وانشقَّتْ دروبُ الإنتصار

أو

مشروع الجزيرة في طريق العودة الى سيرته الأصل،

صديق عبد الهادي  Siddiq01@sudaneseeconomist.com

 

(1)

ولماذا هذه الكتابة/

سيدخل يوم الحادي عشر من يناير الجاري لهذا العام 2012م سجل تاريخ مشروع الجزيرة، وذلك بعد ان اصدرت محكمة الطعون الإدارية لولاية الجزيرة في مدينة ود مدني حكمها في القضية التي اصبحتْ تُعرف بـ “قضية توفيق اوضاع ملكية الاراضي في مشروع الجزيرة”. وقد جاء الحكم في صالح اهل الجزيرة، بل واهل السودان عموماً، وليس فقط في صالح ملاك الأراضي بالمشروع، كما وقد يبدو لمنْ لا يعلمون الثقل الحقيقي لكسب تلك القضية.

بالفعل إنتصر اهل الجزيرة لمستقبل السودان، وذلك هو ما سنحاول التدليل عليه في هذه الكتابة، والتي هي في جوهرها إحتفاء بذلك الحكم، هذا من ناحية، واما من الناحية الاخرى فإننا نسعى لتعزيز ذلك الإحتفاء بجعلها عضداً لما كتبه الآخرون في شأن هذا القرار التاريخي، ومساهمةً كذلك في مسيرة التصدي لأجل إلحاق الهزيمة النهائية بالراسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، وذلك بإجهاض أحلامها غير المشروعة في الاستيلاء على مشروع الجزيرة.

إن مجئ هذا الحكم في ظل دولة متجبرة ظلتْ تقتات الظلم ضحى كل يومٍ وفي زواله، منذ ان جاءت عبر القوة والدم ولاكثر من عشرين عام، إنما له دلالات عميقة، لا تقف عند حد بزوغ الامل في ان يستعيد القضاء السوداني سمعته وثقته اللتين طالتهما يد السلطة والتسلط، وإنما أبان هذا الحكم أمرين آخرين لا يقلّان اهمية. الأول هو ان هزيمة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس) ممكنة وفي كل السوح، وأما الامر الثاني فهو ان اهل الجزيرة وبكل قطاعاتهم ، مزارعون، وعمال زراعيون ومهنيون وموظفون، وتحت قياداتهم في تحالف المزاعين ولجنة الملاك، قد اكدوا ومما لا يدع مكاناً للشك ريادتهم في المنازلة، واكدوا ايضاً ان عودهم معجوم، وبحق، بذلك التاريخ الراسخ في الصدام منذ الاستعمار وإلى يومنا هذا.

فهذا الانتصار لا يجوز التقليل من شأنه، لانه فتح كوة في جدار الظلم الاصم، واعطى السودانيين، كل السودانيين، الامل والثقة في النفس بألا كابح لارادة الناس إن هم وعوا وتوحدوا. فأهل الجزيرة، والكل يعلم، هم اكثر منْ يجيد هتين الصنعتين، لان تاريخ الجزيرة في اصله هو خلاصة للوعي والتوحد. فإن تنظر للجزيرة ترى السودان بتنوعه الغني وبتعايشه السلمى، وذلك امرٌ من المؤكد لا يتحقق إلا بالوعي، وإن يتمحص المرء فيما انجزته الجزيرة وساهمت به في أستقرار بلاد السودان سيتأكد له أيضاً أن الوحدة كانت هي السر لذلك الإنجاز ولتلك المساهمة، لان الوحدة حيال المصالح والدفاع عنها هو ما وسم تاريخ حركة مزارعي  الجزيرة، والتي هي في الاساس حركة رعاها اهل الجزيرة وصانوها في كل الازمنة، إن كان في الشدة او في الرخاء.

إن الذي حدث في مشروع الجزيرة، من تدمير للبنيات الاساسية ومن قضاءٍ على الاصول والممتلكات بالتجاوز والاعتداء المنظم بواسطة إتحاد المزارعين الحالي غير الشرعي، ومجلس إدارة مشروع الجزيرة المتواطئ والمنتفع،  وكذلك بواسطة محسوبي وموالي حزب المؤتمر الوطني إنما تمَّ  بإيعازٍ من نظام الإنقاذ وتحت حماية سلطته.

ما تمّ في منطقة الجزيرة حتى الآن، وما ينوون إكماله في شأن المشروع ليس هو إمتداد لفسادٍ ألمّ او حاق بنظام الإنقاذ كما يبدو، وإنما هو الفساد المعني بعينه. فالإعتداء على مؤسسات القطاع العام الاخرى وممتلكات الدولة الاخرى لم يكن ليرقى باي حال من الأحوال لحجم جريمة القضاء على مشروع الجزيرة، ذلك القضاء الذي إحتاج لاجل إنجازه تضافر جهود وامكانيات ومعارف جهات مختلفة، إن كان على المستوى المحلي اوالعالمي. فالأرض كانت هي المقصودة أصلاً، وستظل. لأنه ما الذي يعنيه الإنسان، اي إنسان، بدون أرض ولو اقام الدنيا وأقعدها؟!!!. فالجزيرة لا تعني شيئاً بدون الأرض، وبالتالي إنسانها، فلذلك كان الاستهداف محدداً من دوائر راس المال العالمي والراسمال الطفيلي الاسلامي على وجه الدقة.

العديد من الخبراء والمختصين والمهتمين يعتبرون ان ما قام  ويقوم به نظام الإنقاذ فيما يتعلق بمشروع الجزيرة إنما يمثل حالة من الجنون!!!. ولكن في حقيقة الامر هو ليس بجنونٍ مؤقتٍ وإنما فسادٌ مؤصل.  ومن جهةٍ، ليحار المرء كيف تسنى لنظام الطفيلية الاسلامية ان يمارس وينشر من الفساد ما يحتاج لعدة انظمة ولعقود من الزمن لاجل الوصول به لهذا الحد، حد الوباء الذي لم يستثنِ ولو قطاعاً واحداً!!!.

إن المؤسسات الملحقة بنظام الانقاذ، وبما  فيها اتحاد المزارعين  ومجلس ادارة المشروع، قد تمرّس عدد ليس بالقليل من أفرادها على مزاولة الفساد في المؤسسات المالية للحركة الاسلامية منذ امدٍ بعيد، وذلك قبل ان تنقض تلك الحركة على السلطة في البلاد والسيطرة عليها، ومن ثمَّ التمكن من تجيير كامل مؤسسات الدولة وإلحاقها بمؤسسات الحركة الاسلامية. فلذلك، فما قام به احمد الشريف بدر ومجلسه بخصوص اراضي المشروع يجب ان يُفهم في هذا الإطار، اي في إطار إنجاز مهمة إلحاق كامل مشروع الجزيرة بتطلعات الراسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس).

إن المرافعة البليغة التي قدمها محامو ملَّاك الااضي، وهم  الاستاذ مصطفى عبد القادر، والاستاذ التجاني حسن والاستاذ حمزه خالد، قد ألقتْ ضوءاً كثيفاً على مكامن الفساد الذي تتمرغ فيها الجهات النافذة في مشروع الجزيرة، وعلى راسها مجلس إدارة المشروع. نعلم بأن سلطة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية قد لا تقف مكتوفة الايدي تجاه الجحيم الذي سيفتحه إنتصار مزارعي الجزيرة والمناقل، وإن كان من الأعقل لها ان تحترم إرادة القانون، إلا اننا نوقن بأن مشروع الجزيرة الآن يخطو خطوته الاولى في وجهة العودة  إلى سيرته الاصل .

(2)

هؤلاء الادعياء… لا يقرأون، ولا يحترمون “قانونهم”!!!/

إن اهل الجزيرة وكل المدافعين عن بقاء المشروع، يعلمون ان الطريق ما زال طويلاً امامهم في معركتهم الفاصلة مع الرأسمالية الطفيلية الإسلامية (رطاس). فقرار محكمة الطعون الإدارية القاضي بالغاء القرار الجائر الخاص بتوفيق اوضاع ملكية الاراضي في مشروع الجزيرة، والذي اصدره مجلس إدارة مشروع الجزيرة “العميل” برئاسة احمد الشريف بدر، قد فتح الباب على مصراعيه للوقوف على حجم الفساد غير المسبوق، وكذلك سوء إستخدام السلطة. والمَصَارِع التي إنفضتْ، ستنفتح ليس فقط امام السودانيين، وإنما امام الرأي العام العالمي وبكل منظماته إن كانت الحقوقية منها او المنشغلة بأمر وبقضايا الشفافية على كل المستويات. فلأجل تحقيق ذلك الغرض، والذي هو واحدٌ  من جملة أغراض، كان إصرار وتمسك أهل الجزيرة الصارم بحقهم في اللجوء إلى القضاء.

كشفت مرافعة محامي اهل الجزيرة أمام المحكمة عن حقائقٍ تستوي ومصاف الخيال. حقائقٌ لا يتردد أي عاقل في القول بأنها “لا تُصدق ولو قد حدثتْ”!!!. إن المجموعة التي توصلتْ وصاغت فكرة توفيق ملكية اراضي مشروع الجزيرة، ولتصبح فيما بعد ذلك، قراراً بعد إجازتها بواسطة مجلس إدارة المشروع، كانت تُعرف بـ “فريق التخطيط والتنسيق”. كان من المفترض ان يكون محتوى ذلك القرار هو خلاصة وعصارة لمحتوى تقارير ودراسات وصلتْ في قوامها إلى عشرة وثائق، قامت بإعدادها لجانٌ تميّز أداؤها وتناولها بالعمق والموضوعية، كما اشار المحامون في معرض مرافعتهم. ولكن مما يعقد اللسان بالدهشة، وقد يكون ان اذهل المحكمة وبحاجبها، أن لا احد ممنْ عجنتْ وخبزتْ يداهم ذلك القرار سبق له ان إطّلع على ايٍ من تلك التقارير والدراسات او إستنار بتوصياتها!!!. وقد كان من ضمنهم السيد محمد عبد الماجد كوكو،ممثل مجلس إدارة مشروع الجزيرة، والسيد ابو بكر التقي محجوب، رئيس فريق التخطيط والتنسيق، هذا بالإضافة للسيد عبد القادر احمد محمد، مقرر فريق التخطيط والتنسيق !!!. وقد اضاءتْ المرافعة وفيما يشبه الحسرة بأن “جميعهم يحملون درجات علمية رفيعة من جامعات عريقة، ويعملون بمشروع الجزيرة لعشرات السنوات، وجميعهم تدرج لأعلى الدرجات الوظيفية”. وألحقتْ ذلك بقول هيئة الإتهام، والذي لم ينجح في إخفاء خيبة املها في أمثال اولئك المهنيين والمتعلمين، حيث جاء “أسفنا عند إقرارهم أمام محكمتكم الموقرة بعدم علمهم، وعدم إطلاعهم، على التقارير والمذكرات والتوصيات التي اشرنا إليها فيما سبق”.

بالقطع، ومما هو مؤكد ان هؤلاء السادة المسئولون، وفي توصلهم لذلك القرار، لم يتوسلوا عقلية المهني او رصانة الباحث في نشدانه العدل، بقدرما انهم آثروا الإكتفاء بجبروت الدولة وبطشها لفرض الرجاحة الزائفة لذلك القرار، وستر عيوبه!!!.

إنه ولمن المخيف حقاً، أن هذا القرار الذي لم يقرأ ولم يستعن أعضاء فريق التخطيط والتنسيق بمرجعٍ له، ولم يتكبدوا مشقة البحث لاجل صياغته، يتعلق به مصير، وتتحدد به حياة ستة ملايين من البشر، وهم سكان منطقة الجزيرة. إنه قرارٌ لو قيض له النجاح، لكانت محصلته النهائية هي تحقيق هدفين، لا سواهما، “الانتزاع الشامل للأرض”، و”الإقتلاع الكامل من الجذور” لكل اهل المنطقة!!!.

إن نافذي نظام الانقاذ واتباعهم، ومنفذي سياساتهم غير معنيين بالقرارات التي تستند على المعرفة، بل انهم غير معنيين بالمعرفة نفسها، فلذلك هم لا يقرأون ولا يحترمون القانون. فقد حدث من قبل أن قال وزير الزراعة عبد الحليم المتعافي، وبدون ان يرفَّ له جفن،  أن لا علاقة لـ “وزارته” بموضوع الارض في الجزيرة، وقد علق رئيس لجنة ملاك الاراضي، السيد احمد النعيم، على ذلك، بما معناه، ان “الوزير” يجهل قانونه الذي اجازه!!!. وذلك، بالتأكيد، تعليقٌ صائب وصحيح، لان المادة (4) الفقرة (5) في الفصل الثاني من القانون سيئ الصيت لسنة 2005م تنص على ان “يكون المشروع تحت رعاية الوزير المختص”، هذا والمادة (3) من الفصل الأول تقول، “الوزير المختص: يقصد به وزير الزراعة والغابات الاتحادي”.  إن معرفة القانون او الالمام به، بالتأكيد، لا يفيدان شيئاً بالنسبة لشخص، مثل عبد الحليم المتعافي، يعتمد السلطة المطلقة في تعامله مع قضايا الناس!!!.

إن هذه المحاكمة اوضحت حقيقة في غاية الاهمية، وهي أن قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م وبكل سوئه الذي اجمع عليه السودانيون لم يستطع ان يحتوي او يستوعب السوء الذي “يتحلى” به افراد وازلام نظام الإنقاذ. فمضمن سوئهم، تقمص مجلس إدارة مشروع الجزيرة لصلاحيات رئيس الدولة ليقوم بنزع الارض من ملاكها، ضارباً بإختصاصاته، والتي حددها ذات القانون، عرض الحائط. وهي إختصاصاتٌ تصل في جملتها الى سبع عشرة إختصاصاً. وقد تأخذ المرء الدهشه إذا ما علم ان من اميز تلك الاختصاصات التي نصّ عليها ذلك القانون السيئ هو ” الحفاظ على اراضي المشروع”!!!. ولكن، على اية حال، حتى تلك نفسها تمثل واحدة من متناقضات ذلك القانون البائس!!!.( راجع المادة 9 تحت الفصل الثالث).

هذا المشهد الذي يجري الآن ويتكشف في مجريات قضية توفيق الاراضي بمحكمة الطعون الإدارية بولاية الجزيرة، والذي يثير المزيج من الغضب والرثاء، لم يكن وقفاً على مجلس إدارة المشروع لوحده، وإنما يندرج تحته راعي النهضة الزراعية نفسه، علي عثمان طه، نائب الرئيس، وعقل الإنقاذ المدبر، الذي اصدر قراراً من قبل، اي في عام 2010م، أقضى فيه بأيلولة إدارة الري بمشروع الجزيرة وتحويل مسئوليتها من وزارة الري إلى إدارة مشروع الجزيرة، وذلك مما يتناقض ومنصوص المادة (18) (1) من قانونهم سيئ الذكر، والتي تنيط مسئولية الري بوزاة الري والموارد المائية!!!.

إنه، وفي حقيقة الأمر لايقف الامر عند حد مجلس إدارة مشروع الجزيرة او النهضة الزراعية براعيها، وإنما كل الرأسمالية الطفيلية الإسلامية (رطاس)، التي لا ترعى حرمة لقانون ولو كان سليل عقليتها. لقد رأينا بام اعيننا، ورأى القاصي والداني كيف أن الرأسماليين الطفيليين الاسلاميين (الرطاسيون)، إقتسموا غنائمهم بعد أن إعتدوا بالسطو والنهب على ممتلكات واصول المشروع من سكك حديدية، ووحدات هندسية ومصانع ومحالج  ومباني وسرايات وغيرها. فعلوا كل ذلك بالرغم مما نصّ عليه قانونهم السيئ في المادة (28 )، الفقرة (2) من الفصل السادس، بأن “يستمر العمل بمراكز التكلفة بالمشروع لحين خصخصتها”.

إنه لواضحٌ مما تمّ إرتكابه من جرائم وتخريب للمشروع ماذا تعني الخصخصة بالنسبة للرأسمالية الطفيلية الإسلامية!!!. إنها لا تعني سوى إطلاق اليد والإنفلات والولوغ في الثراء الحرام!!!.

لابد من تأكيد أن أي إدانه لمجلس إدارة مشروع الجزيرة لا تعني المجلس لوحده، وإنما هي إدانة لكامل نظام الإنقاذ، وذلك ليس بسبب عمالة او تواطؤ هذا المجلس مع النظام، وإنما لأن عضوية المجلس نفسه، وبنص القانون تشتمل على ممثلين “للوزارات ذات الصلة”، هذا بالاضافة لحقيقة ان رئيس المجلس معينٌ بواسطة رئيس الجمهورية، ثم ان إتحاد المزارعين ونقابات العاملين كلاهما مجيران لصالح السلطة، وراسمالييها!!!.

فلكل هذه الاسباب، وعداها، يجب الإحتفاء بهذا الحكم التاريخي العادل، والذي ما هو إلا خطوة واحدة مضيئة في الطريق الشائك والطويل نحو هزيمة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، ومحاسبة كل مجرميها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لإستعادة مشروع الجزيرة والعودة به لسيرته الأصل.

(3)

الشريف بدر والآخرون…ولا ملاذ ساعة مهرب!!!/

إن قرار محكمة الطعون الادارية ببطلان قرار مجلس إدارة مشروع الجزيرة  حول توفيق وضع ملكية الاراضي في مشروع الجزيرة، قد وضع ذلك “التوفيق” المزعوم في خانة النصب!!!. فبالتالي ستكون لذلك القرار تداعيات جمة، والتي ليس من بينها، بأي حال، موجة الفرح التي إنداحت من بين المدن والقرى و”الكنابي” التي تنتشر على طول مشروع الجزيرة وعرضه.

إن التداعيات التي نقصد إليها ، هي تلك المحاولات التي قد يسعى إليها ممثلو ووكلاء الرأسمالية الطفيلية، وهم يرون رؤية العين الإهتزازات والانهيارات التي تصيب بنيان المشروع الرأسمالي الطفيلي الإسلامي (الرطاسي)، الذي تمّ تصميمه منذ زمن طويل لأجل وراثة مشروع الجزيرة، وتحويل كل اهله إلى معدمين وأقنان تحت رحمة الزيجة “غير الشرعية”، بل و”البغيضة”، بين الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، وراس المال العالمي الذي لم يدع سبباً واحداً يفْلِتُ من بين يديه لاجل فرض عولمته ولو كان السبيل لذلك فرض الحروب الجائرة في انحاءٍ شتى من العالم!!!.

إن قرار محكمة الطعون الادارية ترك مجلس إدارة مشروع الجزيرة عارياً كما ولدته أمه، سلطة الإنقاذ!!!.  وكذلك، وعلى نفس الحال، ترك كل المؤسسات التي تمّ ويتم إستخدامها في القضاء على مشروع الجزيرة.

كشفت وقائع المحكمة عن شبكة للنصب والإحتيال، مُحْكَمَةِ التنظيم على غرار تنظيمات “المافيا”. وتتكون هذه الشبكة، على اقل تقدير الآن، وكما وضح، من مجلس إدارة مشروع الجزيرة، وبنك المال المتحد والبنك الزراعي. ووصف هذه المؤسسات الثلاث بذلك ليس إفتآتاً، وإنما تقول به الوقائع التي تمّ إثباتها في مجريات المحكمة، حيث ان قرار بيع اراضي المشروع لم يكن معروفاً ولم ينشر على الملأ حسب ما ينص القانون، وكما أنه لم يتم تسليم نسخة منه لاصحاب الشأن، وهم ملاك الاراضي، إلا بقرار من المحكمة!!!. فقط لنا ان نتصور حجم هذه الجريمة، أن قراراً ما تتعلق به حياة ستة ملايين من المواطنين، ولا يستطيعون الإطلاع عليه إلا بأمر من القضاء!!!. فإن لم تكن تلك هي الجريمة المنظمة فأي جريمة يمكن ان تكون؟

كان أعضاء مجلس إدارة مشروع الجزيرة، وكذلك أعضاء إتحاد المزارعين في الجزيرة والمناقل يبثون بين الناس، كذباً، بأن قرار بيع الأراضي صادر من جهات عليا أخرى، مثل “النهضة الزراعية”، وتلك مؤسسات هي الاخرى لا علاقة لاهل الجزيرة بها حتى ولو كان انها اصدرت ذلك القرار، مع انها لم تفعل. ولكن، وبرغمه فهي ليست ببعيدة من الإشراف على مجمل ما يدور في مشروع الجزيرة، لأن ” النهضة الزراعية” نفسها إنما تمّ تأسيسها في الاصل لاجل إنجاز مهمة تصفية المشاريع الزراعية وتغيير خارطة ملكية الأراضي فيها، وعلى رأس تلك المشاريع يأتي، بالطبع، مشروع الجزيرة.

والآن لنا ان نرى كيف كان التخطيط لإدارة كبرى جرائم العصر!!!، والتي تتمثل في وضع كامل مشروع الجزيرة وبكل أراضيه في يد راس المال الاجنبي ومؤسساته المشبوهة. وعلى إستدراكٍ واجب هنا، لابد من القول بأن، هذه هي خلاصة سياسات البنك وصندوق النقد الدوليين، لأن البنك الدولي يرى بأن وجود القطاع العام فيه إعاقة للتطور فلذلك لابد من التخصيص او الخصخصة، وصندوق النقد من جهته يرى ان تخفيض الإنفاق العام يجب ان يتمّ بتبني سياسات التشريد. وهذا هو بالضبط ما فعلته سلطة الانقاذ والمؤسسات العميلة، مثل مجلس إدارة المشروع وإتحاد المزارعين. فلإنجاز الخصخصة تعاون البنك الدولي مع مجلس الإدارة والإتحاد في وضع ما سميّ بـ “خطة الإصلاح المؤسسي” في حوالي عام 2000م، والتي على اساسها تمت صياغة قانون سنة 2005 سيئ الصيت. ولإنجاز مهمة التشريد تعاون الأتراك مع مجلس الإدارة والاتحاد في وضع الهيكل الوظيفي للمشروع وجاءوا بفرية الإكتفاء بـ “328” موظف وعامل فقط لإدارة المشروع والتخلص مما يزيد عن 5 آلاف عامل وموظف!!!. وبالطبع، فكل هذا المشهد الدرامي وغير الواقعي لا يمكن إدارته وتنفيذه بغيرتبني اسلوب الإحتيال وإعتماد نهج الجريمة المنظمة!!!.

وفي هذا الشأن كانت إفادة السيد علي حسن محمد احمد مدير البنك الزراعي / قطاع الجزيرة، واقراره في داخل المحكمة، بأن البنك الزراعي، وفي عملية التوفيق هذه، يعمل وكيلاً لبنك المال المتحد نظير فائدة قدرها 5%. وبنك المال المتحد، وكما هو معلوم، يتكون من رؤوس أموال اجنبية وليست سودانية، وأن السيد الشريف بدر رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة يعمل عضواً في مجلس إدارة ذلك بنك، اي بنك المال المتحد!!!. عَمِلَتْ كل هذه المؤسسات الثلاث وممثلوها، ومما لا شك فيه، في تنسيق تام في مواجهة مزارع الجزيرة، بحسب انه “اعزلٌ” و”مُنبّتْ”، بل وكأن لا تاريخ له ولا وجيع. ولكنهم أدركوا الآن، وسيدركون اكثر بأن الامر غير ذلك!!!.

إن السؤال الذي قد يتبادر لذهن اي من الناس هو، إذا كان الامر يتعلق بموضوع بيع ارضٍ وشرائها فما المبرر لوجود ولتعدد كل تلك الاطراف الوسيطة؟!!!. وفي الاجابة على ذلك، نقول بان هنالك ثلاث مبررات وليس مبرر واحد لذلك، الأول هو ان الغنيمة محل الإعتداء كبيرة، 2,2 مليون فدان مربع، وبما يكفي لكل طرف ولو عظم نصيبه فيها، فهذا هو مشروع الجزيرة واحد من اكبر المشاريع الزراعية على وجه الأرض، واكبرها على الاطلاق من الناحية الإدارية. المبرر الثاني، هو القصد بان يتفرق دمه بين أطراف عدة، دعنا نسميها “قبائل الراسمال”، حتى يغيب “الأتر” و يصعب “تقصّيه”، واما المبرر الثالث، وهو الأغرب بالرغم من حقيقته، هو ان الشريف بدر والآخرون من اعوان النظام النافذين في إدارة المشروع يتصرفون بإعتبار ان المشروع أضحى ضيعة خاصة بهم على غرار شركة الأقطان السودانية، والتي اصبحت بفضل سياسة ونهج سلطة الانقاذ، ضيعة خاصة بالدكتور عابدين محمد على والسيد محي الدين عثمان واسرتيهما!!!. وهي شركة تابعة للمزارعين هي الأخرى، وكما يعلم الجميع.

ومن التداعيات التي ستصحب تطورات ما بعد تثبيت الاحكام في شأن جرائم مشروع الجزيرة، سيكون تواتر محاولات التملص من المسئولية، والتضحية ببعض الأفراد ممنْ كانوا على رأس المشروع، وقد تبدأ المحاولات  بالإزاحة عن المواقع، إن كان عن طريق الإقالة او النصح بالاستقالة!!!. بل وانه قد يتصدر بعض منسوبي المؤتمر الوطني بالجزيرة موجة الاحتجاجات القادمة لا محالة، بالرغم من إستمتاعهم بالصمت السعيد طيلة العشرين عاماً الماضية التي جرت فيها امام اعينهم وتحت أبصارهم وفي مرمى مسامعهم تفاصيل جريمة الاعتداء على المشروع!!!. لا نشك في انهم قد يفعلون، وذلك لا لسبب سوى اننا نرى الآن مذكرات الإحتجاج التي تتناسل دونما إنقطاعٍ وتطلُّ برؤوسها من بين صفوف الاسلاميين. وهي مذكرات تفصح عن إمتعاضٍ كاذب أشبه بمسرحية “ذهاب العقيد للقصر رئيساً، وذهاب الشيخ للسجن حبيساً”!!!.

إن أهل الجزيرة سيكونوا غير معنيين بهكذا تداعيات البتة. وإنما سيكونوا معنيين بالرصد، وبتدقيق الرصد للافراد والجماعات والمؤسسات والجهات التي تلطخت ايديها بتصفية المشروع ونهب ممتلكاته، ومن ثمّ الاصرار على تقديمها للعدالة وأسترداد كافة الحقوق منها.

ولا شك في أن حزب المؤتمر الوطني ومنتسبوه سيقومون بإختلاق وخلق المزيد من التداعيات التي من شأنها ان تكون حائلاً بينهم والمحاسبة، ولكن هناك حقيقة لابد من تيقنهم منها، وهي ان الملاحقة القانونية في يومنا هذا اصبحت كالموت تدرك الجناة ولو كانوا في حصونٍ مشيدة، أي انه وما من ملاذٍ ساعة مهرب.

(4)

الإستقالات لوحدها … لا تكفي!!!/

إنه، وفي سعينا الدائب في معالجة قضايا مشروع الجزيرة والعرض لها بهذا الشكل الدائم والمتسع، نحاول ان نوصل للقارئ، إن كان في داخل السودان او خارجه، حقيقة واحدة اساسية، ترتبط بها جملة المسائل الاخرى في شأن هذا المشروع.

إن تلك الحقيقة التي نرمي إليها هى أن مشروع الجزيرة لا يمثل مشروعاً زراعياً فقط، وكما يبدو، وإن كان ذلك صحيحاً أيضاً، وإنما هو وفي حقيقة الامر يمثل ظاهرة كونية، وإنجاز بشري يضاف لجملة الانجازات الانسانية بكل ما يعنيه مفهوم “الانجاز البشري” من معنى. وفي الوقوف على ذلك وللتأكد منه، يمكن للقراء والمهتمين أن يراجعوا الكم الهائل من الأدب الذي كتبه المتخصصون، والاكاديميون، والسياسيون، والعلماء والناشطون، وعلى مستوى العالم، حول هذا المشروع خلال قرن من الزمان، اي منذ ان بدأ التفكير في إنشاء هذا المشروع في عام 1911م.

وهنا لابد من ذكر حقيقة في غاية الاهمية، وهي ان اقلّ الناس تناولاً ودراسةّ وكتابةً حول مشروع الجزيرة هم الاسلاميون السودانيون، ولذلك كانوا هم الافقر معرفة به والاقل إلماماً بجوهره وبعمق دوره، وبسبب ذلك الفقر المعرفي الذي إحتوش عقولهم، كان ضررهم بليغاً بالمشروع وبأهل المشروع وبالسودان عامةً، خاصةً بعد ان اقاموا دولتهم الدكتاتورية الدينية، وبقوة السلاح.

فمشروع الجزيرة لا يمثل ظاهرة كونية لانه اكبر مشروع زراعي في العالم تحت إدارة واحدة، وإنما لأنه وبالإضافة لذلك وكقطاع إنتاجي موّحد، يرتبط بعملياته الانتاجية وبشكل عضوي ومباشر ما يقارب الثلاثة مليون فرد من جملة الستة ملايين من سكان منطقة الجزيرة، والذين هم في مجملهم، اي كل سكان الجزيرة، مرتبطون بشكل غير مباشر بتلك العمليات الانتاجية. ولكن ومن جانب آخر أكثر دقةً فإن كل سكان الجزيرة يعتمدون في حياتهم على المشروع. وهنا، بالطبع، اردنا الاشارة لضرورة التمييز بين الارتباط الفعلي بعمليات الانتاج وبين التوطن او الاستقرار والعيش في منطقة الجزيرة، والذي يشمل كل المواطنيين بما فيهم الأطفال والعجزة ومن يعملون في مهن أخري في مجال خدمات التعليم والصحة والتجارة والمؤسسات القانونية وغيرها من المجالات الخدمية الاخري التي لا علاقة مباشرة لها بالعمليات الانتاجية في المشروع.

إنه وعلى ضوء هذا المفهوم، والذي يتخطى النظرة المبتسرة إلى المشروع بإعتباره كأيٍ من المشاريع الزراعية الاخرى، نرى ان يتم التعامل مع ما جرى في مشروع الجزيرة خلال العقدين الماضيين. إن الخطوة الأولى هي تحديد الجهات المسئولة، وعلى رأسها يأتي أعضاء مجلس إدارة مشروع الجزيرة وأعضاء إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل الذين يجب تقديمهم للمساءلة القانونية، وليست الادارية، ورصد كل ممتلكاتهم والمطالبة بإخضاعها للمراجعة القانونية العادلة، لأن اعضاء هتين المؤسستين، بالنسبة لاهل الجزيرة، إشتركوا وتواطأوا بل واحجموا عن أداء واحدة من مهامهم الاساسية المتمثلة في حماية وصون ممتلكات المزارعين واصول المشروع، والتي تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات. ذهبت كل تلك الممتلكات والأصول إن كان عن طريق البيع او النهب والسلب الذي شجع عليه موقف كل من مجلس الادارة وإتحاد المزارعين.

إن مشروع الجزيرة، الآن، في حالة من الإنهيار التام، حيث أنه توقف عملياً عن أداء دوره كمشروع تنموي، وكفّ كذلك عن المساهمة الفعليه في دعم الاقتصاد الوطني.

أما  الجهة الثانية، والتي يجب ان تحظى بالإهتمام والرصد، فهي الشركات الخاصة التابعة لنافذي النظام واقربائهم واعوانهم، وعلى رأس تلك الشركات تجئ شركة الهدف، هذه الشركة ذات المهام المزدوجة، الامنية منها اولاً والاقتصادية.  اوكل النظام الحاكم لهذه الشركة مهام لا تنطبق في سبيل آدائها ولا ترقى إليه مؤهلات العاملين بها والقائمين على امرها، إذ انهم وفي احسن الاحوال يمكنهم القيام بجمع العوائد والمكوس. ولقد ثبت في التجربة العملية انهم وحتى في ذلك المجال، وبما اذاقوه للمزارعين من بطشٍ وإحتقار، كانوا اسوأ من الباشبذوق والمستعمرين الأتراك الذين ساموا شعب السودان الهوان!!!. ومن ضمن منْ تتبع لهم هذه الشركة الطفيلية نائب رئيس النظام علي عثمان محمد طه.

 

وثاني تلك الشركات، تأتي شركة “روينا” والتي اصبح لها دورٌ لا ينافس في إدارة عملية الري في مشروع الجزيرة، تلك العملية التي تمثل الركيزة الاساسية والعصب الحي للمشروع، ومن اعمدة هذه الشركة الشريف بدر رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة ورجل النظام النافذ الاول في عموم المنطقة.

 

وأما الثالثة، فهي الشركة التابعة للاسرة الحاكمة، اي “شركة علي وياسر” وهما ابناء عم الرئيس عمر البشير، وهي معروفة بـ “شركة صراصر للخدمات”. فقد استولت هذه الشركة على عقارات كبيرة واراضي واسعة تابعة لمشروع الجزيرة، وبدون وجه حق البتة.

 

فكل هذه الشركات وغيرها، لابد من رصد ممتلكاتها  ومعرفة الثابت والمنقول منها وكذلك معرفة اصحاب الاسهم فيها، وتقديمها للمساءلة القانونية والمطالبة بالحجز على ممتلكاتها. فهي شركات مشبوهة وتابعة لجهات لها مصلحة حقيقية في تصفية مشروع الجزيرة، حيث ان تلك الجهات صاغت الاطار القانوني لتصفية المشروع، والمتمثل في قانون سنة 2005م الذميم وسيئ الصيت. وفي أنجاز ذلك، كلنا نعلم، بانها إستعانت بمؤسسات راس المال العالمي التي كانت تترصد بالمشروع ولعقودٍ طويلة.

 

إن الامر يجب ألا يتوقف عند مجلس إدارة المشروع وإتحاد المزارعين وشركات الراسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس) وحسب، وإنما من الضروري بمكان ان يشمل الافراد وقادة تنظيمات العمل من أمثال تاج السر عبدون رئيس نقابة العمال في مشروع الجزيرة سابقاً، والرئيس الحالي لاتحاد المعاشيين، الذي شارك في تصفية المشروع  بأن قَبِلَ إستلام ومن ثمَّ تملك ممتلكات تخص المزارعين والمشروع، بل انه شارك في مذبحة تشريد العمال الذين كان من المفترض ان يحميهم، وإلى جانبه في فعل ذلك كمال النقر رئيس نقابة العمال الحالي. إن اعوان النظام من أمثال هؤلاء يجب الاتيان بهم لساحة القضاء ايضاً.

 

بدأتْ الآن بوادر التحايل وذرُّ الرماد في العيون، إذ قام الشريف بدر، رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة، بتقديم إستقالته!!!. غير ان ذلك سوف لن يهيأ له النجاة من الملاحقة والعقاب. فعلى نظام الإنقاذ ان يفعل ما يشاء بخصوص رجاله واعوانه، إن كان من الناحية الادارية أو السياسية، ولكنه، حتى ولو قام بتصفيتهم فإن ذلك لن يكن سوى امر يخص نظام الانقاذ وحزب المؤتمر الوطني، وسوف لن يكن بديلاً، بأي حال من الأحوال، لحكم القانون وردِّ ممتلكات المزارعين واصول المشروع.

ــــــــــــــــــــ.

(*) نشرت في جريدتي “الايام” و “الميدان” السودانيتين، في الفترة ما بين  22 يناير و 12 فبراير 2012م.