الاحتكار المالي والسيطرة السياسية

دكتور تيسير الناشف

 بشتى الوسائل نشأ في النظام الغربي توجُّه عام نحو إنشاء منظومات فكرية أيديولوجية مستندة إلى منطلقات أولية وأولوية ومركزية أو محورية المنظور الغربي، هادفا إلى أن يحقق عن طريقها ما يشبه الإجماع على وظيفته “التحضيرية” الأيديولوجية التي حددها لنفسه. ويتضمن ذلك التوجه العام مفهوم الثنائية الفكرية. ويقبل هذا التوجه العام مفهوم سيطرة البشر بعضهم على بعض، ويرى أنه تقوم فوارق جوهرية ثابتة بين الشعوب الأوروبية والمتحدرة منها وسكان أجزاء أخرى من العالم. وانتحل ذلك التوجه العام لنفسه الحق في تقرير مصير الشعوب بحجة الرغبة في ترقيتها وحمْل عبء نقل الحضارة والاستنارة إلى الشعوب التي دعاها متوحشة وغير متحضرة لإنقاذها حسب زعمه من التخلف والهمجية.  وعمل ذلك التوجهُ العام على احتكار معالجة التاريخ العالمي. وبذلك أراد ذلك التوجه العام ترسيخ وإشاعة منظوره إلى التاريخ، غاضا البصر عما يترتب على هذا الترسيخ من الإخفاء والتشويه لحضارات شعوب أخرى. ويرى ذلك التوجه العام أن إحدى وظائف النظام الغربي تكمن في استحواذه على موقع يخوله أن يماهي نفسه مع التاريخ. ووفقا لذلك التوجه العام فإن ما عدا ذلك النظام الغربي يقع خارج التاريخ.  وفي القيام بترسيخ ذلك المنظور الغربي جرى المساس بصحة السرد التاريخي، إذ، وفقا لهذا الاتجاه العام الفكري الغربي، تُفهَم وتُفسَّر تواريخ الشعوب الأخرى وثقافاتها وحضاراتها من المنظور الغربي وفي سياق ترسيخ هذا التوجه العام الغربي. ووضع صورة متعالية عن ذاته، وأوجد، في مقابل ذلك، صورة مشوِّهة عن الآخر. وعن طريق إيجاد هذه الصورة المشوِّهة أكّد النظام الغربي نفسه، وصور نفسه على أنه المنبع الوحيد للتقدم والرقي والازدهار والمدنية والحضارة والحرية ومرجع تاريخي عالمي وحيد في معاملة الشعوب الأخرى وتناوُل المسائل المتعلقة بها وصور بعض الشعوب غير الأوروبية على أنها مخلفات تاريخية طفيلية ومتدنية محكوم عليها أن تنقرض عاجلا أو آجلا. 

        وبإشاعة هذا الفهم والمعالجة والتفسير حسب التوجه العام الغربي يسيء هذا التوجه الغربي فهم الرموز والقيم للتواريخ والحضارات غير الغربية، ويوجد فجوة عميقة بين التوجه العام الغربي وحقيقة تلك القيم والحضارات غير الغربية ويجري تشويه فهم هذه القيم والحضارات وتشويه فهم معانيها التي تحملها في سياقاتها القومية والأصلية والتاريخية والاجتماعية، وتشويه فهم متضمناتها وفهم ما لها من الأهمية والفحوى والإجلال والقدسية من منظور تلك الشعوب ومنظور ما يوجد من الموضوعية والسياق التاريخي الحقيقي.

        ولكل شعب ثقافته التي تسم ذلك الشعب وتشير إلى خصوصيته التي يمكنه عن طريقها تحقيق ذاته والتحكم بمحيطه الاجتماعي والنفسي والطبيعي. وذلك الاتجاه العام الغربي لا يقر ولا يريد الإقرار بخصوصية الثقافات وبتاريخيتها.

وبهذه الإساءة للفهم وبانحراف أو التواء المعالجة وسوء أو خطأ التفسير يرفض هذا الاتجاه العام الغربي تاريخية التطورات والأفكار والثقافات، بمعنى أن تلك التطورات والأفكار والثقافات هي نتاج الظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية والاقتصادية السائدة والفعالة في فترة تاريخية معينة في أمكنة بعينها. وإقرار الاتجاه العام الغربي بتلك الخصوصية والتاريخية يُفسد رغبته في تفسيره لتطورات العالم من المنظور الأيديولوجي الغربي.    

        وبغية جعل تلك الوظيفة أو المهمة أو “الرسالة” ميسرة التصدير اختار ذلك النظام جماعات في البلدان النامية والضعيفة والفقيرة التي تنفذ أوامره وسياساته وتدعمه في احتقار وتهميش شعوب تلك البلدان المهمشة والمُذَلّة فعلا.

           وكان وراء تلك السياسات الغربية خدمة مصالح الغرب الاستراتيجية والاقتصادية والاستعمارية عن طريق فرض الهيمنة على الشعوب غير الأوروبية الضعيفة.  ولتيسير تحقيق تلك الهيمنة تلزم تجزئة البلدان النامية إلى كيانات ضعيفة.

        وعن طريق عدم الإقرار بخصوصية وتاريخية الثقافات، وعن طريق طمس المعاني والمضامين الخاصة التي تحملها الثقافات التاريخية الخاصة، وعن طريق تفسير تلك الثقافات من المنظور الثقافي الحضاري الغربي يصبح من الأيسر إلحاق ثقافات شعوب العالم غير الغربي، لتلبية حاجات الغرب المسيطر، بالمركز الغربي خدمة لذلك المركز حسب تعريف المركز لتلك الحاجات.