العامل الحكومي وحرية الباحث

 د. تيسير الناشف*

  

القهر الحكومي واختيار موضوع البحث

 يفضي جو القهر الحكومي في شتى بقاع العالم إلى التأثير السلبي في جوانب مختلفة من القيام بالبحث العلمي. وأحد هذه الجوانب اختيار موضوع البحث. توجد مواضيع ذات صلة أوثق بقضايا السياسة والحكم والسلطة ومواصلة توجيه دفة الحكم ومواصلة تولي السلطة. وهي مواضيع لنتائج واستنتاجات البحوث صلة أكبر بها. ولعل المتولين للسلطة الحكومية غير معنيين، بسبب حرصهم على مواصلة وتعزيز سلطتهم، بإجراء بحوث قد تتوصل الى استنتاجات وحقائق تؤدي الى إضعاف مركز المتولين للسلطة. ولذلك، خوفا من إغضاب المتولين للسلطة الحكومية والسلطة غير الحكومية ومن استيائهم ونقمتهم في كثير من البلدان، ينصرف الباحثون عن إجراء البحوث في المواضيع التي لها ولنتائجها ولاستنتاجاتها صلة كبيرة بقضايا تولي السلطة.  

 القهر الحكومي ولهجة الاستنتاجات

 ولهجة استنتاجات البحث العلمي جانب آخر من الجوانب التي يؤثر فيها جو القهر الحكومي تأثيرا سلبيا كبيرا. على الرغم من أن للبحوث العلمية هدف التوصل الى الاستنتاجات فإن هذه الاستنتاجات يختلف بعضها عن بعض من حيث قوة أو خفة لهجتها. يمكن وضع الاستنتاجات لنفس البحث بصيغة قوية اللهجة أو خفيفة اللهجة. وعن طريق اللجوء الى استعمال اللهجة المخفّفة أو اللهجة المشدّدة للاستنتاجات يمكن للباحث أن يأخذ في الحسبان اعتبارات مختلفة منها – في المقام الأول – اعتبار توقعه لموقف المتولين للسلطة الحكومية وغير الحكومية حيال تلك الاستنتاجات. حتى تُحقق الفائدة الكبرى من البحث ينبغي أن تكون الاستنتاجات على أكبر قدر ممكن من الوضوح والقوة. ولكن اتقاء للاستياء المتوقع أو المتصور من جانب أصحاب السلطة يميل الباحث ميلا أكبر أحيانا كثيرة – في الجو التسلطي القمعي – إلى تخفيف قوة لهجة الاستنتاج، مما يمس بالفائدة المنشودة من إجراء البحث.   

 

العامل الحكومي وعدم الاستفادة من تخصص العلماء

 ومعرفة العلوم – التي يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على الأمن القومي ولتعزيز التماسك الاجتماعي – تزداد في هذه الأيام تطورا وتخصصا في مختلف المجالات. وفي بعض المجالات لا يستطيع أن يقرر مدى الفائدة من علم من العلوم المتزايدة التعقد والتطور والتخصص سوى المتخصصين فيها. ومن شأن لجم أصحاب السلطة الحكومية للسان العالم عن التناول الموضوعي أو الجاد لموضوع من المواضيع أن يحرم المجتمع المعني من الاستفادة من أبحاث ذلك المتخصص وآرائه واستنتاجاته.

 

المناخ السياسي والفكر النقدي

ويخضع الفكر النقدي لمختلف أشكال القيود. وتقوم أسباب تاريخية واجتماعية ونفسية لعدم إعمال الفكر النقدي أو للاهتمام الأقل به. يمكن لأجهزة الراديو والتلفزيون والكمبيوتر في المنازل والمقاهي في المدن والقرى أن تؤدي دورا هاما في نقل وإشاعة الفكر النقدي في البلدان النامية والمتقدمة النمو. وعلى الرغم من أن هذه الوسائط تؤدي فعلا دورا معينا في ذلك النقل والإشاعة تقوم عوامل تقيد تقييدا شديدا تلك الوسائط في أدائها لذلك الدور. ومن هذه العوامل أن القائمين على إدارة البرامج لا يولون، بتوجيه حكومي، الاهتمام الكافي للبرامج العلمية والفكرية والنقدية في مجالات حساسة بالنسبة إلى الهيئات الحكومية.

 ورجل السلطة يتمتع، بحكم سلطته وقوة نفوذه، بقدر أكبر من حرية التعبير عن الرأي. واذا كان رجل السلطة مثقفا ومفكرا واراد اعمال التفكير في مسائل مختلفة فيحتمل احتنمالا كبيرا ان يكون هذا التفكير متأثرا تأثرا اكبر، بحكم تحزبه، باعتبارات تولي السلطة التي لا تتفق بالضرورة مع مقتضيات التفكير النقدي الحر.

 

مصلحة اصحاب السلطة تهميش دور المثقفين

 وبالنظر الى ان نواحي مختلفة في حياة الشعوب، ومنها الشعوب العربية، بما في ذلك الحياة السياسية، لا تزال تتسم بالمحافظة ولا تزال التقاليد مسيطرة عليها، وبالنظر الى ان المجتمعات الذكورية الابوية غير الحديثة وغير الديمقراطية تشكل المرتع المناسب لبقاء اصحاب المصالح في مواقع السلطة، وبالنظر الى ان الفكر النقدي المستقل الموضوعي لا بد من ان يستهدف تغيير هذه الحالة او تعديلها فان من الطبيعي ان يناهض اصحاب هذه المصالح استقلال الفكر واستقلال النقد الفكري وان يعملوا لتهميش وازالة دور المثقفين الناقدين المستقلين في المجتمع.

 

بسبب خوف المفكر من غائلة السلطة يقيد المفكر انطلاق فكره

 وكما اسفنا فان النظم السياسية غير الديمقراطية لا تحتمل ممارسة حرية التعبير عن الرأي الذي لا يتفق مع مصالح تلك النظم في مواصلة تولي السلطة السياسية الرسمية. ولا تتردد هذه النظم في لجم لسان المفكر الحر الناقد وفي تحطيم قلمه وفي سجنه وحتى الفتك فيه. وبسبب هذه المشكلة لا ينقل الفكر ناهيكم عن الفكر النقدي الذي قد يجول في خواطر الناس الى الساحة العامة اذا كان ذلك الفكر معارضا او غير مؤيد لسياسة السلطة الحكومية. وينكمش الميل لدى المفكر الناقد الى الابداع الفكري، او قد يرى هذا المفكر، اتقاء لغائلة المتولين للسلطة، تقييد انطلاقه الفكري النقدي او قد يرى ان ينتقي، في تناوله الفكري النقدي، بعض المواضيع التي لا يرى هو ان من المحتمل ان تناوله هذا من شأنه ان يوجد مواجهة وصراعا بينه وبين اصحاب تلك السلطة، او قد يرى تخفيف حدة لهجة الانتقاد في المواضيع والمواضع التي تجدر ممارسة الفكر النقدي فيها.

 ___________________.

* كاتب وأستاذ جامعي فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة.