حيثيات الواقع الإقتصادى – الإجتماعى فى السودان، وآفاق التغيير السياسى

حسين أحمد حسين (*)

فاتحة:

 

تتناول هذه الأُطروحة العلاقات الإقتصادية/الإجتماعية والسياسية للواقع السودانى فى السياق المادى التاريخى كمنهج للتحليل، وبعيد عن أىِّ عقائدية، وبدون الإنتقاص من الأدوات التحليلية الأُخرى التى قد يتناولها متناول من منظوره الشخصى. أمَّا لماذا هذا المنهج التحليلى بالذات؛ فذلك لقدرته المحضة على تناول الظواهر الإجتماعية فى إطارها الشامل المتكامل؛ بربطها بمتغيرات تشكُّلِ الأنماط الإقتصادية والإجتماعية، وبعيداً عن الدراسات المجتزءة، والمعمَّمَة جُزافاً على واقعٍ لم تخبِرْهُ ولم تخْتَبِرْه. كما أنَّنى لم أجد بعد، نظرية تُبِذُّها فى القدرات التحليلية والإستقصائية.

   إذاً، هى معالجة غير محرضة بالأيديولوجيا، أى قِوامُها العقل الحُر والتفكير الحُر. وتتعامل مع أدوات التحليل المذكورة بعاليه، كأدوات لنظريةِ علومٍ إجتماعية تُحظى بإحترام واسع فى الأوساط العلمية على مستوى العالم، ومازالت سارية المفعول على سبحِ ثلاثة قرون (التاسع عشر، العشرين والواحد وعشرين)، بل والأكثر فاعلية. وانظر إلى رصيفاتها، إمَّا أنَّهنَّ قبَعْنَ وراء التاريخ (Lagged behind History)، أو ذهبنَ إلى مذبلة التاريخ (The Dust Pin of History).

هناك أسئلة مهمة تحاول أن تتدارسها هذه المداخلة مثل: كيف يؤثر الخطاب الليبرالى فى تشكُّل واقعنا، وكيف تعاطينا/ نتعاطى معه؟ ما هى محددات تشكُّل الواقع الإقتصادى/الإجتماعى والسياسى فى السودان؟ ما هى آفاق التغيير المرتقب، وأين نحن من مسلكه، ومن المستفيد منه، ولماذا تأخر عندنا، وهل من بارقة أمل؟

تحاول هذه المداخلة أنْ تُجيب علي كلِّ هذه الأسئلة، ليس بذلك النَّفَس الأكاديمى الصارم، ولكن بجديَّتِهِ، وهى مفتوحة للنقاش، وليكن كلُّهُ، بنهايةِ التحليل، فى مصلحة التغيير.

إضاءة أُولى:

ربما تساءل إسلامىٌّ من أهل السلطان، وحُقَّ له أنْ يتساءل، لماذا لم تختر النظرية الإقتصادية الإسلامية وأدواتِ تحليلها؟ فها هو محمد باقر الصدر كتبَ عن إقتصادنا وفلسفتنا، وكُتُبُ العلامة يوسف القرضاوى وآخرين، تملأُ الآفاق.

والرد ببساطة أنَّ المنظرين عن النظرية الإقتصادية الإسلاموية وأدوات تحليلها، بالرغم من الجهد والمساهمات الجليلة التى عُملتْ فى هذا الجانب، إلاَّ أنهم قد إستنبطوا نظريتهم بمنظورٍ خاطئٍ من القرآن والسنة (كتعاليم دينية لا أحد يختلف على سُمُوِّها وقدسيتها وأهميَّتها فى حاياتنا). وقد فعلوا ما فعلوا لسببين، الأوَّل ربما كان عدم الإنتباه لحقيقة النظرية الإقتصادية، وهذا إذا إفترضنا حسن النيَّةِ وحسن الظَّن. والثانى (وهو الراجح عندى) هو التعمُّد لإستنباطها من القرآن والسنة لحاجةٍ فى نفس يعقوب. وهذه الحاجة هى التى تبطئُ بالكثيرين (من أمثالى) من الولوج إلى النظرية الإقتصادية الإسلاموية بفهمها الشائع الآن.

فحقيقة النظرية الإقتصادية أنَّها نظرية سلوكية، تُسْتَنْبَطُ من سلوك البشر (المفترض أنَّهم مسلمون بطبيعة الحال)، وليس من التعاليم الدينية السامية. واللِّجوءُ إلى التعاليم الدينية السمحاء، له مُرادٌ فى ذهنيةِ هذه العقلية التى تنادى بذلك. وهذا المراد هو إخفاء سلوك المتنطعين بالإسلامِ وغاية نظريتهم الإقتصادية الإسلاموية المجافيين لحقيقة الإسلام وتعاليمِهِ الراشدةِ الزكية. فهم عاجزون، أو أنَّهم غيرُ راغبين، فى التأسِّى بالإسلام بالطريقة الصحيحة (إعمل لِآخرتك كأنَّك تموت غداً)، لأَنَّهم دنيويون فى حقيقةِ أمرهم (ولا بأس، أنْ تعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدا). ولكن هذه العلاقة الجدلية فى حدِّ ذاتها تجعل إستنباط نظرية إقتصادية من التعاليم الدينية المحضة، كلمة حق أُريدَ بها باطل. وانظر إلى المفارقة بين السلوك وتعاليم الدين الحنيف. 

ربما تزرَّعَ أحدُهم وقال: إستنبطناها من تعاليم الدين لأَنَّ السلوك البشرى بطبيعته فى بونٍ شاسعٍ عن الدين؛ ولتماسك واستدامة النظرية ومرجعيتها إستنبطناها من التعاليم الباقية الأزلية، بنية سَوْقِ أنفسِنا والنَّاسِ جميعاً نحو الغايات السامية. وهنا أيضاً يبقى الباطلُ حاضراً.

فالتاريخ الإسلامى ملئٌ بالشواهد السلوكية النَّاصعة، فلماذا لا تستنبطون نظريتكم منها؟ إنَّه الباطلُ إذاً. فها هم المسلمون المنزَّهون من الغرض، وغيرُ المتنعطِّعين بالإسلام، وغيرُ المتَّخِذينه لافتاتٍ وشِعارات (أيديولوجيا) تحت ظلالها يفعلون السبع الموبقات (الشرك بالله: كشرك الطاعة، أى طاعة السلطان فى أداء معصية كالفساد، السحر: كتسخير الجن للإستراتيجية القومية الشاملة، قتل النفس التى حرَّم اللهُ إلاَّ بالحق: 28 ضابط فى رمضان/مجدى مثالاً، أكل الربا: البنوك الإسلاربوية، أكل مال اليتيم: يصرفون على يتامى تنظيمهم دون اليتامى الآخرين، التولِّى يوم الزحف: وإنَّ موعده لقريب، قذف المحصنات الغافلات المؤمنات: كم من إمرأةٍ لاكوا عِرضَها وحدُّوها بالشبهات، فتاة الكبجاب مثالاً)، قد طوَّروا نظرية إسلامية مرتبطة بالسلوك البشرى، ومأخوذة من سلوك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين (نظرية الإنفاق/المنفعة اللانهائية، بروفسير الطاهر محمد نور مثالاً، وهو بعد أسمرٌ حُمَّدَ – اْحْمَدْ).

فهذا العالم الجليل، لم يأخذ نظريتَهُ عن الإنفاق من تعاليم الدين الحنيف، بل من سلوك المسلمين المتحققين بالدين الحنيف، الذين إستبطنوا الدين وتشربوه، فتحول عندهم إلى سلوك، إلى معاملة. لذلك لم يقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين هو الآيات والأحاديث، بل قال، صلوات ربى وسلامه عليه، الدين المعاملة.

لذلك فالذين يستخلصون نظرياتهم الإقتصادية من التعاليم الدينية يدركون تمام الإدراك أنَّهم يفعلون ذلك ليُغطُّوا على سوءاتهم. فسمُّوا الفسادَ بالتمكين، وتفحَّشوا بزواج المتعةِ الذى حرَّمه الدين، وأدخلوا التشيُّعَ بين السنَّةِ من المسلمين؛ حتى صارتْ حكومتهم خضراءَ دِمَنْ؛ طريرةٌ فى وسطِ فقرٍ متقع.

لذلك فإنَّ إستنباط نظرية إقتصادية من سلوكهم إنما يفضحُ أمرهم، وأمر تأسِّيهم بغيرِ الإسلام، وهذا الذى أرجِّحُهُ.

إضاءة ثانية:

ربما تساءل ليبرالى/حداثى، أيضاً، عن نظريات التحديث التنموى (Modernisation Theories) وأهميتها فى تطوير دول العالم الثالث وتنميتها، تلك التى تتعمد مداخلتك إهمالها وتدلف إلى نظريات الفكر التقدمى.

والحق يُقال، لم تكن تلك النظريات شراً مستطيراً حينما نتحدث عن الحداثة كمفهوم ثقافى/تنويرى. ولكنَّها فى حيثيات الإقتصاد السياسى قد إرتبطت إرتباطاً وثيقاً بالتنمية كمفهوم أمنى؛ حارس لِإكتمال تمدد النظام الرأسمالى ونشوء الشرائح الرأسمالية فى مرحلة إعادة الإنتاج البسيط، كفاتح أسواق، وكمُصرِّف بضائع، وآخر شئ خطر ببال تلك النظريات هو تنمية العالم الثالث؛ هكذا أراد لها الخطاب الليبرالى أنْ تكون.

وقد يتساءل ذات الحداثى: إذاً كيف نمتْ آسيا (اليابان، النمور الأربعة، الصين، ومؤخراً الدول الأسرع نماءاً فى العالم)؟ والإجابة أيضاً بسيطة. فهذه الدول منذ مؤتمر باندونج فى عام 1955م، قد وَعَتْ نوايا الخطاب الليبرالى القابض على أدوات التنمية بيدٍ من حديد (لا أحد ينمو إلاَّ حينما نسمح بذلك)، وقد قررتْ أنْ تنموَ من وراء ظهره، بمخالفته ومخالفة أذرعِهِ من مؤسسات التمويل الدولية ومنظمات الأمم المتحدة المتخصصة (Stiglitz 2006). وقد إستفادتْ هذه الدول إستفادة قصوى وحقيقية من جرعات التنمية التى سُمِحَ بها آنذاك؛ أبَّان السماح بتمدد قطاع الدولة (فى مقابل ضعف القطاع الخاص وضمورِهِ) ليقضى على الأشكال اللاَّ – رأسمالية؛ فتجاوزت المفهوم الأمنى للتنمية لتبنى لنفسها نمطاً من الرأسمالية عُرفَ برأسمالية الدولة، أو بنمط الإنتاج الدولنى كما يسميه سمير أمين (أمين 1980). 

لم يكن ذلك ممكناً بمعزل عن نظريات الفكر التقدمى، كنظريات مدرسة التبعية التى فضحت نظريات التحديث التنموى وعرَّتها، وكشفت للعالم كيفية إستخدام الغرب لِأرصدة البترول العربية فى تمويل مشروعات دول العالم الثالث وكيفية إغراقها بالديون لتسيطر عليها وتؤثر على قرارها الإقتصادى والسياسى فيما بعد.

والأدهى والأمر، وهو ما يؤكد الطبيعة الأمنية للتنمية، أنَّ نظريات التحديث التنموى قد ذابتْ وذهب بريقها تماماً مع نهاية الحرب الباردة. ومنذ ذلك الوقت، فإنَّ المنظرين الليبراليين، لم يألوا جهداً فى الحديث عن موت التنمية (Rist 2002) وموت الأيديولوجيا (فوكاياما 1992). والآن نظريات التحديث التنموى يُستعاض عنها بالحديث عن الحِزَم الإدارية والحكم الرشيد، بعد أنْ أدَّتْ غرضها وذهبتْ إلى مذبلة التاريخ.

إذاً، فالنظريات الوحيدة التى بقيتْ على قيد الحياة، وعلقتْ ذاكرة التاريخ، هى النظريات التى إرتبطت بهموم النَّاس، هى النظريات التى ساهمتْ فى تفسير الفقر والتخلف على أحسنِ ما يكون التفسير. ولو لا تلك المساهمات الباكرة من الفكر التقدمى منذ القرن التاسع عشر، لما استطاعت آسيا أنْ تنمو من وراء ظهر النظام الليبرالى. 

وهناك عوامل مفصلية أُخرى وذات أهمية بالغة فى إستطاعة آسيا النماء من وراء ظهر النظام الليبرالى، وهو وجود الصين كدولة مِحورية (سلاح نووى، كتلة بشرية، عتاد عسكرى تقليدى) إلى جانب ثلاثة دول نووية أُخرى (الهند، الباكستان، كورية الشمالية)، وربما رابعها إيران. 

هذا الوضع مكَّنَ الدول الآسيوية (مستخدمةً رأسمالية الدولة منهجاً) من النهوض بوتيرة أسرع من نظيراتها فى أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وفى تحدى سافر للخطاب الليبرالى ويده الحرة الخفية. وقد كانت هذه اليد الخفية بالمرصاد لتلك التجربة الآسيوية (إذ لا سبيل للمواجهة العسكرية)، وراحت تحيك لها الدسائس والحبائل الإقتصادية، كما فعلت فى 1997م أبَّان الأزمة الآسيوية، ولكن هيهات.

إضاءة ثالثة:

وفيما سيأتى سنجد أنَّ مفردتى التخلف والتنمية، نابعتان من وجع البسطاء، وقد إهْتمَّتْ بهما، إهتماماً بالغاً، نظريات مدرسة التبعية دون سواها.

وردت مفردة التخلف أول ما وردت فى تقرير “وليام بنسون – William Benson ” الموظف بمنظمة العمل الدولية عام 1942م؛ الموسوم “التنمية الإقتصادية للمناطق المتخلفة -Economic “Advancement of Underdeveloped Areas. وهو تقرير نابع من وسط الفقراء وقضايا العمال.

أمَّا مفردة التنمية (كمقابل للتخلف)، فقد إلتقطها الرئيس ترومان من إجتماعٍ لأفراد الخدمة المدنية الأمريكية، إلتقطها من إقتراحٍ لِأحد أفراد الخدمة المدنية وكان يومها فى درجة وظيفية متواضعة. إقترح عليه أن يعمم المساعدات التى تقدمها أمريكا لدول أمريكا اللاتينية فى شكل برنامج تنموى يشمل جميع فقراء العالم.

لم يحمل، لحظتها، الرئيس ترومان إقتراح ذلك الموظف محمل الجد، بل وسخر منه (Took it as a Public Relation Gimmick). ومن عجبٍ، يُفاجأُ العالم فى صبيحة اليوم التالى الموافق 20/01/1949م، بأنَّ ذلك الإقتراح قد سمى به الخطاب الرئاسى لترومان “عصر التنمية”. وقد كان الخطاب فى الأصل يتكون من ثلاث نقاط عادية، ولكن أُضيفت إليه نقطة رابعة سميت “عصر التنمية” (Development Age)، وقد إنصبَّ كل الحديث حولها وحدها. ومن يومها ملأت كلمة التنمية الآفاق.

لقد شغلت تلك الكلمة العالم ببريقها الذى أضفاه عليها الرئيس ترومان، وأصبحت دول العالم الثالث توسع أحلامها وتوقعاتها وترفع سقوفاتها. ولم ينتبه العالم الثالث وقتها إلى أنَّ تلك الأيديولوجيا الإقتصادية تنطوى على كذبةٍ كبيرة. بل لعل الكذبة قد بدأت منذ أنْ سُئل الرئيس ترومان من أين أتيت بهذه الفكرة الخلاقة فقال: “أخذتها من تاريخ الأغريق والأتراك القديمين”. ولكنَّها، كما وضح لكم، هى من قريحة ذلك الموظف الأمريكى الصغير (Rist 2002).

على أىِّ حال، فإنَّ مفردة التنمية تلك، بالرغم من التغوُّل على حقوق الملكية الفكرية لصاحبها وإغماطِ حقِهِ (لعله لا يبالى)، إلاَّ أنَّها ما كان لها أنْ ترتاد تلك الآفاق على هذا الكوكب لو لا تناول السياسى لها. وتلك لعمرى كذبة من الكذبات التى سيذكرها التاريخ. فبها تمدَّدَ النظام الرأسمالى فى الأطراف (The Peripheries)، وحُوربتْ الشيوعية، وفُتحت الأسواق، وتَصَرَّفتْ المنتجات الصناعية الأمريكية، وبها تعمَّقَ التخلف، لا التنمية.

إذاً، فنظريات التحديث التنموى لم تبتعد عن مجمل الخطاب الحداثوى الليبرالى الإمبريالى، بل وظف منظروها كل طاقاتهم لِإنتاج علم السلطة التنموى، وضاربين بعرض الحائط سلطة العلم. 

وقد وقع فى هذا الفخ الأيديولوجى بالطبع علماء الإتحاد السوفياتى الذين أنتجوا معرفة موازية للفكر الليبرالى وأنتجوا نظرياتٍ بعيدةً عن وجدان شعوبهم، فأماتت روح الإبداع، وأقعدت بالإقتصاد حتى ظهور البروسترويكا.

والغريب فى الأمر، أنَّ بعض الأحزاب التقدمية خارج أوروبا، مازالت تتمسك بأُطروحات أحزابها المصممة فى ظروف الحرب الباردة قبل 1989م. وتلك حربٌ لن تعود، ولن تصلح تلك الأُطروحات لفترة ما بعد الحرب الباردة؛ فترة التمدد الرأسى/التراكبى للنظام الرأسمالى، والحرب بين النَّاس (آخر أنماط حروب رأس المال).

إذاً، لابدَّ من إستنباط أُطروحات سياسية/إقتصادية؛ تأخذ فى الإعتبار كافة المُحَدَّدَات الإجتماعية الموجِّهة للسلوك البشرى، ومتعفرة بالواقع بعد الحرب الباردة؛ لتتواءم مع تطلعات المجتمع الروحية والمادية التى تشكل وجدانه (الرجاء مراجعة كتابات كريم مروة، المستقبل العربى s1980)، وإلاَّ لظلَّت أُطروحاتنا نشازاً معزولاً متأنقاً على واقعه، وغير قابل للتطبيق.

وفى هذا المضمار يُحمد لنظريات التبعية إلتقاطها لسلطة العلم، وإثباتها أنَّ التنمية (تلك التى غابت عن حيثيات نظريات التحديث) ممكنة. ولقد إلتقطت آسيا هذا الأمر باكراً، فنمت برأسمالية الدولة. وسوف نكتشف لاحقا أنَّ الدول الكبرى التى تنادى بالحرية الإقتصادية لدول العالم الثالث، هى أبعد ما تكون عن تلك الحرية بالنسبة للقطاعات الحيوية بالنسبة للبلد. بل سنجد أنَّ دول العالم الثالث قد أفرطت فى التحرير الإقتصادى (السودان مثالاً) بشكل يفوق الدول المتقدمة، وفوق ما تطمع مؤسسات تموليه الدولية.

 

الخطاب الليبرالى والتشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان:

لقد كانت إتجاهات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى العالمى بعد إكتمال تمدد النظام الرأسمالى فى المركز، أن يتم الزحف إلى الأطراف لتلافى ظاهرة ميل الأرباح للتناقص، فكان الإستعمار المباشر للمستعمرات أبَّان شراهة القومية الإقتصادية، أو قل الرأسمالية التجارية.

فلما جاء الإستعمار الإنجليزى للسودان بنهاية القرن التاسع عشر، وجد أنَّ التشكُّل الإقتصادى الإجتماعى السابق لمجيئه قد أوجد واقعاً كانت فيه مجموعات التجار (القوية إقتصادياً إلى حدٍ ما) وزعماء القبائل، الطرق الصوفية (المؤثرة إجتماعياً)، والأنصار (المنهزمين من الحكم الثنائى الذين كانت لهم السيادة) هى الفئات الإقتصادية الإجتماعية الأقدر على البقاء حتى صبيحة الإستعمار. وكان على الإستعمار أنْ يختار توازناته بين هذه القوى الإجتماعية لِإعادة إنتاج نظامه الجديد (فرح حسن أدم 1987).

هذه المجموعات، هى الأقدر على تحريك واستنهاض الفلاحة الزراعية بطبيعة وجودهم كقادة بين سكان الريف السودانى. كما أنَّ إستخدامهم فى الجهاز الحكومى يقلل من التكلفة الإدارية. هذا إلى جانب أنَّ فئات التجار (من الطرق الصوفية كالختمية) والمرابين (كالمصريين، الأغريقيين، السوريين) قد رسم لها المستعمر دور القيام برسملة الإقتصاد المعاشى وتحويله إلى إقتصاد نقدى، ولو جزئياً فى هذه المرحلة من الإستعمار (تيسير محمد أحمد على 1989).

ولغرس وترسيخ النظام الرأسمالى بين الأنماط الإنتاجية القبل – رأسمالية، كانت هناك قبضة محكمة على الموارد بإدخال تقنيات إدارية صارمة المركزية فى الفترة الإولى من الإستعمار. ثمَّ إستمرت ذات القبضة المحكمة مع السماح لبعض الفئات الخاصة (كالمرابين الأجانب ثم من بعد المحليين كالختمية والأنصار وزعماء العشائر والقبائل) بتملُّك المشاريع الخاصة (زراعية/تجارية) فى المرحلة الثانية من الإستعمار. ثمَّ عمد الإستعمار فى الفترة الثالثة إلى الإستمرار فى المركزية الإدارية، وفى بعض الأحيان بأيدى سودانية (على أيام فترة السودنة)، إلى أنْ تراجعتْ الدولة الإستعمارية من بعض المشاريع خاصة فى عام 1953م. 

وفى هذه الحقبة الثالثة تم توسيع دائرة السماح للفئات الخاصة بحيازة مشاريع خاصة (كزعماء القبائل والعشائر والإدارة الأهلية، والوجهاء الإجتماعيين)، ومضاعفة المشاريع لبعض الفئات الخاصة القديمة، حتى بلغت مشروعاتهم فى عام 1955 مابين الـ 1000 – 1500 مشروع، وهى ثلث الأرض المروية فى السودان آنذاك (Tim Niblock 1989). فمثلاً قد بلغتْ أراضى السيد عبد الرحمن المهدى 9600 هكتار من جملة الأراضى القابلة للزراعة فى مشروع الجزيرة فى عام 1931م. كما أنَّ الطائفتين الصوفيتين الختمية والهندية، التجار السودانيين، والرأسماليين التجاريين الأجانب (البرير، عثمان صالح، أبو العلا، عبد المنعم محمد، راى إيفان، خورى، كونتوميخاليوس)، كلهم حازوا على أراضى إضافية (تيسير محمد أحمد على 1989م).

ولعلَّ إيجاد وكلاء محليين (من الفئات الكمبورادورية) للنظام الرأسمالى، والذين أُوكلتْ لهم مهمة تمديد النظام الرأسمالى وسط الأنماط القبل – رأسمالية، قد شجَّع المستعمر على جدولة الأستعمار. لِمَ لا، والنظام العالمى الرأسمالى، قد بدأ يعمل ذاتياً داخل المستعمرات، إلى جانب علو صوت حركات التحرر، وتحوُّل خط الخطاب الرأسمالى من القومية الإقتصادية الحمائية المُحْتَكِرَة، إلى الخط الليبرالى تحت قيادة أمريكا (Dunn1974).

هذه الفئات الكمبورادورية، شكَّلتْ بواكيرِ تَخَلُّقِ الشرائح الإقتصادية/الإجتماعية فى السودان. وتشير الدراسات إلى أنّ الأنصار ومناصريهم قد حُظوا بالقدر الأكبر من المشاريع الزراعية، وأنَّ طائفة الختمية (إلى جانب المشاريع الزراعية التى منحها لهم المستعمر) ومناصريهم قد نالوا الحظ الأوفر من المشروعات التجارية. أما كوادر الخدمة المدنية فى ذلك الوقت، فقد كان أغلبهم من طائفة الختمية.

فى هذا الأثناء من تاريخ التشكل الإقتصادى/الإجتماعى على مستوى العالم (المركز والأطراف)، لعِبَتْ الكينزية دوراً مهماً فى حث العالم على الإنفاق عموماً ونقل التقانة والإنفاق الأستثمارى، فإنبرتْ نظريات التحديث التنموى للمهمة.

وعلى غير المقصدِ النبيلِ للإقتصادى جون مينارد كينز (مبتدع بريتون وودز)، فقد أراد السياسى أنْ تكون مهمة نظريات التحديث التنموى فى الأطراف مهمة أمنية (تكافح الآثار الناتجة من الإستعمار المباشر وغير المباشر ريثما يكتمل تمدد النظام الرأسمالى بشكل نهائى، تكافح الشيوعية ريثما تبلغ شرائح رأس المال الحلم، تفتح أسواق للمنتجات الصناعية الأمريكية تحت الإملاءات المؤدية إلى ذلك من قِبَل مؤسسات التميل الدولى والإدارة الأمريكية فيما يُعرف (بالـ Washington Consensus) وبعيدة كل البعد عن الإفعال التنموى. وأهم نظرية من بين نظريات التحديث التنموى ذات البعد الأمنى المباشر هى نظرية مراحل النمو لِرُسُّو (ولتْ وِتْمان رُسُّو)، والتى أطلق عليها “البيان غير الشيوعى لتحقيق النمو” (رسو 1959، 1990).

إذاً، فالخطاب الليبرالى يتناغم فى صيرورته الدائبة مع سيرورة التشكل الإقتصادى الإجتماعى للنظام الرأسمالى حالة كونه ظاهرة متعولمة. 

وجب علينا إعادة التذكير بأنَّ دواعى الحث على الإنفاق فى الفترة الأخيرة من الإستعمار، وعقود الحرب الباردة، هو ضعف الشرائح الرأسمالية الوليدة المناط بها تمديد النظام فى مرحلة إعادة إنتاجه البسيطة (Simple Reproduction of the System)، والخوف عليها من الصراعات الطبقية التى يلزم خفض أوارها ببعض الإنفاق، والخوف عليها أيضاً من خطر الشيوعية الجارف. 

إذاً فهو إجراء أمنى مؤقت، ستعقبه المناداة بالقضاء على رأسمالية الدولة فى مناطق الهامش الرأسمالى العالمى (تلك التى إنتفعت بها آسيا وأبقتها لنفسها نظاماً للتنمية تحت حماية الدولة المحورية الصين) حين يجئ ذات الخطاب الليبرالى مستنكراً كِبَر قطاع الدولة (الذى حثَّ على بنائه هو بنفسه)، وينادى بالخصصة، ثم يشعلها حرباً على كل الإقتصادات عليلة الليبرالية (Ill-Liberalist Forms of Production). ويكون ذلك بالطبع متزامناً، كما أسلفنا، مع تطور القوى المنتجة للنظام الرأسمالى فى أطرافه. 

وبهذا الفهم، تكون الخصخصة هى أعلى إجراء إمبريالى يقوم به النظام الرأسمالى، فيما قبل الإنتقال إلى إعادة إنتاج نفسه فى الصورة التراكبية/المعقدة (Extended Reproduction of the System)، أى مرحلة الإستغلال غير المباشر للعمل.

1- عينة من السودانيين الذين حازوا على نشاطات خاصة بين 1900 – 1930 فى مناطق مختلفة من السودان:
_________________________________________________________
1- أراضى الزبير باشا بمحافظة النيل الأزرق فى 24/04/1906.
2- أراضى الشيخ بابكر بدرى برفاعة فى 29/06/1914.
3- أراضى عوض حسنين أبو العلا بسنجة فى 18/10/1916.
4- تخصيص أراضى حكومية للشيخ متولى ببربر، والتى أُجِّرَتْ بدورها لعبد الله بيه حمزة وعوض الكريم أبو نخيلة فى 05/04/1917.
5- حيازات سيد عمر الصافى وسيد محمد البربرى بسواكن فى 02/07/1926.
6- المشروع الزراعى للحاج محمد إبراهيم فرح بمركز شندى 27/07/1926.
7- المشروع الزراعى للعمدة على جاد الله بمحافظة بربر 22/03/1926
8- المشروع الزراعى للسير سيد على الميرغنى (رضى الله عنه) بقرية البركل محافظة دنقلا فى 13/12/1927.
9- 60 ميل هى حيازات السيد عبد الرحمن المهدى بالجزيرة أبا فى فترة العشرينات من القرن المنصرم (تيسير محمد أحمد على 1989م). 
____________
تقارير دار الوقائق المركزية (فيما عدا الفقرة (9). 

2- عينة من السودانيين الذين حازوا على نشاطات خاصة بين 1920 – 1956 حول الخرطوم:

_________________________________________
1- حيازات محمد الحارث الزبير باشا بالجيلى المسجلة فى 08/04/1928.
2- حيازات عبد العزيز الزبير باشا بالتُمانيات (قرب الجيلى) فى 28/10/1937.
3- مشروع عوض أبو العلا الزراعى فى 07/12/1939.
4- حيازات العمدة سرور محمد رملى فى 01/12/1039.
5- حيازات السيد على الميرغى (رضى الله عنه) بالخِليلة، فى 02/12/1939.
6- حيازات متولى العتبانى فى 11/05/1944.
7- حيازات فلاسان عوض الكردى فى 22/05/1945.
8- حيازات عبد القادر الزبير 20/02/1945.
9- حيازات عبد العزيز الزبير 02/11/1945.
10- حسن الزبير باشا 20/01/1946.
11- محمد أبو رنات 17/02/1947.
12- عبد القادر حاج الصافى 20/04/1947.
13- عبد القادر حاج الصافى وشركاه 23/04/ 1947.
14- البشير الشيخ الكباشى 19/06/1947.
15- المشروع الزراعى لمحمد الخليفة شريف 06/09/1949.
16- محمد الجميل الزبير باشا 14/04/1951.
17- وِداعة الله محمد والفاضل الصديق 12/10/1951.
18- عبد القادر أبو رِجيلة 07/02/1952.
19- عبد العزيز الزبير باشا 27/05/1952.
20- ورثة أنتونيو – إبراهيم خليل 29/03/1053.
21- حيازات دِميترويس أنتونيوس 29/03/1953.
22- حيازات عوض باشا محمد جيلى 29/03/1953.
23- حيازات إيمانيويل أنتيونيوس سعد 10/02/1953.
24- شيخ حسن الدوسوقى 10/06/1955.
________________________
تقارير دار الوثائق المركية. 
________________________

إفرازات:

لقد أعاق الإستعمار التطور الطبيعى لبنية الطبقات الأجتماعية فى السودان، كذلك الذى كان موجوداً فى أوروبا. ولذلك من الصعب الحديث عن أنَّ قطاعاً إقتصادياً بعينه تسيطر عليه مجموعة إقتصادية بعينها قبل الإستقلال. ولكن بالرغم من ذلك فقد برزت إلى السطح بعض المجموعات ذات الثقل الإقتصادى النسبى إذا ما قورنت بسواد الناس. ومن الأمثلة على ذلك الأروستقراطية الدينية (الطرق الصوفية والأنصار)، وزعماء العشائر (المنحدرين من أواخر فترة الخليفة عبد الله التعايشى، والتى قويت شوكتهم أثناء الحكم الثنائى حين أُدخل نظام الإدارة الأهلية الذى رأى فيه المستعمر بديلاً لتوظيف المتعلمين السودانيين، خاصة بعد ثورة 1924 ). ومن الأمثلة على العشائر التى آثرها الإستعمار على غيرها: عائلة الهبانية بالدويم، عائلة الزبير حمد الملك بدنقلا، عائلة العمدة سرور رملى بشندى، عائلة أبو سن بمناطق رفاعة وعموم الشكرية (حسين2001).

وما يجدر ذكره هنا، هو أنَّه من بين هذه المجموعات، فإنَّ المجموعات التى إستطاعت أنْ ترتبط بشريحة الدولة، هى المجموعات التى إستطاعت أنْ تُراكم أموالها، وتُعيد إستثمارها (كالمهدية والختمية والهندية). ولعل أهمَّ مجموعة على الإطلاق إستفادت من إلتصاقها بشريحة الدولة هى شريحة التجار. بل أنَّ تجربة السودان تقول بأنَّ هذه المجموعة/الشريحة لم تقف فى يوم من الأيام بمفردها دون أنْ تتحالف مع شريحة الدولة (جانيت 1990).

أما الشريحة البيروقراطية (شريحة الأفندية)، فقد بدأ الإعتماد عليها يزداد، خاصة بزيادة التوسع فى جهاز الدولة الذى تطلَّب تعيين الفنيين، والمهنيين وشبه المهنيين، وكذلك الكوادر الإدارية. لهؤلاء مهمة أداتية فقط، تتلخص فى المساهمة فى تشغيل النظام الرأسمالى الجديد، الذى يتحكم فى كل شئونه المستعمر بنفسه. وليس كل الأفندية بالطبع قادرين على تراكم الأموال ليُعاد إستثمارها، فقط الذين يشغلون الوظائاف العليا هم الذين إستطاعوا ذلك قبل 1956م (د. الصديق عبد الباقى حسين 1986).

هذه المجموعات الإقتصادية، تشكل النخبة الإقتصادية (حلف القوى الإقتصادي المكوَّن من الأُروستقراطية الدينية، زعماء العشائر، التجار، الأفندية/البيروقراط شاغلى الوظائف العليا) التى من بينها إختار الإستعمار أعضاءاً للحكومة الوطنية فى 1952-1953م. وهى ذات المجموعة التى إتبعت سياسات المستعمر، حِزوك النَّعل بالنَّعل، بعد أنْ فازت بالإستقلال، وسيطرت على الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية آنذاك. هذا الحلف الإقتصادى اليمينى، على غيرِ أهل اليسار، كان من أنصار إتباع التنمية على الطريق الرأسمالى.

أمَّا الشرائح (خارج تحالف القوى الإقتصادية) الأخرى فهى الشرائح الضعيفة من الفلاحين والرُّحَّل، مُلاَّك الحواشات، عمال الريف، عمال الحضر، والشرائح الوسطى والدنيا من الخدمة المدنية. وهؤلاء لا يملكون إلاَّ قدرتهم على الإنتظام فى تنطيمات مجتمع مدنى لإنجاز حقوقهم السياسية والإقتصادية (Niblock 1989). 

الجدير بالذكر بأنَّ هذه المجموعة ليست متجانسة فيما بينها، ولكن الإختلاف بينها وبين مجموعة حلف القوى الإقتصادية، هو الذى شكل الصراعات الإقتصادية/الإجتماعية، والمواجهات السياسية فيما بعد الإستقلال. وهنا يمكن الحديث عن طبقات ناشئة، كالبرجوازية، الطبقات الوسطى، وفقراء الريف والحضر.

إذاً، فالإستعمار وصل ذروته، وأوجد خليفته الذى سيعيد إنتاج النظام الرأسمالى فى غيبته، فما كان إلاَّ أنْ أعلن الجلاء.

محصلة الخطاب الليبرالى والتشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان:

ما نستفيده من هذا العنوان، أنَّ تحقيب التاريخ لا يتم بأحداث فوقيةً عارضة، وإنَّما هو عملية أكثر عمقاً مما هو جارٍ أمام أعيننا، إذْ أنَّه يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالتشكُّل الإقتصادى الإجتماعى.

فأحداث كثيرة مرَّتْ علينا فى حياتنا السودانية قد تمَّ تفسيرها بشكل جزئى، إنْ لَّمْ يكن بشئٍ من التسطيح. ومن بين هذه الأحداث: إستقلال السودان، تصورنا للتنمية، وظاهرة الإنقاذ. هل نحن أنجزنا إستقلالنا، أمْ أنَّ المستعمر أنجز مراده وخرج؟ من منا كان يعتقد أنَّ التنمية التى أُتيحت قد كان مقصودٌ بها تأمين سيادة النظام الرأسمالى على غيره من التشكيلات الإقتصادية الإجتماعية القبل– رأسمالية؟ من كان يعتقد أنَّ الإنقاذ تحكم السودان ربع قرن من الزمان؟

إذاً، فالمستعمر مُحرض الذهن بنموذج يود حقنه فى واقعنا الإقتصادى الإجتماعى (قطرة من السم الذى شحنتم به شرايين التاريخ، الطيب صالح). وقِوامُ هذا النموذج هو: إعادة إنتاج قسرية فى بادئ الأمر (Subjugation) لِأجل أن يتموضع النموذج على أرض الواقع، إعادة إنتاج بالشراكة مع المجموعات الإقتصادية الإجتماعية القابلة للمساهمة فى النظام الجديد، ومن ثمَّ إعادة إنتاج ذاتية من الداخل يقودها القطاع الخاص فى نهاية التحليل. ولا غروَ إذاً، أن يترك لنا المستعمر نموذجاً للخصخصة مستتراً فى المرحلتين الأولى والثانية من الإستعمار، وسافراً فى المرحلة الثالثة كما تمَّ فى عام 1953.

إنَّ مصادرة أراضى الأنصار فى المرحلة الأولى من الإستعمار (1899) التى ذكرها كتَّاب التاريخ الفوقى (مع كامل الإحترام لهم)، وإستمالة الختمية والتجار الأجانب، ثمَّ دعم الأنصار الواضح والكبير فى المرحلتين الثانية والثالثة (والختمية وفئات أُخرى بدرجات متفاوتة)، لا يُفَسَّر إلاَّ بأنَّ المستعمر كان يجرى توازناته التى تصون النظام الوليد وتحميه، آخذاً فى الإعتبار حقائق التشكل الإقتصادى الإجتماعى السابق لمجيئه، وضرورات ومتطلبات إعادة إنتاج النظام الجديد الذى ينشده. لذلك فإنَّ الإتهامات التى كانت تُطلق من وقت لآخر بين المجموعات الإقتصادية الإجتماعية الوليدة بأنَّ فلاناً أو علاناً، ذيل للمستعمر، قد أُسِّسَتْ على قرآءات غير عميقة لهذه الحيثية.

نحن لم نجبر الإستعمار على الخروج من بلدنا، خاصةً وأنَّه حاول إسكات ثورتنا بمشاريعه الإعاشية على امتداد النيل الأزرق والأبيض والنيل الرئيس، وقد خرج وفق جدول وضعه هو لنفسه ليكون متزامناً مع العمل التلقائى لنموذجه المتغلغل حديثاً. 

أقول ما أقول، دون المساس بثورة 1924 المجيدة، والمد الثورى للجبهة المعادية للإستعمار، والتى تَيَقَّظَ على أثرهما المستعمر ليُعادى الراديكاليين أثناء وجوده المادى بإستمالة اليمينيين إلى جانبه وتقوية شكيمتهم، أو أثناء وجوده بالوكالة بجعل الفترات الديمقراطية التى من خلالها يمكن أن يُطل الراديكاليون برأسهم أقصر عمراً، كما سنرى ذلك لاحقاً.

قلق معرفى:

إذا ألقينا نظرة على الأسماء الحائزة على نشاطات إقتصادية (زراعية/تجارية) فى القرن المنصرم (أُنظر الجزء الأُول من هذه المداخلة)، نجد فى النوعين من الأنشطة الإقتصادية الموزعة (داخل وخارج الخرطوم)، تكرار لِأسماء أبناء الزبير باشا بشكل ملحوظ.

وإذا أخذنا فى الإعتبار عمليات تراكم وتوالد رأس المال المدفوعة بتحقيق الربح عبر الزمن ومنذ ذلك التاريخ لتلك الأسرة، فهل ثمة رابط بينه وبين النزوع للعنصرية البغيضة الناشئة الآن؟

بمعنى آخر، هل ترتبط عنصرية هذه الأيام بنوعٍ من أنواع التشكُّل/الإقتصادى الإجتماعى وسيادة بعض الأنساق، التى تستوجب معالجتها فيما بعد تفكيك قدراتها الإقتصادية لِاستئصال شأفتها مرةً واحدةً وللأبد؟

لا أملك معلومة ولا إجابة، مجرَّد قلق معرفى!!

 

محددات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى الرأسمالى المهيمن: 

1- حول الدولة وصراع الطبقات فى السودان:

لن أسوق القارئ الكريم إلى ذلك التنظير المستغرق فى التجريد عن طبيعة الدولة الرأسمالية ومزاعم إستقلالها النسبى وعدمها، عن الطبقات المسيطرة فى المجتمع. ومن أراده، فليقرأ عن الدولة؛ فالكتابات عنها كثيرةٌ، فعلى سبيل النّذر لا الحصر: فِردريك أنجلز، لينين (بدآئيات الحديث عن الدولة). ألتوسير، بولانزاس، قرامشى (الحديث العميق عن الدولة). سمير أمين، مهدى عامل، كارشيدى (الدولة فى محك التشكل الإقتصادى/الإجتماعى الرأسمالى). حمزة أَلَفى، مخطوطة الدكتوارة لدكتور الصديق عبد الباقى حسين (الدولة فى دول العالم الثالث/السودان). محمد إبراهيم نقد (الدولة المدنية، وإنتاج معرفة جديدة بشأن الدولة الرأسمالية) … إلخ.

ولكن دعونا نتعرف على الدولة الرأسمالية فى محك التشكل الإقتصادى/الإجتماعى وصراع الطبقات فى السودان، فهل يا تُرى كانت بدعاً من أَخَوَاتِها؟

ما تجدر الأشارة إليه هنا بادئ ذى بدء، هو أنَّه مع هيمنة النظام الرأسمالى على غيره من أنماط إنتاج وإخضاعها للعمل وفق نمط الإنتاج الرأسمالى لِأداء وظيفة رأسمالية، يصعب مع هكذا واقع الحديث عن أنماط قبل – رأسمالية، أو عن حالة إزدواج فيها قطاع رأسمالى حديث وآخر تقليدى (قبل – رأسمالى) يعملان فى إتجاهين متضادين، كلاهما لصالح تشكيلته. فالشاهد أنَّ الأنماط القبل – رأسمالية لا توجد كأنماط إنتاج، بل كعناصر إنتاج وذلك بفعل تعطيلها بسيادة النظام الرأسمالى الجديد عليها وإستغلال عناصرها الإنتاجية (العمل وأدوات إنتاجها البدائية) لخدمة النظام الرأسمالى الجديد (Poulantzas 1978).

ولكن مع واقعٍ كهذا، فقد حُقَّ لنا أن نتحدثَ عن أنماط إنتاج لا- رأسمالية وليس قبل – رأسمالية. ولمعرفة أنَّ نمطاً ما من الأنتاج رأسمالى بالكلية أم لا، فإننا ننظر فى ثلاثة مستويات فى بنية النظام السائد: الدولة، علاقات الإنتاج، والتشكيلة الإجتماعية. فإنْ كانت الثلاثة مستويات رأسمالية فإننا نقول هذا النظام رأسمالى مائة بالمائة. غير أننا فى التشكل الإقتصادى/الأجتماعى الرأسمالى الذى ساد بعد الإستقلال فى السودان، نجد أنَّ الدولة فيه رأسمالية، علاقات الإنتاج رأسمالية، ولكن التشكيلة الإجتماعية مازالت قائمة على أساس قبلى/عشائرى، وليس على الأساس الإقتصادى أو القطاعى. وهذا ما يجعلنا نصفها باللا – رأسمالية، أو قل غير مكتملة الرأسمالية.

إذاً، على أيامِ الجلاء، فإنَّ النظام الرأسمالى كان سائداً على أنماط لا- رأسمالية (أنماط غير مكتملة الرسملة) خاصة فى الريف السودانى. لذلك نجد؛ أنَّ الفئات المستأمنة على صيانة النظام الرأسمالى قد وجدت نفسها وجهاً لوجه مع حالة من التناقض الإجتماعى الحاد بين فئات المجتمع، والتى كان يغطى عليها الأستعمار بقبضته الحديدية ومشاريع الأمن الإعاشية، لحين تمدد النظام الرأسمالى وطغيانه على غيره من أنماط الإنتاج.

ومع هذه الحالة من الرسملة غير المكتملة، كان لابد من الأستمرار فى المركزية القابضة، وإنْ جاءتْ هذه المرة بإسم الوحدة الوطنية والصالح العام (لخدمة كافة وكلاء التشكل الإقتصادى الإجتماعى). لذلك فالمحافظة على الوحدة واستقرار الدولة طغى هو الآخر على التناقضات والتطور اللامتكافئ بالنسبة للمجتمع.

فالشاهد، أنَّ للقبضة المركزية أهدافها من وجهة نظر النخبة الأقتصادية (الحلف القوى إقتصادياً)، وهى المحافظة على واقع مراكز القوة التى حُظيتْ بها من قِبَلِ المستعمر. أما من وجهة نظرالعمال؛ فإنَّ العمال قد رأوْا فى إستمرار تماسك الدولة الوطنية مصلحة عليا تطغى على مصالحهم الفئوية. كما أنَّ تفكيك الإستعمار وإزالة إستبداده وديمقرطة الأنشطة الإقتصادية/الإجتماعية والسياسية هو فى حد ذاته يمثل ميزة لهم مقارنة بالوضع المائل السائد أبَّان الأستعمار. وتتداخل مع هذا الواقع رغبة أُخرى للخطاب الليبرالى وهى القضاء على أنماط الأنتاج اللا – رأسمالية (عليلة الليبرالية).

هذا الواقع جعل البعض يعتقد بأنَّ الدولة الوطنية الرأسمالية فى السودان تقف على مسافة متساوية ومستقلة عن القوى الإجتماعية السودانية، وأنها تقوم بعملية الإنفاق الحكومى لمصلحة كل المجتمع. ولكن الأستقصاء الدقيق يكذِّب هذه الحيثية. إذْ أنَّ تلك المركزية كانت تخفى وراءها حقيقة أنَّ السياسات الإقتصادية كانت موجهة لخدمة مصالح حلف القوى الأقتصادى حتى منذ حكومة الحكم الذاتى 1952-1954م. ولما كانت هذه الحكومة تُدار بواسطة بيروقراط معظمهم من طائفة الختمية، فقد وجدنا أنَّ عدد المشاريع التجارية الممنوحة للأفراد قد زاد على عدد المشروعات الزراعية (راجع ملفات المسجل التجارى لتلك الفترة).

وبذلك يمكننا القول بأنَّ برجوازية الدولة كانت منذ الوهلة الأُولى تتبع نظاماً تنموياً يُراعى مصالح حلف القوى الإقتصادى على حساب الفئات الضعيفة. وبمرور الزمن، فإنَّ المركزية بدأت فى التلاشى ليس لمصلحة البرجوازية الوطنية (النخبة الإقتصادية)، بل لمصلحة مراكز القوى العالمية (International Power Block).

إذاً، فشلت النخبة الإقتصادية فى خلق إقتصاد قومى متجانس وذلك منذ وقت مبكر (1952-1956)، الأمر الذى أدى إلى تفاقم الفروق الإجتماعية بين أفراد المجتمع، خاصةً بين الحياة المدنية وبين الدولة والمتحالفين معها. فالآن النموذج الإستعمارى يتكرر على أيدى وطنية.

وكما هو متوقع أن يزداد الأنفاق الحكومى بعد الإستقلال إلى نهاية الحرب الباردة، لِأجل تمديد النظام الرأسمالى على كافة أصعدة التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان ومحاربة الشيوعية، فذلك يعنى أنَّ وكلاء جدد للإنتاج الرأسمالى تتم إضافتهم بإستمرار لمجتمع الرأسمالية السودانية. وكنتيجة لذلك، فإنَّ المجموعات الإقتصادية الناشئة بدأت تدريجياً تزيد من مطالبتها بتوسيع دورها فى عمليات إتخاذ القرار.

فالعمال بدأوا يسألون شريحة الدولة (تلك التى من المفترض أنها تعمل لصالح كل وكلاء العملية الإنتاجية الرأسمالية، أى عمال ورأسماليين) تحسين أوضاعهم، وبدأوا يتدخلون فى الكيفية التى تدار بها العملية الإنتاجية؛ فنادَوْا بإنصاف العمل، وطالبوا بدور أكبر فى إدارة أوضاعهم. وأيضاً، فالنخبة الإقتصادية (كأكبر دافع للضرائب) بدأت تطالب بتحسين مناخ جيد للإستثمار، ليتسنى لها دفع الضرائب التى تطالبهم بها الدولة.

ولعل تجارب الحكم المتعاقبة فى السودان، وكما جاء آنفاً، تعكس حدة الصراع بين الفسطاط الذى يملك او قادر على تملك وسائل الإنتاج، والفسطاط الآخر الذى لا يملك سوى قدرته التنظيمية الجمعية للحصول على مكتسباته الإقتصادية والسياسية. ولما كانت شريحة الدولة فى كل الأوقات منحازةً للشرائح الرأسمالية، فإنَّ حلف النخبة الإقتصادى لا يستطيع أن يصل إلى وسائل الإنتاج وزيادة مكتسباته ومصالحه الإقتصادية، إلاَّ بشلِّ الصراع الإجتماعى وإخراص صوت العمل والغريم السياسي الذى يتحدث بإسمه. وما كان للطبقات الغنية أنْ تفعل ذلك إلاَّ بتحالفها مع شريحة الدولة. ولذك كان المنتصر دائماً هو حلف النخبة الإقتصادى. ويتجلى ذلك بوضوح من عمليات الإنفاق الحكومى، التى وُجدَ أنَّ 60% منها يخدم الطبقات الغنية (إبراهيم الكرسنى 1986م)، خاصةً الشريحة ذات الهيمنة (على أحمد سليمان 1975م). وحتى فى الفترة ذات التوجه الإشتراكى 1969-1971 فقد وُجد أنَّ الخاسر هو الفئات الضعيفة (الصديق عبد الباقى حسين 1986م). وذلك بحسبان أنَّ الليبرالية العالمية ما كانت لتسمح بنظام إشتراكى فى السودان فى ذلك الظرف الدقيق من مرحلة التشكل الرأسمالى على مستوى العالم، خاصةً فى السودان الذى يضم أخطر الأحزاب الشيوعية على مستوى أفريقيا والوطن العربى. 

ولقد بدأت تتنامى عندى قناعة، أنَّ هذه النخب الإقتصادية عاجزة عن العيش فى مناخ ديمقراطى. فالديمقراطية تعنى أنَّ شريحة الدولة عليها أنْ تقف على مسافة متساوية من كل القوى الإجتماعية، وتدير العملية الإنتاجية لصالح كل شركاء العملية الإنتاجية. ولكن النخب الإقتصادية السودانية (وبالطبع من بينها برجوازية الدولة) لا تريد ذلك، والخطاب الليبرالى العالمى لا يريد ذلك، على الأقل فى هذه المرحلة من التشكل الرأسمالى. لذلك، فسرعان ما يوحى هذا الخطاب الليبرالى العالمى للشريحة ذات الهيمنة أنْ تسلم السلطة إلى عسكريين من إنتخابها هى. وذلك لأنَّ الديموقراطية فى السودان مطلب (مع نبله) غير مأمون العواقب فيما يتعلق بتمديد النظام الرأسمالى، وتمرير بضائع الغرب الليبرالى، ومحاربة الشيوعية داخل السودان وخارجه. فقد كان النظام الليبرالى العالمى يتخوف من صُعود الراديكاليين بالقنوات الديمقراطية، وبالتالى يُعيقون تمدد النظام الرأسمالى. ولا غروَ إذاً، أنْ نجد مجموع فترات الحكم الديمقراطى فى السودان 11 سنة، ومجموع فترات الحكم العسكرى الشمولى 45 سنة.

عليه فإنَّ النتيجة الحتمية للسلوك الإقتصادى للدولة القاضى بدعم شرائح النخبة الإقتصادية (خاصةً الشريحة ذات الهيمنة)، يؤدى إلى وضعية أنَّ القادرين على تراكم أموالهم فى الماضى بدعم المستعمر لهم (على علاَّت ذلك الدعم التوازنى)، سيصبحون الأقدر على تراكم رؤوس أموالهم بتحالفهم مع شريحة الدولة. وذلك يعنى أنَّ المستثمرين الخاصين الذين تدعمهم شريحة الدولة، يدخلون مرحلة جديدة من عمليات التراكم الرأسمالى، وهى التركُّز/التخصص الرأسمالى. ومع بداية هذه المرحلة يكتمل تخلق الطبقات الإجتماعية بكافة شرائحها.

2- بعض الحقائق عن التشكل الإقتصادى/الإجتماعى والطبقى فى السودان المساعِدة على فهم محدداته:

لعل القارئ الكريم قد لاحظ أنَّ جينات التشكل الطبقى قد بدأت فى حقبة الإستعمار، ولكنَّها نمت وربتْ فيما بعد ذلك، فكان تخلق المجموعات الإقتصادية، ثم الشرائح الرأسمالية، ثم التناقض الحاد بين الطبقات. ودعونا نلقى بعض الضوء على كيفية التشكل الطبقى لِأهميته فيما سيرد من تحليل وتعليل.

1- الشريحة التجارية:

لقد سبقتْ الشريحة التجارية بقية الشرائح الرأسمالية الأُخرى فى التكوين والنمو والتحالف مع شريحة الدولة (بل هى دائمة التحالف معها كما جاء آنفاً). إذْ أنَّها قد وُجدت حتى قبل فترة الحكم الثنائى (البريطانى/المصرى)، ولكنَّها قد توسعت كثيراً بعد الأستقلال (فاطمة بابكر محمود فى: مدثر عبد الرحيم 1986م).

ولمَّا كانت المجموعة التى تمثل الشريحة التجارية هى واحدة من المجموعات التى تكيَّفتْ على العيش والبقاء مع عسف الثورة المهدية ونقمتها على التجار الأجانب (الحُمرة الأَباها المهدى)، خاصة على أيام الخليفة عبد الله التعايشى، فإنَّها فى فترة الإستعمار الأولى والثانية قد إنتعشتْ إنتعاشاً كبيراً مع ظهور التجارالأجانب والمهاجرين، والتجار من الأُصول السودانية. وفى فترة الأستعمار الإنجليزى، فإنَّ قيادة هذه الشريحة كانت في يد التجار الأجانب والمهاجرين الذين إنهمكوا فى أنشطة الإستيراد والتصدير. 

وممَّا يدلل على النضج الباكر لهذه الشريحة كشريحة (وليس كمجموعة إقتصادية)، على خلاف المجموعات الإقتصادية الأُخرى، هو إنشاء غرفة السودان التجارية منذ عام 1908م، والتى تمثل التجار ورجال الأعمال (عثمان أبو كشوة 1994م). وقد كان التجار الوطنيون والذى ينتمى معظمهم لطائفة الختمية، من أعيان هذه الشريحة. وقد إنتعشوا تحت حماية الدولة البريطانية المستعمرة (فى ظل توازنات المستعمر) فى الفترة الأُولى من الإستعمار فى المناطق الحضرية وفى شمال وشرق السودان. حيث أنَّ سيطرتهم على تجارة التجزئة قد أوجدت الأساس المتين لتشكل شريحة البرجوازية التجارية (كارول كولينز فى: مدثر عبد الرحيم 1986م).

وفى فترة ما بعد الإستقلال، خاصة فى عام 1965م، فإنَّ القادة القدامى لهذه الشريحة (وهم من الأجانب والمهاجرين) قد تراجعوا إلى الخلف بفعل تركيز سياسة السودنة التى بدأت منذ الإستعمار، وبفعل سياسة محاربة الأنشطة الطفيلية (Under-invoicing/Over-invoicing Activities) التى كانوا يقومون بها. وبالتالى صار التجار المنتمون للحزب الوطنى الإتحادى هم قادة هذه الشريحة. هؤلاء التجار الوطنيون لم يكونوا طفيليين فى يومٍ من الأيام، ولكن تلك المجموعات الأجنبية قد نجحت فى مزاولة أنشطتها الطفيلية تحت قيادتهم لهذه الشريحة (الحزب الشيوعى السودانى 1967م).

وبما أنَّ عائلة الميرغنى عقب الإستقلال مازالت عضواً مهمَّاً فى الشريحة الزراعية؛ إلاَّ أنَّ أعوانهم من التجار الكوارتة، هم الذين شقُّوا طريقهم إلى الشريحة التجارية. والكوارتة بحكم علاقتهم بالحزب الوطنى الإتحادى، قد ولجوا العديد من الأنشطة التجارية غير الطفيلية، كتجارة الحبوب والأقمشة وغيرها. هذه المجموعة من التجار، مع مجموعات أخرى من التجار السودانيين الذين فرخهم التشكل الرأسمالى فى السودان، قد أصبحوا فيما بعد عظم الظهر بالنسبة لحزب الشعب الديمقراطى المنشق من الوطنى الإتحادى (تيسير محمد أحمد على 1989م).

ومن المظاهر الأُخرى التى تدلل على تطور هذه الشريحة وتغلغلها فى فى الإقتصاد السودانى هو قيام الإتحاد الإستشارى للمخدمين (ECU) فى عام 1967م، والمعنى بالتفاوض مع الحكومة وإتحاد عام نقابات عمال السودان (SWTUF)، حول مصالح رجال الأعمال الممثلين للشريحة التجارية والصناعية فقط (عثمان أبو كشوة 1994م).

وفى نحو عقد آخر، طرأ تطور آخر على تشكل هذه الشريحة التجارية، وهو قيام الإتحاد العام لِأصحاب العمل السودانى (SGUB) فى عام 1977م. والذى كان يهدف لخلق علاقات جيدة مع شركاء العملية الإنتاجية والسلطة، بغية النهوض بالإقتصاد الوطنى، مساعدة الحكومة فى تصميم الخطط التنموية وتنفيذها، ورسم وجهات نظر رجال الأعمال فيما يتعلق بهذه الخطط والسياسات الأُخرى ذات الصلة بمصالحهم، مساعدة الحكومة فى مراجعة وتحديث اللوائح والقوانين المنظمة للأعمال الخاصة برجال الأعمال، وتنسيق كل جهود رجال الأعمال بجعل إتحاداتهم المتخصصة منضوية تحت الإتحاد العام (SGUB).

وعليك أنْ تنظر أخى الباحث/ القارئ الكريم فى كيفية إشرئباب وزحف هذه الشريحة للتأثير فى قرارات برجوازية الدولة وتجييرها عبر الأزمنة (كما سنرى) لصالحها ولصالح التراكم والتمدد الرأسمالى.

والجدير بالذكر أنَّ الشريحة التجارية كانت دائماً ما تشكل حاضناً (ولو من غير علمها) للشرائح الطفيلية، والتى فيما بعد أصبحت الشرائح ذات الهيمنة المسيطرة على كل شئ. بل واستولت على إتحاد عام أصحاب العمل السودانى، وكونت ما يُعرف “باللجنة الرسالية” لِإتحاد عام أصحاب العمل. وقد كانت رسالتها عقب إستبدال العملة الأوَّل، الإشارة لشريحة الدولة بأنَّ فلاناً متغلغلٌ فى قطاع كذا ويجب أن يحلَّ محلَّه الرأسمالى الرسالى فلان. وعلى إثر ذلك خرجت أسماء رأسمالية راسخة القدم من حلبة السوق، وزُجَّ بهم فى السجون بفخِّ الشيكات المكشوفة، والبعض ترك البلد وهاجر.

2- الشريحة الزراعية:

بدأ تشكُّل هذه الشريحة على أيام الإستعمار، بل لعلَّ الإستعمار دعم نشوءَها بشكلٍ رئيس، وهى تمتلك آلافاً من مشاريع الطلمبات الزراعية منذ ذلك الوقت. ومع توسُّع علاقات الإنتاج الرأسمالى (الرأسمالية)، إنضمت أعداد ليست بالقليلة من الرأسماليين الزراعيين إلى هذه الشريحة. ولعلَّ العلامة الفارقة والمهمة فى تشكُّل هذه الشريحة هى النزوع للتركُّز الرأسمالى الزراعى، المتمثل فى مشاريع شراكات المالك والمموِّل على طول النيلين الأزرق والأبيض. هذه الشراكات مكَّنت الممولين (أكبر المنتجين الخاصين للأقطان السودانية) الذين منعهم المستعمر من التوسع فى المشاريع الزراعية بعد حدٍ معين، من زيادة مداخيلهم عن طريق هذا النظام (عمر محمد عثمان: فى الفاتح شاع الدين 1982م).

هذه الشريحة تضم عدداً من العائلات المرموقة فى المجتمع السودانى ومناصريهم، الذين راكموا أموالاً طائلة من تجارة القطن فى السودان فى الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن المنصرم، كعائلة المهدى، والميرغنى، والهندى، وعدداً من المهاجرين كأمثال سعد أبو العلا، عبد المنعم محمد، وعثمان صالح (المرجع أعلاه). ولكن تبقى عائلة المهدى (دائرة المهدى الزراعية) هى قائدة هذه الشريحة لفترة طويلة من الزمن بحسب إمتلاكها لِأكثر المشاريع الزراعية الخاصة فى السودان (تيسير محمد أحمد على 1989).

غير أنَّ قيادة عائلة المهدى لهذه الشريحة قد بدأت فى التضعضع منذ الأصلاح الزراعى الذى نفذه الشريف حسين الهندى فى عام 1967م. بل وغاب هذا الدور الريادى لِأُسرة المهدى لهذه الشريحة لحين من الدهر على أثر برنامج مصادرة المشروعات الخاصة الذى قام به نظام النميرى عام 1970/71م.

ومن الحيثيات المهمة الدالَّة على التطور التاريخى لهذه الشريحة هى تكوين الغرفة الزراعية تحت مظلة إتحاد عام أصحاب العمل السودانى فى العام 1977م. غير أنَّ المساهمة المنتجة لهذه الشريحة فى الإقتصاد القومى قد بدأت فى التراجع منذ منتصف السبعينات من القرن الفائت، مع غياب الإنفاق على البنيات الأساسية التى كانت تنادى بإصلاحها الغرفة الزراعية، و تراجع الصرف على التنمية الزراعية. وعليه، لم تجد هذه الشريحة بُدَّاً من الإستثمار فى الخدمات الزراعية طوال عقدى الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، وبدأت فى التنحِّى عن الإستثمار المنتج.

وبإيجاز يمكن القول، بأنَّ تراجع الدور المهيمن والمسيطر لهذه الشريحة بين الشرائح الرأسمالية فى السودان يُعزى بالأساس لتدهور البنيات الإقتصادية، وبالمقابل لسيادة وهيمنة العناصر الطفيلية فى الإقتصاد السودانى.

3- الشريحة الصناعية:

وبالنظر إلى الشريحة الصناعية، فإنَّها تكاد تكون نسيجَ وحدِها فى السياق السودانى. حيث أنَّ المستعمر لم يعمد إلى الدخول فى إستثمارات صناعية فى السودان، ولم يثبُتْ أنَّه شجَّع القطاع الخاص على الإستثمار فى القطاع الصناعى. وقد هدف المستعمر من ذلك، أن يجعل من السودان (وبالطبع بعض الدول الأُخرى) دولة مستوردة لمنتاجته الصناعية. وقد كان ذلك واحداً من أهم العوامل التى أعاقت التطور التنموى فى السودان (تأخر التنمية الصناعية عامل مهم فى تأخر التنمية عموماً).

وبالتالى، وكنتيجة لضعف القاعدة الصناعية فى السودان، فإنَّ وكلاء هذه الشريحة من المستثمرين قد ولجوا إلى هذا القطاع بالصناعات الغذائية الخفيفة (Food Processing) وغيرها، كمطاحن الدقيق، صناعة الصابون، إستخلاص الملح، الحلويات، والمشروبات الغذائية، والطباعة (Niblock 1987). 

ولعلَّ رأسمال هذه الشريحة هو فى الحقيقة من الأرباح المعاد إستثمارها من فوائض أرباح (Reproducible Capital) الشريحتين التجارية والزراعية (فاطمة بابكر 1986). غير أنَّ المنحدرين من أصلاب هاتين الشريحتين والمهتمين بالإستثمار الصناعى، يشكلون الأساس والقاعدة لهذه الشريحة الصناعية. 

ومما يجدر ذكره، أنَّ الصناعة من القطاعات الواعدة فى السودان، وتطورها يعتمد على تطور القوى المنتجة والسعة الإنتاجية للبلد (الأساس الإقتصادى للبلد). كما أنَّ أى تحسن فى البنيات التحية للبلد، يقود إلى إنتعاش التصنيع. وصرف النظر عمَّا تحتاجه من راسمال إبتدائى، فإنَّ الصناعة مربحة فى كل مرحلة من مراحل الإنتاج. ولذلك من المتوقع أن يزداد حجم هذه الشريحة، وأنْ تزداد سيطرتها كقوة إقتصادية إذا توقفتْ المعاملات الطفيلية فى البلد.

ولعلَّ من الملامح اللاحقة والمهمَّة لتطور هذه الشريحة، خاصة فى فترة الستينات من القرن المنصرم، هو قيام العديد من المصانع الخاصة، الأمر الذى أدَّى (فيما بعد) إلى نشؤ إتحاد صناعى (ICU) يمثل هذه الشريحة، ويكافئ الأثر الناتج من إنشاء إتحاد عام نقابات عمال السودان (SWTUF)، الذى صار مدافعاً عن حقوق العمال فى هذه المصانع. 

ومن أهم مظاهر تطوُّر الشريحة الصناعية فى السودان، هو مَيْلُها نحو التركُّز الرأسمالى. وكمثال لذلك، الإندماج الذى تمَّ بين شركات التصنيع الدوائى، وشركة بيطار. وقد كان السبب فى هذا الإندماج، هو نقص المدخلات الطبية لشركات التصنيع الدوائى كنتيجة لشح العملات الصعبة، وتهديد شركة بيطارلها، وهى تمتلك وقتها مدخرات ضخمة من العملات الصعبة، بإجتذاب مُمَوِليها بالمدخلات الطبية، الأمر الذى يعنى إفلاسها.

هذا الوضع قاد فى نهاية المطاف، إلى الوصول إلى إتفاق بالإندماج بين الشركتين. وقد سُمِيَتْ الشركة الجديدة “بشركة الخرطوم للمنتجات الطبية”. هذه العملية تمَّتْ قبل 1969م، ولكنها دخلتْ حيِّز الإنتاج الفعلى بعد ذلك. 

لقد بلغ تطوُّر هذه الشريحة ذروتَه (كما ذُكر آنفاً) فى سبعينات القرن الفائت حين تأسَّسَ إتحاد الغرف الصناعية تحت لواء إتحاد عام أصحاب العمل السودانى. بل أنَّ هذه الشريحة كانت الشريحة الأكثر والأشهر تأثيراً فى قرارات إتحاد إصحاب العمل السودانى، بإعتبارها رائدة الإستثمار المنتج/الخلاَّق فى السودان. كما أنَّ القائمين على أمرها مِهنيون على درجة عالية من التعليم.

ولمَّا كان الغرب لا يريد للسودان أن يتطور صناعياً، فقد بدأ بالضغط عليه ليُقلِّل من الإنفاق على البنيات التحتية منذ سبعينات القرن المنصرم، وخاصة عند منتصف ثمانيناته (العرض الإقتصادى 1985/1984م). وفى هذا الوقت بالذات، فإنَّ معظم إستثمارات الشريحة الصناعية إمَّا توقفتْ كليةً، أو كانت تعانى من مما يُعرف بالتشغيل الجزئى (Under-capacity utilisation). 

4- شريحة البرجوازية الصغيرة:

إنَّ أوضح سمات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان تتجلى فى تشكُّل شريحة البرجوازية الصغيرة. وتتكون هذه الشريحة من: كِبار موظفى الخدمة المدنية، صِغارالمنتجين، الشرائح الوسطى والدنيا من الخدمة العامة، وصِغار المزارعين وصِغار المُلاَّك. 

ومن أبرز دلائل تشكل البرجوازية الصغيرة السودانية هو عدم ثبات الفئات الإجتماعية المنتمية إليها فى حيِّزها كشريحة إجتماعية. إذْ كثيراً ما نجد أنَّ فئات هذه الشريحة تتأرجح عُلواً وهبوطاً بحسب الأوضاع الإقتصادية فى البلد. وهذا حالُ هذه الشريحة منذ الإستعمار (تيسير محمد أحمد على 1989م). 

فمثلاً، على أيام الإستعمار وفى بداية مشروع الجزيرة، فإنَّ بعض صغار المزارعين تحولوا إلى عمال زراعيين، والبعض الآخر من الملاَّك الزراعيين (خاصة زعماء القبائل) تضاعفتْ أملاكُه من الحيازات الزراعية. 

وعلى أى حال، فمنذ تحالف شريحة الدولة مع الشرائح البرجوازية الغنية فى المجتمع على أيام الإستعمار، وحتى سبعينات القرن الفائت، فإنَّ الخدمة المدنية السودانية قد نُظِرَ إليها كوسيلة للتراكم الرأسمالى. لا سيما وأنَّ أعداداً كبيرة من موظفى الخدمة المدنية السودانية فى خمسينات وستينات القرن الفائتْ، قد ولجوا إلى عالم المعاملات التجارية والإستثمار الزراعى، خاصة فى مناطق الزراعة الآلية (Niblock 1987).

أمَّا فى سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، فإنَّ شريحة الدولة قد دخلت طوراً جديداً من التراكم الرأسمالى مع هيمنة الشرائح الطفيلية فى المجتمع السودانى واستشراء الفساد. فقد حازت هذه الشريحة فى هذه الفترة على العديد من المكتسبات الإقتصادية، والأراضى والمَزَارِع حول العاصمة القومية، والشركات التجارية والخدمية (كمير والكرسنى 1985).

أمَّا فى تسعينات القرن المنصرم، فبإسمِ الصالح العام، فإنَّ أعداداً كبيرة من رجالات الخدمة المدنية، قد أُستُبْدِلوا برجال أعمال من الشرائح الرأسمالية (عبد الرحيم حمدى وعبد الوهاب عثمان مثالاً) وبمغتربين من دول الجوار النفطى، وهم فى الحقيقة من ذات الشرائح الرأسمالية المتماسكة إقتصادياً، وتمَّ إستيعابهم بكامل مخصصاتهم فى دول الخليج، خاصةً أُولئك الذين يعملون فى قطاع البترول.

عليه يمكن القول، بأنَّ الفترة 1989 – حتى الآن، تمثل الفترة التى يصعب فيها تمييز شريحة الدولة كبرجوازية صغيرة مستقلة بذاتها، عن الشرائح الرأسمالية الأُخرى. إذْ أنَّ سياسات التمكين أفقدتْ شريحة الدولة أىَّ معنى للإستقلال النسبى لهذه الشريحة عن الشرائح الرأسمالية، فالكلُّ مُكِّنَ له ليكون رأسمالياً، ومن تبقى زُحزِحَ نحو الفقر.

5- الشرائح الفقيرة:

بدأ تشكل هذه الشريحة مع بداية دخول علاقات الإنتاج الرأسمالية فى السودان، أىْ مع بداية إحلال العمل الأجير لمحل صغار المُلاَّك، فى الفترة الأولى من الإستعمار، أبَّان إقامة مشاريعه الإقتصادية التجريبية (كود النَّوْ والزيداب وغيرهما) ومشروع الجزيرة.

وأهمَّ سِمة لتطوُّر هذه الشريحة، هو نُزوعُها نحو الدخول فى إتحادات ونقابات فئوية (Unionisation) فى أربعينات القرن المنصرم (سعد الدين فوزى 1955). وهذا النزوعُ قد تعمَّق نحو الخمسينات والستينات بإزدياد قوة العمل التى بلغتْ 4851500 فى عام 1956م (تيسير محمد أحمد على 1989م). وعددياً، هذه الشريحة تضم ملاين النَّاس الذين لا يملكون قوةً ولامقوماتٍ إقتصادية. وتكمن قوتهم فى قدرتهم الجمعية على التنظيم والإنتظام فى مؤسسات المجتمع المدنى، كإتحاد عام نقابات عمال السودان (SWTUF)، بل هذا الإتحاد هو أهمَّ خُطوة فى تشكُّل هذه الشريحة.

وبإضافة التشريعات العمالية الجديدة فى عام 1964م، فقد أصبحَت الحَركة النقابية واحدةً من العوامل المهمة فى الشأن السودانى. وعلى إثْرِ ذلك، زادت النقابات الفئوية بشكلٍ ملحوظ، خاصة فى بداية العام 1971م، حيث بلغتْ 546 نقابة مسجلة، وبرقم عضوية بلغ 281607 عضواً (Lees and Brooks 1977).

وقد بدأت هذه الشريحة فى المعاناة بعد عام 1971. ومنذ ذلك الحين حتى ثمانينات القرن المنصرم، فإنَّ النقابات السودانية قد تم التضييق عليها وهصرها بواسطة الدولة. وفقط، ولمدة قصيرة 1985- 1989 كان المناخ موائماً لعمل معافى للنقابات. ولكنَّه لا يخلو هو الآخر، من إجهاض الشرائح الرأسمالية لِأهداف هذه النقابات، مستعينةً فى ذلك بالأساس بشريحة الدولة التى إنحازت كليةً لمصالح الشرائح الرأسمالية، على حساب الشرائح الضعيفة.

غير أنَّ أكثر معاناة عانتها النقابات، هى من 1989- إلى الآن. حيث تمَّ إخصاء عملها تماماً بإنشاء نقابة المنشئة التى تضم عدداً من الفئات المتناقضة المصالح (وزراء وخفراء) فى كيان نقابى واحد، والأعلى فى الدرجة الوظيفية هو رئيس النقابة (Abdoon SWTUF, 1996). وهذا الإجراء جعلها فى تمام الشلل فى الوقت الراهن.

6 – شريحة رأس المال المالى:

ظهرت هذه الشريحة للوجود فى ظل النظام المايو الأسبق. وقد بدأت التفكير فى الولوج لعالم الإستثمار عقب المحاولة الفاشلة للجبهة الوطنية للإستيلاء على سلطة الرئيس نميرى فى يوليو 1976م. تلك المحاولة الفاشلة قد قضت على الأخضر واليابس الذى يملكه أثرياء تنظيم الأخوان المسلمين. ومنذ ذلك الوقت، قرر تنظيم الأخوان المسلمين زيادة قدراته الإقتصادية بأىِّ وسيلة خاصة تحت واجهات إسلامية، ليقلِّل الإعتماد على الأثرياء من أعضائه الذين فقدوا الكثير فى حركة 2 يوليو 1976م (ياسر خضر 1990).

ففى الفترة 1969-1985م، إستطاع تنظيم الأخوان المسلمين أن يُنشئ 29 شركة: 11 منها فى القطاع الخدمى، 9 فى القطاع المصرفى، 5 فى القطاع التجارى، 2 فى قطاع النقل والمواصلات، شركة واحدة فى القطاع المتنوع، وواحدة أُخرى فى قطاع الزراعة.

فى الفترة 1985-1989م، لم يستطع تنظيم الأخوان المسلمين أن يُضيف إلى رصيده من المنشئات الإقتصادية سوى 8 شركات: 2 فى القطاع الخدمى، 2 فى قطاع النقل والمواصلات، 2 فى القطاع التجارى، واحدة فى قطاع التشييد، وأُخرى فى القطاع المتنوع (حسين 2001).

ومن هنا يبدو واضحاً ما نسميه بزواج المتعة بين تنظيم الأخوان المسلمين ونظام نميرى (29 شركة)، والتضييق والمنافسة الحادة مع الغريمين التقليديين فى فترة الديموقراطية الثالثة (8 شركات فقط).

فالآن، وبموجب برنامج الإنقاذ الرباعى لسنة 1986م، فإنَّ 37 شركة مملوكة للأُخوان المسلمين داخلياً، على محك التصفية والمصادرة.

تُصنف إستثمارات الأُخوان المسلمين بعاليه فى فئتين. الفئة الأولى هى الأعمال الإستثمارية ذات الواجهة الإسلامية التى أُنشئتْ بواسطة البنوك الإسلامية وبواسطة الشركات الإقتصادية، والتمويلية، والتجارية الإسلامية الأُخرى لصالح أعضاء التنظيم (5 بنوك إسلامية، شركة التنمية الإسلامية، شركة الإستثمار الإسلامى، وهذه قد فرخت شركات بدون إضافة صفة إسلامى إليها كمثل: شركة التنمية العقارية التابعة لبنك فيصل، شركة التنمية العقارية والزراعية التابعة لبنك التضامن).

أيضاً تحت هذه الفئة تقع المنشئات الخيرية والإغاثية مثل منظمة الدعوة الإسلامية (التى فرخت شركة دانفوديو للتجارة والإنشآءات المحدودة)، ووكالة الإغاثة الأفريقية (التى فرخت شركة الرواسى للتجارة والخدمات). (ياسر خضر 1990).

وما يجب ذكره هنا، أنَّ كل هذه الشركات معفية من الضرائب والرسوم الجمركية (قوانين السودان المجلد العاشر، الطبعة الخامسة 1976-1977م).

الفئة الثانية من إستثمارات الإخوان المسلمين، هى الإستثمارات التى تصب لمصلحة التنظيم كمنظومة سياسية. وتحت مِظلة هذه الفئة أُنشئت العديد من المؤسسات الإستثمارية التجارية والتمويلية داخل وخارج السودان، وهى لا تأخذ صفة إسلامى لِأَغراض التأمين، وتُدار بواسطة كوادر سرية، وتتبع لجسم يُسمى المجلس الإستثمارى.

يتمركز النوعان من الفئات حول الإستيراد و التصدير، العقارات، والأنشطة التجارية الأُخرى. وهى بلغة الإقتصاد القطاعات غير المنتجة. وبفعل هذه الممارسات (مع عوامل أُخرى بالطبع)، أصبح قطاع التجارة والخدمات هو الأكثر مساهمة فى الناتج المحلى الإجمالى فى بلد الزراعة السودان. وعليك أن تتخيل حجم الإختلالات الهيكلية التى حدثتْ جراء ذلك للإقتصاد الوطنى، خاصةً إذا علمنا أنَّ معدل تسجيل الشركات اليومى فى عام 1989م كان 10 شركات، مقارنة بـ 5 شركات فى الشهر للفترة 1980/1981- 1989م (عبد الرحمن أحمد إبراهيم/المسجل التجارى العام، الإقتصادى العدد 15، 1994م).

وعليك أنْ تتخيل نصيب الشريحة المهيمنة من تلك الشركات العشر التى يتم تسجيلها يومياً والعائد على معاملاتها، مقارنةً بالشرائح الرأسمالية الأُخرى. ولما تعلم أنَّ كلَّ هذه الشركات معفية من الضرائب والجمارك (وربما الزكاة)، يتبين لك حجم الأموال المتراكمة.

تلك ملامح عجولة (وتعوزها التؤدة والروية) عن التشكل الطبقى فى السودان التى حرَّض عليها المستعمر، وكرَّستْ لها الحكومات الوطنية. ومن أراد أن يستزيد، فعليه بالمراجع المستصحبة فى هذا المتن المختزل.

3الشريحة ذات الهيمنة (The Hegemonic Fraction):

أيضاً من العوامل الدالة على فهم محددات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان، هو معرفة مركز الهيمنة، أو الشريحة ذات الهيمنة. والشريحة المهيمنة مصطلح أفرزته البنيوية فى الفكر الماركسى. إشتغل عليه المنظِّر البنيوى الماركسى لويس ألتوسير، ومن بعدهِ الألتوسيريُّون كأمثال بولانزاس. غير أنَّ أنطونيو قرامشى يُعتبر صاحب اليد الطولى فى تطوير المصطلح، وترسيخَه فى أدبيات الإقتصاد السياسى العالمى.

والشريحة ذات الهيمنة (أو المهيمنة)، ليست هى الشريحة الأقوى إقتصادياً وحسب، بين الشرائح الرأسمالية المسيطرة (The power bloc)، بل هى الشريحة التى لها القدرة على التأثير فى قرارات الدولة لصالح حلف القوى الإقتصادى من الشرائح الرأسمالية المسيطرة، وبالقدر الأكبر لصالحها هى داخل هذا الحلف.

وفى السودان، حاولت البيروقراطية السودانية فى الفترة التى أعقبت الإستقلال، صياغة سياسات إقتصادية قومية، تختلف عن سياسات الإستعمار، بالحديث الصريح المباشر هذه المرة، فى أنَّها تود أنْ تمهد الطريق للقطاع الخاص فى أن يقوِّى من قدراته الإقتصادية. وبالطبع، فالذين كانت لهم القدرة على التراكم الرأسمالى أبَّان الإستعمار، هم الذين كانت لهم القدرة على تسخير جهاز الدولة أو التأثير عليه لتعزيز قدراتهم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية.

وحينما تنعدم الخطط والسياسات التى توجه الإستثمار العام والخاص نحو القطاعات المنتجة (إستثمارات المستعمر الموجودة بالكاد تكفى لخلق نموذج فقط) بشكلٍ رئيس، فإنَّ الشرائح الرأسمالية تميل، بالضرورة، نحو الإستثمار فى القطاعات غير المنتجة وذات العائد السريع الكبير (قليلة رأس المال الثابت، كثيرة الأرباح) وفى زمنٍ قصيرٍ بالقياس.

وقد رأينا من قبل كيف أنَّ الدولة قد دخلتْ مستثمرةً تبعاً لرغبات القطاع الخاص (وليس العكس). وعليه، فإنَّ الدولة (خاصةً ذات الإنتماء الطبقى، أىْ التى تحالفتْ بيروقراطيتها مع الشرائح الغنية فى المجتمع على حساب الشرائح الضعيفة) حين تدخل مستثمرة فى قطاعٍ ما دون الأخر، فإنَّ ذلك يعنى أنَّ ثمة شريحة من الشرائح المسيطرة إقتصادياً فى المجتمع السودانى لها الريادة والهيمنة داخل كتلة الشرائح الغنية. وذلك يعنى أنَّ الدولة حين تُنفقُ إنفاقاً إستثمارياً مركَّزاً فى الزراعة مثلاً، يكون ذلك تحت تأثير الشريحة ذات الهيمنة، وهى الشريحة الزراعية بطبيعة الحال. وينشأ ذلك من قدرة هذه الشريحة على التأثير فى جهاز الدولة لتحقيق مكاسب ذاتية.

وعليه، يُمكن أن نحدد “مركز الهيمنة” أو الشريحة ذات الهيمنة فى السودان، بتحليل الإنفاق الحكومى عبر فترات الحكم المختلفة فى السودان، بتعيين معامل/معدَّل الإرتباط بين حجم الإنفاق الحكومى فى قطاع بعينه، وبين الشريحة المهيمنة فى المجتمع.

فمثلاً، فى الفترة 1954-1956م، وهى فنياً تقع فى الحقبة الإستعمارية، فقد كان جل الإنفاق الحكومى موجه للخدمات العامة التى تسهِّل عمليات التجارة، وتشكِّل نموذجاً تحتذيه الحكومات الوطنية القادمة. فالإنفاق هنا يمثِّل رغبة المستعمر أكثر من رغبات المجموعات الإقتصادية الناشئة فى ذلك الوقت.

أمَّا الفترة 1956-1958م، والتى مازالت متأثرة بالطابع الإستعمارى، فقد كان الإنفاق الحكومى موجهاً للزراعة، والخدمات العامة، خاصةً الداعمة للزراعة، كإنشاء الخزانات وشق قنوات الرى (كما فى إمتداد المناقل)، تحت تأثير الشريحة الزراعية. إذاً، ظلتْ الشريحة الزراعية على هيمنتها النسبية والممتدة من فترة الإستعمار.

وعلى ذلك قسْ، أيها القارئ الكريم، وتتبع الإنفاق الحكومى حتى تستطيع أنْ تحدد الشريحة المهيمنة فى سياغ التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. 

ومن جُهدٍ متواضع فى هذا المجال، وجدتُ انَّ فى الفترة 1954-1956م كانت الهيمنة للشريحة التجارية، 1956- 1958 كلتا الشريحتين التجارية والزراعية فى حالة هيمنة متوارثة، ولكن الريادة والغلبة للشريحة الزراعية، 1958- 1964م الهيمنة لشريحة الدولة، 1964- 1969م الهيمنة لشريحة الدولة والشريحة التجارية والريادة لشريحة الدولة.

فى 69 – 1977/1976 الشريحة التجارية والصناعية فى حالة هيمنة ولكن القيادة للشريحة التجارية. هذه الفترة هى فترة تخصيص الإنفاق الحكومى للخطة الخمسية لنظام النميرى.

وفى الفترة 77- 1985م (يقع فى هذه الفترة تنفيذ الخطة الخمسية المعدلة) الشريحة المهيمنة هى الشريحة التجارية وكانت الغلبة للعناصر الطفيلية سواء كانت داخل شريحة الدولة أو الشريحة التجارية. ولكن حين أصبح النظام غيرَ مستقرٍ، بدأتِ العناصر الطفيلية تتوارى تحت اللافتات الإسلامية لتحافظ على أوضاعها. وقد نالت بذلك إعفاءات عديدة من الضرائب والرسوم الجمركية، ونالت إمتيازات عديدة، جعلتها الأكثر تطفلاً على الإقتصاد السودانى.

فى الفترة 85- 1989م بدأت العناصر الطفيلية داخل الشريحة التجارية تطغى فى الهيمنة بشكلٍ سافر. وبدأت تسود العناصر الطفيلية بين كلِّ الشرائح حتى المنتج منها وانشغلت الفئات الطفيلية بالمضاربات فى الغذاء والعملات والعقَّارات، وذلك نتيجة لتدهور البنية الإقتصادية التى معها أُوقف كل الإستثمار المنتج العام والخاص. وزاد على أثر ذلك إرتباط العناصر الإسلاطفيلية بالعالم الخارجى بالرغم من أنَّ ذلك يتعارض مع بعض المبادئ الدينية لهذه العناصر، بنية تهريب أموالها للمحافظة على قيمتها وتأمينها بالخارج، خاصة مع تهديدات الحكومة المتواصلة بتصفية آثار مايو وتصفية الإقتصاد الطفيلى الإسلاربوى، وتحويل تلك الجمل التهديدية إلى برنامج عمل مضمَّن فى حيثيات برنامج الإنقاذ الرباعى لسنة 1986م (أنظر برنامج الإنقاذ الرباعى 1986م). وليس من سبيلٍ لِإستثمارٍ منتجٍ لهذه الإسلاطفيليات مع بنية تحتية متدهورة، ومجال زراعى يسيطر عليه الأنصار ومجال تجارى يسيطر عليه الختمية. 

إذاً كيف تلحق شريحة رأس المال المالى بقيادة الجبهة الإسلامية القومية (ج س ق) بغريميها اللدوديْن. وليس من سبيل غير شراء مؤسسات الدولة الخاسرة بسبب تدهور القاعدة الإقتصادية وهى تملك الأموال الطائلة للقيام بذلك، وقد روَّجتْ لهذا الهدف. ولكن هيهات، فقد بدأ يتضاعف علو صوت الشرائح المنتجة منادياً بإصلاح الهياكل الإقتصادية للبلد كما جاء فى برنامج الإنقاذ الرباعى ومحاربة الإقتصاد الطفيلى.

كيف السبيل إذاً، والنِّية مبيَّتة لتصفية المقدَّرات الإقتصادية للجبهة الإسلامية القومية بواسطة برنامج الإنقاذ الرباعى؟ هذا التضييق الصراعى على الجبهة الإسلامية القومية جعلها تفكر فى تعطيل تنفيذ برنامج الإنقاذ الرباعى بأىِّ وسيلة مهما كلف الثمن، فراحت تعالجه بإنقلاب عسكرى فاشل عام 1986م بقيادة البشير نفسه (أنظر مجلة الدستور العراقية يونيه 1986م). 

ولمَّا فشل الإنقلاب، بدأت (ج س ق) تصرف نظر الحكومة من الإقتصادى للسياسى، مذكرةً إيَّها بالتدهور المريع الذى طرأ على القوات المسلحة، وسقوط الكرمك وقسيان. وبالفعل بدأت (ج س ق) تطرق على هذا الوتر، حتى تمكنت من عمل الإنقلاب الذى يُحافظ على مصالحها، وطبقت مقلوب برنامج الإنقاذ الرباعى بحزافيرهِ لصالح عضوية تنظيمها. 

فالرباعى نادى بتصفية الإسلاطفيليات، وهى قد مكَّنتْ لها، الرباعى نادى بالإصلاحات الهيكلية للإقتصاد، وهى قد باعت مؤسساته لمنسوبيها، الرباعى نادى بعدالة توزيع الثروة والدخل، وهى قد كرستهما لصالح عضويتها، الرباعى نادى بالإهتمام بالتعليم والصحة، وهى قد (سرقتهما) موَّلت بترولها بـ 50 % من مخصصات التعليم والصحة (زائد تحويلات السودانيين العاملين بالخارج) (تقرير وزارة المالية والبنك الدولى 2003).

إذا، فالفترة 1989- للآن، تمثِّل الفترة التى سادت فيها العناصر الأكثر تطفلاً (Ultra-parasitic) على الإقتصاد السودانى بين كل الشرائح الرأسمالية، خاصةً تلك التى نالت حظها من التمكين.

1-3 الإنقاذ (شريحة رأس المال المالى): ما لها وما عليها منذ عشية إنقلابها إلى الوقت الراهن:

لعلَّ إنقلاب الإنقاذ هذا، من أكثرِ الإنقلاباتِ حظاً فى تاريخِ الإنقلابات التكنوقراط – عسكرية فى السودان، لأنَّه جاء والعالم كل العالم، مشغول بإنهيار المعسكر الإشتراكى فى عام 1989م. فزوال الشيوعية المتزامن مع قيام الدولة الدينية فى السودان فى ذات العام، إعتبره كثيرٌ من البسطاء بركةً أحلَّتْ عليهم من السماء، فراحوا يعتنقون المشروع الحضارى.

كذلك فإنَّ إعلان الإنقاذ الباكر والصريح لسياسة التحرير الإقتصادى، حبسَ الغرب عن ممارسة أىِّ فعل مادى يتجاوز الشجب والإدانة، فصبَّ كلُّ ذلك فى مصلحة الإنقلاب ومناصريه.

كما أنَّ المعارضة السودانية، كما سيجئ لاحقاً، كانت فاقدة لِأىِّ نوعٍ من أنواع القدرة المفضية إلى إستعادة السلطة الديموقراطية المغتصبة، كونها واقعة خارج مناخ الحرب الباردة، مع ما يعنيه ذلك من إيقاف الدعم لكلِّ حركات المُمَانعة ومجموعات الضغط التى خُلِقتْ لحفظ التوازن العالمى. فالعالم الآن متجانس، تسودُهُ كلَّه الرأسمالية، فما جدوى الإنفاق على مثل هذه الحركات الآن! فلتُتْرَكْ لقدرها، لسأمها، ولحروبها الداخلية، “للحروب بين النَّاس”. 

3- 1-1 الإنقاذ ما لها وما عليها عشية الإنقلاب:

لم يكن هناك ثمَّةَ ضررٍ وشيكٍ يُحيقُ بالأُمَّة السودانية (عشية إنقلاب الإنقاذ المشئوم) يستوجب إنقلاباً لينقذها ممَّا هى مقبلةٌ عليه. والحدث الجلل الوحيد هو أمطار وفيضانات العام 1988م. والمعروف عن مثل هذه الكوارث أنَّها تُحدث ربكة لوجستية، حتى إنْ كلُّ شئٍ فى وفرة، وقد تمَّ تجاوزها. فلا يوجد شئ، غير المصالح الذاتية والأنانية، فى إطار صراع الطبقات، ليشكل دافعاً لِإنقلاب عسكرى.

الأيديولوجى:

لعلَّ العدمية والإنتباذية من الصفات الملازمة للعقل العقائدى فى السودان. فالنبر الحاد الإقصائى المضمَّن فى حيثيات خطاب ثورة مارس – أبريل 1985م المجيدة: “كنس آثار مايو”، و “تصفية البنوك الإسلاربوية”، هو نبرنا نحن، نبر الأحزاب التقدمية، وليس بالطبع نبر شرائح النخب الإقتصادية (التجارية، والزراعية) التى تواطئت معنا (أو تواطئنا معها) لِإسقاط النظام المايوى. 

فشرائح النخب الإقتصادية لا تُقصى بعضها البعض (إقصاءاً دائماً) فى اللعبة السياسية، فكثيراً ما تُقدِّمُ سبتاً لتجده أحداً يوماً ما. ولكنها إكتفتْ بفعل قانون الغِلاب الطبيعى والتلقائى (The Crowding out)، فى إخراج الجبهة الإسلامية من حلبة السوق. وهو على أىِّ حال نوع من الإقصاء الناعم المشروع، الذى لم تحتمله الجبهة الإسلامية القومية، ناهيك عن النِّية المبيتة أصلاً لتصفيتها إقتصادياً كما نادى بذلك نبر الراديكاليين وأيديولوجياتهم.

هذا الإقصاء، والذى تحول، بعد عام من إنتفاضة مارس – أبريل، إلى برنامج عمل فى عام 1986م، بموجب مقتضيات برنامج الإنقاذ الرباعى هو، فى تقديرى المتواضع، الذى حفَّز شريحة رأس المال المالى (ذات التوجه العقائدى) لتقوم بإنقلابها المشئوم فى عام 1989م. إذْ كيف، بعد سنواتٍ من زواج المتعة بين برجوازية الدولة المايوية وشريحة رأس المال المالى المهيمنة، والذى أكسبها ما أكسبها من نعيمٍ مقيم، تسمح الجبهة الإسلامية بتصفية مُقدَّراتِها الإقتصادية؟ 
إذاً، الهم الأكبر لهذه الشريحة هو إيجاد وسيلة تحافظ بها على مقدَّراتها الإقتصادية، والتى لا سبيل للمحافظة عليها هذه المرة بالتحالف مع شريحة الدولة المُسيْطَر عليها بواسطة الغريمين التقليديين (الشريحة الزراعية والشريحة التجارية). فلا مناص من الفعل القذر.

الإقتصادى:

لم يكن الوضع الإقتصادى عشية الإنقلاب، بالسوء الذى روَّجتْ له أيديولوجيا الجبهة الإسلامية القومية، خاصةً لبلد خارج للتو (قبل أربع سنواتٍ فقط) من أسوأ أنواع الديكتاتوريات، وكل عثراته آنئذٍ هى من تداعيات النظام السابق. ولعلَّ برنامج الإنقاذ الرباعى كان كفيلاً بأنْ يخرج البلد من المستنقع المايوى، ذلك الذى خلف للديموقراطية الثالثة 14.3 مليار من الديون الخارجية، ومجتمع يرزخ تحت وطأة الفقر.

لم تثبت أىُّ حالة من حالات الفساد ضد أِّى شخص فى فترة الديموقراطية الثالثة، وقد فنَّد القضاء كل مزاعم السلطة، وفضح أمرها. ولكن يؤخذ على الديمقراطية الثالثة، إرتهانها الكامل لمؤسسات التمويل الدولية، والقاضى بإيقاف الصرف على التنمية وتقليله على الخدمات الإجتماعية، مقابل تجنيب بعض العملات الصعبة لمقابلة سداد الديون. 

هذا الأمر أدَّى إلى وجود واقع شبه إستاتيكى، وربما معدل نماء سلبى للإقتصاد القومى فى ذلك الحين. ولكنَّ النجاح المنقطع النظير للموسم الزراعى 1989/1988م، قد جعل البلد تتوازن قليلاً، لو لا سرقة الديموقراطية تحت ليلٍ بهيم.

السياسى:

سياسياً، لايوجد مبرر للجبهة الإسلامية القومية بأنْ تقوم بإنقلاب البتة، فهى شريك فى السلطة بعدد من الوزراء، يوازى حجمها فى البرلمان. وهى مسئولة، على قدم المساواة، من أىِّ ضرر يلحق بالسياسى والإقتصادى معاً.

أقولُ ما أقول، وكل الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة (بما فيها الجبهة الإسلامية القومية) وقتئذٍ لا تخلو من التحاصص، وجيشها فى غاية الإرباك والإنهاك، بسبب الضربات المتلاحقة من قِبَل قوات الحركة الشعبية، ونقص الإمدادات العسكرية و الغذائية، مما أدى إلى سقوط الكرمك وقيسان، وبعض مدن الجنوب.

غير أنَّ ذلك كلَّه لم يكن كافياً ليبرر إنقلاباً على نظام ديموقراطى، وكان من الممكن معالجة تلك القضايا برلمانياً، كما تجلَّى ذلك فى مسعى السيد محمد عثمان الميرغنى وإتفاقية كوكادام. والدليل على عدم توفر أركان مسوغ للإنقلاب، هو أنَّ الإنقلاب أفقد الإنقاذ كلَّ معنىً للشرعية، وجعلها فى وضع لا تُحسد عليه، خاصةً فى سنوات عمرها الأولى. وإلى اليوم الإنقاذ تحت الحصار الإقتصادى والعسكرى من قِبَل العالم الخارجى، ويُضيَّقُ عليها دبلماسياً بسبب سِجِلاَّتِ الإرهاب وحقوق الإنسان، ومن ثمَّ الملاحقة الدولية.

محصلة هذا المشهد، هو أنَّ الإنقاذ جاءت إلى الوجود، لتنقذ المقدّرات الإقتصادية للجبهة الإسلامية القومية من التصفية وليس لِإنقاذ البلد، وبالتالى تبديد الإقصاء المُضمَّن فى الخطاب الأيديولوجى لثورة ماريل (مارس/أبريل) 1985م. وكما سيجئ لاحقاً فإنَّ كل سلوكيات الإنقاذ، لا تمت إلى إنقاذ البلد بصلة، بل كانت معنية بإنقاذ القوة الإقتصادية للجبهة الإسلامية القومية.

فاجتمع المجلس الأربعينى للجبهة الإسلامية القومية (والعهدة على السيد أحمد عبد الرحمن، خيمة الشروق 2010م)، وزيَّن لنفسه الباطل، وقال فى دعائه: “يا الله، لئن تهلك هذه العصبة، فلن تُعبد فى الأرض”. ولنرى فيما يلى كيف وبأىِّ عملٍ تقرَّبتِ العصبةُ للهِ عزَّ وجلَّ، الطيِّبِ الذى لا يقبل إلاَّ الطيِّب.

3 – 1 – 2 الإنقاذ منذ صبيحة الإنقلاب (Today or never again):

دعونى أكرر ما جاء بعاليه، وهو ليس ثمة مشكلة إقتصادية/سياسية حادة تستوجب إنقلاباً عسكرياً. وكنا نتوقع أنْ تُجابه الأيديولوجيا الراديكالية الإقصائية المضمنة فى برنامج الإنقاذ الرباعى لعام 1986م بالحقائق الواقعية (فالأيديولوجيا تعريها الحقيقة)، وهو ما لم يحدث. ولكن أنْ تُجابه تلك الأيديولوجيا بأيديولوجيا مضادة، فذلك يعنى أن وراء الأكمة ما وراءِها.

وعلى فكرة حتى البرنامج الرباعى لعام 1986م ذوو النبر الأيديولوجى الراديكالى، لم يحدد الكيفية التى أصبحت بها الجبهة الإسلامية القومية “طفيلية الطابع”، وكيف أصبح إقتصادها الأسلامى “إسلاربوى”. ولم يحدد كيف تُكنس “آثار مايو”؛ وإنَّما تُرِكَ الأمرَ “حِبالاً بلا بقر” أيديولوجياً. وحتى الكتابات التى تحدثت عن طفيلية الجبهة الإسلامية القومية (مع كامل إحترامنا لها)، لم تستطع تعيين تلك الطفيلية على وجهٍ دقيق (د.صدقى كبلو، الطبعة الثانية، 2007).

وهناك سؤال مهم، وهو أنَّ الفترة منذ منتصف سبعينات القرن المنصرم، وبشكلٍ جلىٍّ منذ بداية الثمانينات من ذلك القرن، شهدت جنوح كل الإقتصاد وشرائحه المنتجة (الزراعية، التجارية، الصناعية) نحو الطفيلية؛ بسبب تدهور البنيات الإساسية، والعجز عن صيانة إقتصاد معافى، وإيقاف الإنفاق الإستثمارى لمقابلة سداد الدين الخارجى. فلماذا لم يتحدث البرنامج الرباعى لعام 1986م عن تصفيتها؟ إنَّها الأيديولوجيا عليها اللعنة. لماذا لم يطال الحديث عن تلك التصفية، الشرائح الرأسمالية المنتجة التى جنحت للطفيلية (كالشريحة الزراعية والتجارية والصناعية)؟ أَلِأَنَّها حليفتنا؟ لماذا هذه الإنتقائية؟ إنَّها الأيديولوجيا قبَّحَ الله وجهها.

وبالمقابل، عدم تفنيد الإنقاذ لِمزاعم برنامج الإنقاذ الرباعى لعام 1986م القاضى بفساد الجبهة الإسلامية القومية، يعكس بالضرورة حقيقة ذلك الفساد. والأتَيَان بأيديولوجيا بديلة مضادة، هو محاولة لصرف الإنظار عن تلك الحقيقة.

والأيديولوجيا بطبيعة الحال؛ سواء جاء بها البرنامج الرباعى لعام 1986م، أو جاءت بها الجبهة الإسلامية القومية، فهى لامَّة للغث والثمين. وهذا المضمون اللاَّم هو فى الحقيقة جزءٌ من تعريف الأيديولوجيا. 

إذْ أنَّها، أى الأيديولوجيا، هى المنظومة الكلية لنسق من الأفكار والتصورات (تذهُّنات، توهُّمات، معتقدات، أفكار، مفاهيم، وعى زائف، عِلْم) المُحَدِّدَة عاطفياً لرؤية الفرد أو الجماعة، فيما يتعلق بعناصر الكون (الطبيعة، المجتمع، الإنسان) بغرض التأثير عليها وسوقها نحو غايةٍ يٌعتقد أنها الحق؛ ولها أدواتها لتحقيق ذلك. إذاً، فالأيديولوجيا (زور – نور) لها القدرة على الأتَيَان بمبررات لسلوكِ الأفراد المعتنقين لها، والنظام الذى يُمثلها والدفاع عنهما. وهى أيضاً دينامية، إن لَّمْ تكنْ مائعة، وتتكيَّف بإستمرار مع مستجداتِ مُحيطها لتتخلَّص من توهماتها ووعْيِها الزائف. فهى قابلة لِأنْ تتطوَّر وتتحوَّر (تتدغمس)، وتخمل/تختفى وتظهر من جديد (Freeden 2003).

لذلك، بعض النَّاس بدأ يعتقد إعتقاداً خاطئاً بأنَّ الإنقاذ ليست لها أيديولوجيا. وهذا الخطأ ليس كلُّهُ خاطئاً؛ وإنَّما يُعبر عن مرحلة لاحِقة من مراحل دينامية أيديولوجيا الإنقاذ؛ هى مرحلة إخراج الوعى الزائف.

والشاهد فى الأمر، أنَّ خطاب الإنقاذ حشوهُ الأيديولوجيا، ولا شئ غير الأيديولوجيا. وذلك بطبيعة الحال للأسباب المذكورة بعاليه؛ أى ليس ثمة ما يستدعى إنقلاباً من وجهة النظر القومية. فعولت فى بداية الأمر على الأيديولوجيات التى تشى بحيادية شريحة الدولة عن الشرائح المسيطرة فى المجتمع، وسرعان ما فشلت. ومن ثمَّ دلفت إلى الأيديولوجيا الدينية التى إهترأت فيما بعد وأصبحت عاجزة عن ستر سوءات النظام وفساده، وأخيراً بدأت تعول على الأيديولوجيا الإقتصادية وإنعدام البديل وهى ورقتها الأخيرة.

1-2-1-3 خطاب الرئيس البشير فى 30/06/1989م:

فتاح يا عليم، رزَّاق يا كريم، يطل علينا الرئيس البشير فى 30/06/1989م بخطاب (راجع مقتطفاته الرئيسية هنا: http://www.alsahafa.sd/details.php?arti … ermanent=0) أيديولوجى ترشح منه عمداً أيديولوجيا برجوازية الدولة المتظاهرة بأنها فى نأى عن الطبقات المسيطرة فى المجتمع السودانى. وكان ذلك كذباً صُراحا؛ إِذْ أنَّ الرئيس يعلم مسبقاً ومنذ الوهلة الأُولى أنَّه يقود إنقلاباً عسكرياً بإسم الجبهة الإسلامية القومية. 

وهكذا أراد البشير أن يكتبَ، أوَّل ما يكتبُ، فى صحيفته السياسية أنَّه كذَّاب. قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيكذب المسلم؟ قال لا”. وهذا النفى القاطع من الصادق المصدوق “صلوات ربى وسلامه عليه”، ينفى وينسف أىَّ صفة إسلامية تتنطع بها الإنقاذ (الجبهة الإسلامية القومية) حتى إشعار آخر.

إذاً، هذه الصفة وحدها، التى يُظهر فيها البشير خلاف ما يُبطن، تستوجب جداراً سميكاً من الأيديولوجيا، لتغطية التناقض الذى على محمول النفاق (أُنظر الفقرة الأخيرة من الخطاب). 

كذلك فالطابع الأيديولوجى لخطاب البشير تؤكده حقيقة إصابته بالأمية الديجيتالية، والإكتفاء بدغدغة العواطف الحماسية المُدِرَّة للنخوة فى بادئ الأمر. وبذلك نجد أنَّ مفردة القوات المسلحة ومترادفاتها والمعطوفات عليها، ذُكرتْ أكثر من 77 مرة فى متن الخطاب، والإقتصاد ومترادفاته أكثر من 74 مرة، والسياسة 24 مرة. وذلك يعكس مسبقاً ما يُراد أن يُعمل بالعسكرى والإقتصادى.

كذلك من الأُمور التى تبرهن على الطابع الأيديولوجى لخطاب البشير، هو أنَّه لم يستطع البشير ومعه كافة أجهزته الحكومية، من إعادة ذلك الخطاب على الشعب السودانى ولو لمرة واحدة. وقد خلت كل الإعياد السنوية لذكرى حكومتهم المشئومة من ترداده؛ وذلك ببساطة لأُنَّ المفارقة بين ما قال وما فعل، فاضحة لشأنهم وغير قابلة للتجسير. 

ولم يمضِ وقتٌ طويل (بل هى أشْهُرٌ معدوداتٌ) على ذلك الخطاب المُحايد مخاتلةً، حتى أشهَرَتْ الجبهة الإسلامية القومية المحبوسُ عرابِّها تمويهاً، أنَّها الفصيل التكنوقراطى/السياسى للإنقلاب العسكرى. ومن يومها إختلط حابل الدين بنابل الدولة ليؤسس لدولةٍ إسلاميةٍ إسماً؛ كونها غير متأسِّية بالإسلام الحق المُتَشَرَّبِ كسلوك ومعاملة (الذى رسَّخه حبيبنا النبى محمَّد، صلوات ربى وسلامه عليه، وصحابته الأكرمين)، وغير قادرة على تفسير الإسلام النصوصى؛ ولذلك لجأت لصناعة أيديولوجيا مفصلة على مِزاجها الخاص؛ مِزاج دنيوى صراعى من الدرجة الأولى، وبعيد من النصوص والسلوك معاً. وذلك لأنَّ الإيديولوجيا أهم من النَّص والتعفُّر بالواقع فى المراحل الأولى من تشكُّل الدولة. وهذا يثبت ثانيةً الطبيعة الأيديولوجية لخطاب البشير.

لذلك لم يتورع الترابى من أن يقول (وهو العاجز عن تفسير الإسلام النصوصى): “أنا تعلمتُ أكثر مِمَّا تعلم الصحابة، وانفسحتُ عنهم”. بل حتى صِبيانُهُ لم يتورعوا من قول “نحن رجال والصحابة رجال”، وقد سمعنا ذلك منهم. وهذا القول ليس فيه تأسِّى بالإسلام، ولا بنبىِّ الإسلام، عليه من الله أفضل الصلوات والسلام، ولا بصحابته الكرام. هذه أيديولوجيا محضة، هذا هو المشروع الحضارى.

عليه هذه العقلية الإسلاموية تحب العيش فى فضاء الأيديولوجيا، وتهرب من النَّص والتأسّى السلوكى فى وقتٍ متزامنٍ، لا قبل ولا بعد. وذلك لأنَّ مخالفة النَّصَّ يسببُ حرج/مشكلة عقدية، وإذا تعفَّر النَّصُّ بالواقع (أى إذا تأسَّى بالإسلام الصحيح)، أنتجَ معرفةً ماديةً حقيقيةً فاضحةً لسلوكهم المفارق للجماعة، عصريةً كانت أم سلفية.

والمحصلة، أنَّ الإنقاذيين يهتمون بالأيديولوجيا الدينية أكثر من إهتمامهم بالدين الحق (نصوص/سلوك)؛ وقد “أجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب” (أى الدين)، ليخلو لهم وجهُ أبيهم. ومن السهل أن يُدرك المرء، أنَّ إسلاميىِّ السوادن يتعبدون بالمشروع الحضارى، ولا يتعبدون بالكتاب والسنة. والشاهد، كيف لمسلمٍ يتحقق بالكتاب والسنُّة، يسمح بأنواع الفساد التى طفحت خلال الربع القرن المنصرم، والتى شهِدتْ بها أقلامُهم هم، ووثائقُهم هم، دعك عن أقلامِ الغرماء السياسيين ووثائقِهم.

2-2-1-3 التمكين:

وكما هو معلوم، فإنَّ العيش فى فضاء الأيديولوجيا يُخوِّلُ القائمين على أمر البلد من غير شرعية، المساس بحقوق الآخرين، وإعطاء أنفسهم فوق ما يستحقون، تحت مسمى الشرعية الثورية. 

فعلى مستوى الإقتصاد، تبنَّتْ الإنقاذ سياسات التحرير الإقتصادى واختارت لها أيديولوجيا “تحريك جمود الإقتصاد السودانى”. وقد ثبتَ أنَّ الغرض منها السيطرة على مفاصل الإقتصاد السودانى وتمكين أعضاء النظام إقتصادياً. فالتحرير هو أيسر الطرق للسيطرة على الإقتصاد السودانى لا سيما والجبهة الأسلامية القومية تمتلك أموالاً سائلةً طائلة، خاصةً بعد أنْ جمدت أرصدة الخصوم السياسيين عقب تغيير العملة الإول فى مطلع التسعينات من القرن المنصرم والسيطرة عليها بالكامل؛ وقد بدأت تروج لبيع مؤسسات الدولة، وهى البائع والمشترى. لذلك شهد برنامج الخصصة أبشع أنواع الفساد التى يمكن أن تخطر على بالِ بشر. 

فمثلاً، معظم المؤسسات تم تأهيلها، لِأغراض البيع، بأموال طائلة مقترضة من الدول الأجنبية، وبيعَتْ بالقيمة الدفترية، بيعاً آجلاً، مقسطاً، وبقروضٍ حسنةٍ ميسَّرة من بنوك الدولة والكثير منها هلك، وقد تم ذلك البيع فى غير أُطره المؤسسية والقانونية للمناقصات. وبعضها أُهدى لحكومات الولايات ومؤسسة الشهيد. وتجدر الإشارة إلى أنَّ المؤسسات الحكومية التى بُدئَ ببيعها هى المؤسسات المدِرَّة للربح، كمؤسسة المواصلات السلكية واللاسلكية والبنوك كنموذج. ولقد وجهتُ سؤالى لمدير عام البنك التجارى السودانى “هل البنك التجارى خاسر؟”، فكانت إجابته أنْ أجهشَ بالبكاء (حسين 2001).

هناك نوع آخر من التمكين اللا – أخلاقى واللا – دينى مارسته الإنقاذ قبل أن تجعل كل عائدات البترول والمعادن النفيسة خارج الدورة الإقتصادية للبلد، وجعلها حصراً من نصيب منتسبى النظام، وقبل أن تجعل التوظيف حِكراً على مناصريها؛ ألا وهو تضخيم صرف أموال الزكاة على مصارف دون غيرها. فنجد مثلاً مصارفاً كالعاملين عليها، وفى سبيل الله والمؤلفة قلوبهم قد إستحوذت على جل أموال الزكاة، وتُركَ الفقراء والمساكين يتكففون دواوين الزكاة، ومنهم من هلك على أعتابها دون أن يحصل على جنيهٍ واحدٍ. 

أما على المستوى السياسى فالإنقاذ لا شرعية لها بإحداثها لهذا الإنقلاب. وعلى عادة النظم الشمولية، فإنَّها عادة ما تسعى للشرعية السياسية على صهوة الإقتصاد. ولكن كيف؟ فالدولة محاصرة إقتصادياً، وفى حالة مقاطعة شبه كاملة. إذاً السبيل الوحيد هو بإقتطاع الأنفاق على الخدمات الإجتماعية وتصيُّد تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، وهذا ما فعلته الإنقاذ. وهذا الإجراء نفسه له مردود عكسى على الشرعية إذا كان الحاكم ظالماً وفاسدا؛ إذ أنَّ ذلك قد يؤدى إلى زيادة الحنق والغبن الأجتماعى.

وهنا يجئ دور الإيديولوجيا عموماً والأيديولوجيا الدينية خصوصاً، وأهميتها فى شغل النَّاس بخطاب أيديولوجى مهووس يروج لحرب دينية، عنصرية، وجهوية. فاكتساب الشرعية السياسية بالمنجزات الأقتصادية يحتاج لوقتٍ طويلٍ نسبياً، وطول أمده يضر بالشرعية السياسية المنشودة نفسها. ذلك لعمرى لغز الشرعية عند الأنظمة الشمولية. 

فالأنقاذ عديمة الأخلاق بحثتْ عن شرعيتها عن طريق الإقتصاد، متخذةً القهر والحرب كلاهيين للنَّاس عن عما تمَّ إستقطاعه من صحتهم وتعليمهم. والحرب كما يقول مارك دوفيلد “هى المحور السرمدى لأغراض إعادة صياغة الشعوب” (Duffield 2008). فليمُتْ من يمُتْ، تحت شعارها الأيديولوجى “هى لله هى لله، لا للسلطة ولا للجاه”، و” سلام البنادق”، حتى يتم إنجاز المشروع الأقتصادى الذى يكسبهم شرعية فاعلة.

هذه الحرب الدينية أهلكت الحرث والنسل. وحينما أُنجز المشروع الإقتصادى الذى دفعه الشعب من حرِّ مال خدماته الصحية والتعليمية وعائدات المغتربين، جنحوا للسلم “من غير بنادق هذه المرة”، سلام والسلام (لايهم إنْ قُطَّعتِ البلد إرباً دويلات). لابد أن يحيَوْا لينعموا بعائدات النفط، علامَ الحرب؟ من يريد أن يحاربنا فالينفصل.

وعلى فكرة، فإنَّ المنجزات الإقتصادية قد دعمت الشرعية المتهافتة لدول شمولية كثيرة. فكوبا وفياتنام بهما واحد من أحسن أنواع الخدمات الصحية والتعليمية فى العالم. كما أنَّ سوريا الأسد (الأب)، بها مثال نادر لتنمية ريفية إنتفع بها سكان الريف السورى، وخففتْ كثيراً من وطئات الهجرة من الريف للحضر التى إنتظمت معظم دول العالم الثلث منذ بداية ثمانينات القرن المنصرم.

وعلى العموم، حينما جاء الوقت لتوزيع عائدات المنجز الإقتصادى (النفط)، تمَّ توزيعه بشكلٍ مجحفٍ للغاية. فـ 95% من عائدات البترول تمَّ توزيعها على تنظيم المؤتمر الوطنى بشكلٍ صرف. وتقاسمت الحكومة الـ 5% المتبقية مع الحركة الشعبية. وعند هكذا مرحلة، لابد من إخراج الوعى الزائف، والشعارات الأيديولوجية المكذوبة. فالأيديولوجيا الدينية التى قالت أنْ “هى لله هى لله”، لم تعد قادرة على ستر عورات النظام وسوءاته، ولابد من إستبدالها.

وليس غريباً عند هذه اللحظة بالذات، أن يرى المرئ أنَّ الأنقاذ بلا أيديولوجيا ثابتة، بالرغم من وجودها إبتداءاً. لأنها ببساطة بدأت تتخلص منها، من وعيها الزائف. فالخطاب الأيديولوجي الجهادى، قد أدَّى دوره بالكامل، وهو شغل الناس بالحرب حتى موعد الأتيان بالشرعية السياسية على صهوة المنجزات الإقتصادية.

وقد كان من الممكن للمنجزات الإقتصادية، كما أشرنا أعلاه، أنْ تجلب شيئاً من الشرعية السياسية للنظام، لو أنَّه إتصف بصفة العدل. وذلك لم يحدث، لأنَّ عائدات المنجز الإقتصادى قد تم توزيعها بذلك الشكل الضيزىّ، والذى يؤسس لحقيقة مهمة، وهى: أنَّ هذا النظامُ نظامٌ غير سوى، ويتمتع بقدر لايضاهيه قدر من فساد الأخلاق وفساد العقيدة والفساد المالى. وكل ذلك مشفوع بعقيدة إنتقام من الشعب السودانى، ما أنزل الله بها من سلطان. إذ لا يوجد تنظيم على وجه هذه البسيطة يأخذ مال الإنفاق على الخدمات الإجتماعية للشعب، وكذلك عائدات السودانيين العاملين بالخارج، ويمول بها مشروعه الأقتصادى (النفط)، ثمَّ يحرمهم بالكلية من عائدات ذلك النفط التى بلغت 65 مليار دولار (النفط نفطى إستخرجته وحدى، وسوف أنتفع به وحدى. وحدك كيف؟ أين الأموال المستقطعة من مال الخدمات وعائدات المغتربين يا لصوص)، ويبنى لهم بعض المشاريع ذات الجدوى الإقتصادية الخرقاء بالإستدانة من العالم الخارجى، حتى بلغت ديون السودان 40 بليون دولار، وقد كانت قبيل مجئ هذا النظام اللص 14.3 بليون دولار.

إذاً، فالأمر لم يكن لله، ولم يكن ديناً ولا يحزنون. بل كان غطاءاً أيديولوجياً وظَّفَ الدين لتحقيق منجز إقتصادى يجلب الشرعية. ولمَّا لم يُراع التوزيع العادل لعائدات ذلك المنجز الإقتصادى، تكون بذلك قد باءت كل مجهودات الحصول على الشرعية السياسية بالفشل. 

المحصلة هى سقوط الأيديولوجيا الدينية، وأيديولوجيا تحريك جمود الإقتصاد السودانى، والتى تحت غطائهما مُكِّنَ لعناصر الجبهة الإسلامية القومية أن تسيطر على عصب الإقتصاد السودانى بطريقة لا تمُتْ للدين ولا بالمنافسة الحرة بصلة. وقد أخرجوا أسماء رأسمالية معروفة خارج حلبة الإقتصاد السودانى. وقد نُهِبَتْ البلد على نحوٍ لم يشهده السودان فى تاريخه الحديث أو القديم. وهكذا ظلَّتْ أزمة الشرعية تتناسل بشكلٍ شبه دائم.

بقىَ لهم أن يُلوِّحوا علناً للشعب السودانى بالمنجز الإقتصادى كأيديولوجيا فقط، منَّاً وأذى: كبارى وسدود وخلافه من المشاريع الإقتصادية. وهذا السلوك النرجسى الذى يكرِّس لوجود اللاَّ – بديل، قد إنهار هو الآخر عندما علم الشعب السودانى أنَّ كلَّ تلك المشاريع لم تُبنَ من عائدات البترول (وعلى فكرة هذا البترول حلَّ كلَّ ديونه أبان طفرات أسعاره فى السنوات الفائتة. فلا يُزايدنَّ أحدٌ من هؤلاء اللصوص بالقول أنَّ عائدات البترول قد ذهبت لسداد تكاليف إنتاجه)، وإنَّما من ديونٍ للعالم الخارجى بلغت 40 بليون دولار. أما البترول، فقد حُولت عائداته بشكلٍ صِرفٍ لمنتسبى هذا التنظيم المُنْتِن.

فها هى الإنقاذ إذاً تتخلى عن أيديولوجيتها الدينية التى فشلتْ فى ستر الفساد (وأخر شئ كان يتوقعه المسلم من حكومة ترفع راية الإسلام، هو سرقة المال العام، والفساد وفساد الذمم والمحاباة والظلم والرشوة والإختلاس، صرف الزكاة فى غير مصارفها) وتتحول إلى الأيديولوجيا الإقتصادية وتتحول مثلها مثل أحزاب الدنيا إلى حزب دنيوى، يسعى للسلطة فى إطار حيثيات صراع طبقى عادية وعارية عن أىِّ قدسية دينية. 

والسؤال الذى لابدَّ من الإجابة عليه هو، أنَّ الإنقاذ فى حالة إنكشاف سياسى (فقدان الشرعية)، وإنكشاف أيديولوجى (سقوط القناع الدينى)، وإنكشاف إقتصادى (القسمة الضيزى للثروة)، وأخيراً الإنكشاف الدُّبلُماسى (الإنقاذ دولة إرهابية)، فلماذا يقبل زعماء قوى الإجماع الوطنى مع قدرتهم على تحريك جماهيرهم بالتفاوض مع نظام متهافت؟ لماذا نطيل عمر هذا النظام بالإشتراك معه فى إطار حكومة قومية/ذات قاعدة عريضة، حكومة لا تحاسبه على ما اقترف يُمنةً ويُسرى، وبذلك نعطى النظام وسيلة بقاء داخلية لم يحلم بها؟

هل السبب هو اليأس الذى يعترى تحالف الشرائح الرأسمالية مع الأحزاب الراديكالية لِأكثر من 60 عاماً (أتمنى ذلك)؟ وماذا لو إستطاع النظام أن يكسر الطوق الخارجى، هل ستكون الحكومة القومية فى مهب الريح؟ هل نلوم الجماهير فى عدم وجود بديل، والمتكلمون بإسم الجماهير فى حالة تحالف مع الشرائح الرأسمالية؟ لماذا تنصلت الإنتلجنسيا السودانية عن قيادة الجماهير؟ هل لأنها تذبذبت نحو الرأسمال؟ هل خدَّرتها الحكومة؟

3-2-1-3 هل من مزية للإنقاذ:

لا تستقيم المقارنة هنا بالطبع بين حكومة الإنقاذ كعسكر وبين الفترات الديمقراطية، ولا تستقيم كذلك مقارنة الإنقاذ والشرائح العمالية لأنَّها لم تستلم سلطة أصلاً. بيد أن المقارنة تصبح فاعلة حينما نقارن الإنقاذ كشريحة رأسمال مالى بالشرائح الرأسمالية الأخرى، كالشريحة الزراعية، التجارية، الصناعية، وبورجوازية الدولة.

1- وبالمقايسة، يُحمد للنظام الحاكم بأنَّ حكومته حكومة تكنوقراط، تكاد تنعدم فيها الكوادر غير المؤهلة وغير المدربة، إذا ما تمَّتْ مقارنتها بالشرائح الرأسمالية الأخرى التى سيطرت على السلطة فى وقتٍ ما. هذا الوضع على مستوى المبادرة والإنتاج، أهَّل النظام على إجتراح قطاعات إقتصادية جديدة غير موجودة فى مصفوفة القطاعات الإقتصادية فى الإقتصاد السودانى (البترول، الطاقة، الصناعات التجميعية، التعدين …إلخ). وهى قطاعات جد مهمة لإحداث عمليات الترابط الأمامى والخلفى لإىِّ إقتصاد. بل هى من نوع القطاعات التى أخرجت الدول الأسرع نماءاً فى العالم من قائمة الدول الفقيرة؛ وكان ذلك بمعاونة الشركات اليابانية وفيما بعد الشركات الكورية (الجيل الثانى من الدول الأسيوية).

غير أنَّ هذه الميزة قد أُفسِدَتْ بالكامل على مستويى التشغيل والتوزيع؛ حيث كان التشغيل/التوظيف والتدريب والعائد فى هذه القطاعات حِكراً لمنسوبى النظام. وبذلك تحول الأمر إلى تمكين هو الآخر على حساب الشعب السودانى، بل يتجاوزه إلى تكريس عقلية الإنتقام سالفة الذكر.

بل حتى على مستوى الإنتاج؛ إذا أثبتنا لهم حق المبادرة والمبادءة، فإنَّ تمويل العمليات الإنتاجية فى كل تلك القطاعات الجديدة، قد دفعه الشعب السودانى قاطبة (المقيم والمغترب) حين أخذت الحكومة 50% من مال التعليم والصحة، و50% أُخرى هى تحويلات السودانيين العاملين بالخارج لذلك الغرض.

هذه الحقائق تجعلنا نقضِ بأنَّ نسبة نجاح هذه التجربة (وإنْ تمّتْ تحت الإدارة والإشراف المباشرين لفئات النظام) للإنقاذ وحدها، يُحيق الظلم بسواد الشعب السودانى الذى قبل (طوعاً أو كَرْهاً) بأخذ أمواله لتمويلها.

2- كذلك، كون أنَّ النظام تغلب عليه الفئة التكنوقراطية، أهَّله ذلك إلى درجة عالية من القدرة التفاوضية شهِدَ له بها أعداؤه. والدليل على ذلك أنَّ هذا النظام أقنع الحكومة الصينية على الإستثمار فى السودان رغم الحصار الإقتصادى والعسكرى المفروض عليه من قِبَل الغرب. واللجوء إلى الصين لا يخلو من فطنة وذكاء؛ كونها دولة مِحورية نووية قادرة على حماية إستثماراتها ضد تغوُّل الدول الإمبريالية.

كذلك يصب فى إتجاه القدرات التفاوضية لهذا النظام إستفزازه لخصومه السياسيين خارج الوطن حين كانوا عقبةً فى وجهه، والإستفادة من تحويلاتهم لتمويل مشروعاته، وإعادتهم إلى حضن الوطن حين علم ألاَّ ضرر يمكن أن يحدث منهم بخمود الحرب الباردة، بل قاسمهم السلطة والثروة ولو على نحوٍ شكلى (موظفين فى جهاز الدولة كما قال د. على السيد: قناة الشروق 23/09/2012)، ثمَّ آوى إليه الشرائح الرأسمالية حليفات المصلحة، بعد أنْ خلَّصها من اليسار السودانى؛ ذلك الذى مازال يتشبث بتحالفاته النشاز بهذه الشرائح (التجارية والزراعية) ليُنجزَ ثورته الديمقراطية.

3- لعلَّ أهمَّ ميزة يمكن إستخلاصها من تجربة الإنقاذ وعزلتها المزمنة، هو فكاكها من القبضة الشرسة والمُحْكَمة (ما يُعْرَف بالـ Global Governance) التى تُطْبِقَها الدول الرأسمالية الكبرى الإمبريالية على الدول الفقيرة وكبح النمو فيها. وعبر هذه التجربة من العزلة ثبت أنَّ التنمية ممكنة الحدوث، كما نمتْ آسيا من وراء ظهر النظام الرأسمالى من قبل.

والحق يُقال بأنَّ حالة الإنعتاق من قبضة الإمبريالية لم تكن على بال القائمين على الأمر فى السودان (إذا استثنينا خطابهم الأيديولوجى: أمريكيا روسيا قد دنا عذابُها) خلال هذا الربع قرن من الزمان، وإنَّما هو حالة فرضتها عزلة النظام (الفاقد للشرعية السياسية بإنقلابه على الديمقراطية) فى إطار كسر عزيمته وإرجاعه للقبضة التحكمية العالمية. والمراد هنا بأنَّ التفكير بالإنعتاق من هذه القبضة لا تدعمه خطة إستراتيجية مسبقة وتفكيرٌ واعٍ من قبل النظام، وإنَّما هو نوع من الإدارة الآنية للأزمة.

وهذا التحليل تسنده حقيقتان. الحقيقة الأولى أنَّ أهداف الإنقلابيين كانت هى الحفاظ على مقدراتهم الإقتصادية، خاصةً بعد الوعيد والتهديد المضمن فى أضابير برنامج الإنقاذ الرباعى التى تقضى بتصفية رأس المال الطفيلى الإسلاربوى، وكنس آثار مايو. والحقيقة الثانية أنَّ السنوات العشر الأولى للنظام لم تكن إلاَّ بمثابة تنفيذ لمقررات برنامج الإنقاذ الرباعى (بذات العقلية العقائدية العدمية والإنتباذية المصحوبة بشراسة الإنتقام هذه المرة، القاضية بتصفية القدرات الإقتصادية لكلِّ غرمائها مستخدمةً السياسة المالية والنقدية)، ولكن لمصلحة شريحة رأسمالية واحدة هى شريحة رأس المال المالى المهيمنة. وذلك يعنى فيما يعنى أنَّ الإنقاذ حين أتت كانت خالية الجراب من أىِّ فهم إستراتيجى.

4- المحصلة: تعيين محدداتِ التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى:

1 – دعم المستعمر لمراكز القوى السابقة لمجيئه بقبضته المركزية القوية، وتحويلها إلى كوادر كومبرادورية مستأمنة على تمدد النظام الرأسمالى، كان له الأثر الأعظم فى التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. بل والرعاية الليبرالية والمركزية القوية بواسطة الدولة الوطنية، فيما بعد الإستقلال، لهذه الكوادر/المجموعات الإقتصادية، وحمايتها من خطر الشيوعية حتى نهاية الحرب الباردة؛ يعتبر من المحددات الأكثر تأثيراً فى معادلة العملية الإنتاجية فى السودان؛ لصالح رأس المال على حساب العمل، وبالتالى أثَّر ذلك فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى بشكل جدُّ محسوس.

2 – لعلَّ الصراع الأزلى بين الشرائح الرأسمالية والشرائح الضعيفة هو ثانى أهم محددات التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. بل هو الذى يصبغ حياتنا السياسية تقلُّباً بين الحياة المدنية والعسكرية لمدة 60 عاماً؛ هى عمر الحرية (الإنعتاق من الإستعمار المباشر) عندنا فى السودان. وإدارة هذا الصراع (والفشل فى إدارته) لصالح كل وكلاء العملية الإنتاجية (عمال + رأسمال = الإنتاج “فى الصيغة المبسطة”) بشكلٍ عادلٍ مُزيلٍ للغبن الإجتماعى، يُشكِّل المحك والمحدد الرئيس لتحقيق التنمية، والسلام الإجتماعى، وبالتاللى الإستقرار السياسى.

3 – ويترافق مع المُحدِّد أعلاه تأثيراً فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى، محدد الصراع على السلطة، وبالتالى التحالف مع شريحة الدولة لتجيير معادلة العملية الإنتاجية لصالح الرأسمال على حساب العمال والقوى الحديثة، أو العكس. فهذا من المحددات الرئيسة للتشكل الإقتصادى/ الإجتماعى، ويمثل خصوصية الفارق فى القوة بين الشرائح الإجتماعية المتنافسة. وبإبتعاد الصراع على السلطة عن الأيديولوجيا والتنميط والأحكام المسبقة، فبإمكانه أن يتحول إلى صراع برامج لخدمة الشعب (لخدمة وكلاء العملية الإنتاجية). بمعنى آخر؛ فبدلاً من عاش فلان ويسقط علان؛ ماذا فى جُعبة فلان وعلان من برامج لخدمة الشعب؛ وقابلة للحياة والتطبيق العملى العلمى. فالتنظيمات الحية تتنافس لخدمة شعوبها لا لنهبها.

4 – الشريحة الأطول تحالفاً مع شريحة الدولة، وبالتالى لها القدرة على التأثير فى قراراتها، هى الشريحة ذات الهيمنة، وصاحبة القَدْح المعلَّى فى التأثير على التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. وبذلك تشكل واحداً من أخطر المحددات تأثيراً فى الواقع الإقتصادى/الإجتماعى والسياسى.

5 – القدرة على تراكم رأس المال وإعادة إستثماره على المستوى العام أو الخاص، يشكل واحداً من أهم المحددات فى تشكيل واقعنا الإقتصادى والإجتماعى والسياسى فى السودان (قدرة الدولة على الإدخار “إستغناء الشعب عن جزءٍ من مال الخدمات الإجتماعية، كالإستقطاع القسرى لـ 50% من التعليم والصحة لتمويل البترول”، تراكم رأس المال الخاص (الإسلاطفيليات المالية)، وعائدات السودانيين العاملين بالخارج، مثالاً).

6 – غياب (ووجود) الخطط الإستراتيجية الوطنية الموجهة للإقتصاد نحو قطاعاته المنتجة (وغير المنتجة) يعد من الموضوعات المهمة فى مسألة التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان.

7 – يترافق مع عاليه تأثيراً فى تشكلنا الإقتصادى الإجتماعى فى السودان (مع غياب الديموقراطية/الرقابة المجتمعية والشفافية واستقلال السلطات)، دآءان عضالان هما حجم الفساد واستشراء الطفيلية، بما يتركان من أثر سلبى على القيم الكلية للمجتمع.

8 – حدة النبر الأيديولوجى القائم على حدة التناقض الطبقى والغبن الإجتماعى، وبالتالى ربما الإنقلابات العسكرية الحارسة لمصالح الشريحة ذات الهيمنة المتحالفة مع الدولة بطبيعة الحال، تشكل واحداً من أخطر محددات واقعنا الإقتصادى والإجتماعى فى السودان.

9 – غياب التوازن فى العملية الإنتاجية (رأس مال + عمال = الإنتاج، فى صيغته المبسطة) بهيمنة الشرائح الرأسمالية عليها وعلى محصلتها (خاصة الشريحة ذات الهيمنة)؛ وبالتالى غياب الأحزاب العمالية، ضعف وعدم فاعلية الأحزاب التى تتحدث عن العمال فى إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية، ومن ثمَّ فى العملية السياسية للظروف المذكورة فى الفقرة (1) بعاليه، ولظروف التحالفات السقيمة المزمنة للِأحزاب التى تتحدث عن العمال والإنتلجنسيا السودانية مع الشرائح الرأسمالية (خاصة الزراعية والتجارية) لِإنجاز مصالحهم المتناقضة مع هذه الشرائح الرأسمالية التى تحالفوا معها؛ كلُّ ذلك يشكِّلُ محدِّدَاً مهماً فى واقعنا الإقتصادى/الإجتماعى والسياسى. 

إذْ، كيف يمكن للشرائح المستنيرة أن تتحالف/ (وتستمر فى التحالف) مع الشرائح الرأسمالية ولمدة ستين سنة ويزيد، لِإنجاز مصالح العمال والمستضعفين، دون أن نتوقع الفشل، بل والفشل المزمن فى إحداث ذلك التوازن المنشود فى العملية الإنتاجية؟ فأىُّ نتيجة غير الفشل، تصبحُ أُكذوبة الدهر. ولذلك يظل خطل التحالف السقيم للشرائح المستضعفة مع الشرائح الرأسمالية الذى يجرهم إليه المتعلمون السودانيون لِإحداث توازن لصالح هذه الفئات الضعيفة محدداً مهماً فى حياتنا.

وبعبارة أُخرى، فإنَّ فشل النخبة المستنيرة المتحدثة بإسم العمال وعجزها فى إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية، يضيف بعداً مهماً فى عملية التشكل الإقتصادى/ الإجتماعى فى السودان.

10 – لعلَّ تعاطى وكلاء العملية الإنتاجية وأحزابهم فى السودان مع الخطاب الليبرالى العالمى (قبل وبعد الحرب الباردة) يساهم فى تشكيل الواقع السودانى بدرجة كبيرة. ففهم كيفة إدارة العالم، والتعاطى الحكيم وفن التفاوض واللباقة السياسية فى التعامل مع القوى ذات التأثير على التشكل الإقتصادى/الإجتماعى العالمى، وبالتالى فى السودان، يساهم فى رسم واقع مفيد لكل شرائحنا الإجتماعية فى السودان، الغنية والفقيرة.

11- عبء سداد الديون (المتوارث أصولها بطبيعة الحال من الفترات العسكرية) والتجاذب والمفاضلة الصعبة بين الإنفاق على الخدمات الإجتماعية وخدمات الدين الخارجى، خاصةً فى الفترات الديموقراطية، يشكِّلُ واحداً من أهم وأخطر محددات الواقع الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان. وحينما يتشدد الدائنون (على حساب قوت الشعب وخدماته الإجتماعية) يتحسس العسكريون إنقلاباتهم على الديموقراطية، وهكذا دواليك.

12 – الدخول المفاجئ للصين فى أفريقيا؛ الدولة المحورية، ناعمة الإمبريالية حتى الآن؛ المؤمنة بالمنافع المتكافئة فى العملية الإستثمارية، والقادرة على حماية إستثماراتها ضد التغوُّل الإمبريالى الإنجلو – ساكسونى؛ بدأ يُشكل محدداً مهما فى السياق السودانى. فبدلاً من أنْ ينمو السودان (أفريقيا) من وراء ظهر النظام الرأسمالى الليبرالى المكرس ضد رأسمالية الدولة (كما فعلت آسيا فى بادئ أمرها)؛ فتحت حماية الصين يمكن للسودان أنْ ينمو على عينك يا تاجر الإمبريالية الغربية.

13- مع غياب حزب عمال وقوى حديثة سودانى، ومع وقوع كل رؤساء الأحزاب التى تتحدث بإسم العمال والقوى الحديثة وحلفائها من الشرائح الرأسمالية فى الفئة العمرية (70-85)؛ فإنَّ الديموغرافيا الحزبية السودانية، تكون فى حالة إختلال هيكلى حينما يكون الحديث عن التغيير، وتؤثر كمحدد فى التشكل الإقتصادى/الإجتماعى فى إطار الواقع السودانى.

فأهلُ هذه الفئةِ العمريةِ عزيزى القارئ، مدبرون عن الحياة؛ يميلون إلى التوفيقيةِ، يخافون عواقبَ الأُمور، خاصةً تلك المتعلقة بولادةِ الفتن (يخافون التغيير). فيمكن أنْ نلحظَ بكلِّ بساطة، أنَّ كلَّ مفكرينا وسياسيينا وأُدبائنا الذين يقعون فى هذه الفئة العمرية، يميلون إلى الخيارات الأضعف بين البدائل المطروحة. 

وإذا نظرنا لكلِّ أحزابِ التجمعِ الوطنى الديموقراطى (باستثناء الحركة الشعبية لتحرير السودان، وفئة المؤتمر الوطنى بعد الإنشقاق) سنجد أنَّ هذه الأحزاب مسقوفة بهذه الفئة العمرية، ولهذا السبب بالذات، فشلتْ فى أنْ تُديرَ صراعاً ضد الحكومة يُفضى إلى تغيير. 

والحركة الشعبية مستثناة ومعها فصيل المؤتمر الوطنى، لأَنَّ رئيسَيهما والقائمين على أمرِيهما، تجدهم كلَّهم خارج هذه الفئة، وأفكارُهم حبلى بالنزوع إلى التغيير. ولكن هبْ أنَّ أبِل ألير، مازال رئيساً لهذه الفئة، وكذلك الترابى، إذاً لاختلفَ الأَمر جِدا. 

ويُدلِّلُ على هذا القول، حالات الأنقسامات التى طالتْ كلَّ الأحزاب السياسية السودانية. وهى على فكرة ليستْ بإنقساماتٍ نابعةٍ من تبدُّلِ المواقف الفكرية أو الأيديولوجية، ولكنَّها نابعةٌ بالضرورةِ من صراعاتِ الأجيال (الفئات العمرية المختلفة). فالذين يحملون جُرثومة التغيير فى تضاد مع الفئة العمرية المحافظة (حالة حق/ الحزب الشيوعى، حزب مبارك الفاضل/حزب الأُمة القومى، مؤخراً شباب الختمية بأمريكا/الاتحاد الديمقراطى، المؤتمر الوطنى/ المؤتمر الشعبى). 

وإذا أردنا ذلك على مستوى دورة حياة الفرد، نجده أيضاً منطبقاً وبكلِّ الوضوح. فمثلاً، الطيب صالح عندى لم يُغيرْ موقفَه من النظام البتَّة فى آخر مقابلة تلفزيونية ()، ولكنْ غيَّرَ بدائلَه لوقوعِهِ فى ذات الفئة العمرية، أضف إليها حالة الضعف والوهن المصاحبة للمرض. فالرجل أُجرىَ معه اللقاء وهو للتوِّ خارج من غيبوبة مرضِهِ. ومن الطبيعى فى وضعٍ كهذا أنْ تميلَ النفسُ البشرية إلى اللين، هذا إذا وعتْ فى الأصل ما قالتْ وما سوف تقول..

وما يحزن، هو إنصباب اللَّوم والتقريح على الطيب صالح وهو فى تلك الحال، ولم تُقال كلمة واحدة فى حقِّ هذا النظام القبيح الخبيث الإنتهازى الذى يحاول أن يستغلَّ حالةَ الضعفِ التى يمرُّ بها سياسيونا ومفكرونا وأُدباؤنا ليخلقَ منها حالة مؤازرة لواقعِهِ المتهافت (التهافت بالمعنى الخلدونى كما يعلم القارئ الكريم). بل أصبحَ يُدخلُ شبابَنا فى حالة من اليأسِ والتيئيس من إحداث التغيير، بترويجِهِ إنعدام البديل المكافئ له، إذا كان سيجئ بأُناسٍ من الفئة العمرية المدبرة عن الحياة، لا سيما وأنَّ النظام يحمكنا بالفئة المُحْدِثة للتغيير (الجيل الثالث والرابع والخامس، بعد عزل الترابى وزمرتِهِ). 

مثال آخر على دورة حياة فرد، هو حالة الأُستاذ محمد إبراهيم نُقُد (نسأل اللهَ أن يرحمه بالرحمة الواسعة). فانظر إلى البديل الذى اختاره فى لقاء جامع من الزملاء والزميلات، إِذْ يقول: “نرجو من الذين يُصلُّون منكم، والذين يذهبون إلى الحج، أن يسألوا الله فى السجود والمَواطِنِ التى يُستجاب فيها الدعاء، أن يُخلصنا من هذه الإنقاذ”، حديثُهُ بهذا المعنى (). 

ربما يقرأُ قارئٌ مَغْروض، أنَّ هذا تغيير فى الموقف الأيديولوجى والسياسى والفكرى للسيد محمد إبراهيم نقد، بإعتبار أنَّ الحزبَ الثورى مناطٌ به التغيير الثورى. ولكنِّى أرى أنَّ الأُستاذ محمد إبراهيم نُقُد، لم يَحِدْ عن أفكارِهِ قيدَ أُنملةٍ، وحاشاه. فالرجل كما عرفناه صلِداً وجلِداً، ولكنَّ خياره من بين الخيارات المطروحة هو خيار هذه الفئة المدبرة عن الحياة، خيارٌ هينٌ ولين، وعلينا أن نعى ذلك.

وذلك بالطبع ينطبق على أستاذ الأجيال المرحوم محمد عثمان وردى حين إلتقى الرئيس البشير، وينطبق حتى على الموقف الأخير للأُستاذ الدكتور بشرى الفاضل الذى فرِحْنا لنيلِهِ جائزة الطيب صالح للقصة القصيرة، وحزنَّا حتَّى طارتْ عصافيرُنا، لأَنَّها من عطايا الطفابيع. ولكن هى قدرية الوقوع فى هذه الفئة العمرية يا عزيزى القارئ، إلاَّ منْ رُحم، وقليلٌ ما هم.

وكما يعلم القارئ الكريم، فإنَّ جلَّ كتابات المفكر والأديب الطيب صالح، تدور حول دورة حياة الإنسان. فانظرْهُ وهو يشرح عنوان روايتِهِ بندرشاه (ضو البيت/مريود) إذْ يقول هى: “أُقصوصة عن كون الأب ضحية لِأَبيِهِ وإبنِهِ”. أذاً ما نغذِّيِه أبناءنا باكراً، يؤثرُ تأثيراً بالغاً على طورنا المنتج من حياتنا، طور التغيير (الفئة العمرية 15-45)، وذات الطور يتأثر تأثيراً حادَّاً بسلوكِ الفئة التى تسبقه. ولعلَّ حبيبنا الطيب صالح يرمز إلى حقيقة وُجودية وإلى طابع صراعى جدلى للشخصية السودانية، بشكلٍ خاص.

فهل نلوم أُدباءنا ومفكرينا وسياسيينا، على عجز فئتِنا العمرية وتقاعسها عن أداء واجبها فى التغيير؟ ربما كانت الإجابة فى الفكاك من هذا النظام الأبوى بشكل لا يخدش هؤلاء الأكابر، مستصحبين حكمة الشاعر محمد مدنى: “أَحتاجُ دوزنةً تَفُكُّ حِبالَكم عنى وتُربِطُنى بكم”. ” 

لا يكتمل الحديث عن هذه الجزئية إلاَّ بتشخيص حالة الجبهة الإسلامية القومية، إذْ كانت هى الأُخرى مسقوفة بأفراد من ذات الفئة العمرية التى تحدثنا عنها بعاليه. ولم تنزع إلى التغيير، حالها كحال بنات عمها، إلاَّ بعد حدوث شيئين إثنين: الأول، هو تهديد مصالحها الإقتصادية الوارد فى حيثيات برناج الإنقاذ الرباعى لعام 1986م القاضى بتصفية آثار مايو، وتفكيك الإقتصاد الطفيلى، وذلك أمرٌ يحتاج إلى مغامرين. والثانى، هو إيجاد من يُنيبون عنها فى إحداث التغيير من العسكريين (المغامرين) الواقعين ضمن الفئة العمرية المناط بها التغيير، وقد كان ما كان فى عام 1989م. ومن يومها، فالسودان محكوم بالفئة العمرية المناط بها التغيير داخل منظومة الدولة، وتنازعها الفئة العمرية السابقة لها (أى الجيل الأول والثانى من الجبهة الاسلامية القومية) قيادة البلد حتى منتصف التسعينات من القرن المنصرم. 

وعلى أيام الفصل الدرامى الأول من هذه الحكومة المتنازع عليها من الداخل، حشد الترابيون التكنوقراط مناصريهم فى شكل مليشيات عسكرية موازية للعسكر، وضامنة لبقائهم فى الحد الأدنى ضمن معادلة شاخصة من توازن الرعب، وقادرة على إفعال تغيير حين يحين التغيير، وقد تم كل ذلك باستغفال التكنوقراط للعسكر. 

ولمَّا لم تجد الفئات العمرية المناط بها التغيير داخل تنظيم الجبهة الاسلامية القومية (الجيل الثالث والرابع والخامس) بُدَّاً من عزل الفئات المحافظة المشوشة لها فقد فعلت، وذلك بعزل وإبعاد الجيل الأول والثانى (الترابى وصحبه) من جهاز الدولة. وهى أول سابقة من نوعها فى تاريخ التربية السلوكية السودانية، حيث عُزِلَ الروَّادُ بواسطةِ أتباعهم. وأنظر إلى ما جرَّه ذلك من فتن (تلك التى تورَّع عنها أصحاب البصائر، وكان الطيب صالح كثيراً ما يجهر بخوفه من هذا النوع من التغيير) قسَّمتِ الوطن، ووقع باقى جحيمها على أبرياء دارفور والنوبة والأنقسنا وغيرهم (وجرمٌ جرَّهُ سُفهاءُ قومٍ، فحلَّ بغيرِ جارمِهِ العذابُ). 

لقد فعلتْ هذه الفئة فَعلتها التى فعلت، وبدأت تُثَبِّطُ همم التغيير المتوقع من خارجها بكلِّ الوسائل، الإعلامية منها، والأمنية، وما عُرِفَ مؤخراً بالجهاد الإلكترونى. وكانت تُكرِّس لِأيديولوجيا اليأس وإنعدام البديل لدى الأحزاب الأُخرى المسقوفة بأُؤلئك الشيوخ الميئوس مع وجودهم إحداث التغيير، بل وبدأت تُجنِّد وتستميل أنصار تلك الأحزاب من الشباب لصالح مشروعها المتهافت بكلَّ الوسائل. وما لم يحدث تغيير فى ديموغرافيا الأحزاب السياسية الممانعة يسمح بصعود الفئات القادرة على جلب التغيير، فإنَّ التغيير سيكون محكوماً عليه بالفشل.

فكلُّ رؤساءِ أحزاب التجمع الوطن الديمقراطى التى خرجت فى عام 1989م لتعارض النظام عسكرياً ومدنياً، لا تستطيع أنْ تتبنى ذلك الخيار الآن وهى بتركيبتها الديموغرافية الحالية. وانظر لحالها: حزب الأمة من الجهاد العسكرى، إلى الجهاد المدنى، إلى المشاركة فى السلطة، وربما مصاهرتها. الإتحاد الديمقراطى من القبول لكل أنواع الجهاد السابقة بحكم ترؤس رئيس الحزب (رضى الله عنه وأرضاه) للتجمع الوطنى الديمقراطى إلى المشاركة فى السلطة. الحزب الشيوعى من سلاح التغيير الثورى إلى سلاح الدعاء، وعلى ذلك قس. وحتى الجبهة الإسلامية القومية التى تحكمنا بعناصرها الحية من ربع قرن، والتى شاخت الآن، قد فطنت إلى حقيقة أنَّها بتركيبتها الحالية ستصبح غير قادرة على صناعة التغيير أو مجابهة ذلك التغيير القادم من خارجها، فصعدت منذ أقل من عام، كوادرها الشابة تلك التى طالبت بالتغيير، لتقود مقاليد الأمور بالبلد. إذا،ً فالجبهة الإسلامية، شئنا أم أبينا، تتقدم علينا بمسألة الإنتباه للعمر حين استدار الزمان دورته. ففى ظل 23 سنة، هاهى تصعِّدُ القوى الحية مرتين، ونحن فى سُباتنا/يأسنا العقيم. 

العالم من حولنا، يحترم هذه الفئة التى نحن بصدد تغييرها، ولا يخرج عليها ولا يغمطها دورها، كما فعلت الجبهة الإسلامية القومية العآقَّةُ لعرابها، ويُحولها إلى فئات إستشارية، فئات حكماء، وإنْ شئتَ فقل مجلس شيوخ (حالة أمريكا) أو مجلس لوردات (حالة بريطانيا). 

ونحن فى عالمنا الأبوى هذا وما عليه من أخلاق سودانية، علينا ألاَّ نُقصى أكابر قومنا على طريقة الجبهة الإسلامية القومية، ولكن عليهم أن يترجلوا طواعيةً لأَنَّهم غير مفيدين فى عملية إحداث التغيير. وإن لم يفعلوا، فعلينا أن ننتظر، “فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا”. 

وأنا من الموقنين بأن ليس بين هؤلاء الأكابر من بدَّل فكره، أو موقفه من هذا النظام اللعين المُجتهد فى إنتزاع حالات مناصرِة له من الضعف الإنسانى لخصومِهِ، ولكنَّها الشيخوخة.

قراءة تحليلية للتشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى والطبقى فى السودان: 

1- لعلَّ من أَهمَّ الملاحظات المتعلقة بالتشكُّل الإجتماعى وبالتالى بالصراع الطبقى فى السودان، هو فشل شريحة الدولة منذ الإستقلال فى الوقوف على الحياد من الشرائح المسيطرة إقتصادياً فى السودان، بل انحازتْ إليها على حساب الطبقات الفقيرة، مما أدَّى إلى خلق إقتصاد قومى غير متجانس، وزادتْ على أثره الفروق الإجتماعية بين أفراد المجتمع، وبين الريف والحضر (المركز والهامش).

2- لقد كانت الشريحة التجارية تحت قيادة التجار الأجانب فى البدء ومن ثمَّ تحت قيادة تجار الختمية، كما رأينا بعاليه وتماماً كما قالت جانيت من قبل، هى الأكثر إلتصاقاً بشريحة الدولة والحاضن الرؤوم للعناصر الطفيلية حتى من دون علمها كما ذكر أعلاه. وبالتالى ظلَّتْ على الدوام شريحةً مهيمنة، أو قريبة من الهيمنة. كما أنَّها كانت تتبادل مركز الهيمنة هذا مع الشريحة الزراعية (بقيادة الأنصار ومن جاء خلفاً لهم بعد مشروع الهندى للإصلاح الزراعى)، ومع برجوازية الدولة التى كانت تتبع بالأساس للختمية.

لم يحدث أنْ تبادلت الشريحة التجارية مركز الهيمنة هذا مع الشرائح العُمالية والقوى الحديثة على كثرة أفرادها (85% من الشعب السودانى). ومردُّ ذلك إلى غياب حزب عمال وقوى حديثة ينافح عن هذه الشريحة. أما الأحزاب التى تتحدث بإسمها، فهى أحزاب عقائدية (والعقائدة مسألة غير جاذبة لسائر العمال/أهل السودان، أصحاب التدين الصوفى الغالب. اللهم إلاَّ القلة القليلة المعتنقة لتلك العقائد) صغيرة الحجم بيد أنها كثيفة الفاعلية، مُحارَبَة من قبل الليبرالية العالمية، ويُغيِّبها عن ساحة العمال والقوى الحديثة تحالفها المرحلى العتيد (60 سنة) مع الشرائح الرأسمالية لإنجاز قضايا العمال والقوى الحديثة السودانية.

كما أنَّ لاعباً جديداً قد ظهر فى حلبة الصراع الإجتماعى منذ سبعينات القرن المنصرم، وهو شريحة رأس المال المالى بقيادة الجبهة الإسلامية القومية، وقد بدأ يُزحزح القيادة التقليدية لهذه الشريحة (تجار الختمية)، خاصةً بما اقترف من ممارسات طفيلية ومعاملاتٍ فاسدة. كما أنَّه إتخذ من الأحزاب العقائدية التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة غريماً ناصبها العداء منذ بواكير النشوء؛ هذا إن لَّم يكن هذا اللاعب قد صُنع خصيصاً لمحاربتها.

3- على الرغم من الإنفاق الحكومى الداعم لِإتمام التمدد الرأسمالى وحماية الشرائح المسئولة عن تمدده بعد خروج المستعمر وحتى نهاية عام 1989م، والداعم أيضاً لمحاربة الشيوعية بإنشاء مشروعات بالكاد تكفى لتغبيش الوعى الطبقى بإيعاز من النظام الليبرالى العالمى، إلاَّ أنَّ الوعى الطبقى بين الفئات المستضعفة كالعمال والموظفين، والفئات المستنيرة (الإنتلجنسيا السودانية)، كان عالياً؛ ويرجع الفضل فى ذلك للأحزاب التقدمية. وقد بدأ شركاء العملية الإنتاجية من هذه الفئات يُطالبون الدولة بتحسين أوضاعهم.

ولمكافئة الأثر الناجم من هذه المطالبة، فقد بدأتْ بالمقابل الشرائح الرأسمالية مطالبة الدولة بتوفير مناخ جيِّد للإستثمار، على ما يعنيه ذلك من ضبط الحركات المطلبية التى تنادى بخفض الأسعار، وزيادة الأجور الأمر، الذى قد يؤثر على الأرباح. 

ولمَّا كانت شريحة الدولة دائمة الإنحياز للطبقات الغنية على حساب الفئات المستضعفة، فقد إستطاعتْ شرائح النخبة الإقتصادية أنْ تُجيِّر عائدات العملية الإنتاجية لصالحها، وذلك بالتغوُّل المستمر على حقوق الفئات المستضعفة، وإخراص أصواتَهم بوسائل غير ديموقراطية (كحل النقابات المتكرر أو تجاهل مطالبها، أو حل الأحزاب التى تتحدث بإسمها).

4- النخب الإقتصادية فى السودان (وفى جميع دول العالم الثالث) غير قادرة على العيش فى مناخ ديموقراطى. إذْ أنَّ الديموقراطية تقتضى وقوف شريحة الدولة على مسافة متساوية من طبقات المجتمع، وتدير العملية الإنتاجية لصالح كلِّ الشركاءِ فيها. وهو أمرٌ لم يحدث قط فى تاريخ التشكُّل الإقتصادى/الإجتماعى فى السودان، وذلك ببساطة لأنَّ هذه النُّخب لا تريده، والخطاب الليبرالى العالمى أيضاً لا يريده، على الأقل فى المراحل الأُولى من التشكل الرأسمالى فى السودان. وذلك لأنَّ عبر الديمقراطية فى السودان، قد يأتى إلى سدة الحكم صوت راديكالى ينادى بمحاربة النظام الرأسمالى، ومحاربة البضائع الرأسمالية، ويا طالما تمَّ قمعه.

لذلك نجد أنَّه كلما علا صوتُ الراديكاليين (المتحدث بإسم الشق الآخر من شركاء العملية الإنتاجية) فى الفترات الديموقراطية، أوحى الخطاب الليبرالى العالمى للشريحة ذات الهيمنة أنْ تسلِّم السلطة إلى عسكريين من إنتخابها هى. لذلك لم يتجاوز مجموع عمر الديموقراطيات فى السودان فى الفترات المختلفة 11 سنة، مقارنةً بـ 45 سنة من الحكم الديكتاتورى. وكثيراً ما نجد وشائج إرتباط طبقية/حزبية بين الشريحة المهيمنة والأنقلاب العسكرى التالى لها.

5- ولكن الآن، وبعد أنْ إكتمل تمدد النظام الرأسمالى على البسيطةِ كلِّها، لم يعد الخطاب الليبرالى العالمى راغباً فى إجهاض الديموقراطيات. فدعم الديكتاتوريات من قِبَل النظام الرأسمالى، فوق كونه يُمثِّل حالة من التناقض المذهبى وازدواج المعايير، فقد وُجِدَ أنَّه يضرُّ بعمليات تراكم الأرباح فى المدى الطويل. 

فوجود ديكتاتوريات فى مرحلة الليبرالية الجديدة (Neoliberalism)، يُعتبر عائقاً فى سبيل مضاعفة الأرباح، ويسمونه الرأسماليات “عليلة الليبرالية” (Ill -Liberalist Forms of Production) ، وتُشنُ ضدها حروب واسعة الآن؛ أسميها حروب رأس المال، والليبرالية العالمية لِأَغراض تسويق تلك الحروب تسميها حروب الربيع العربى.

إذاً، المناخ من الناحية العالمية مواتٍ الآن لِإنجاح أى ديموقراطية قادمة. فلنستثمر شبح الحرب الرأسمالية الحتمية القادمة (ربَّ ضارةٍ نافعة) على بلدنا ونستغلَّها لصالح القضاء على هذا النظام الديكتاتورى الذى لايعى ما يدور من حوله. والذى أزعُم أنَّه لو إنتبه، سيتنازل عن الحكم نظير السلامة، ونظير عدم محاكمته لما اقترف من جرائم، ببساطة لأنَّه يحب الحياة. فما فائدة سرقة كل هذه الأموال ثم يموت موت الضأن ويتركها وراءه. 

كما أنَّ فقراء تنظيم النظام الحاكم، لن يموتوا نيابةً عن أغنيائه كما فعلوا فى حرب الجنوب، أيام الأيديولوجيا الدينية فى أوجها. ولكنَّ الأيديولوجيا تلك، قد ذهبتْ الآن أدراج الرياح، وليس ثمة شئٍ مقدسٍ فى حقيقة الأمر. بل الأمرُ برمَّته صراع طبقات إجتماعية على السلطة، إستُخْدِم فيه الدين ليُغطى على ممارسات دنيوية ملئها الفساد المالى والإخلاقى، وتعدى الأمر إلى إفساد عقيدة أهل السودان السنِّية، بإشاعة التشيُّعِ بينهم، فخرجَ كثيرٌ من النَّاس عن جادَّةِ الدِّين.

إذاً، لن يلدغ بروليتاريا الجبهة الإسلامية القومية من جحرِ تنظيمهم مرتين، بإفتراض أنَّهم عقلاء (ومتدينون صادقون)، وقد رأوا من فسادِ قادتهم ما يجعلهم يحجمون. تماماً كما فعل فقراء الأنصار “المستنيرون” فى يومٍ من الأيام، حينما سألهم أحد أئمة الأنصار أن يأتوا ليذودوا عنه مقابل شبرين فى الجنَّة، فقالوا له: “لا لا، نريدهما فى الملازمين”.

6- لعلَّ القمع المستمر بواسطة الخطاب الليبرالى العالمى للأحزاب المتحدثة بإسم الفئات الحية العمالية والمستنيرة فى السودان حتى عام 1989م، والتحالفات العليلة، والقمع المتواصل لهذه الفئات بواسطة الشرائح الرأسمالية والديكتاتوريات العسكرية الموالية لها لأكثر من 45 سنة، أدى إلى غياب الدور الفاعل/المثمر للأحزاب المتحدثة بإسم الشرائح العمالية والقوى الحديثة السودانية (المغيَّبة أصلاً) فى أنْ تنجز مشروعها الديموقراطى (أو قل الثورة الوطنية الديموقراطية). واكتفت بدور تابع لأحزاب الشرائح الغنية، عبرت عنه الأحزاب المستنيرة المتحدثة بإسم العمال والقوى الحديثة “بالتحالفات المرحلية” والتى استمرت لمدة 60 عاماً، آخرها “التجمع الوطنى الديموقراطى” فى المهجر، وتحالف “قوى الإجماع الوطنى” بالداخل، وأخيراً صيغة “البديل الديموقراطى”. 

والمرء ليعجب كل العجب، كيف يتبع 85% من الشعب السودانى (بينهم مستنيرون) لإرادة 15% منه وهى كتلة الشرائح الغنية فى السودان (أُنظر إلى تناقض المصالح)؟ لماذا فشلت الأحزاب المستنيرة، رغم قواعدها الشعبية العريضة، فى إقامة حكم ديموقراطى يحقق طموحاتها لمدة 60 سنة ويزيد؟ أين الخلل؟ هل هو فى الشعب السودانى معلم الشعوب الحرية والنضال، وهو بالفعل كذلك، أم أنَّ الخلل فى أُطروحات الأحزاب المستنيرة؟ 

أنا أميل إلى وجهة النظر القائلة بوجود الخلل فى أُطروحات المتعلمين السودانيين وأحزابهم المستنيرة التى تتحدث بإسم العمال والقوى الحديثة (بإسم الشعب السودانى). فكيف يُعالج هذا الخلل؟ هل من أُطروحة سياسية جديدة مستنيرة تعيد التوازن فى العملية الإنتاجية لصالح كل الشركاء (إنْ لَّم تكن لصالح الفقراء والقوى الحديثة تخصيصاً، بأثر تعويضى)، وتريحنا من حلقات التحالفات المرحلية المفرغة مع الشرائح الرأسمالية؟

أخشى إن لَّم تنتبه القوى المستنيرة والأحزابُ المتحدثة بإسم العمال والقوى الحديثة، أن يتجاوزها الزمن. إذْ أنَّ تداعيات الأحداث، قد تأتى بالأطروحة الجديدة التى نتحدث عنها ومنذ زمنٍ طويل، ووقتها لن يكون القول الفصل بيدِ القوى المستنيرة، وربما بيدِ إنتهازىٍ من الذين تحارب، فنكونُ “يا بدرُ لا رحنا ولا جينا”. ونعود ونستمر من ثانِ فى خبل التحالفات العقيمة.

وثورات ما يُسمى بالربيع العربى تؤيد ما نقول، إذْ أنَّها أتَتْ بموزاييك سياسى، الفاعلية فيه للذين يقدرون على إعادة إنتاج الحدث (الثورة)، وتجييره لصالح الفئات التى يُمثلونها؛ فأين نحن من ذلك؟

7- لقد ترتَّبَ على الخلل المصاحب لِأُطروحات النخبة المستنيرة فشلها المزمن (اللهم اشفِ أُستاذنا د. منصور خالد) فى إستجلاب عضويتها من العمال والإنتلجنسيا السودانية القابعة فى أحضان أحزاب النخب الإقتصادية لستٍ من العقود. كما أنها أخطأت التقدير مرتين وهى تدخل فى تحالفاتها المرحلية مع الشرائح الرأسمالية بعد عام 1989م.

التقدير الخاطئ الأوَّل يتمثل فى أنَّ المعارضة (التجمع الوطنى الديموقراطى) كانت تتوقع دعماً لا محدوداً من الغرب نظير الإعتداء على ديموقراطيتها. وقد كانت تجهل أنَّ الإنقضاض على ديموقراطيتها فى الأصل قد تمَّ بإيعاز من الغرب للشريحة ذات الهيمنة. كما نسيت حقيقة مهمة وهى أنَّ الغرب كان يقدم الدعم التنموى وغيره للدول الفقيرة وجماعات الضغط، فى إطار حرب باردة تتطلب توازناتها بين الغرب المهيمن والشرق المقاوم للهيمنة، تمرير بعض الجرعات التنموية ذات الطابع الأمنى لكى لا يُعاق تمدد النظام الرأسمالى، والإنتقال به من مرحلة إعادة الإنتاج البسيط Simple Reproduction of Capital، إلى مرحلة إعادة الإنتاج المعقد/التراكبى (Extended Reproduction of Capital). وقد إكتملت حلقات ذلك الإنتقال بإنهيار المعسكر الإشتراكى فى عام 1989م، وبعدها ما عاد دافع الضرائب الغربى يسمح بأىِّ دعم يذهب للعالم الخارجى بدعاوى تمديد وإعادة إنتاج النظام الرأسمالى، والذى بات يتمدد بشكل ذاتى. وقد إنحسر دعم الدول الفقيرة إلى أقل من 1.1% بعد عام 1989م. حتى أنَّ بعض الكتابات بدأت تتكلم صراحةً عن موت الأيديولوجيات التى تبرر ذلك الدعم (فوكاياما 1992م)، وأُخرى تحدثت بَواحاً عن موت التنمية ( رِستْ 2002م).

إذاً، تُركت المعارضة (التجمع الوطنى الديموقراطى) لموتها السريرى، ولِملَلِها الداخلى، إلى أنْ بُثَّتْ فيها الروحُ من جديد بتداعيات حروب رأس المال الجديدة فى المحيط العربى المجاور.

التقدير الخاطئ الثانى هو أنَّ التجمع الوطنى الديموقراطى لم يدرك أنَّ خروجه من السودان كان داعماً للنظام المحاصر إقتصادياً وعسكرياً من وجهتين. الأولى تقليل الإحتكاك اليومى بالمعارضة، والثانية أنَّ تحويلات السودانيين العاملين بالخارج قد ساهمت مساهمة فعالة فى عمليات تمويل إستخراج البترول (50% من تمويل البترول، والـ 50% الأُخرى إستقطعت من قطاعى التعليم والصحة) الذى بدأ يُكسِبُ النظام بعضاً من شرعية على صهوة المنجز الإقتصادى، أو قُلْ بدأ يُكْسِبُهُ قيمة مضافة سياسية. 

8- ولعلَّ المعارضة قد أخطأت أيضاً فى تقدير ثبات الشرائح الغنية (التجارية والزراعية) كفصيل معارض لشريحة غنية أُخرى (شريحة رأس المال المالى) ومن ثمَّ إسقاط نظامها. فذلك الملل الداخلى الذى أصاب التجمع، أصاب أول ما أصاب، الشرائح الغنية المعارضة. فمنها من إنشقَّ ووالى النظام، ومنها من إهتدى (تهتدون) ووالى النظام، إلى أنْ إستوت مجتمعةً كلُّها الآن فى خندق النظام. 

وذلك لعمرى مكانُها الطبيعى فى إطار التشكل الإقتصادى/الإجتماعى. وما هو غير طبيعى هو إنتظار الأحزاب المتحدثة بإسم الفئات المستضعفة والمستنيرة لتحالف جديد مع أحزاب النخبة الإقتصادية (كوثيقة البديل الديمقراطى)، لينجز لها مشروعها الديموقراطى. أىُّ خطلٍ هذا!! أما آن الأوان لهذه الأحزاب المستنيرة أنْ تبحث لها عن صيغة تلبِّى الطموحات المادية والمعنوية لفئات المستضعفين والقوى المستنيرة فى البلد، وتجمعهم فى حزبٍ واحدٍ واعدٍ مستنير!

لا تُعيدوا علينا هذه الأسطوانة المشروخة، وجددوا أُطروحاتكم، واخرجوا علينا بصيغةٍ تجمع كل العمال والقوى الحديثة فى السودان تحت رايةٍ واحدة تلبى كل تطلعاتهم، الروحية منها والمادية. فأحزاب الشرائح الرأسمالية لا تمثلنا، وتتناقض مصالحها مع مصالحنا، فلماذا نتحالف معها! 

9- لا يمكن إنجاز حكم ديموقراطى (والحديث موجه للموقعين على وثيقة البديل الديموقراطى من الأحزاب المستنيرة) بالتحالف مع شرائح رأسمالية عاجزة عن العيش فى مناخ ديموقراطى. إذاً، لابد من عمل يكافئ/يوازى هذا العجز، ولا بد من عمل شئٍ يجعل شريحة الدولة فى غنىً عن أنْ تتحالف مع أىٍّ من الشرائح الإجتماعية السودانية. وذلك فى تقديرى يكمن فى وجود حزب جامع لكلِّ العمال والإنتلجنسيا السودانية يوازن معادلة العملية الإنتاجية، ويشارك فى مراقبة حيادية شريحة بورجوازية الدولة؛ كما يكمن فى وجود خدمة مدنية مجزية ومستقلة، جيش قومى مستقل ذى هيبة، وبوليس عفيف ومستقل، وقضاء فى كامل الإستقلالية.

10 – التحالف مع شرائح النُخبة الرأسمالية العاجزة، بالتجربة، عن العيش فى مناخ ديمقراطى، يجعل الشعب السودانى مُحِقَّاً (خاصةً قواه الحية العمالية والمستنيرة اليائسة يأس السنين (60 سنة) بسبب ضعف التوظيف والقيمة غير المُجزية لسعر العمل؛ التى ترى من يُمثلها من أحزاب، غير فاعل فى إحداث توازن فى العملية الإنتاجية لصالح كافة شركائها؛ لما عانته هذه الأحزاب من قهرٍ وحيفٍ وظلم، وللخلل البيِّن فى أُطروحة هذه الأحزاب عن أن تجتذب أعضاءها طرف الأحزاب الرأسمالية، وللتحالف المزمن مع أحزاب شرائح النخب الرأسمالية هذه) فى أن يسأل عن البديل. 

نعم البديل هو أنتَ وأنا والجميع. ولكن تحت أىِّ مظلة من مظلاَّت الأُطروحات السياسية المبذولة الآن؟ هل التحالفات المطروحة تشكل بديلاً حقيقياً للعمال والقوى المستنيرة فى السودان، أم أنَّها تحمل بذرةَ فنائها بداخلها؛ وبالتالى نكون على أعتاب إنقلابٍ جديد؟

أنا فى تقديرى المتواضع، أرى البديل فى تكوين أُطروحة سياسية (حزب/كيان سياسى) قادرة على تلبية كافة مصالح العمال والقوى الحديثة الروحية والمادية، وبالتالى قادرة على إحداث توازن فى العملية الإنتاجية. وإذا تمَّ إحداث ذلك التوازن، نستطيع أن نَّبنى السودان بإذنِ الله. 

11- لعلَّ من الأمور التى لا تُخطئها العين، هو إهتمام شريحة رأس المال المالى (الجبهة الإسلامية القومية) بقطاع الشباب. وهو أمر تنفردُ به فرادةً تجعلها الأكثر تأهيلاً لصناعة التغيير. تعتنى هذه الشريحة بكوادرها، تحرص على تعليمهم وتفوقهم، تنفق على تدريبهم وتأهيلهم لنيل أعلى الدرجات. لم نسمع بين كوادر هذه الشريحة من تمَّ تفرغيه للعمل الحزبى المحض، أو عُطِّلَ تخرجه ليقوم بمهام حزبية داخل المؤسسات الأكاديمية. 

وبالمقابل، تحرص القيادات الشائخة للشرائح الرأسمالية الأخرى (وحلفاؤها) كالشريحة الزراعية والتجارية (الأنصار والختمية) على تعليم وتأهيل أبنائهم هم كأُسر، على حساب القطاعات الشبابية فى أحزابهم. والبعض من هذه القطاعات يعمل فيما يمكن نعته بالسُخْرَة (فيما يشبه التفرغ للعمل الحزبى عند الأحزاب التقدمية) لخدمة آل بيت هذه الطوائف. وعليك أن تتصور التغييب الذى يحدث لقطاعات الشباب هذه. 

كما أنَّ الأحزاب التقدمية التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة حين تُفرغ أعضاءها للعمل الحزبى، فهى بالأساس تؤدى إلى إعاقتهم من الناحية الفنية العملية والمعرفية؛ والقليل جداً من بينهم من حظى ببعثات تعليمية وتدريبية خارج بلدهم مقارنة بأعضاء شريحة رأس المال المالى. والمحصلة هى يأس الفئات المناط بها التغيير داخل هذه الأحزاب. 

أما العمال والقوى الحديثة السودانية أهل الوجعة، فلا أحد يهتم بهم، لعدم وجود حزب نابع منهم، يحمل إسمهم، ويشارك فى عملية إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية الذى من شأنه أن يجعلهم فى دائرة الإهتمام تعليماً وتدريباً وخبرةً. إذ أنَّ الشرائح الرأسمالية مشغولة بتأهيل أعضائها من الشباب والشباب من أفراد أُسرها، كما أنَّ التدريب الذى تناله الأحزاب التى تتحدث بإسمهم لا يعنيهم فى شئ، وبالتالى يتحولون إلى عالمِ منسىٍّ بالكلية. 

هذا الواقع من الديموغرافيا الحزبية المختلَّة؛ كهول يتقدمون التغيير فى أحزاب الممانعة، وشباب يائس وضعيف التعليم والتدريب والتجربة، وقابع فى المقاعد الخلفية للتغيير؛ كلُّ ذلك يجعل مسألة التغيير فى غاية التعقيد، ما لم تكن هناك أُطروحات حزبية جديدة مناهضة لهذا الواقع.

آفاق التغيير السياسى:

تظل الأسئلة المرتبطة بالتغيير السياسى (من نوع: هل نحن على مسلك التغيير، من المستفيد منه، لماذا تأخر عندنا، وهل من بارقة أمل؟) أسئلة مِلحاحة. والإجابة عليها، بالطبع، ليست بلا أو نعم فى مضمار الإقتصاد السياسى؛ ولكنَّها تُستخلص من بين فرثِ الخطاب الأيديولوجى، ودمِ الصراع الإجتماعى.

فَفِى البدءِ نحتاج إلى المنهج التحليلى الذى يضعنا على أعتاب التغيير؛ منهجٍ متحررٍ من العلل الحاجبة للبصيرة النافذة المُمَحِّصة والإستقصائية (كالنظرة الآحادية، الأحكام المسبقة، التنميط، الأيديولوجيا، التحيُّز والتفكير المُتحيِّز، العقلية الحدسية السالبة، جلد الذات، التمركز على الذات). فبالتخلُّص من هذه الأدواء، يرقى الباحث إلى مصاف العقل الحر والتفكير الحر؛ وعندها يرى الباحث ما لا يُرى من الأسباب الباعثة/المثبطة للتغيير.

على المستوى العالمى:

لابدَّ إذاً، من التعاطى الحكيم وفن التفاوض واللباقة السياسية فى التعامل مع الخطاب الليبرالى المتناغم الصيرورة بشكلٍ دائبٍ مع سيرورة التشكل الإقتصادى/الإجتماعى العالمى، حالة كونه ظاهرة متعولمة ومؤثرة فى واقعنا السودانى وتحقيبه. ولابد من الإبتعاد عن النزق السياسى المدفوع بنفث الأيديولوجيا فى التعامل مع الخطاب الليبرالى؛ لا سيما وأنَّ هذا الخطاب، هو حليف أصيل للشرائح الرأسمالية على حساب الشرائح الأُخرى الضعيفة والخديجة. 

فبدل أن يكون الحقد الطبقى (مفردة الحرب الباردة) هو دافعنا للتعاطى مع الوكلاء الرأسماليين فى العملية الإنتاجية، فليكن دافعنا (خاصة فيما بعد الحرب الباردة) هو الشراكة المتوازنة، بل والمتراحمة (من واقع سودانويتنا المعروفة) لخلق واقعٍ جديد، يُساهم فى بناء السودان (آسيا نمت من وراء ظهر النظام الليبرالى، بالسماع له، والتصفيق له، وفى الخفاء تُخالفه إلى ما ينفع شعوبها).

ومن وجهة نظر الخطاب الرأسمالى العالمى الآن، يمكن القول بكلِّ طمأنينة، بأنَّ النظام العالمى الرأسمالى لم يعد راغباً فى إجهاض الديموقراطيات. وذلك مرده، كما جاء آنفاً، إلى أنَّ الرأسمالية قد أكملت تمددها الأُفقى، ووكلاؤها المحليون ليسو فى حاجةٍ إلى دعم، وما عاد الخوف من الرادكاليين ممكناً بعد كل تلك الضربات المتلاحقة ومن ثمَّ إنهيار المعسكر الإشتراكى. كما أنَّ دعم الديكتاتوريات من قِبل النظام الرأسمالى؛ فوق كونه يمثل حالة من التناقض المذهبى وازدواج المعايير، فقد وجد أنَّه يضرُّ بعمليات تراكم الأرباح فى المدى الطويل.

فوجود ديكتاتوريات رأسمالية فى مرحلة النيوليبرالزم أمرٌ نشاز، ويعتبر عائقاً فى سبيل مضاعفة الأرباح، وتسمى هذه الديكتاتوريات بالرأسماليات عليلة الليبرالية، ويحاربها النظام الرأسمالى فى إطار حروب رأسمالية؛ أُختير لها فى المنطقة العربية إسمٌ أيديولوجىٌّ جميل هو “حروب الربيع العربى” بغرض تسويقها؛ وهى حروبٌ بين النَّاس، لا تتقاطع فيها الجيوش القطرية.

إذاً، فالمناخ من الناحية العالمية مواتٍ لإنجاح أىِّ ديمقراطية قادمة. فالنستثمر شبح الحرب القادمة على بلدنا لا محالة، ونستغلها لصالح القضاء على هذا النظام الأخرق.

وبالمُقابل، يجب ألاَّ تعول حركات الممانعة، العسكرية والمدنية، على أىِّ دعم يأتيها من الخارج لِإحداث التغيير، لأنَّه بات من غير الممكن فى فترة ما بعد الحرب الباردة، وحالة التجمع الوطنى الديموقراطى أقرب مثال لذلك (أنظر بعاليه). فالتظاهرات الطوفانية هى الحل الوحيد المتاح. وما لم يجد النّاس مصدراً مالياً مستداماً لتمويل عمليات التغيير المسلح (وقليلٌ ما هو)، فعليهم بالتظاهرات الطوفانية. 

فالحروب بين النَّاس، هى جزء من الروشتة الجديدة للحروب الرأسمالية المطالبَة بإحداث توازن فى الخلل القائم بين الغذاء المتاح وعدد السكان. ولكن هيهات (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله).

على المستوى الداخلى:

1- لعلَّ حيادية الدولة فى التعاطى مع كل طبقات المجتمع، تجعل البلد على مسلك التغيير. ولضمان حيادية الدولة، فلابد أن تكون هناك ديمقراطية شفافة (مُحارِبَة للفساد/مؤيدة للتنافس الحر)؛ فهى منطلقنا وهدفنا وسبيلنا إلى التغيير. ولضمان تأمين الديمقراطية، فلابد من قيومية وزارة المالية والإقتصاد الوطنى على المال العام وتوجيهه وفق خطط وسياسات مدروسة ومستقلة، لابد من إستقلالية بنك السودان، ولابد من وجود جيش مستقل، شرطة عفيفة ومستقلة، خدمة مدنية مجزية ودائماً على الحياد، وقضاء أكثر إستقلالية. ولن نثق فى إستقلالية الدولة، مهما تنطَّعتْ فى الحديث عنا، ما لم نكن مشاركين فيها لِإحداث التوازن فى العملية الإنتاجية بالفعل الجماعى الديموقراطى لصالح الفئة التى ننتمى إليها؛ فئة العمال والقوى الحديثة السودانية.

ولعل إحداث التوازن فى العملية الإنتاجية لصالح كل وكلاء العملية الإنتاجية، هو الضامن الوحيد لِإستمرار الديموقراطية وحيادية الدولة، وبالتالى قفل الباب على الصراعات الأيديولوجية الحادة (وتحويلها إلى صراعات برامج) والإنقلابات العسكرية؛ وربما تحقيق التنمية، والسلام الإجتماعى، والإستقرار السياسى.

2- لنكون على مسلك التغيير، فلابد للعمال والقوى الحديثة من إخلاء طرفهم من التحالفات المزمنة المفرغة الحلقات مع الشرائح الرأسمالية، التى أدخلتها فيها الأحزاب التى تتحدث بإسمها. إذْ كيف يستقيم الأمر للأحزاب التقدمية أن تبحث عن قضايا العمال والقوى الحديثة، وهى متحالفة مع الشرائح الرأسمالية لِإنجاز هذه المهمة؟ هذا منطق غريب، وطرح نشاز.

3- إنَّ تحالف الأحزاب التى تتحدث عن العمال والقوى الحديثة مع الشرائح الرأسمالية لمدة طويلة، وخلو الساحة من أىِّ حزبٍ للعمال والقوى الحديثة فى السودان نابع من أوجاعِهم ليساهم فى إحداث التوازن المطلوب لصالحهم فى العملية الإنتاجية، جعل سواد الشعب (العمال + الإنتلجنسيا) لا يرى بديلاً مطروحاً للتغيير من قِبَل هذه الأحزاب. 

ولنكون على مسلك التغيير، لابد من إيجاد حزب عمال وقوى حديثة سودانى، لا يتحالف مع أحد، لأنَّه فى الأصل غير محتاج لذلك؛ لأنَّه يمثِّل أكثر من 85% من الشعب السودانى. وبغياب هذا الحزب، فإنَّ أَّىَّ تغييرسيكون فى صالح الشرائح الرأسمالية، كما هو سائد الآن. وهذا الحزب لن يكون على مسار التغيير، ما لم يكن قادراً على تمثيل كافة جموع العمال والقوى الحديثة السودانية، لاسيما تلك المنضوية تحت الأحزاب الرأسمالية الأخرى بغياب هذا الحزب.

إذاً، يتأخر التغيير عندنا، لوجود الخطل السياسى الذى يريد أن يُزيح شريحة رأسمالية مهيمنة بالتحالف معها (مشاركتها السلطة)، أو مع شرائح رأسمالية أخرى، ميلُها القلبى للشريحة ذات الهيمنة دون الشرائح الضعيفة.

4- أيضاً يتأخر التغيير عندنا، وبالتالى لن نكون على نهجه، مع وجود الخلل القائم الآن فى التركيبة الديموغرافية لمؤسساتنا الحزبية، حيث دعاة التغيير المقبلون على الحياة والفاعلون فيها، يحتلون الصفوف الخلفية فى هذه الأحزاب. والمدبرون عن الحياة، الباحثون عن حسن الختام السياسى وعدم الدخول فى الفتن، يحتلون مقاعد القيادة، ويُقعدون بالثورة، ويُثبطونها بالمواقف التوفيقية المائعة.

ويجب أن يكون هناك إهتمام واضح بالشباب وبتدريبهم وبتأهيلهم وبإكسابهم الخبرات والثقة بالنَّفس، وبدورهم فى التغيير. فمعظم الدول الحية فى العالم الآن تُدار بالفئة العمرية (15-45/50) ومثال لذلك أوباما، كاميرون، ميليبان …إلخ. 

5- يتطلب إحداث التغيير مراقبة ورصد الشريحة ذات الهيمنة بشكلٍ دقيق؛ ومن كل النواحى المالية والعسكرية (داخلياً وخارجياً)، ليسهل الأنقضاض عليها وشلَّها (ديمقراطياً أو جبراً) فى الوقت المناسب.

6- لابد من تسويق التغيير فى المحافل الدولية واستمالة العالم له بشكل أكثر فاعلية؛ ولو على مستوى المجاملات الشفاهية، والتظاهرات التضامنية؛ بغرض خلق زخم عالمى داعم له، طالما تعذر الدعم المالى والعسكرى.

7- لابد من فضح فساد النظام وتعرية أيديولوجياته (خاصة الدينية) بالحقائق، والحقائق فقط، وليس بالأيديولوجيات المضادة. فمثل هذه الأنظمة لا يُخيفها شئ أكثر من الحقيقة.

8- على الإنتلجنسيا السودانية الواقعة فى فئة العمال والقوى الحديثة السودانية الإضطلاع بدورها فى حمل لواء التغيير، وقيادة الجماهير باتجاه إسقاط النظام. وهذا النظام تكفيه مظاهرة طوفانية واحدة فقط لاغير؛ تزحف عليه من حيث يدرى ولا يدرى. ويومها سيتحقق سابع موبقاتهم، بتوليهم يوم الزحف.

9- صرف أنظار الصينيين من دعم النظام إلى دعم الشعب السودانى؛ فالصين لاعب مهم فى المنطقة الآن، وقد نحتاجها لحماية تنميتنا. كما يجب تأليب العالم على إيران التى تمد نظام الإنقاذ بالسلاح والمال والرجال، وفضح برامج التسليح السرية بينهما التى ربما إنطوت على تسليح نووى أو كيماوى يجر على البلد من الويلات الكثير.

10- يجب أن تعرف منابر المعارضة بالخارج بأنَّ منابرها يتسلقها الإخوان المسلمون، ويتسللون عبرها إلى مناطق حيوية فى الأجهزة الحكومية البريطانية/الأوروبية، التى من شأنها، بترك إنطباع سالب عنها، أن تضر بكيانات المعارضة ومصالحها.

11- لابد من الحصول على المال اللازم الذى يساعد فى عملية تسهيل التغيير، أى الذى يجعله ممكناً. وذلك بحملات التبرعات والأشتراكات والمساهمات الفردية.

12- التخطيط القومى الإستراتيجى يوجه قدرات البلد المالية نحو قطاعاتها المنتجة، وبالتالى يقطع الطريق على الفساد والنشاطات الطفيلية التى تؤثر سلباً على القيم الكلية للمجتمع، لا سيما تلك الباعثة على التغيير.

13- لابد من إيجاد وسيلة تعفى ديوننا على العالم الخارجى قبل/حال حدوث التغيير، أو على الأقل تجميدها ريثما يستقر النظام الديموقراطى البديل، وتتزن معادلته الإنتاجية. وبالتالى نعبر بالبلد من حلقات هيمنة الشرائح الرأسمالية، إلى فضاء الإتزان السياسى /الأيديولوجى والإقتصادى/الإجتماعى.

_________________________________________.

(*) باحث سوداني مقيم في المملكة المتحدة.