موازنة العام المالي 2015م بين الزفة والبهجة



د. التجاني الطيب إبراهيم (*)

 يشهد السودان في السنوات العشرة الأخيرة،علي وجه الخصوص، تحولات إقتصادية وإجتماعية ترجع جذورها إلي الشعور المتنامي بالإحباط تجاه البيئة الإقتصادية التي لا توفر فرص العمل والعيش الكريم، وتبدو فيها الصلات الشخصية والعقائدية أهم من الكفاءة في التوظيف. وفي ظل إستمرار تدهور البئية الدولية والإقليمية والمحلية، لا تزال آفاق الإقتصاد السوداني في الفترة القادمة محفوفة بالتحديات ومعرضة لمخاطر التطورات السالبة. في هذا السياق، تأتي موازنة العام المالي 2015م بين زفة مولد المصطفي عليه السلام وبهجة إحتفالات رأس السنة الفريدة في كمها ونوعها، مخيبة للآمال والتطلعات. فهي خالية من أي تصور للبيئة الإقتصادية العالمية والإقليمية الحالية والمستقبلية، خاصة في ظل الهبوط الحاد في الأسعار العالمية للنفط الخام، وتداعيات ذلك علي السودان مالياً وإقتصادياً. بالإضافة إلى ذلك- وعلي عكس موازنة 2014م – فإن تقديراتها بنيت علي الإعتمادات وليس على الأداء الفعلي لموازنة العام 2014م، ما يؤشر إلى هشاشة تقديراتها وضعف أهدافها وسياستها المقترحة.

فمن المتوقع ، حسب “تقديرات مشروع موازنة العام المالي 2015م”، أن يقفز النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي بنسبة 75% من معدل 3,6% في عام 2014م، إلي 6,3% بنهاية عام 2015م، بسبب قوة النشاط الإنتاجي المتوقعة في قطاعي الزراعة والصناعة، حيث يقدر أن ينمو الأول بمعدل 7,3% والثاني بمعدل 9,3% مقارنة مع معدلات نمو فعلية -4,1% و 13,7% في عام 2014م، علماً بأن معدل النمو الكلي في 2014م كان أضعف من مثيله في عام 2013م. معدلات النمو المتوقعة علي مستوي الإقتصاد الكلي والقطاعي تبدو وكأنها شعار لبرنامج إنتخابي وليست تقدير لأوضاع الإقتصاد الكلي علي النحو الواقعي لإعداد موازنة سليمة قابلة للإنزال إلى أرض الواقع. فبناءً علي الإحصائيات الرسمية المتوفرة، فلقد كان متوسط النمو للقطاع الزراعي (بشقيه النباتي والحيواني) سالبا بمعدل 2% في الأعوام 2010م – 2014م، نتيجة لسياسات التمويل والتسويق المعيقة وإستمرار تدهور القطاع المروي. بالإضافة إلي ذلك، فلا موازنة عام 2014م ولا موازنة عام 2015م تضمنت – كما سنري – أي زيادات مقدرة في إعتمادات القطاع الزراعي. فيا تري كيف لهذا القطاع الهام أن ينمو وبالمعايير الحقيقية فجأة بنسبة ما يقارب 200%؟ أما القطاع الصناعي فهو ليس بأحسن حالاً من الزراعة نسبة لعدم أهميته في الصرف المركزي والولائي والعوائق الضريبية والإدارية والتمويلية التي تكبل أداءه، مما أدي إلي توقف أكثر من 40% من الصناعات في ولاية الخرطوم وحدها حسب المصادر الرسمية. فكيف لقطاع هذا حاله أن ينمو في عام واحد بالمعدل العالي المتوقع؟ في جانب الإقتصاد الكلي، إنخفض معدل الإستثمار في إجمالي الناتج المحلي من 20% في عام 2010م إلي 18% في عام 2014م، بينما إنخفض معدل الإستثمار التنموي الحكومي من 3% إلي 1,5% خلال تلك الفترة. هذا يعني أيضاً أن معدل النمو المتوقع للإقتصاد الكلي ليس له ما يسنده علي أرض الواقع، خاصة إذا إعتبرنا درجة المرونة العالية بين النمو والواردات، التي إنخفضت من 8,7 مليار دولار في عام 2013م إلى 7,7 مليار دولار في عام 2014م، مع التوقع بأن تظل علي هذا المستوي تقريباً في عام 2015م.

أما فيما يتعلق بسعر العملة الوطنية مقابل العملات العالمية الرئيسية، فقد أمن مشروع الموازنة في صفحة 26 فقط علي “إستمرار العمل علي أحكام وتنسيق السياسات المالية والنقدية والمحافظة علي إستقرار سعر الصرف وتوحيده”، عن طريق “تضييق الفجوة ما بين سعر الصرف الرسمي والموازي إلى 30% بنهاية العام 2014م” (خطاب مشروع الموازنة، صفحة7). هذا يعني مواصلة إستعمال “سعر الصرف المرن المدار” (يساوي حالياً 6,2 جنيه للدولار الأمريكي)، علماً بأن الفجوة ما بين السعر الرسمي والموازي (8,8 جنيه للدولار) قد بلغت 42% بنهاية عام 2014م. في هذا الإطار، فإن تضييق الفجوة بين السعرين يعني أن سعر الصرف الرسمي من المفترض أن يكون الآن في حدود 7 جنيهات للدولار. لكن حتي هذا السعر، لن يضعف حركة السوق الموازي ما لم تحل مشكلة عدم التوازن في الإقتصاد الكلي والمتمثلة في محدودية العرض (الإنتاج) المحلي والطلب الفائض في القطاع العام نتيجة لإستمرار إستنزاف الإنفاق الجاري كل إيرادات الدولة. أما ” عدم تضمين هذه الموازنة فرض أي ضرائب جديدة” (خطاب مشروع الموازنة، صفحة 20)، فلا يعدو كونه فرقعة إعلامية، لأن إستعمال سعر الصرف المرن، حتي ولو كان مداراً، سيزيد من حجم العبء الضريبي، خاصة وأن الفجوة بين اسعر المرن والموازي ستكون في إتساع مستمر ما لم تعالج مشكلة عدم التوازن في الإقتصاد الكلي، ما يعني أن مشوار الصعود أمام السعر المرن سيكون طويلاً لردم الفجوة بينه والسعر الموازي. بالإضافة إلي ذلك، فإن خلو الموازنة من ضرائب جديدة لا يعني بالضرورة عدم إرتفاع الأسعار. فمثلاً، الضرائب تحسب علي أساس متوسط السعرين الرسمي والموازي في كل ربع عام، ما يعني زيادة أسعار السلع والخدمات كلما إرتفع السعران أو أحدهما. أضف إلى ذلك، أن الموازنة بدأت عامها بزيادات هائلة في قيمة الواردات بالدولار دون إعتبار للأسعار العالمية أو أسعار المصنع المعتمدة. فمثلاً زادت الجمارك قيمة إطار الشاحنة صيني الصنع مقاس 1200X20 من 155 دولار إلي 216 دولار، علماً بأن سعره عالمياً هبط من 190 دولار إلى 160 دولار نتيجة لنزول أسعار المطاط والنفط الخام والحديد. بالتالي نتجت زيادة القيمة (39%) في زيادة سعر الإطار الواحد بملبغ 306 جنيه، والأدهي والأمر، أن هذه الزيادة تطبق فقط علي إطارات الشاحنات وفي أوج الموسم الشتوي ولا تشمل إطارات العربات الصغيرة!. هذا يشير إلى أن الأسعار عموماً مرشحة إلى “وثبات” عالية في مقبل الأيام، ما سيؤكد ما ظللنا نردده دوماً بأن غلاء الأسعار في السودان صناعة حكومية بإمتياز.

إستهدف مشروع الموازنة أيضاً متوسط معدل تضخم كلي في حدود 26% للعام 2015م. لكن من الواضح أن إستهداف التضخم يتم بمعزل عن السياسات والإستراتيجيات المالية والكلية المقترحة. فإذا نظرنا إلى الوراء نجد أن معدلات التضخم المستهدفة في موازنات الأعوام 2012م – 2014م كانت – حسب الترتيب – 17%، 22% و 21%، بينما وصلت المعدلات الحقيقية إلي 35%، 37% و 38%، ما يدل علي عشوائية المعدلات المستهدفة. وحتي لو نجح صناع القرار الإقتصادي في تحقيق معدل التضخم المستهدف لعام 2015م، فإن هذا قد يعتبر دليلاً علي بدء عملية التعافي وليس مؤشراً للإستقرار الإقتصادي. لكن من الواضح أن معدلات التضخم المحموم، التي شهدها ويشهدها السودان في السنوات الأخيرة، أصبحت مصدراً لنفخ الإقتصاد (النمو بالتضخم) لتضخيم الإيرادات بالقدر الذي يسمح بالإستمرار في التوسع الإنفاقي الجاري. أما النمو المتوقع للكتلة النقدية (15.3%) مقارنة مع 21% (أداء فعلي لعام 2015م)، فنظرياً قد يساعد في كبح جماح الأسعار وبناء الثقة في السياسات المالية والنقدية، لكن في ظل إستمرار السياسات المالية التوسعية وغياب الآلية (سعر الفائدة) للتحكم في الكتلة النقدية فلن تكون له فاعلية تذكر من الناحية العملية كما رأينا في سابق الأعوام.

بالإضافة إلي ما سبق ذكره، تواجه الأوضاع المالية العامة في السودان حالياً تحديات كبيرة تتمثل في إرتفاع العجز المالي الكلي للدولة ومستوي الدين العام، الأمر الذي يرجع إلى تكلفة الدعم المعمم علي أسعار الغذاء والوقود، تدني مستوي إيرادات الضرائب نتيجة التجنيب والفساد ورفع أسعار الواردات، والإجراءات المالية المضادة لإتجاهات الدورة الإقتصادية التي تم إتخاذها في يونيو 2012م وسبتمبر 2013م. كما خضعت النفقات العامة لهيمنة الإنفاق علي الأجور والدعم ما لا يترك حيزاً للإنفاق الرأسمالي أو التنموي، الذي ظل علي مستويات متدنية جداً مقارنة مع المستويات السائدة في الإقتصادات النامية. زيادة الدعم المعمم والأجور أدت بدورها إلى إعطاء دفعة مؤقتة للإستهلاك، لكنها لم تكن فعالة في تنشيط الإستثمار الخاص اللازم لتوفير أكبر قدر من فرص العمل وتحسين مستويات معيشة المواطنين. تمويل عجز الموازنة محليا كان أيضاً عائقاً إضافياً أمام التعافي الإقتصادي، كونه زاد من تكلفة الإئتمان المتاح لأنشطة القطاع الخاص، مما زاد من حدة الضغوط التضخمية. عدم تشريح وكيفية مواجهة هذه المعطيات وإستصحاب الدروس المستفادة منها، يضعف كثيراً من مصداقية فرضيات موازنة 2015م، في التعامل مع واقع الوضع المالي والإقتصادي المتردي.

ففي جانب الإيرادات، بنيت الموازنة، كالعادة، علي فرضيات رئيسية يستهدف معظمها زيادة العبء الضريبي علي حركة الإقتصاد الكلي والمواطنين. فمن المتوقع إرتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 40% لتصل إلى 39 مليار جنيه (جدول1)، ما يعادل 64% من إجمالي الإيرادات والمنح الخارجية، مع توقع إرتفاع الضرائب علي السلع والخدمات والتجارة والمعاملات الدولية بنسبة 41% و 32% حسب الترتيب لتبلغ في مجملها 36 مليار جنيه، أي ما يساوي 92 من الإيرادات الضريبية المستهدفة. هذا بدوره سيؤثر سلباً، خصوصاً علي أسعار مواد الغذاء والكساء بالنسبة للشرائح الإجمتاعية الضعيفة، التي أصبحت تمثل أكثر من نصف سكان السودان حسب الإحصائيات الرسميمة، ناهيك عن التداعيات السلبية لذلك علي تحفيز الإنتاج، وأسواق العمالة، وتشجيع الإستثمار الخاص. إن الإعتماد والإفراط في تضخيم الضرائب، خاصة الضرائب علي الواردات، يعمل علي إضعاف النشاط والحراك الإقتصادي، ويقلل من الإيرادات الضريبية، ما يعني المزيد من الضغط علي عجز الموازنة العامة. وهذا ما كان يستدعي التحوط له في الموازنة، خاصة بعد إعلان تقليص الإنفاق “خط أحمر”.

الإيرادات غير الضريبية هي الأخري يتوقع لها الإرتفاع بمعدل 27%، إنعكاساً للزيادة المقدرة في مبيعات النفط، بعد هبوطها في عام 2014م، ولإستمرار إنسياب نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية والمتوقع أن يدر علي الخزينة العامة 7,9 مليار جنيه، أي ما يعادل 13% من إجمالي الإيرادات والمنح المستهدف، في شكل رسوم عبور (3,8 مليار جنيه) وتحويلات (مساعدات) مالية إنتقالية (4,1 مليار جنيه). وهنا تكمن أم المخاطر، فكما هو الحال مع الإيرادات الضريبية، فإنه من شبه المؤكد إستمرارية الصراعات المسحلة المؤسفة في دولة جنوب السودان في المدي القصير، بالإضافة إلى التراجع الحاد في الأسعار العالمية لخام النفط، ما يستدعي إيضاً رسم تصور لكيفية التعامل مع إحتمال عدم الحصول علي الإيرادات المتوقعة من صادر نفط الجنوب كلياً أو جزئياً في جانبي الإيرادات والمصروفات المقدرة في موازنة 2015م. أما في جانب المنح الخارجية، فمن المتوقع أن تنخفض بنسبة 12% لتصل إلى 2,2 مليار جنيه، وهذا يمثل نوعاً من الواقعية في ظل الهبوط الحاد في الأسعار العالمية للنفط الخام وأثر ذلك علي مساعدات الدول الداعمة للسودان كإيران، وقطر، وربما السعودية وروسيا، والصين، التي من المتوقع أن تشهد تراجعاً في معدل نموها الإقتصادي. أما تقديرات مساهمة القطاعات الهامة في إجمالي الإيرادات العامة، فتشير إلى توقع (مائة ألف) جنيه فقط من قطاع الطاقة والنفط والمعادن، بينما تبلغ الجملة الكلية لتقديرات صروفات القطاع مليار جنيه، ما يدعو للتساؤل المستمر عن أين تذهب إيرادات الكهرباء والمياه وحتي عائدات حصص مساهمة الحكومة في هذا القطاع الهام؟ أما بالنسبة لقطاع الدفاع والأمن والشرطة المفترض أن يكون مصدر إيرادات هائلة، فقد قدرت جملة إيراداته المتوقعة بحوالي 14,2 مليار جنيه، منها 13,3 مليار من الجمارك، ما يعني أن 900 مليون جنيه فقط هي المساهمة الفعلية المتوقعة من هذا القطاع، وتحديداً من وزارتي الدفاع والداخلية. ويعتبر القطاعان المتنوع والإقتصادي والمالي أكبر مصدر للإيرادات حيث يتوقع أن تصل إيراداتهما إلى 28,9 و 15,5 مليار جنيه حسب الترتيب.

علي صعيد الإنفاق الكلي، جاءت الموازنة خالية من أي إجراءات ذات معني لخفضه وإعادة ترتيبه، بل بالعكس تفترض الموازنة إرتفاع الإنفاق الجاري أو التشغيلي إلى حوالي 60 مليار جنيه في عام 2015م من ما يقارب 46 مليار جنيه في عام 2014م، بنسبة زيادة مقدارها 31%، لتصل حصته إلي 91% من إجمالي الإنفاق الكلي (جاري+تنموي)، المقدر بحوالي 66 مليار جنيه (جدول1). بالتالي، من المتوقع أن يقفز الإنفاق التشغيلي بنسبة 62% فقط خلال العامين 2014م و2015م) . ورغم التوسع الحاد في تقديرات الإنفاق الجاري، فقد أغفلت الموازنة وضع تقديرات لمواجهة بعض أوجه الصرف التشغيلي، كمتأخرات الحكومة للقطاع الخاص (أكثر من ملياري جنيه) وسداد الإستدانة المتوقعة للبنك المركزي (2,5 مليار جنيه). لهذا فإن إجمالي الإنفاق في نهاية العام، قد يفوق كثيراً تقديرات الموازنة، مما سيؤثر بدوره سلباً علي حجم الإنفاق التنموي المقدر، من أجل المحافظة علي مستوي العجز المستهدف كما حدث في عام 2014م (جدول1).

من الملاحظ أيضاَ، أن الأجور والمرتبات (15.7 مليار جنيه)، وتحويلات حكومات الولايات (16.6 مليار جنيه) تمثل 54% من إجمالي الإنفاق الجاري. وإذا أضفنا تقديرات الصرف المتوقع علي شراء السلع والخدمات (6,9 مليارجنيه) ودعم السلع الإستراتيجية كالقمح والمحروقات (10,2 مليار جنيه) إلى بندي الصرف السابقين، نجد أ، هذه البنود الأربعة تستحوذ علي 83% من تقديرات إجمالي الإنفاق الجاري. هذا الوضع يطرح سؤالاً مهماً عن الكيفية التي ستواجه بها الموازنة الإلتزامات المالية الأخري، كالمتأخرات الحكومية وخدمة الإستدانة من البنك المركزي أو حتي الطوارئ التي قد تنشب محلياً وإقليمياً خلال العام المالي. هذا يشير إلى أن توقعات الإنفاق الجاري لن تكون سهلة الإنزال إلى أرض الواقع، ما قد يدفع بالحكومة إلى إتخاذ حزمة من الإجراءات الصعبة للتعامل مع خفض العجز المالي المحتمل من جانب هذا الصرف، من أبرزها وأسهلها تقليل الصرف التنموي، رفع وتيرة مرونة سعر الصرف المدار، أو زيادة الإنفاق الجاري علي حساب تمدد العجز الكلي وتمويله بالسحب المكشوف، وبالتالي تأجيج نار غلاء الأسعار في كلا الحالتين.

وإذا نظرنا إلى توزيع تقديرات الإنفاق الجاري علي القطاعات في موازنة 2015م، نجد أن قطاعي الدفاع والأمن والشرطة، والمتنوع يستحوذان علي 78% من إجمالي تقديرات الصرف القطاعي (جدول2)، مقارنة مع 7% فقط لقطاعات الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني)، الصناعة، الصحة، والتعليم، مع ملاحظة الإنخفاض الطفيف في حصص قطاعي الصحة والتعليم، والتحسن الملحوظ في حصة الزراعة، بينما من المتوقع أن يحافظ قطاع الصناعة علي حصته. توزيع الموارد العامة بهذه الصورة، يكشف عكس ترتيب الأولويات الإنفاقية في الموازنة، ما يتطلب توجيه الإنفاق العام نحو الإستثمارات العامة المعززة للنمو وخلق فرص العمل، ونحو المساعدة الإجتماعية الموجهة لفئات المجتمع المستحقة لذلك، بهدف إعادة التوازن السليم بين دعم الإقتصاد وضبط أوضاع المالية العامة في المدي المتوسط. هناك أيضاً ملاحظة هامة، وهي أن 74% (10,2 مليار جنيه) من مصروفات قطاع الدفاع والأمن والشرطة، المقدرة بحوالي 13.7 مليار جنيه، مرصدة لتعويضات العاملين، و25% (3.4 مليار جنيه) لشراء السلع والخدمات، ما يدعو للتساؤل عن كيفية تمويل حاجيات هذا القطاع الأخري في ظل الصراعات المسلحة الدائرة والتوترات الأمنية السائدة، ما يعني ضرورة وقف تلك الصراعات والتوترات كمدخل أساسي لأن تحتل السياسات الهيكلية والإقتصادية الكلية الرامية إلى دعم النمو وإعادة الإستقرار الإقتصادي نطاقاً واسعاً.

في مجال الدعم، فمن إيجابيات التراجع الحالي لأسعار النفط الخام عالمياً، تقليل دعم الخزينة العامة للمشتقات البترولية، كما أن إنخفاض تلك الأسعار وأسعار المواد الأولية وبعض المنتجات النهائية سوف يخفض فاتورة الواردات، ما قد يؤدي أيضاً إلى تقليص معدل التضخم في حالة إستقرار صرف الجنيه. لكن المدهش أن الموازنة تتوقع إرتفاع إجمالي دعم السلع الإستراتيجية بنسبة 57% من 6,5 مليار جنيه في 2014م إلى 10,2 مليار جنيه في 2015م، مع توقع إرتفاع دعم المحروقات بنسبة 56% من 5 مليار جنيه إلى 7,8 مليار جنيه (تساوي 76% من إجمالي الدعم) في نفس الفترة. وبما أن متوسط سعر برميل النفط الخام هبط الآن إلى ما يقارب سعر النفط الخام المدعوم حكومياً (50 دولار للبرميل)، فمن المفترض أن يكون الدعم علي وشك التلاشي حالياً. لذلك من غير المفهوم إعتماد دعم للمحروقات بالحجم المذكور أعلاه. كل ما نأمله أن يكون التقدير غير المبرر فرصة لسد العجز المالي الكلي في الموازنة دون الحاجة لتمويل، لا مدخلاً لتمويل الإنتخابات باللفة. وبما أن التوقعات تشير إلى أن الأسعار العالمية لخام النفط سترتفع تدريجياً في الفترة القادمة، فمن الأسلم وضع آلية تسمح بحركة أسعار المحروقات صعوداً وهبوطاً وفق حركة الأسعار العالمية، بهدف نقل الدعم من الإستهلاك إلى الإنتاج بدلاً من الإنتظار، كما حدث بعد الأزمة المالية العالمية في 2009م، حتي لا يصبح الدعم المعمم مرة أخري عبئاً مالياً ثقيلاً يصعب تحمله إقتصادياً وإجتماعياً.

أحد السمات الأخري البارزة في الموازنة التي تستحق الملاحظة أيضاً، هي توزيع تقديرات التنمية القومية علي القطاعات ذات الأهمية الإقتصادية والإجتماعية. هنا لا بد من الإشادة بتوقع إرتقاع حصة القطاع الزراعي في جملة تقديرات التنمية القوميمة من 12% في 2013م إلى 16% في عام 2014م ثم إلي 19% في 2015م، مع تحسن نسبي ملحوظ في حصص قطاع الصحة والقطاع الإداري والإجتماعي، بينما يتوقع، للأسف، تراجع حصص قطاعي الصناعة والتعليم (جدول3). أما قطاعي الطرق والجسور والنقل، والكهرباء والموارد المائية فيصل إجمالي حصصها إلى 54% من إجمالي تقديرات التنمية القومية مقابل 27% لقطاعات الزراعة، الصناعة، التعليم والصحة، ما يكشف مرة أخري خطأ فقه الأسبقيات في الموازنة. لكن إذا وضعنا تقديرات موازنة التحويلات الرأسمالية (التنموية) للولايات في الإعتبار، فإننا نجد للأسف إنخفاض حصة القطاع الزراعي في إجمالي تقديرات التنمية (قومية+ولائية) المقدرة بحوالي 15,3% مليار جنيه، من 19% إلي 16%، والقطاع الصناعي من 4% إلى 2%، مع تحسن متفاوت في حصص قطاعات التعليم من 4% إلى 5%، الصحة من 0,6 إلى 4%، والقطاع الإداري والإجتماعي من 1,4% إلى 7%، وهذه خطوة في الإتجاه الصحيح يجب تعزيزها مع زيادة الإهتمام بقطاعي الزراعة والصناعة الحيويين.

أما العجز الكلي للموازنة (الإنفاق الكلي – إجمالي الإيرادات والمنح)، فمن المقدر أن يصل إلى 5,8 مليار جنيه من 3,8 مليار جنيه في 2014م، بنسبة إرتفاع 53%، يتوقع تمويل 60% منه (3,8 مليار جنيه) من الإستدانة علي المكشوف من البنك المركزي مع التوسع في إصدارات الصكوك الإستثمارية وإصدارات شهامة والضمانات وقليل من التمويل الخارجي لتغطية باقي العجز. هذا يؤكد أن الطلب الفائض في القطاع العام الناتج عن ضعف الإدخار العام، هو مصدر أساسي من مصادر غلاء الأسعار.

في الختام، وكما أشرنا، فهناك الكثير من الصعاب والتحديات التي ستحد من إنفاذ موازنة 2015م علي أرض الواقع. فهي هشة الفرضيات التي تحفها مخاطر جمة لم يتم التحوط لها. لهذا يتعين إدخال تحسينات على الجوانب الأساسية في عملية الموازنة، بما في ذلك الضوابط علي الإلتزام بحدود الصرف، وتعزيز نظم إعداد الموازنة بتحديد أولوات الإنفاق في ظل محدودية الموارد، بالإضافة إلى التحسينات علي نطاق تغطية الموازنة وزيادة الشفافية بتقدير المالية العامة علي النحو الكافي وكبح الصرف خارج الموازنة بوقف الصراعات المسلحة في البلاد، وتدقيق الموازنة عبر تفعيل إجراءات التدقيق الداخلي والخارجي لإدارة المخاطر التي أشرنا إليها، وتعزيز الحوكمة، كما أشار إلى ذلك تقرير المراجع العام للسنة المالية 2013م.
بدأ خطاب مشروع الموازنة بقول الشاعر:

ما أجمل الدين والدنيا إذا إجتمعا وأقبح الكفر والإقلال بالرجل
ونختم نحن بقولنا: وما أقبح حال الذين إشتروا الدنيا بالدين يوم الإقلال وجرد الحساب.

____________________________________________
(1) تشمل فوائض الهيئات والشركات، والرسوم الإدارية وعائدات صادر نفط الجنوب وإيرادات متنوعة.
المصدر: “مشروع موازنة العام المالي 2014م” ، صفحات 56-57، و”تقديرات مشروع موازنة العام المالي 2015م”، صفحات 43 – 45 ؛ وتضريبات الكاتب
(1) يشمل: إحتياطي السلع والخدمات وتعويضات العاملين والتنمية والطواؤئ، دعم السلع الإستراتيجية؛ المساهمات الإجتماعية؛ المنافع الإجتماعية…إلخ.
المصدر: “مشروع موازنة العام المالي 2014م “، صفحة 58-68.،”وتقديرات مشروعات موازنة العام المالي 2015م”، صفحات 46 – 51 و تضريبات الكاتب.
المصدر:”مشروع موازنة العام المالي 2014م ، صفحات 74و 76 ، و”تقديرات مشروع موازنة العام المالي 2015م”، صفحات 58 – 69 وتضريبات الكاتب.

 (*)  مساعد مدير سابق، الدائرة الأفريقية ودائرة العلاقات الدولية: صندوق النقد الدولي: واشنطن/ أمريكا.
() المقال نقلاً عن موقع الراكوبة.