٍ عامة، مثل ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، وسلطة حزب الطبقة العاملة…الخ، وتلك كلها منطلقات نظرية ماركسية أساسية، يشترك فيها الحزب الشيوعي السوداني مع الاحزاب الشيوعية والإشتراكية التي أقامت تلك النظم والتي حكمتْ بها بلدانها. إنها نظمٌ لم تسقطها شروط الخصوصية، التي تميز، في العادة ، أي حزبٍ عن آخر، او أي بلدٍ عن آخر، وإنما سقوطها ـ أي سقوط الأنظمة الإشتراكية ـ يرجع إلي الشروط  النظرية والفلسفية العامة والمشتركة بين كل الاحزاب الشيوعية والإشتراكية. فقد كتب قائلاً، “صحيح أننا حزب سوداني شديد الإعتزاز بسودانيته. ولكن الأحزاب الشيوعية الأخرى، كانت أحزاباً وطنية هي الأخرى، شديدة الإعتزاز بإنتمائها القومي من دون شك. وقد كانت لها مآثرها، وتضحياتها وأبطالها وحاولتْ، كما حاولنا، أن تخضع الماركسية  لمقتضيات واقعها، ربما أقل قليلاً، أو أكثر قليلاً. ولكننا ـ كحزب شيوعي ـ لو وُضِعنا في نفس الظروف التي وَجدَتْ هذه الإحزاب نفسها في خضمها، لفعلنا مثلما فعلوا، مع أن البصمات السودانية لن تكن معدومة.”( “آن أوان التغيير” ص 10)

جاء هذا الكلام مباشراً ، وليس فيه أي “عاطفة” أو “جمل طنانة”.

إن الحقيقة التي تجعل هذا الكلام جديراً بالتأمل، هي أنه لم يُطرح بناءاً علي الجانب النظري لوحده، وإنما علي الوقائع العملية، هي الأخرى ولحدٍ ما، إذ أن النظم الإشتراكية أُسقطت وأُجبرت علي التغيير بكاملها!، وذلك مما أسقط دعاوى “الخصوصية”، التي لم تشفع لأيٍ منها أن يتفادى أيلولته إلي الزوال، كما وأن ذلك السقوط هو كسرٌ لا يمكن جبره بزعم الخطأ في التطبيق، كما يزعم بعض المنظرين الباحثين عن طمئنة النفس وتمنيتها، عزاءاً  لإمتصاص هول الواقعة!. وهو منطقٌ لو قُيض لنا قبوله، اي الخطأ في التطبيق، لقبلنا مبدأ الدولة الدينية علي إطلاقه، وهو مما لا يُعقل، لأن الدولة الدينية لا تنتج غير دولةٍ دينية !، وبكل آحاديتها وغلوائها!.

 إن المسألة في جملتها ترتبط  بالأسس الفلسفية والنظرية. وهذا جانبّ سننظر في تناول الخاتم له، والذي أعتقد أنه كان تناولاً لم يمس كل الجوانب الجوهرية في النظرية الماركسية، أي لم يبلغ به ما

 أراد،    (He has fallen short).

 

كتب الخاتم عن عجز الحزب الشيوعي، وعن الشيخوخة التي بدأت تدب في مفاصله. وقد حاول إنجاز مهمة تشريح تجربة الحزب الشيوعي السوداني ومآلاتها، من خلال الإجابة عن سؤالٍ اساسٍ وحاسم، وهو “هل حقق الحزب الشيوعي شعاره الاساسي في التحول إلي قوة إجتماعية كبرى، وإلي حزبٍ جماهيري مؤثر وفعّال علي النطاق الوطني؟”(“آن أوان التغيير” ص 30)، وكذلك حاول من خلال العرض لقضايا اخرى كقضية “المركزية الديمقراطية”، “الجبهة الوطنية الديمقراطية”، وقضية ” الحزب والمثقفين.”

لابد من ملاحظة أن الخاتم لم يفرد جزءاً خاصاً بنقد النظرية الماركسية في مساهمته، وإنما جاء نقده لها في سياق عام، حيث أدغمه في تناوله لتجربة الحزب الشيوعي السوداني من خلال القضايا التي ذكرنا أعلاه، إلا أن ذلك لا ينتقص من قيمة ما قدمه في صدد نقده للنظرية. فذلك الإدغام قد يكون أن فرضته طبيعة المساهمة نفسها.

                                                 

(2)

وعن سؤال تحقيق الحزب الشيوعي السوداني لشعاره الاساس في ان يتحول إلى “قوة إجتماعية كبرى”، أجاب الخاتم بالنفي، أي أن الحزب الشيوعي السوداني فشل في تحويل نفسه إلي قوة إجتماعية كبرى!. وفي إجابته تلك إستند علي إستعراضٍ لملامح الصيغة التي إعتمدها الحزب الشيوعي السوداني لأجل تحقيق هدفه، وقد لخصها الخاتم فيما يلي :

اولاً/

” تأهيل الحزب لنفسه بترقية إلمامه بالماركسية اللينينية”…” ولا يتم ذلك إلا بجذب خيرة المثقفين إلي صفوف الحزب، وإغناء حياته الداخلية وإتساعها للصراع الفكري الخلاق”، (اوان التغيير ص 28).

ثانياً/

“تدعيم مواقع الحزب وسط الطبقة العاملة، وجعله الحزب الاول في صفوفها، من حيث النفوذ السياسي والوجود التنظيمي”، (اوان التغيير ص 29).

ثالثاً/

“تمديد تنظيمات الحزب لتغطي كل أنحاء الوطن، وذلك بإعتماد أشكال تنظيمية مرنة، تستجيب لمقتضيات التطور غير المتوازن للمجتمع السوداني”، (اوان التغيير ص 29).

رابعاً/

“بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية، كحركة جامعة، متعددة الاشكال والصور، لتُعبِر عن تحالف  العمال والمزارعين والمثقفين والرأسماليةالوطنية”، ( اوان التغيير ص 29).

 

وقبل النظر في ملامح الصيغة التي إستعرضها الخاتم، اود أن ألخص الاسباب التي أوردها هو أيضاً بحسب انها تقف وراء عدم نجاح الحزب في التحول إلي قوة إجتماعية كبرى:

السبب الاول/

“القمع الشرس الذي ووجه به الحزب منذ تأسيسه وحتى اليوم”، ( اوان التغيير ص31).

السبب الثاني/

ضيق القطاع الحديث، وإتساع القطاع التقليدي حيث يصعب بناء تنظيم وطني حديث كالحزب الشيوعي يتخطى الإنتماءات القبلية والطائفية والعرقية “، ( اوان التغيير ص32).

السبب الثالث/

قيام الحزب علي اساس الماركسية اللينينية، وكذلك الموقف الفلسفي المادي الشمولي للماركسية حيث يصعب التوفيق بينه وبين التصورات الدينية حول الكون والخلق، وقد ادى ذلك إلي قيام حائط عزل بين الحزب والجماهير بفضل العمل السياسي المضاد من قبل احزاب اليمين “، ( اوان التغيير ص32-33).

السبب الرابع/

شمولية برنامج الحزب السياسي ـ كما اشار الخاتم ـ حيث يطرح الحزب ثلاثة مراحل للتنفيذ، وهي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، الإشتراكية ، وأخيراً المرحلة الشيوعية”، ( اوان التغيير ص34) .

 (إنتهت الأسباب التي اوردها الخاتم).

مناقشة/

بالنسبة لملامح الصيغة التي تبناها الحزب، لأجل أن يصبح قوة اجتماعية كبرى لم يشر الخاتم إلي الدور الذي آله الحزب علي نفسه في تأسيس وبناء ودعم الحركة المطلبية، وذلك من خلال العمل الدؤوب في النقابات منذ نشأتها، إذا كانت العمالية أو غير العمالية، كنقابات الموظفين والمهنيين وإتحادات المزارعين، والطلاب، حيث دفع الحزب الشيوعي إلي الحركة النقابية بأطيب كوادره خبرةً وتجرداً مما وسَّع من نفوذ الحزب خارج المدن والمناطق الحضرية، وتقف مثالاً علي ذلك حركة المعلمين التي تكاد أن تكون قد دفعت بنشطائها إلي كل بقاع السودان بقطاعيه الحديث والتقليدي معاً. وكذلك حركة الشباب والنساء، إذ ساعدت هتان الحركتان علي توسيع نفوذ الحزب، وهذا ما لم تفصح عنه صياغة النقطة الثالثة اعلاه في كتابة الخاتم حول الملامح.

اما الملمح الاساس والمركزي الذي لم يدرجه الخاتم فيما ذهب اليه، هو نجاح الحزب، وقد يكون دون سواه من الاحزاب الاخرى، نجاحه في صياغة ودفع مفهوم “العمل الجبهوي” في الحياة السياسية في السودان. كان لإعتماد الحزب ذلك التقليد والإيمان به والثبات عليه وبصدق، كان له دورٌ كبير في دفع الحزب في إتجاه ان يكون قوة إجتماعية في المستوى الذي وصل اليه في اوقات مجده، هذا من جانب، أما من الجانب الآخر، فقد كان تبنَِي “العمل الجبهوي” سلاحاً إستخدمه الحزب بفلاحٍ شديد في كسر طوق العزلة الذي كثيراً ما كانت تحاول الانظمة العسكرية والديكتاتورية أن تضربه حوله.

اصبح تقليد “العمل الجبهوي” جزءاً اصيلاً من ثقافة الحزب الشيوعي كمؤسسة، ولقد كان الحزب مبدئياً في التعاطي معه، إذ أن الحزب لم يحد عن ذلك التقليد إلا نادراً، وقد لا تحفظ ذاكرة التاريخ غير حالتين من الخروج البائن عليه، ولكن أي حالتين هما، وإلي أي حدٍ كانتا مكلفتين له ؟!.

 الاولى/ هي موقف الحزب من إنقلاب 25 مايو 1969م، قبل حدوثه مباشرةً، وأثناء وبعد حدوثه، وأما الثانية/ فهي محاولة إنقلاب 19 يوليو 1971م، حين حاول الحزب إختصار المراحل في الوصول إلي السلطة وفشل!.

 ففي الحالتين نجد ان الحزب دفع ثمناً باهظاً، أقله كسر طموحه في أن يصبح قوة إجتماعية كبرى!. 

و في هذا الامر قد يُشار إلي علاقة الحزب الشيوعي السوداني بالإنقلابات التي حدثت في غضون الديكتاتورية العسكرية الاولى، اي قبل مايو 1969م. وفي الرد علي ذلك يمكننا القول بأن الموقف الواضح والصارم بخصوص موضوع التداول السلمي للسلطة وعبر الإنتخاب تمّ تبنيه بواسطة الحزب، وبشكل واضح لا يقبل التأويل في مقررات المؤتمر الرابع 1967م.

كان ان تطرق الخاتم لموضوع “العمل الجبهوي” في تصديه لمسألة الجبهة الوطنية الديمقراطية، إلا ان تناوله كان تناولاً مختصراً، لم يعكس أهمية وثقل “العمل الجبهوي” في حياة وتطور الحزب الشيوعي السوداني. قد لا يكون المرء غير صائبٍ اذا ما ارجع جذور “العمل الجبهوي” التاريخية إلي الحركة النقابية السودانية التي إرتبط بها الحزب الشيوعي إرتباطاً وثيقاً منذ ايامها الاولى، وذلك بحكم مساهمته في نشأتها وتأسيسها.

إن “العمل الجبهوي” هو، في الاساس، نشاطٌ تاكتيكي وليس عملاً إستراتيجياً. إنغمس الحزب الشيوعي في ذلك النشاط التاكتيكي  ـ  بالطبع لضروراته ـ إلي الحد الذي غاب فيه عنه افق العمل الإستراتيجي، حيث أننا نجد أن الحزب أنتج قادة نقابيين من طراز رفيع رفد بهم الحركة النقابية العمالية وغير العمالية، إلا أنه فشل في إنتاج مفكرين يشغلهم إنتاج الفكر والتجديد لضخ الحياة في الحزب!. وقضية الفكر بالنسبة للحزب الشيوعي، وبالتأكيد لأي حزب آخر، هي قضية إستراتيجية من الدرجة الاولى، وذلك بالقطع ما يدفع المرء للقول، وفي هدوءٍ تام، بأن الحزب الشيوعي ظلّ عملياً، ولردح طويل، حزباً تاكتيكياً وليس تنظيماً إستراتيجياً، اذ انه ما فتأ يقتات علي مؤنة فكرية غاضت منابعها!، وغدتْ في امس الحاجة للتجديد.

أعتقد أن الحزب ظلّ يعمل كمنْ لا حيلة له، وعلي قاعدة “رزق اليوم باليوم” فيما يتعلق بالمعرفة، والفكر. ولا اعتقد ان ذهابنا إلي ذلك ينبئ عن أي قسوة في توصيفنا لحالة الحزب الشيوعي السوداني، وخاصةً حالته الراهنة.

                                                 

(3)

إن الاسباب التي ذكرها الخاتم كمسوغٍ لفشل الحزب في ان يصبح قوة إجتماعية كبرى يمكن تلخيصها في القمع  المستمر الذي طال الحزب، وجود قطاع تقليدي كبير بعيداً عن نفوذه، واخيراً شمولية الموقف الفلسفي والبرنامج السياسي اللذين إتبعهما الحزب.

فلو أردنا الوقوف عند الاسباب التي عددها الخاتم فإننا نتفق معه حول ان القمع المتواصل، بالفعل، كان سبباً في الحد من تطور الحزب وإنتشاره، وهذا هو النصف الاول من الحقيقة، فيما كان يترتب علي القمع، اما نصفها الآخر منها فهو أن الحزب كان يخرج منهكاً دائماً بعد كل ديكتاتورية، إلا أنه وفي الوقت نفسه يكون أكثر إصراراً وهو مملؤ ٌ بروح التحدي والتفاؤل، بل واكثر إقبالاً علي الحياة، وقد يُذكر أن حوالي 70% تقريباً من عضوية الحزب كانت ان طرقت ابوابه بعد أنتفاضة مارس/أبريل 1985م. وهذه ظاهرة في حد ذاتها ليست جديدة في تاريخه، تكاد ان تكون حدثت بعد ثورة اكتوبر 1964م. فتلك كلها شواهد تجعل باب الامل، علي الدوام، مفتوحاً أمام الحزب.

اشار الخاتم إلي عامل القطاع التقليدي علي أنه، “يضم الأغلبية الساحقة للسكان، ويمثل قوة جذبٍ هائلة إلي الوراء”، وكذلك يمثل واقعاً فيه “يكون من العسير بناء تنظيمٍ وطني حديث يتخطى الانتماءات القبلية والطائفية والعرقية ، والنـزعات الإقليمية”(اوان التغيير ص 32).

هذه الإشارة صحيحة إلا أنه لا يمكن قبولها علي إطلاقها، وفي ذلك لا نحاكم الخاتم فيما ذهب اليه في شأن القطاع التقليدي، بالوقائع المحققة اليوم والمتمثلة في ان القطاع التقليدي اصبح اليوم في حالة حراك غنية وهائلة لا سابق لها، جعلته، اي القطاع التقليدي، يفك إساره، ويكف عن حالة وجوده خارج دائرة الصراع في السودان، و إنما نحاكم الخاتم في إشارته تلك، بوقائع تاريخية وصلت حد إختراق القطاع التقليدي. وتلك الوقائع تتمثل في قيام تلك التنظيمات من الاتحادات، والروابط الإقليمية، مثل إتحاد ابناء جبال النوبة، نهضة دارفور، إتحاد ابناء البجا و غيرها. وهي تنظيمات كانت تضم طلائع ونشطاء القطاع التقليدي منذ ما قبل الإستقلال. لا احد ينكر ان الحزب الشيوعي لعب دوراً في دعم وتشجيع تلك الاتحادات التاريخية. وقد كانت تلك التنظيمات بحق هي الحضن الذي شبّ وقوي فيه عود عددٍ غير قليل ممّنْ إرتبطوا، و يرتبطون الآن بالحراك الذي ينتظم مناطق القطاع التقليدي اليوم، او ما يسمى بالهامش.

كل ذلك لا ينفي، بالطبع، تفوق نفوذ الحزب في القطاع الحديث عليه في القطاع التقليدي، ولكننا نجد، ايضاً، أن إنحسار توجه الحزب إلي القطاع التقليدي كان مرتبطاً بغياب الديمقراطية ومصادرتها علي مستوى الوطن، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، مرتبطاً بحقيقة “شمولية الانتماء الفلسفي”، و”شمولية الموقف والبرنامج السياسي”، وهو أمرٌ ارى أن التوفيق قد حالف الخاتم في تناوله له، خاصةً عندما قام بتشريح دقيق لموضوع “الجبهة الوطنية الديمقراطية”، ومسألة “المركزية الديمقراطية”، وكذلك معضلة “الحزب والمثقفين”. وفي معالجته لهذه القضايا الثلاث جاء نقد الخاتم الاساس للنظرية الماركسية،  وذلك، بالقطع، بالإستناد علي تقييمه  لتجربة الحزب الشيوعي السوداني.

 تقدم الخاتم بنقدٍ لمفهوم “الجبهة الوطنية الديمقراطية” من حيث القوى الاجتماعية المكونة لها، وتنظيماتها ودور الحزب الشيوعي الاساس فيها، إذ انه يمثل  القلب منها بفضل المكانة والدور الذى كان من المفترض أن تلعبه الطبقة العاملة السودانية في ذلك التحالف الجبهوي. والحزب الشيوعي ما تبوء تلك المكانة إلا بإعتبار أنه حزب الطبقة العاملة، بحكم ما هو ايديولوجي!.

إنصبّ نقد الخاتم علي إصرار الحزب وإستماتته في عدم قيام قيادة مركزية للقوى المكونة للجبهة الوطنية الديمقراطية، لأن الحزب كان يقوم بدور القيادة بالوكالة لتنظيمات الجبهة الوطنية الديمقراطية، ولقد وصل في تحليله إلي القول، “وكنتيجة مباشرة لمقولة (لا قيادة مركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية)” تشرزمت بصورة مؤلمة قوي الجبهة الديمقراطية. فنشأت الروابط الإشتراكية وسط المهنيين بمختلف تخصصاتهم كمنظمات قطاعية محدودة الوجود، محددة الصلاحيات، تعالج في نشاطها النقابي اساساً قضايا محددة تقتصر في الغالب الاعم علي جماهير قطاعها. وقد كانت هذه محنة قاسية للمثقف الديمقراطي الذي يملك بحكم وعيه وعلمه وخبرته ونضاله، رؤية وطنية شاملة، ويبحث عن حيز وطني لفكره وفعاليته، والذي تعوَّد من خلال حياته الطلابية أن يلعب دوراً مؤثراً ومدوياً في القضايا الوطنية، سواءً من خلال الجبهة الديمقراطية، او من خلال المؤسسات الطلابية المختلفة والإتحادات. وبدلاً من ان يجد نفسه في تنظيم فاعل علي النطاق الوطني عند تخرجه واثناء حياته العملية، فإنه يجد نفسه محشوراً في “غيتو سياسي” لا يخرج منه إلا في المناسبات الوطنية الكبيرة، إن لم نقل إلا في الثورات والإنتفاضات”(اوان التغيير ص 68-69).

لم يتعرض النقد المتماسك الذي قدمه الخاتم لمسألة “الجبهة الوطنية الديمقراطية”، لأي نقد او تصدي مضاد يُذكر، إذا ما إستثنينا الجزئية الخاصة بـ “ديمقراطية الفراكشنات”، و التي تقدم فيها د. صدقي كبلو  بنقدٍ لِما ذهب اليه الخاتم في هذا الشأن، ضمّنه في كتابه “موسم الهجرة الي اليمين”.

من الناحية النظرية كان من المفترض أن يُقيم نقد الخاتم لمسألة “الجبهة الوطنية الديمقراطية” الدنيا ولا يُقْعِدها، لأن مسالة “الجبهة الوطنية الديمقراطية” تمثل ركيزة اساسية من الركائز النظرية للحزب الشيوعي السوداني، وركيزة اساسية من ركائز برنامجه للتغيير الاجتماعي. فهي تمثل “الإبن الشرعي” لتطور أفكاره، وتمثل كذلك إضافته ووثبته الجبارة علي مستوى التنظير. والتي كان الحزب يتباهى بها في وجه الاحزاب الوطنية الاخرى. لكن وبرغمه لم يثر ذلك النقد الموجّه اليها حفيظة المجابهة الفكرية للخاتم من قبل الشيوعيين، لان اكثريتهم كانوا مشغولين، حينها،  بتطبيق اللائحة، ورصد خروقاتها اكثر منه انشغالهم بمحتوي الإختلاف وجوهره الفكري!.

                                                        

(4)

من أميز ما قدم من نقدٍ، كان ذلك الذي وجههه الخاتم لمبدأ “المركزية الديمقراطية”، ذلك المبدأ الذي يُسيِّر وبشكل أساس، حياة الحزب الداخلية، ويرمي بظلاله الكثيفة علي كل انشطته!.

اشار الخاتم إلي أنه وبرغم ما قيل في مدح هذا المبدأ فإن الحجج الساندة له تتلخص بالنسبة له في ضمان وحدة الحزب ضد التكتل والإنقسام اولاً، ثم ثانياً إيجاد نظام طاعة حديدي يرتفع بفعالية الحزب. في إعتقادي أن الخاتم أغفل مسوغاً ثالثاً راجحاً، وهو الحفاظ علي جسد الحزب من الإختراقات المضادة، وأعتقد أنه، إن كان هنالك من هدفٍ وحيد نجح الحزب في تحقيقه علي مر السنين، هو تقليل فرص الإختراقات لتنظيم الحزب من قبل أعدائه، هذا إذا ما قارناه ببقية الاحزاب السياسية السودانية الأخرى في هذا الصدد. علي كل حال حتى هذا الهدف كان من الممكن تحقيقه بوسائل اخرى افضل واقل تكلفة إذا ما وضعنا في الإعتبار الثمن الباهظ الذي دفعه الحزب نتيجة إعتماده ذلك المبدأ، اي مبدأ المركزية الديمقراطية، بدلاً عن إشاعة ديمقراطية حقيقية في الحياة الداخلية للحزب. وعند هذه النقطة اتفقُ مع الخاتم في قوله: “وهكذا فإن وحدة الحزب وفعاليته يمكن ضمانها بإعتماد الديمقراطية وحدها كمبدأ تنظيمي”(اوان التغيير، ص 48)، بل، واضيفُ، أنه كان  من الممكن أن تضمن له جسداً معافى، وتخرج به من حالة الإنكماش والضمور.

كان الخاتم محقاً حين ذكر أن هذا المبدأ هو لينيني الاصل، وليس ماركسياً، وقد دفعت إلي صياغته ومن ثم تبنيه بحزم ظروف القمع في روسيا القيصرية!.

عدَّد الخاتم مثالب “المركزية الديمقراطية” بشكل دقيق، كان أقلها، ” أن الحديث عن إمكانية وجود أقلية داخل إطار “المركزية الديمقراطية” ليست سوى واحدة من إستهبالات الفكر السياسي والتنظيمي الاكثر مرارة والاكثر إثارة للهزء. وإذا كانت الاقلية لا توجد داخل الحزب، فإن الرأى الآخر لا يوجد بالتالي، بالنسبة للمجتمع، حيث يفترض أن يُعبِر عضو  الحزب عن رأي الحزب بصرف النظر عن وجهة نظره الشخصية”(أوان التغيير، ص 52).

إنه نقدٌ متماسك لا يجد المرء مناصاً سوى الإتفاق معه. وبالرغم من أن ما قاله في “المركزية الديمقراطية” قد جبّ ما قبله، تجدني لا ارى مبرراً لعدم وقوف الخاتم عند قضية “الإنقلابات العسكرية”، بإعتبار كونها واحدة من تجليات “المركزية الديمقراطية”، باهظة التكلفة، إضافة إلي انها ظاهرة ضاربة الجذور في تاريخ الحزب، وهو ما إعترفت به قيادة الحزب، و لكن دون ان ترده إلي جذره، حيث جاء ” فقد عارضنا إنقلاب نوفمبر 1958 بوصفه إنقلاباً رجعياً، وأيدنا وشاركنا في محاولات الانقلاب الاربع التي قام بها ضباط وصف ضباط وجنود وطنيون لاسقاط الفريق عبود في اول مارس 1959، و في 4 مارس 1959 ، و في 22 مايو 1959 ، و نوفمبر 1959″. (تقرير سكرتارية اللجنة المركزية حول  19 يوليو 1971 ، ص 5). (خط التشديد من الكاتب).

حين المقارنة بما ورد اعلاه يصبح غير كافٍ قول الخاتم، “وأجير الحزب، ساعة الإقتضاء، أن يحارب السلطة المايوية بسلاحها ذاته، سلاح الإنقلاب العسكري. أعطي موافقته، بصرف النظر عن كون تلك الموافقة صريحة أو ضمنية، لتفجير حركة 19 يوليو 1971، عله بذلك يفتح الباب لحكم الجبهة الوطنية الديمقراطية، وإنجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ومفضلاً في كل الأحوال مواجهة إحتمالات الهزيمة علي الإستسلام دون قتال. نقول ذلك دون أن نغلق الباب امام تقييم شامل لتلك الفترة المضطربة يستند علي الكشف المأمول عن كل الحقائق”(أوان التغيير، ص 17).

إن السؤال الذي يتبادر للذهن في هذا المقام، هو ألم يكن الخاتم يلمُّ بتلك الحقائق التاريخية عن علاقات الحزب الشيوعي بالإنقلابات العسكرية الواردة في التقرير المركزي حول إنقلاب 1971م، رغم وجوده في قيادة الحزب، بل ولوقتٍ ما في سكرتاريته المركزية ؟!.

لم يتعامل الخاتم مع قضية “الإنقلابات العسكرية” بروح كمنْ يكتب التاريخ بحياد فحسب، وإنما لم يستصحب حدة ذهنه، ونفاذ نظرته الثاقبة المعهودة والمعروفة في تعاطيه مع القضايا الشائكة، وذلك حين أشار طفيفاً إلي إنقلاب مايو 1969م، بالرغم مما كان يمثله ذلك الإنقلاب من إنعطافة فاصلة في تاريخ الحزب ومن ثمّ في تاريخ السودان، إذ قال، ” و يعتبر إنقلاب مايو من أقسى الإمتحانات في تاريخ الحزب الشيوعي. و إذا إتفق الناس او إختلفوا، فثمة شئ لا شك فيه وهو أن تلك المواقف كانت محكومة بالمبادئ، وبعيدة عن كل إنتهازية سياسية، ومتسمة بروح الصدام دفاعاً عن قيم الديمقراطية والتقدم. ومن الحقائق المشهودة أن الحزب قد رفض كل إغراءات السلطة وإمتيازاتها، ولفظ بحزم أؤلئك الذين رأى في تصرفاتهم تهافتاً علي المصالح الشخصية، أو تغليبأً للإعتبارات التكتيكية علي حساب الشعب، وديمقراطية الحكم، وسعادة الجماهير.”(أوان التغيير، ص 16 و17). في هذا الامر، تبنى الخاتم سائد الكلام وسائره في صفوف الحزب!. إن الشواهد التاريخية والوثائق تقول بغير ذلك، سيما لو دقق المرء النظر فيما حوت من وقائع.  

                                                 

(5)

لم يتعامل الخاتم مع قضية “الإنقلابات العسكرية” بروح كمنْ يكتب التاريخ بحياد فحسب، وإنما لم يستصحب حدة ذهنه، ونفاذ نظرته الثاقبة المعهودة والمعروفة في تعاطيه مع القضايا الشائكة، وذلك حين أشار طفيفاً إلي إنقلاب مايو 1969م، بالرغم مما كان يمثله ذلك الإنقلاب من إنعطافة فاصلة في تاريخ الحزب ومن ثمّ في تاريخ السودان.

في هذا الامر، تبنى الخاتم سائد الكلام وسائره في صفوف الحزب!. إن الشواهد التاريخية والوثائق تقول بغير ذلك، سيما لو دقق المرء النظر فيما حوت من وقائع. وفي هذا الشأن رأيت أنه من المفيد ان اورد  المقتطف المطول التالي:

“إنه ومما لاشك فيه، وقتها، ان سماء الوضع السياسي في البلاد كانت ملبدة بغيوم التوقع، بل وبالإستعداد والقابلية للتغيير. كانت كل المؤشرات تؤكد ذلك، هذا على صعيد الظروف الموضوعية ، ولكن على الصعيد الذاتي لأولئك الذين نفذوا  إنقلاب 25 مايو 1969م، هل كان الوضع مستتباً والظرف مهيئاً؟، وهل ساهم الحزب الشيوعي في ذلك التهيؤ؟، وهل كانت مساهمة الحزب عاملاً مؤثراً في وصول ذلك التضافر بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي الي نهاياته، ومن ثم إلى نجاح انقلاب مايو 1969م ؟؟.

ورد في تقرير سكرتارية اللجنة المركزية حول 19 يوليو 1971 :      

 ” إجتماع المكتب السياسي الذى إنعقد في 9/5/69م، ناقش إقتراح العسكريين بالإنقلاب، ورفض الفكرة استناداً الي ما توصلت اليه اللجنة المركزية في مارس 1969م حول التكتيك الإنقلابي.” (التقرير ص72).

بالقطع ان العسكريين المُشار اليهم يشملون اعضاء تنظيم الضباط الاحرار، وذلك بحكم ان ذلك التنظيم ذو علاقة سياسية وتنظيمية، في آنٍ معا، بالحزب الشيوعي السوداني.

في النص اعلاه لابد من التمييز بين حقيقتين، الحقيقة الأولى هي أن اللجنة المركزية ناقشتْ  في دورتها  في يوم 23 مارس 1969م، التكتيك الإنقلابي كمفهوم فحسب، وليس كإقتراحٍ محدد قدمه العسكريين كما هو موضح اعلاه. وحدث أن رفضتْ ذلك المفهوم.

أما الحقيقة الثانية فهي أن “إقتـراح العسكريين بالإنقلاب” لم تناقشه اللجنة المركزية  بشكل تنظيمي إلا في إجتماعها مساء يوم 25 مايو 1969، اي بعد وقوعه، وذلك بناءً علي إفادتين :

الإفادة الاولى /

هي تلك التى اوردها د. فاروق محمد إبراهيم في مقاله المميز المنشور في مجلة قضايا سودانية  العدد الرابع في أبريل 1994 م، حيث كتب قائلاً:

” ولعل الزميلين نقد والتجاني يذكران في اجتماع اللجنة المركزية في دورة 23 مارس 1969 أن بعض الأعضاء طلبوا معرفة تفاصيل عما يجري داخل القوات المسلحة وما يجري من تحضير لإنقلاب بين الضباط الأحرار، فرد عبد الخالق ( هذا العمل يتعلق بحياة وموت زملاء يعملون في هذا المجال. اقول لكم كلام هنا وباكر يطلع في خباز( مقهى شهير في الخرطوم). لو المكتب السياسي طلب مني برضه مش ح اقول له. إنتم إخترتوني لهذه المسئولية وأنا أنفذها بالطريقة التي اراها صحيحة).” (قضايا سودانية 4/4/94، ص 26).

بالمناسبة هذه واحدة من الإفادات التي تجنب الاستاذ التجاني الطيب الرد عليها في معرض رده الضافي علي د. فاروق محمد إبراهيم. وعلي ذكر ذلك أود أن اقول أن تلك المساجلة التي تمت بين الاستاذين التجاني ود. فاروق أعتبرها من أقيم وأعظم المساجلات الحزبية، فقد بذلا فيها جهداً مقدراً وراقياً. فهي قمينة  بالإطلاع وبالرجوع اليها من وقتٍ الي آخر، برغم ما أصاب إستقامتها من رذاذٍ  لمجانبة  الموضوعية، إلا انه لم يخدش قيمتها أو ينتقص من عمقها.

الإفادة الثانية /

اوردتها سكرتارية اللجنة المركزية في تقريرهر حول 19 يوليو 1971م، كما يلي:

       “إجتماع المكتب السياسي الذى انعقد في 9/5/1969 ناقش إقتراح العسكريين بلإنقلاب ورفض الفكرة استناداً الي ما توصلت إليه اللجنة المركزية في مارس69، حول التكتيك الإنقلابي.لم تتبعه دعوة سريعة للجنة المركزية لعرض الأمر عليها، ليس فقط   لوضعها في الصورة أو لإعلامها بتطورات الوضع السياسي، بل لتعبئة وتوحيد مجموع الحزب في مواجهة الفكر الإنقلابي والتكتيك الإنقلابي.” ( التقرير ص 72 ).

(خط التأكيد من عند الكاتب.)

من هتين الإفادتين تبرز ملاحظتان في غاية الأهمية، الأولى هي أن ما توصلت إليه اللجنة المركزية في مارس 1969م كان متطابقاً تماماً مع قرارات المؤتمر الرابع حول الموقف الرافض للإنقلاب كتكتيك للوصول للسلطة. والملاحظة الثانية هي أن فكرة انقلاب مايو 1969م كانت متداولة في المكتب السياسي، وبإشارة اكثر دقة، كانت تفاصيلها  محصورة بين تنظيم الضباط الاحرار والمكتب السياسي ممثلاً في السكرتير العام لحزبنا، الشهيد عبد الخالق محجوب” .( في تداعيات الكتابة عن الخاتم عدلان/ الحزب الشيوعي والعقلية الإنقلابية، مقال للكاتب ص4 و 5، منشور في سودان نايل). 

مما هو قمينٌ بالإشارة أنه كانت لـ “المركزية الديمقراطية” اوجه عدة ومسالك متنوعة، لم يقف عندها الخاتم رغماً من اهميتها. ومنها أن “المركزية الديمقراطية”، وجدت غطاءاً آمناً تحت عدة مفاهيم جاذبة وطنانة، كان لها صدى في حياة الحزب الداخلية، وقد كانت تُردد أحياناً بفهمٍ ومكرٍ، وأحياناً بدون فهم. ونورد مثالاً علي ذلك مفهوم “وحدة الفكر والإرادة”!.

“دعنا ننظر في الجزء الاول من هذا المفهوم، وهو “وحدة الفكر”، قبل أن نعطف عليه “الإرادة”، (إن الوقوف الطويل عند “وحدة الفكر” والتأمل فيها تستدعيه حقيقة ان الناس يدخلون هذا الحزب لاسباب مختلفة ومن منطلقات متباينة، منهم منْ دخل من منطلقات فلسفية بحتة كالراحل الخاتم عدلان، ومنهم منْ جاء على أساس البرنامج السياسي….الخ. بل واكثر من ذلك قد يكون هنالك  بعض من الاعضاء منذ دخولهم  هذا الحزب وحتى مغادرتهم هذه الحياة الدنيا، وليس الحزب لوحده، لم يكن لهم علم، مثلاً، بما ذهب اليه “ماركس” في تشريحه التركيب العضوى للرأسمال من حيث تكوينه من رأسمالٍ ثابتٍ وآخرٍ متغيرٍ!، وان إختلافه، اى “ماركس”، مع الاقتصاديين الراسماليين في هذا الصدد كان حول موضوعة ان راس المال المتغير قوامه قيمة “قوة العمل”، وليس كما يعتقدون هم، اي المنظرون الرأسماليون، بان راس المال المتغير، الي جانب  “قيمة قوة العمل” يضم ايضاً “قيمة المواد الخام”  وبكل انواعها!. وقد يكون هنالك ايضاً من الاعضاء منْ هم اكثر حميةً واستبسالاً في الدفاع عن الحزب، ولكن لا يقع ضمن معرفتهم او حتى إهتمامهم كيف تُنتج القيمة الزائدة؟!، رغم ان مفهوم ” القيمة الزائدة” او “فائض القيمة” يمثل ركناً اساساً في النظرية الماركسية، إذ بدونه سينهار بناؤها باكمله علي رؤوس منظرييها وعلي رؤوس الاشهاد بكلكلهم!.

ففي حزبٍ قد يكون هذا واقعه هل يمكن ان نفهم “وحدة الفكر والإرادة” بانها تعنى أي شيئ آخر سوي انها تعميم مبهم تمّ إختياره بدقة لتكريس اوضاع لا تزدهر فيها غير “المركزية الديمقراطية”؟!” (في الرد علي صديقي د. صدقي كبلو/لقد عاش الخاتم عدلان بيننا…و سيظل ، مقال للكاتب ص 8، منشور في سودان نايل).

 إن الشواهد متعددة علي صميمية “المركزية الديمقراطية” في تاريخ الحزب، وعلَّنا نجد مثالاً حياً، وليس نظرياً، في حادثة مؤتمر الجريف الذي كشف عن حيثياته د. فاروق محمد إبراهيم، إذ أن ما كتبه في هذا الشأن لم يجد الرد ولم يتم التصدي له لا بالإيجاب ولا بالنفي. علي اية حال، سيكون ما قال به د. فاروق عالقاً فوق رؤوس قدامى الشيوعيين وقيادة الحزب، وسيظل ذلك سؤالاً مشهراً في وجهنا جميعاً، دون إستثناء!.

اخذنا علي الخاتم في نقده للمركزية الديمقراطية وقوفه العابر علي ظاهرة الإنقلابات وعلاقة الحزب الشيوعي بها، ولكن كما اوضحنا اعلاه انه، ايضاً، لم يتناول او يتطرق لمفهوم “وحدة الفكر والإرادة” برغم مما مثله ويمثله ذلك المفهوم من ركن اساس في حياة الحزب ونشاطه.

                                                 

(6)

الحزب الشيوعي السوداني حزب مثقفين !

و هذا هو تناقضه !،

عن علاقة الحزب الشيوعي السوداني بالطبقة العاملة السودانية يقول الخاتم، “إن الحزب الشيوعي السوداني قد بذل جهداً كبيراً ومتصلاً لتأكيد هويته “البروليتارية”، و”ترقية” تكوينه البروليتاري. و قد أدى ذلك ، في نظرنا، إلي سيادة إهتمامات ضيقة، وغذى روح الإنتظار الحالم لتلك اللحظة التي تنمو وتنضج وتسود فيها الطبقة العاملة. وقد أدى ذلك إلي غربة الشيوعيين عن واقعهم غير البروليتاري اساساً. فأعرضوا عن الإنخراط اليومي الحميم في معرفة الواقع وتوجيهه وفق منطقه الخاص وليس وفق تصورات ذهنية غير واقعية”.(-“اوان التغيير “، ص 44).

في حقيقة الامر أن نشاط الحزب الشيوعي لم يكن وقفاً علي الطبقة العاملة، وإنما نشط الحزب بشكل اساسي، خاصة في العقود الاخيرة، وسط فئات وطبقات إجتماعية غير عمالية. وهذه الطبقات غير العمالية هي التي رفدتْ الحزب بجل اعضائه وقياداته. الشاهد، ان الحزب الشيوعي لم “يعرض عن الانخراط اليومي الحميم”، وإنما كان موجوداً بشكل لصيق بفكر  طبقي “عمالي” وسط طبقات “غير عمالية” !، وقد اصبح يتجه إلي طبقاتٍ، بفكرٍ لم يُنتج أصلاً لتسليحها!. فهذه واحدة من معضلات الفكر حين يُحشر حشراً في قالب طبقة واحدة، والمعضلة هذه تمثل جانباً واحداً من جوانب ازمة الحزب الشيوعي، اما الجانب الاخر من الازمة،  فهو تعامل الحزب الشيوعي مع الفكر الماركسي وبشكل “طبقي” متزمتْ، وذلك بإعتباره، أي الفكر الماركسي، مقياساً صارماً واساساً للتصنيف بين العضوية، وكل ذلك في حزبٍ يمثل العمال نسبة ضئيلة فيه!، في حين ان المنحازين فيه لفكر الطبقة العاملة، و هم ليسوا بعمال، يمثلون الاغلبية الساحقة!.

كان التعامل الميكانيكي مع ذلك الفكر لتأكيد “الهوية البروليتارية” و”نقائها” قد أضر بالحزب كثيراً. نلمس واحدة من تجليات ذلك الضرر في إشارة محكمة، لخصها الخاتم قائلاً ، ” كما أن النقاء البروليتاري قد تطابق في كثيرٍ من الاحيان مع التعصب والجمود وإحتقار الرأى الاخر، وقمعه، بإعتباره يمثل “فكراً غريباً” عن آيديولوجية الطبقة العاملة. لقد كانت هذه التهمة فادحة بالفعل. فالتعبير عن “أفكار غريبة” يعني الوكالة الفكرية عن طبقات اخرى، وتمثيل مصالحها، غير المشروعة، داخل الحزب. وهو عمل يمكن ان يوصم بالخيانة، وفي حالة براءة الشخص من تهمة الخيانة فانه في هذه الحالة لن يكون بريئاً من الجهل، ولا من عدم نضوج الانتماء البروليتاري. وتكون مجهوداته السابقة كلها في التثقيف الماركسي قد ضاعت هباء”.( أوان التغيير، ص 44 و 45)

وفي الوقوف عند ما ذهب اليه الخاتم أعلاه، نود القول بأن التركيبة الطبقية للحزب الشيوعي السوداني لا تؤكد باي حال من الاحوال انه حزب “عمالي”. ليست هنالك إحصائيات دقيقة، ولكن لا أعتقد ان منْ ينتمون الي الطبقة العاملة يمثلون نسبة معتبرة في الحزب. وهذا وضعٌ تعكسه نتائج آخر انتخابات نقابية قبل إنقلاب الجبهة الاسلامية في 30 يونيو 1989م، حيث لا مقارنة تذكر بين وزن ونفوذ الحزب في نقابات الموظفين والمهنيين، ووزنه ونفوذه في نقابات العمال!. لقد كان وجود الحزب بين العمال ضعيفاً، وذلك لضعف عدد أعضائه من العمال، وعلي النقيض منه تماماً، كان وجوده في حركة الموظفين والمهنيين، وهي الحركة الحضن، والمفرخة والمنتجة للمثقفين، اؤلئك الذين يعتمد عليهم الحزب في المساندة والمناصرة، وفي الذهاب بين الناس للتبشير برسالته الطبقية، وببرنامجه للتغيير الإجتماعي!.

في الواقع لم ينفرد الحزب الشيوعي السوداني لوحده بتلك المفارقة المحزنة، وإنما الحركة الشيوعية العالمية وبكل أحزابها، قد عاشت تلك المفارقة، وستظل تعيشها، وذلك امرٌ تفرضه حقائق واقعية متعلقة بالتركيبة العضوية نفسها للاحزاب الشيوعية، حقائق تتناقض مع التصورات النظرية والتجريدات الذهنية. فالحزب الشيوعي السوفيتي، اعرق الاحزاب الشيوعية قاطبةً، لم يكن باحسن حالٍ، “فى اواخر الثمانينات من القرن المنصرم وعشية بدء زوال الاتحاد السوفيتى كانت الاحصاءات تشير الى ان في الدولة السوفيتية 25 مليوناً من العاملين ذوى الياقات البيضاء، واولئك هم الموظفون والمهنيون من اطباء ومهندسين وعلماء ومتخصصين فى حقول مختلفة. نجد ان 30% من ذوى الياقات البيضاء كانوا اعضاءاً فى الحزب الشيوعى السوفيتى، هذا من جانب، اما من الجانب الاخر فان عدد العاملين ذوى الياقات الزرقاء فيقدر بثلثي سكان الدولة وهؤلاء هم العمال بكل فئاتهم فاحصائياً يقدر عددهم بـ 160  مليون تقريباً وهم يمثلون الطبقة العاملة فى الدولة. نجد ان 7% فقط من العمال هم اعضاء فى الحزب الشيوعى السوفيتى !.

لابد من ملاحظة ان الحزب الشيوعى  هو حزب الطبقة العاملة الا اننا نجد ان 93% من الطبقة العاملة خارج عضوية الحزب الشيوعى الذى يحكم الدولة ويسيرها بإسمها!، فهذا وضع لا يمكن تفسيره، او بالاحرى تبريره، الا من خلال السياقات النظرية عن الانحياز الطبقى !.”( مقال، في الرد علي د. صدقي كبلو، سودانايل )

إن “الوكالة الطبقية” تلك، وبالإستناد علي ما تحقق من تجارب، تحتم ضرورة إعادة النظر في التعامل مع الفكر بشكل عام، وبشكل خاص الفكر الثوري التقدمي. فلقد وضح من تجارب الاحزاب الشيوعية العالمية دون إستثناء، أنه حتى ولو إنسلخ أعضاء الحزب من منشأهم الطبقي، و إنحازوا كليةً لفكر الطبقة العاملة، فإن ذلك لن يجعل منهم عمالاً!. الفكر التقدمي بشكلٍ عام، والفكر الماركسي جزءٌ من، له المقدرة كفكرٍ للعدالة الإجتماعية، علي خلق احزابٍ جاذبة، احزاب لكل الناس، مفتوحةً للشعب. وهذه بالقطع حقيقةٌ يكمن، في إستيعابها الواقعي، الخروج من الحصر القسري والميكانيكي لفكر العدالة الإجتماعية بمجمله في طبقةٍ ما، وهو حصرٌ نابعٌ من التوهم بان الماركسية، هي خلاصةٌ ومستودعٌ نهائي لفكرة العدل الإنساني! هذا كله من جانب، أما من الجانب الآخر، فإن في إستيعاب حقيقة تلك المقدرة، إقرارٌ بالتحول والتغير المرتبط بدنامية النشاط الانساني في جانبه الاقتصادي، والتكنولوجي، وكل جوانبه الاخرى. إنه تحولٌ قد يفضي في المستقبل إلي زوال طبقاتٍ كاملةٍ  وفق تعريفها الكلاسيكي، ومن ثمّ يؤدي إلي بروز اخرى لم يحيط التعريف الكلاسيكي بها وبخصائصها، ولا بقدراتها، ولا بضرورتها، كذلك، في صيرورة العملية الانتاجية التي تمثل عاملاً حاسماً في صناعة التاريخ البشري.

                                       

(7)

نقد الماركسية /

إن المتتبع لكتابة الخاتم في “آن اوان التغيير”، يلاحظ أن نقده للنظرية الماركسية أو لأسسها جاء مضمناً في ثنايا تناوله المفصل لتجربة الحزب الشيوعي السوداني، والذي كان هو نفسه في مركز قيادته يوماً. لا اقول أن نقده جاء عفوياً، ولكنه لم يكن، احياناً، مركَّزاً وواضح المعالم، بل وانه في بعضٍ منها جاء معمماً، بالنسبة للقارئ العادي، أي دون تشريح، وذلك مثل الإشارة الي “شمولية الموقف الفلسفي” الماركسي(اوان التغيير، ص 34  )، او مثل “وإن المطَّلِع علي اعمال ماركس لن يجد في ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الانساني سوى اسباب واهية”.( اوان التغيير، ص 43)

إذا سألنا عن ماهية الاسباب الواهية، فاننا لا نجد اجابات نظرية شافية ومقعدة في صلب “آن اوان التغيير”، لتبين وهن تلك الاسباب. حتى ان الخاتم حين اشار إلي تعلق ماركس الرومانسي بالبروليتاريا في عشرينيات عمره،لم يذكر حقيقة ان ماركس كان أن تحدث عن المجتمع الشيوعي وهو في سن الخامسة والعشرين، و لم يكن يمتلك، حينذاك، أي تصورٍ علمي، وذلك علي خلاف الطريقة التي عالج بها “جونثان وولف” نفس النقطة، والذي قال فيها محللاً، “وفي الحقيقة، أن ماركس تنبأ بالوصول إلي المرحلة الشيوعية في وقتٍ مبكر من حياته، في حوالي سنة 1843م ، ماركس مولود في 1818م (الكاتب)، قبل سنوات من تطويره الخطوط الاساسية لنظريته في التاريخ، المادية التاريخية (الكاتب)، وفي كلماتٍ أخرى إن تنبوءه ذلك لم يكن مستخلصاً من النظرية، وإنما صُممت النظرية لتدعم ذلك التنبوء الذي قام به ماركس”.(جونثان وولف، “لماذا نقرأ ماركس اليوم” ص 110  )

علي أية حال برغم مما ذكرنا اعلاه عن كتابة الخاتم، فإننا نجد في بعض الاحيان أنه قد لمس جوهر النظرية الماركسية في بعض جوانبها ناقداً.

إصطف الخاتم إلي جانب المفكرين الذين شككوا في مستقبل النظرية الماركسية، وخاصة جانبها التاريخي، والذي يعتمد بشكلٍ اساس علي مقولة “ان البروليتاريا هي التي سترث حركة التاريخ”، وذلك بتوجيهها لها في وجهة بناء المجتمع الشيوعي!، بحسب أن البروليتاريا هي المنتج الرئيس للثروة والخيرات. طعن الخاتم كغيره من المنظرين المهتمين في امكانية إستمرار الطبقة العاملة كما تصورها ماركس، نوعاً وكماً في المستقبل، بل شكك في مقدرتها الحفاظ علي دورها في عملية الانتاج، أي إنتاج الثروة والخيرات للمجتمع، حيث قال، ” وأصبحت المعرفة والمعلومة والفكرة، والتصميمات الذهنية، هي ادوات الإنتاج الاساسية. وهذه تمتلكها الطبقات الجديدة، والفئات الجديدة، التي ولدتها الثورة العلمية التكنولوجية. وقد اصبحت هذه الفئات والطبقات هي المنتجة الاساسية للثروة، واصبحت هي الوحيدة القادرة علي قيادة المجتمع. لقد تضاءل دور البروليتاريا….” (اوان التغيير، ص38)

رغم أن هناك اسئلة مشروعة حول الطبقات الجديدة إلا أن مستقبل العملية الإنتاجية يحبل بكثيرٍ من الإحتمالات والتحولات العميقة، والتي ستعيد تعريف الطبقات ودورها، قطعاً سيكون المنطلق الاقتصادي هو احد المشتركات الحاسمة في التعريف وسيكون له دوره في تشكل الصراع، ولكنه لن يكون الوحيد والاساس كما ذهبتْ وتذهب الماركسية في تفسيرها الآحادي المشتط، كما أمّن “جونثان وولف” في هذا المقتطف الحُجة، ” وفي النهاية قد يتوجب علينا مناقشة ما قد يمثل الإشكال الاعمق في كل ذلك. إن حجة ماركس العظمى، تقوم علي نظرية ان كل المجتمعات السابقة إنقسمت علي اساس طبقي، وتفسير ذلك الإنقسام الطبقي يكمن فيما هو إقتصادي. من هذا المنطلق يبدو اننا لو استطعنا  خلق ظروفٍ لا حاجة فيها للتطاحن حول ما هو إقتصادي، لن يكون هناك، حينئذ، من داعٍ لوجود طبقات،  بالتالي ستكون لدينا الارضية لاجل خلق مجتمعٍ  لا طبقي.

إلا أن الدعوة القائمة، هي ان الاساس الذي نشكل فيه انفسنا للقيام بادوار جماعية هو أساس إقتصادي. و لكن هل هذا الامر صحيح؟، واضحٌ اننا في العالم الواقعي نرى مجموعات تصارع بعضها بعضاً من منطلقاتٍ شتى، العرق، الدين، القومية، والنوع، وهذه كلها تخلق إنقسامات وصراعات. إن الإجابة الماركسية لهكذا حالة، هي أن كل تلك الصراعات في جذرها، لها اساسٌ إقتصادي. هكذا في النهاية، يبدو أن الامر، أي الموقف الماركسي (الكاتب)، لا يعدو أن يكون مجرد جمود”(جونثان وولف، لماذا نقرأ ماركس اليوم، ص 121 و 122)

في إعتقادي المتواضع، انه لابد من تحرير الماركسية من يقينياتها الاساسية، التي فقدت جزءاً كبيراً من قوة إقناعها، وذلك لفقدانها تماسكها، وموضوعيتها كحقائق، ومن اهم تلك الحقائق ” مفهوم القيمة” وتعريفه الماركسي، والذي توصل اليه ماركس من خلال نظريته المعروفة بنظرية العمل. إن اهمية مفهوم القيمة تأتي من حقيقة أنه من الدعائم الاساسية التي تقوم عليها النظرية الماركسية باكملها، ولانه من خلال ذلك المفهوم تمّ التوصل الي مفهوم “القيمة الزائدة” او ” فائض القيمة”، وبالتالي التوصل إلي صياغة حصيفة وجاذبة للإستغلال، ليست علي مستوى مفهومي فحسب، و إنما علي اساسٍ رياضيٍ او حسابيٍ، وذلك لتثبيت حقيقة  نسبيته وإطلاقيته. ساعدت المعالجة تلك، كغيرها من معالجاتٍ مماثلة لمفاهيم أُخرى، في إضفاء العلمية علي النظرية الماركسية. ولكن برغمه، اصبح التصدع واضحاً علي جدار مفهوم القيمة الماركسي، لان جزءاً غير يسير من السلع المنتجة اصبح يُنتج بدون المرور من بين يدي العامل وبدون الإرتواء من عرقه، او الخضوع لجهده المباشر وعضلات جسده “المنهك”!. اصبح العمل المجسد، هو السمة السائدة في الانتاج. وهو المنقول معرفياً وتكنولوجياً عبر الزمن، ذلك العمل الذي قام به أناسٌ أو عمالٌ تمّ حساب “وقت العمل الضروري إجتماعياً”، حسب  ماركس، لقِيَمِهمْ المنتجة وفق شروط لا علاقة لها بشروط اليوم!، بالرغم من حقيقة ان عملهم يتجسد “حياً” في قيمة سلع نستهلكها اللحظة، وذلك مما يُدْخِل مفهوم “القيمة الزائدة” في “وعثة” وعثاء!.

 فإذا كان نقد ماركس الحصيف للاقتصاد السياسي للراسمال قد مكنه تاريخياً من “إخراج” عملاق التاريخ، فائض القيمة، من “ثقب إبرة”، فإنه علي العكس منه تماماً اليوم، حيث لن تستطيع حصافته تلك، إسعافه في عصرنا هذا، من تمرير نفس العملاق خلال اكثر ابواب التاريخ إتساعاً، أي الانتاج بمعايير تكنولوجية اليوم . إن حساب القيمة الزائدة او فائض القيمة، يصبح عصيّاً بمنهج ماركس اليوم.

 بل، ومن جانب آخر يعتقد بعض الماركسيين، ومنهم منْ هو اكثر غلواً، مثل “مايكل ليبويز”، ان ماركس كان آحادي الجانب في تعريفه لقيمة قوة العمل. جاء ذلك في كتابه الموسوم، “ما بعد راس المال”، والذي حاز بواسطته علي جائزة “آيزاك و تمارا دتشير “التذكارية لسنة 2004م، حيث قال: “وبعد، كما لاحظ  “بوب روثورن” أن هذا التعريف، أي تعريف قيمة قوة العمل (الكاتب)، حقيقةً لا يختلف عن التعريف الذي قدمه الإقتصاديون الكلاسيكيون، من امثال “ريكاردو”. إنه نظر  للعامل كحيوان يعمل، كماكينة. لقد قيل ببساطة أن قيمة قوة العمل يجب ان تكون كافية للحفاظ علي تلك الماكينة لإستعاضة تآكلها، وإستهلاكها، وكذلك للتمكين من إحلال بديلها (المناسب)”. (مايكل ليبويز، ” ما بعد رأس المال”ص 103)

هناك سؤالٌ لابد لنا من الإجابة عنه، وهو هل ثبوت عدم جدوى التعريف الماركسي للطبقات، أو حتى زوال طبقات كان يتغنى بها ماركس، بشكلها الكلاسيكي، هل يعني حقيقةً أن الشُقة بين منْ يملك ومنْ لا يملك اصبحتْ اضيق؟!، وأن العالم قد أصبح يسير نحو عدلٍ محتوم؟!.

 

(8)

هناك سؤالٌ لابد لنا من الإجابة عنه، و هو هل ثبوت عدم جدوى التعريف الماركسي للطبقات، أو حتى زوال طبقات كان يتغنى بها ماركس، بشكلها الكلاسيكي، هل يعني ذلك حقيقةً أن الشُقة بين منْ يملك ومنْ لا يملك اصبحتْ اضيق؟!، وأن العالم قد أصبح يسير نحو عدلٍ محتوم؟!.

للإجابة عن هذا السؤال، وبشكل موضوعي، لابد من العرض لبعض الإحصائيات التي تسند تلك الإجابة.

اورد المكتب الفدرالي للاحصاء في الولايات المتحدة الامريكية ان جملة عدد منْ هم تحت خط الفقر لعام 2005م بلغت 38,231,521 شخص، وأن عدد الاطفال من بين هؤلاء وصل الي   13,008,489 أي ان اكثر من ثلاثة عشر مليون طفل يعيشون تحت حد الفقر في اغنى دول العالم !، كما وانه حين يُصنَّف منْ هم تحت حد الفقر علي اساس النوع يكون عدد النساء 21,661,017، وعدد الذكور 16,570,504 ، اي ان عدد النساء يفوق عدد الرجال  تحت خط الفقر!. والمؤشرات الحالية تنبئ بان الوضع لن يكون باحسن منه لهذا العام 2006م. هذا علي مستوى الولايات المتحدة الامريكية، ولكن لنرى الامر علي مستواً آخر، ” في عام 2003م، انتجت المؤسسات الـ 500 الاكبر في العالم 40% من إجمالي الإنتاج المحلي في العالم، بينما كانت توظف وهي مجتمعة  1،1% ( واحد وواحد من عشرة في المائة ) من مجموع القوى القادرة علي العمل في العالم”. ( وديع الحلبي ، عشرة اشكاليات للراسمالية اليوم، مقال في مجلة شئون سياسية، ص27، دورية ماركسية بالانجليزية، عدد سبتمبر/اكتوبر 2005م، الولايات المتحدة الامريكية).

وهذا يعني، بالطبع، أن 98،9% من القوى  القادرة علي العمل في العالم لا تنتج غير 60% من إجمالي الانتاج المحلي في العالم!. ولكن لابد من ملاحظة أن ليست كل القوى القادرة علي العمل موظفة ومستوعبة في العملية الإنتاجية، هناك نسبة كبيرة من القوى القادرة علي العمل تعاقر البطالة، إذ أن الإحصائيات توضح أن عدد العاطلين عن العمل قفز من 500 مليون في منتصف الثمانينات إلي 840 مليون في عام 1994، بل و وصل إلي بليون عاطل عن العمل في عام 1996م. (وديع الحلبي ، عشرة اشكاليات للراسمالية اليوم، مقال في مجلة شئون سياسية، ص 27، دورية ماركسية بالانجليزية، عدد سبتمبر/اكتوبر 2005م، الولايات المتحدة الامريكية،).

وأما اليوم، فيمكننا أن نُسلم يقيناً، بان هناك جيوش جرارة من العاطلين عن العمل علي وجه المعمورة!.

إنها إحصائيات تجعلنا نجيب علي سؤالنا الذي طرحناه في إستهلال هذه الفقرة بالنفي، اي أن ثبوت عدم جدوى التعريف الماركسي للطبقات، أو حتى زوال الطبقات التي كان يتغنى بها ماركس، بشكلها الكلاسيكي، لا يعني أن الشُقة بين منْ يملك ومنْ لا يملك قد اصبحتْ اضيق!، ولا العالم قد أصبح يسير نحو عدلٍ محتوم!.

 كما وانها في نفس الوقت إحصائياتٌ تفتح الباب علي مصراعيه، وليس موارباً، للحديث عن أناسٍ لا علاقة لهم بالانتاج، اي خارج العملية الانتاجية، وذلك بابٌ لا سبيل فيه للحديث عن قوى عاملة، يمكنها أن تنتظم أو تُنَظَم في نقابات وتنظيمات عمل، لتضع ضغوطاً علي الراسمال. وبمنطق الاشياء فإن ذلك يلوِّح بالسؤال المشروع عن “الطبقة العاملة” و”حزبها” الذي يجبل منها كما جبل آدم من الصلصال، وكذلك السؤال عن إمكانيتهما، اي “الحزب” و”طبقته”، في التأثير علي العملية الانتاجية، وتعطيلها عن طريق الاسلحة الطبقية المعهودة من إعتصام وإضرابٍ، وغيرها!. هذا فيما يتعلق بالجانب الكلاسيكي من الماركسية من ناحيةٍ، أما من الناحية الثانية، فحين نربط هذا الوضع بإنهيار النظم الاشتراكية وزوالها، تكون قد إنهارت تماماً، امام اعين المنظرين، كل المنظرين، وبدون إستثناء مقولة “تعميق أزمة الرأسمالية العامة”، وتكون قد قعدت قعوداً لا حراك بعده. وهذه مقولة اصيلة من بنات الفكر الماركسي اللينيني، المدللات، كان مفادها ان ” ازمة الراسمالية العامة” تتعمق، وتتحقق بفضل تناقضاتها الداخلية كنظام، وبفضل دينامية وإتساع النظام الاشتراكي وطبقته العاملة، وبتوسع وتضامن قوى التحرر الوطني.

إن الإشارة اعلاه لم يكن القصد منها غير النظر إلي ما طرأ وجدّ، وبالتالي تأكيد تأثيره علي مجمل مرتكزات الفكر الماركسي. وهي إشارة بالإضافة إلي ما ذكرناه من قبل، تصب في وجهة تأكيد حقيقة بروز طبقات وفئات جديدة إكتسبت مقدرات غير مسبوقة بفضل الثورة التكنولوجية، وإلا كيف نفسر ان 1،1 % من القوى القادرة علي العمل يمكنها إنتاج 40% من إجمالي الإنتاج المحلي في العالم!. ولقد كان الخاتم محقاً حين لخص ذلك في قوله، “وهذه ظاهرة جديدة لم يعرفها ماركس ولم ينظر لها”.( اوان التغيير، ص 38)

بناءاً علي كل ما أوردناه من عرض،  تجدني اميل في إجابتي عن السؤالين اللذين ابتدرت بهما هذه الورقة، إلي القول بان مساهمة الخاتم هذه قد تخطت تناول تجربة الحزب الشيوعي، والتي عالجها معالجة العارف، إلي نقد النظرية  الماركسية ، إلا أن نقده  لها، اي للماركسية، لم يكن كافياً. وقد يكون ذلك متعلقٌ بطبيعة المساهمة التي تقدم بها، وقصد بتوجيهها الي اكبر قطاع من القراء، إن كان اولئك القراء داخل الحزب او خارجه.

                                             

(9)

ماقبــــــــل الختـــــــــــام/

 

قبل أن آت إلي خاتمة هذه الورقة، هناك سؤالٌ كان دائماً يُلِحُّ علي ذهني، وهو، هل كان الخاتم بالفعل ينوي الخروج  على الحزب عندما تقدم، ولاول مرة، بمساهمته تلك؟

حين يطلع المرء علي “آن اوان التغيير”، لابد له من ان يلمس جرأة الطرح المضمّن فيها. وكذلك المحاولة الجادة في الإتيان إلي الحقيقة من منافذ عدة. لقد كانت محاولة للكتابة صادقة من شخصٍ لم يتنازل عن موضوعيته تحت إغراء الحجة التي بدت له، وإمتلك ناصيتها، بل وانها من شخصٍ  إمتنع عن الإنحدار إلي أي إنكارٍ غير لائق لحقائق درج علي التغاضي عنها نفرٌ غير قليل، في تاريخ هذا الحزب، هذا إن لم يكن قد جهدوا في تشويهها، وعمدوا للإفتراء عليها!،  فلقد كان الخاتم مُنصفاً ومُحقاً حين قال :

“وما اشرنا اليه في هذه الاسطر السابقة، وبهذه الصورة الخاطفة، ليس إلا قليلاً بالنسة إلي حزبٍ يحمل مواصفات الحزب الشيوعي. ولم نورده نحن إلا بقصد إثبات ما نعتبره الحقيق في حق حزبٍ إمتنع علي الدوام عن الإنخراط في مديح الذات. وقد شئنا أن نثبت أيضاً أن التضحيات الجسيمة لم تكن عبثاً، وأن الجهود العظيمة التي بذلتها أجيال الحزب لم تكن عملاً لا طائل من ورائه، وأن الدماء الذكية التي جاد بها قادته ومناضلوه لم تضع هدراً”.( اوان التغيير، ص24 )

 هكذا تكلم الخاتم عن الحزب الذي ترعرع فيه.

 لم يتنكر الخاتم للتقدم، رغم ان حقائقاً ليست قليلة كان يؤمن بها ذات يومٍ، قد فقدتْ، بالنسبة له، ثباتها وبريقها!.

تجدني اجيب عن السؤال الوارد اعلاه بالنفي أيضاً. لا اعتقد ان الخاتم حين قدم مساهمته كانت لديه نيتة مبيَّتة علي الخروج رغم إدراكه لجرأة ما كتب. لم يُعرف عنه طيلة حياته الحزبية ما يشير الي نزوعه للمساومة، او الوقوف الي جانب أنصاف الحلول. كان مصادماً عن وعي، ويستند إلي معرفةٍ وثقافةٍ حقيقيتين اهلاه، منذ وقت مبكر، لمواقع قيادية في الحزب الشيوعي السوداني ومنذ ان كان طالباً. أرى أنه كان يعتقد أنه من الممكن ان يقود تغييراً من داخل الحزب، وذلك بناءاً علي قناعته التي افصح عنها حين قال، “وعندما ينظر المرء الآن ويجيل النظر داخل الحزب الشيوعي السوداني، فإنه يرى مظاهر الشيخوخة قد دبت في كل شئ، وتخللتْ جميع الخلايا. ولكنه يرى مع ذلك إمكانيات هائلة للنهوض بالإستناد إلي جديد ينبتْ بين الانقاض، وحياة تتمخض من كوم الرماد.”(أوان التغيير ص 11) 

إن الإعتقاد في إمكانية التغيير قد يكون ان عزًّزه الظرف العام المتمثل في فقدان النظام الإشتراكي العالمي لمشروعيته، وعجز الماركسية لحدٍ ما عن ان تكون في مستوى التحديات المطروحة، لا سيما علي مستوى الحراك الفكري والنظري لإستيعاب المتغيرات الكونية، هذا من جانب، اما من جانبٍ آخرٍ، فقد يكون أن عزَّزه الظرف الخاص بالحزب الشيوعي السوداني، الذي كان وقتها يشهد ضموراً في حركته تحت قمع نظام الجبهة الإسلامية الفاشي، وضمور منتوجه الفكري، وتلك معاناة لازمتْ الحزب لعقود طويلة.

يدور كثيرٌ من لغط الكلام، إن كان عن إدراكٍ أو غير إدراك، حول أن الخاتم دعا إلي حل الحزب الشيوعي، غير اني اعتقد ان ذلك منـزوعٌ عن سياقه، مما جعل تلك “الدعوة” قائمة بذاتها كأنما هي المبتدأ والمنتهى!. ولكن لننظر كيف كان مجمل السياق، ” 13 – ما ندعو إليه هو إنعقاد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي في فترة لا تزيد عن عام من نشر هذه الورقة. ونعتقد أن كل الصعوبات يمكن تجاوزها. تُقدم لهذا المؤتمر كل التصورات المطروحة، بما فيها هذا التصور الذي أفضنا في الحديث عنه. وفي حالة تبني هذا التصور، يحل الحزب الشيوعي السوداني”.( أوان التغيير، ص 108 )

يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك “الدعوة”، جاءت مشروطة بـ “وفي حالة تبني هذا التصور”، وهذا في اعتقادي موقف ديمقراطي وعادل غض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معه.

 

أعتقد انه كان في ظن الراحل الخاتم بأن هناك إمكانية لطرحه هذا، بل وبان هناك بصيص من الامل لتبنيه!. نعم، إن تاريخ الصراع الفكري في الحزب الشيوعي تمتع بسيادة بعض من المناخ الديمقراطي في معارك فكرية عديدة، ولكن ليس للحد الذي يُسمح فيه بالبقاء داخله لمن يحمل مثل هذا الطرح!. وذلك بالقطع امرٌ لا علاقة له بالفكر الماركسي بقدر ما انه يتعلق بالثقافة الموسسية للحزب الشيوعي السوداني، تلك الثقافة التي تمَّ تخليقها وتراكمها وتطورها عبر عقودٍ طويلة من السنوات، وحيث تجاور في بنيتها الفكر الماركسي والسلوك التنظيمي البيروقراطي الي جانب الروح العشائري ومخلفاته من شللية وميولٍ متخلفة. وفي هذا الجانب بالتحديد هل يختلف الحزب الشيوعي السوداني عن بقية الاحزاب السودانية الوطنية الاخرى في ظاهرة دخول أصدقاء بل واسر وعوائل بكاملها اليه ونيل عضويته، ؟!، ومن ثم انعكاس ذلك على مجريات اي صراعٍ داخله؟!.    

واعود لاقول بإن الطريقة التي أُدير بها الصراع في الخارج عند خروج الخاتم من السودان، بعد كتابته لتلك المساهمة الفكرية، كان لها دور بارز في تشكيل الصراع ودفعه إلي نهاياته المعروفة، التي إنتهى اليها. ولا اعتقد ان الخاتم لو كان بيننا اليوم لانكر مساهمته في تعميق ذلك الصراع، والذي طالما خرج عن مألوفه في بعض الاحيان.

عُومل طرح الخاتم في ذلك الظرف تحديداً بمقاييس عاطفية وأخلاقية، لا أعفي نفسي منها ولا أتبرأ كذلك، رغم قناعتي بموضوعية قدرٍ كبير من طرحه. جاء طرح الخاتم ومناداته بالتغيير في وقتٍ عصيبٍ كان يمر به السودان وحزبنا علي وجه الخصوص. عددٌ كبير من أعضاء الحزب الشيوعي السوداني كانوا رهن الإعتقال وتحت التعذيب اليومي، بل والإغتيال والتصفية بواسطة أجهزة أمن الجبهة الإسلامية. فذلك بالقطع ظرفٌ يجعل اي دعوة، إن كانت للإصلاح أو للتغيير، ومهما كانت وجاهتها، يجعلها عُرضة للطعن الأخلاقي، ولا يهمنّ  علي اي “تاريخٍ ناصعٍ”  إتكأتْ!.

لا شك عندي، أنه سلوكٌ يجد جذره في ذلك الجزء المتخلف من إرثنا الثوري المعبر عنه في “أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”!، أو علي أقل تقدير من حس الإستهانة والإستنكار غير المبرر، والمستمد من ذلك الجزء من ثقافتنا السودانية المعبر عنه في “انتو في شنو و الناس في شنو”!، في حين أننا نعلم أن كل الاشياء تعمل في ترابطٍ جدلي!، ولكن علي اية حال لسنا علي إستعداد لقبول ذلك!.

إن معظم ما قال به الخاتم، حينذاك، اصبح مقبولاً اليوم، دون أن تُمتشق لاجله الحسام، أو تُشَّرع له السنان، أو يُسمع لقعقعة الحدائب صليلٌ، في سبيله. لا اعتقد أن هنالك من عاقل في الحزب الذي خرج عليه الخاتم سيختلف مع أو يمانع في قبول، ” إن الأساس الفلسفي لتوجيهات الحزب الديمقراطية  هو إيمانه بأن مسائل الحكم، وتحديد طبيعة النظم الإجتماعية، وصياغة قواعد الإجتماع البشري، هي مسائل إنسانية دنيوية، المرجع فيها هو الشعب، والصراع حولها يعبر عن مصالح إجتماعية تخص الجماعات والطبقات والفئات المكوِّنة لهذا المجتمع. ولا يحق لطرف من اطراف هذا الصراع ان يدعي أنه معبر عن إرادة السماء أو ممثل للإرادة الإلهية المتعالية. كما لا يحق له ان يصف الآخرين بانهم خارجون عن طاعة الله او ممثلون لحزب الشيطان. ومن هذه الزاوية فإنه يتبنى موقفاً علمانياً مستقيماً، والعلمانية لا تعني بالطبع، كما يعرف كل شخص مستنير، غير متحامل علي الحقيقة الموضوعية، وغير منخرط في وأدها، معاداة الدين أو إستبعاده من الحياة،  إنها علي العكس من ذلك تعني ضمان الحرية الدينيةإعتقاداً وممارسةً. وضمان حرية الضمير وتؤمن بالمساواة بين الاديان، وتناهض الاضطهاد الديني بكل اشكاله. إن الحزب العلماني يرفض تحويل الصراع الإنساني إلي صراعٍ ديني، ويسعى إلي إيجاد حل ديمقراطي لكل الصراعات وهو ما لا يتوفر لغير العلمانيين”.(أوان التغيير، ص 99 )

لا أعتقد أن هناك من علماني او حتى اي شخص عاقل ابداً سيقيم قطيعةً، اي قطيعة، مع هذه الرصانة والنجابة الفكرية.

 

(10)

مر اكثر من عقد من الزمان على كتابة هذه المساهمة النقدية في شأن الاطروحات الفكرية للمفكر الراحل الخاتم عدلان. وقد قصدت بنشرها إشارتين، الاولى هي القاء بعض الضوء على وثيقة “آن اوان التغيير” بحسب انه قد يكون هناك عدد كبير من القراء لم يحظوا بالاطلاع عليها وليس لهم المام بالآرء والافكار الاساسية التي تضمنتها، خاصة وانه قد مر عليها ربع قرن من الزمان. واما الاشارة الثانية فهي محاولة التصدي لثقافة “الإكلشيهات” و”الديباجات” السائدة في التعاطي مع الاختلافات الفكرية، ومن ثم السياسية التي درج الناس على تبنيها عوضاً عن التناول النقدي الموضوعي الذي يضع للافكار مكانتها ومساهمتها في تغيير الواقع. وذلك امرٌ، او بالاحرى تلك عقليةٌ سادت طويلاً في مجرى الصراعات الفكرية التي شهدها الحزب الشيوعي السوداني عبر تاريخه. وكما ابنت في مدخل هذه السلسلة من الحلقات بان تجارب الصراع الفكري مختلفة ومتباينة، وحتى من زاوية التفكير العلمي لا يمكن لها ان تكون متطابقة. ولكن، وكما وضح بان المسالة في حد ذاتها ليست، لمنْ يقوم بها، سوى محاولة لسلك اقصر الطرق في سبيل التصدي للافكار، بدلاً عن إتباع طرق النقد الموضوعي التي تحتاج للمجهود والوقت والتقصي.

هناك حقيقة عصرية لابد من استيعابها، وهي إتساع نطاق القراءة النقدية ومن ثم إرتقاء وتطور العقل النقدي المتنامي والمستمر، والذي اسهمت فيه عوامل عدة اقلها بذل المعارف بفضل الثورة العلمية والمعرفية التي اصبحت سمة عصرنا الذي نعيشه الآن. ونحن في الحزب الشيوعي معنيين اكثر من غيرنا باستيعاب هذه الحقيقة، لاننا نحترم العقل ونضعه في مكانته الرفيعة، وكما ينبغي.

قد يذكر الناس كيف ان قيادة الحزب الشيوعي السوداني، ممثلة في لجنته المركزية، قادت ما عُرِف في ادب الحزب بـ”المناقشة العامة حول متغيرات العصر”، وذلك في بداية التسعينات من القرن الفائت، والتي تداعت اليها مساهمات نظرية وفكرية عديدة كانت من ضمنها مساهمة “آن اوان التغيير”. ولسوف يذكر الناس طويلاً أيضاً تلك المقدمة الشهيرة التي كانت تصدر كل مساهمة، ، والتي كانت إفتتاحيتها تقول “بإصدار هذا العدد تكون اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وبقرار منها وفقاً للائحة الحزب، قد واصلت فتح المناقشة العامة حول قضايا العصر”.

وهي إفتتاحية، اقل ما يمكن ان يقُال في شأنها، أنها لم تكن سوى تعبيرٍ عن رد فعلٍ تلقائي لما كان ينتظم المعسكر الاشتراكي وقتها ودوله من إنهيارٍ متتابع وداوٍ. إنهيارٌ، إهتزت على إثره جملة من المسلمات النظرية والعملية، من بينها وليس أراسها، تلك الممارسة لمبدأ ومفهوم المركزية الديمقراطية. وهي الممارسة التي تُمت إليها بالصلة الوثقى الإفتتاحية، المُشار إليها، والتي جاءت كتلويحة اليد غير الارادية من امام الوجه لإتقاء ضوءٍ  فجائيٍ وكاشف!. وذلك الضوء هو، بالضبط، ما مثلته مجموعة المساهمات النظرية، والتي من بينها مساهمة “آن اوان التغيير”، التي لاحتْ وأبرقتْ في سماء “قضايا ومتغيرات العصر”، وذلك لاجل سبر غور تلك “القضايا” و”المتغيرات” المزلزلة، ومن ثمَّ تقصي فحواها.

وهنا يبرز سؤالٌ، وهو ما هي اسباب إختياري الكتابة عن مساهمة الخاتم دون غيرها من المساهمات، إلى جانب حقيقة انها كانت مثيرة للجدل؟!

وفي الإجابة عن هذا السؤال اقول ما قلت به من قبل/

” إن علاقتي قد لا تؤهلني للكتابة، وبتوسع، عن المفكر الراحل الخاتم عدلان على المستوى الشخصي، وكنتُ اتمنى لو انها كانتْ، إلا ان متابعتي لكل ما كان يكتب، وخاصة في فترة الديمقراطية الثالثة التي بدات في عام 1985 وما بعدها من سنوات تصرمت تحت ديكتاتورية الحركة الاسلامية الفاشية، هي التي ساهمت في دفعي للكتابة النقدية النظرية حول “آن أوان التغيير”.

حادثني الراحل الخاتم، بعد معاركه الفكرية والتنظيمية، أثناء تواجده في مدينة القاهرة والتي قدم إليها بعد خروجه من حالة الإختفاء داخل السودان، وكان ذلك في عام 1994. سألني إن كنت قد إطلعت على مساهمته “آن اوان التغيير”، وما رأيّ فيها؟. ذكرت له انني إطلعت عليها، وانني اتفق مع جزء كبير مما جاء فيها، ولكني أختلف مع بعض النتائج والمعالجات. وأن كل شيئ من الممكن عمله من داخل هذا الحزب. ما زلت اذكر قطعه وتأكيده، بأنه لا يمكن فعل اي شيئ من داخل هذا الحزب!، ثم اردف ذلك بقولٍ، استوقفني طويلاً فيما بعد، إذ قال لي ” يا صديق نحنا دايرين حزب يشبه “أم دكت” و”العزازي” و”العقدة”!. والمناطق الثلاثة التي ذكرها تنتمي لمنطقة غرب الجزيرة. “ام دكت” هي القرية التي عاش وتعرع فيها الخاتم، و”العقدة” هي القرية التي عشتُ وترعرعتُ فيها، أما “العزازي” فهي المدينة التي يوجد فيها أعرق واقدم سوق في منطقة غرب الجزيرة، حيث لم يكن يوجد سوق آخر يماثله إلا في مدينة المناقل في الجنوب الشرقي، او في مدينة القطينة على النيل الابيض غرباً!، والأثنان يبعدان كثيراً.

فسوق “العزازي” ظلّ سوقاً لكل منطقة غرب الجزيرة لاكثر من قرن من الزمان، أي قبل وجود مشروع امتداد المناقل الزراعي المعروف.

كثيرٌ من الناس يعتبرون الراحل الخاتم عدلان مثقفاً مهموماً بقضايا الثقافة بشكلٍ اساسٍ، وغالبٍ على ما عداه، ولكن قد تكون الحقيقة غير ذلك، بالرغم من إنطواء ذلك المنحى على قدرٍ من الصحة.

ففي واقع الامر كان الخاتم مهموماً أكثر منه بالكادحين وبمجابهة رزايا الفقر. وإنحداره من ذلك الوسط الفلاحي في غرب الجزيرة يكشف ذلك الإهتمام، فلذلك احسب انه كان صادقاً حينما أفصح عن حُلمه بـ”حزبٍ” يشبه في ملامحه تلك القرى التي اتى منها. وذلك، بالقطع حُلمٌ مشروع وواقعي ومعقول.

لقد عُرف عن الخاتم قولٌ آسر، وهو أنه كلما قَدِم إلى أهله في تلك المنطقة وجُنَّ الليل حيث لم تكن هناك كهرباء، في ذلك الزمان، كان يقول ” انظر إلى هذا الظلام المنوِّر” !،(على حسب رواية الاستاذ عبد الوهاب همت). وفي ذلك المجاز بالتأكيد إفصاحٌ عن حبٍ وتعلقٍ صادقينِ.

لم يتفق الخاتم مع رأيي بان الحزب الشيوعي السوداني ما زال يحتمل وجود تلك الامكانية بداخله، اي إمكانية التغيير. ما اريدُ قوله هنا، هو انه تعامل مع هذا الموقف المختلف بنبلٍ كبير، ولم يتخذ اي موقف عدائي. وفي إعتقادي ان ذلك جانب مهم في التقييم الموضوعي لدوافع كتابة اي كاتب. وذلك، بالقطع، هو ما يفسر ايضاً خلو “آن اوان التغيير” من اي روحٍ عدائية او دوافع مشبوهة. فلقد تحلّتْ بموضوعية واضحة وملموسة.

تخطتْ كتابة “آن اوان التغيير” العقدين من السنوات الآن. ثبتت صحة بعض ما ورد فيها ولحدٍ كبير، كما وانه من الجانب الآخر قد تخطت الوقائع قدراً معتبراًً مما تضمنتْ. وذلك بالطبع لا يقدح في اصالتها، لأن التجاوز قانون معرفيّ سالك أقره ويقره الجميع، كتّابٌ ومفكرون وفلاسفة، وغيرهم. ففي مقدمته الموسومة اللضلاض لكتاب “كارل ماركس” المعنون بـ “النضال الطبقي في فرنسا”، كتب “فردريك أنجلز” قائلاً:

“ولكن التاريخ بيَّنَ أننا نحن ايضاً لم نكن على حق وأن وجهة النظر التي كنا نتمسك بها كانت وهماً من الأوهام. بل أن التاريخ سار إلى أبعد، فهو لم يبدل ضلالنا آنذاك وحسب، بل غيَّر أيضاً تمام الشروط والظروف التي ينبغي للبروليتاريا خوض النضال في ظلها”.

 كتب “فدريك أنجلز” مقدمته هذه في 6 مارس 1893م !. فكل الذي ارجو أن يطلع القارئ العادي والناقد المهني على مساهمة “آن أوان التغيير” في ضوء هذه الحقيقة التي قال بها “أنجلز” منذ مائة وثلاثة وعشرين سنة مضين، وحسب.

وفي الختام، وفي شأن نقدي لها، اود القول بانني قد اكون ما استطعت عرض ومناقشة كثير من الافكار التي وردت في “آن اوان التغيير”، وقد تكون امهات أفكارها، إلا انني بذلتُ قدر إستطاعتي المتواضعة، وذلك وفاءاً وتقديراً لرفيقٍ أعطى بسخاءٍ جل جهده وفكره وحياته لحزبه الذي كان، ولوطنه دون منٍّ أو ندم.                  

                                ـــــ  إنتهى ــــــ.

 

 

 

 

ــــــــــــ.

إشارة مرجعية/

(*) أوردها “جونثان وولف” في “لماذا نقرأ ماركس اليوم” ص 2 ، الطبعة الإنجليزية، مطبعة جامعة اكسفورد، طبعة نيويورك.