الاحتقان الاجتماعي في البلدان النامية

وتحكم جهات غربية بآليات السوق

 

لا يمكن تناول أية مسألة بدون معرفة سياقها الثقافي والاجتماعي والتاريخي على المستويين المحلي والعالمي. منذ عقود كثيرة تتسم سياسات جهات فاعلة غربية مالية وسياسية مسيطرة بسمة التطرف. والجهة الفاعلة يمكن أن تكون حكومة أو دولة أو شركة. وأحد تعاريف التطرف الأكثر تداولا هو الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة ومحاولة فرضها على شعوب وبلدان أخرى بدون مراعاة للظروف التاريخية والموضوعية والثقافية فيما يتعلق بالمدعين بامتلاك الحقيقة وبتلك الشعوب والبلدان. وتجلى هذا التطرف في مختلف المجالات:

نفي أو تدمير تلك الجهات الفاعلة لديانات وثقافات أخرى ونماذج مختلفة للتنمية، وادعاء تلك الجهات بأنها تمتلك نموذج التنمية الوحيد الصحيح وبأنها تمتلك الثقافة الوحيدة الصحيحة.

 

ولعل من الغني عن البيان أن تلك الادعاءات كلام هراء. ولا أعتزم التوسع في بيان سخف هذه الادعاءات. بيد أنني أود تقديم مثال واحد على هذا السخف. لو كانت ثقافة تلك الجهات سليمة لما بددت مئات التريليونات من الدولارات على سباق التسلح المحموم بينما كان قسم كبير من سكانها وما يزال يعاني من الحاجة والعوز. ولو كانت تلك الثقافة سليمة لتوفر قادتها على حل الصراعات الكثيرة في العالم التي تستنزف ثروات كل من الشعوب المتقدمة النمو في شمال الكرة الأرضية والشعوب النامية في جنوبها. إن قسما من الجهات الغربية المؤجج الرئيسي لكثير من تلك الصراعات.

وتقوم أسباب للشعور بخيبة الأمل أو الإحباط أو الحزن أو اليأس لدى كثيرين من سكان البلدان النامية، وعلى وجه الخصوص الشباب، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. والسبب الرئيسي لهذا الشعور هو غلبة النموذج الغربي لتنظيم السوق ورأس المال على الصعيد العالمي. يستلهم هذا النموذج رؤى ومصالح الجهات الفاعلة، وهي رؤى ومصالح تتنافى في الواقع مع رؤى ومصالح الشعوب النامية التي تحددها رؤاها الثقافية والعقيدية والفلسفية والتاريخية والاقتصادية.

ويتفشى الفقر في صفوف الشعوب النامية. وأحد الأسباب الرئيسية للفقر قيام جهات فاعلة غربية بنهب ثروات وخيرات البلدان النامية الفقيرة والضعيفة والخاضعة للحكم الأجنبي طيلة عقود كثيرة، وتسخير اقتصادات تلك البلدان لخدمة الجهات الفاعلة الغربية على نحو يصعب التخلص منه حتى بعد ما يبدو أن البلدان النامية حققت الاستقلال السياسي، ونشوء طبقة متميزة من المتعاونين المحليين تنشئ نظما للسلطة الحكومية وغير الحكومية متعاونة مع الجهات الفاعلة الغربية في كثير من البلدان النامية، ويقوم المتولون للسلطات بمد الجهات الغربية بالمواد الخام الزهيدة الأسعار وبالمشاركة في تنفيذ سياسات تلك الجهات في البلدان النامية لقاء فوائد سياسية ومالية واقتصادية، من قبيل دعم الجهات الغربية لأصحاب السلطة المحلية والرواتب العالية وبعض الامتيازات الاقتصادية، على حساب سائر أفراد الشعب المعاني والمخضع.

وتهيمن الجهات الفاعلة الغربية على الشعوب النامية ومقدراتها وتقوم بقمع حريات تلك الشعوب، وما برحت هذه الجهات تبرر هذه الهيمنة والقمع بمختلف المبررات، منها اعتماد فلسفة البقاء للأصلح والأقوى ونشر رسالة الرجل الأبيض وحمل الأبيض لعبء نشر الثقافة الغربية. وهذه المبررات كاذبة ومرفوضة أو غير أخلاقية أو غير سليمة. من غير الأخلاقي اعتماد فكر البقاء للأصلح. في هذه المقولة ينطوي الأخذ بنظام الغاب الوحشي الدموي. وليس من حق المنادين بنشر الثقافة الغربية محاولة نشرها في صفوف الشعوب التي لم تطلب منهم “التفضل” بهذا النشر. وكانت دعوات نشر الثقافة الغربية قناعا للسيطرة على الشعوب النامية ونهب كواردها الطبيعية واستغلال اليد العاملة الزهيدة التكلفة فيها.

وكانت سياسات الهيمنة هذه وما فتئت أحد العوامل الرئيسية في تقويض أو إضعاف ثقافات الشعوب النامية والأصلية، وفي إبطاء أو عرقلة مسيرة التنمية الاجتماعية المنتظمة في تلك البلدان وفي تكبيل اقتصادات تلك البلدان بالأنظمة المالية الدولية التي تستلهم المصالح المالية والإستراتيجية الغربية. وفي محاولات السيطرة على الشعوب النامية ذُبح الكثيرون وطورد ونفي الكثيرون وأُفقروا وشُردوا وجردوا من ممتلكاتهم. وأدى ذلك وما انفك يؤدي إلى تفشي الأمراض والأوبئة التي فتكت بالملايين في بعض مناطق العالم، مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

بهذه السياسات من جانب جهات فاعلة غربية يضيق الخناق على شعوب برمتها، ما يدفع أفرادا كثيرين منها إلى الاغتراب والإحباط والانحراف واليأس والانتحار أحيانا. وقد أدت هذه السياسات إلى ردود فعل تمثلت في نشوء حركات قومية وعقدية وفي نشوء الغيرة على الهوية الثقافية والدينية.

وفي هذا السياق ينبغي القول إن البلدان النامية في المجال الاقتصادي لا تعني دولا متخلفة في التطور التاريخي. “البلد النامي” من الناحية الاقتصادية قد يعني تبعية للنظام الاقتصادي الغربي تعيق فرص التنمية الذاتية وتكرس الاقتصاد المحلي لخدمة الاقتصاد الأقوى. بيد أن هذه البلدان حققت النمو في مجالات أخرى، وابتكرت شعوبها على مر القرون ثقافات وحضارات جميلة وإنسانية ومتطورة.

وعلى الساحة العالمية تحدد الجهات الغربية آليات التحكم المالي خدمة لمصالحها المالية والإستراتيجية. ومن آليات التحكم هذه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وواجب مراعاة حقوق الملكية الفكرية والشروط الواردة في اتفاقات أو عقود ما تسمى بالقروض المقدمة من المؤسسات المالية الغربي إلى البلدان النامية. يفضي إعمال هذه الآليات إلى قلة الصادرات من البلدان النامية إلى البلدان الغربية بالمقارنة بحجم الصادرات من البلدان الغربية إلى البلدان الأولى، وإلى زيادة الصادرات بالاتجاه المعاكس، وإلى حقيقة أن أسعار صادرات البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة النمو أقل كثيرا بالأرقام النسبية والمطلقة من أسعار الصادرات من البلدان المتقدمة النمو إلى البلدان النامية، وإلى نشوء عجز كبير في ميزانيات البلدان النامية. ويؤدي ذلك كله إلى استفحال البطالة وتدني الدخل وتفشي البطالة.

وإلى عدد كبير من البلدان النامية تقدم من هذه المؤسسات قروض تمس حاجة البلدان النامية الفقيرة إليها لتحقيق التنمية. وتمنح هذه القروض بشروط مالية واجتماعية وسياسية وتكيفية قاسية لا تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية داخل تلك البلدان التي لا تستطيع أن تتحملها ماليا واجتماعيا، ويتدخل الوفاء بهذه الشروط في البنية السياسية والاقتصادية للبلدان المستلفة. ويطلق على هذه الشروط اسم برامج الإصلاح البنيوي أو الهيكلي. وفي أعلب الأحيان تتكون هذه البرامج من العناصر التالية: قيام البلدان بالتكيف البنيوي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي من قبيل زيادة الضرائب على السكان في البلدان النامية والتحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص بما يتفق مع الرؤية الاقتصادية للجهات الغربية، وتقليل أو إلغاء المعونة الحكومية المقدمة إلى السكان من ذوي الدخل المنخفض في مجالات المواد الغذائية والإسكان والتعليم والصحة، ما يسمى ترشيد الإدارة الحكومية المالية، في البلدان النامية، وإلغاء أو إضعاف آليات التحكم بالأسعار في هذه البلدان، ما يؤدي إلى زيادة ضنك هؤلاء البشر الضيقي ذات اليد، وزيادة معدلات الفائدة على القروض والتكلفة الباهظة لخدمتها. وتعادل هذه الفوائد والتكلفة في حالات كثيرة أصل الدين أو تزيد عن ذلك الأصل. وتعادل هذه الفوائد والتكلفة أحيانا أسعار الصادرات من البلدان النامية أو تتجاوزها. تضعف هذه الممارسات القطاع العام وتعزز القطاع الخاص وتزيد من نفوذ الشركات الرأسمالية المحلية والأجنبية وتجعل الأموال الصافية المنقولة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة النمو أكثر من الأموال المنقولة من البلدان المتقدمة النمو إلى البلدان النامية، دون المراعاة الكافية للظروف المعيشية العسيرة التي ترزح تحتها الطبقات الفقيرة. وهذه الشروط المالية وغيرها، التي ترد في اتفاقات ما يسمى القروض من تلك المؤسسات، هي أيضا في الواقع آليات للسيطرة المالية والسياسية على البلدان النامية. وتفضي هذه الشروط إلى زيادة حدة اختلال ميزان مدفوعات تلك البلدان وتفشي البطالة والفقر.

وعن طريق إصرار الجهات الفاعلة الغربية على مراعاة حقوق الملكية تقل إمكانية استفادة البلدان النامية من التكنولوجيات، ويزداد العبء المالي الوقع على تلك البلدان.

ويؤدي التحكم بآليات السوق إلى التدهور المستمر في التبادل التجاري بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو المتخمة – رغم حالات التفاوت فيما بينها وداخل كل بلد على حدة – بما أخذته ونهبته، وأيضا إلى ارتفاع أسعار المنتجات المنتجة في الغرب والمواد المنتجة والخام في البلدان النامية. في سنة 1964 كان يمكن لشخص من جامايكا في منطقة البحر الكاريبي أن يشتري جرارا أمريكيا مقابل 68 طنا من السكر، وفي سنوات لاحقة كان يلزمه 3500 طن من السكر لشراء الجرار.

وبتحكم الجهات الفاعلة الغربية بآليات السوق تصبح المنافسة الحكم الوحيد على الساحة العالمية، ما يؤدي إلى سحق الدول والشعوب الضعيفة ماليا وتنظيميا وتكنولوجيا وإلى مزيد من فقرها. وما “الليبرالية” و”الليبرالية التجارية” واقتصاد “السوق الحرة” أو “حرية السوق” سوى عبارات مخففة اللهجة عن غلبة نظام الغاب على الصعيد الدولي.

وعن طريق زيادة المؤسسات المقرِضة للفائدة على القروض التي تحصل عليها البلدان النامية وزيادة تكلفة خدمتها تخفض الجهات المالية الغربية معدل التضخم النقدي في البلدان الغربية، ولكنها لا تستطيع القضاء على ذلك التضخم. ويجري تخفيض سعر صرف العملة في بعض البلدان الرأسمالية. وبهذا التخفيض يقصد تقليل الواردات إليها وزيادة الصادرات منها، ما يحد إلى درجة كبيرة من حجم صادرات البلدان النامية، مؤديا، بالتالي، إلى كساد بعض منتجاتها أو انخفاض أسعارها.

إن ارتفاع الأسعار وتفاقم البطالة وتفشي الفقر والزيادة في عجز الميزانيات الحكومية، وازدياد المديونية وانتشار سوء التغذية والجوع في البلدان النامية تؤدي إلى جعل التنمية في كثير من تلك البلدان مستحيلة عمليا. كثير من هذه البلدان بالتالي ليست نامية، ولكنها خاضعة لكارثة اقتصادية متزايدة الوطأة، ما بفضي إلى الاستياء والإحباط، خصوصا لدى الشباب، والاحتقان والغضب.

وبإمساك بلدان غربية بآليات التحكم هذه جرى الإدماج السلبي للبلدان النامية في النظام الرأسمالي العالمي، ومن مظاهر هذا الإدماج ضمان سيطرة رأس المال الأجنبي على اقتصادات البلدان النامية الضعيفة. وبهذه السيطرة، القوية الأثر، تصبح هذه الاقتصادات تابعة لاقتصادات البلدان المتقدمة النمو. ومن دلائل هذه التبعية حاجة البلدان النامية الدائمة والماسة إلى المساعدة الإنمائية الأجنبية، وربط العملة الوطنية بعملة من عملات الدول المتقدمة النمو مثل الدولار، ما يجعل قيمة العملة الوطنية متوقفة على قيمة العملة الأجنبية. وفي حالات كثيرة، كما هو حاصل الآن، تنخفض العملات الأجنبية، نتيجة عن سياسات مالية واقتصادية غير رشيدة وسياسات خارجية وعسكرية، انخفاضا كبيرا.

وتتبع الهيئات المتولية للسلطة الحكومية في عدد كبير من البلدان النامية، ومنها طبعا بلدان عربية وإسلامية، سياسات في مجال التعليم لا تعين على الاستفادة الكبيرة، إن لم تكن الكاملة، من العلوم الاجتماعية والطبيعية والتكنولوجية التي طورت في البلدان المتقدمة النمو. وما فتئت تلك الهيئات تتبع سياسات وتمارس ممارسات، بدافع الحفاظ على تولي السلطة، تفضي إلى إضعاف الحس بالمسؤولية حيال الشعب والأمة، ما أدى ويؤدي إلى دوام الحالة الاقتصادية والمالية المزرية.

غلبة السوق وغلبة المنافسة والإفراط في المادية والغلو في الاستهلاك والتمجيد للمال وتحكم الجهات الغربية بآليات التحكم بالسوق واقتصادات البلدان النامية هي مكونات الحالة الراهنة. على هذه الحالة برمتها نشأت ردة فعل ترفض نمط الغرب في التنمية وفلسفته هذه في الحياة. وتتمثل ردة الفعل هذه في الحركات الاجتماعية في صفوف الفلاحين والعمال في الريف والمدينة والمثقفين وغير المثقفين. هذه الحركات لا يتملكها الميل إلى الإفراط في المادية والغلو في الاستهلاك والانبهار بالمال وهي تنتصر لمعاني العدالة الاجتماعية وحقوق البشر عموما والإنصاف وكرامة الإنسان وتدعو إلى إعادة وتعزيز الأبعاد الإنسانية للوجود البشري.

ومما من شأنه أن يحقق هذه الأهداف تشجيع القطاعين العام والخاص في البلدان النامية على تهيئة المناخ المواتي لإيجاد فرص العمالة والحد من التضخم النقدي وتشجيع المشاريع التجارية المحلية والصغيرة وزيادة حجم صادرات هذه البلدان والحد من أسعار المنتجات الغربية وغيرها من الإجراءات. بيد أن من غير الممكن تحقيق الإجراءات المذكورة أعلاه دون موافقة أو دعم من جهات رأسمالية غربية. وليس من المحتمل أن توافق تلك الجهات على ذلك نظرا إلى أن المؤسسات والأنظمة التي ترمي تلك الإجراءات إلى تغيير قسم منها أو تعديلها هي تلك الأنظمة والمؤسسات التي عززت النظام الرأسمالي، والتي ضمنت سيطرة تلك الجهات بآليات التحكم المالي العالمي، وغلبة السوق.

ومما من شأنه أن يسهل اتخاذ هذه الإجراءات إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة السياسية والاجتماعية في البلدان النامية. ويمكن أن تكون عملية الإضفاء تدريجية. وليس من السهل إضفاء هذا الطابع لأن من يتولون السلطة السياسية المحلية ليسوا على استعداد للتخلي عن هذه السلطة. وحتى تبدأ عملية إضفاء الطابع الديمقراطي من اللازم أن توفر بيئة داخلية وخارجية مواتية. ولا تتوفر بيئة داخلية مواتية ولا بيئة خارجية مواتية لذلك. فعلى الساحة الداخلية، الشرطة والجيش والحكومة والنظام الإداري وجهات النفوذ الاقتصادي والمالي في البلدان غير الديمقراطية يسيطر عليها الذين يتولون السلطة أو الذين يؤيدونها.

وعلى الساحة الخارجية، من مصلحة الجهات الفاعلة الغربية – على الأقل يبدو أن هذا هو تصور تلك الجهات – أن تبقى بلدان العالم الثالث غير ديمقراطية. ويعتور النظام السياسي في البلدان الغربية عيب قوي يتمثل في ظواهر منها الجهل بظروف حياة شعوب العالم النامي، والظاهرة الأهم هي التأثير الساحق الذي تمارسه وسائط الإعلام الغربية المنحازة لبعض القضايا والدول والمذاهب. تسيطر هذه الوسائط على صوغ الرأي العام وتوجهه الوجهة التي تريدها. لا تضع هذه الوسائط في أغلبيتها أمام الناس إلا البدائل أو الطروح أو التصورات التي تريد تلك الوسائط وضعها، مستلهمة وموجهة من قبل الجهات الفاعلة ذات النفوذ الضخم جدا. ووسائط الإعلام هذه، بانحيازها وتحيزها وسيطرتها وقوتها، عطلت النظام الديمقراطي أو أضعفته في بلدان غربية، وبذلك تجرد الناس من ممارسة حقوقهم في اكتساب المعرفة وفي الإدلاء بالصوت في جو من الحرية أفسح.

وفي هذه الحالة القائمة يأتمر كثير من الحكام في البلدان النامية بأمر الجهات الغربية أو ينفذون سياساتها أو يراعون مصالحها لأنهم يتصورون خطأ أن مصيرهم السياسي مرتبط برضاء تلك الجهات.