إبراهيم علي إبراهيم المحامي

 

الجوانب القانونية لمشكلة الأراضي بمشروع الجزيرة

 

إبراهيم علي إبراهيم المحامي

قضية مشروع الجزيرة من القضايا الوطنية الملحة التي تتطلب حلا عاجلا، وهي إحدى الأزمات الوطنية التي تواجهها البلاد مثلها مثل بقية القضايا الأخرى في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وكجبار وشرق السودان وغيرها.

وهي قضية اقتصادية قومية تخص الدولة والشعب السوداني ككل، حيث كان المشروع يشكل الدعامة الاقتصادية الأساسية للدولة لمائة عام تقريباً. وهي قضية تتعلق بالاستثمار الزراعي ومستقبله في السودان، وتخص المستثمر الأجنبي والمحلي معاً، لذا تنال قدرا من الاهتمام الدولي سواء من البنك الدولي أو غيره من المنظمات المالية الدولية نسبة لأهمية قضية ملكية الأرض في استقرار ومستقبل المشاريع الاستثمارية الزراعية كما هو متبع عالميا الآن. والآن بعد أن نضبت دخول النفط نتيجة لانفصال الجنوب عادت الحكومة للمشروع تكشر عن أنيابا بارزة، وهي عودة ليست محمودة على أية حال.

 

والمشروع قضية محلية أيضا تخص أكثر من ثلاثة ملايين شخص، وحوالي 128 ألف أسرة مزارع بالمشروع، وعشرات الآلاف من العمال ومثلهم من الموظفين، الذين تم تشريدهم خلال السنوات الماضية بفعل سياسات نظام الإنقاذ الطفيلية. وهي قضية تنال اهتمام منظمات حقوق  الإنسان المحلية والدولية لأنها مرتبطة بحقوق الإنسان الأساسية وحقوق المواطنين المحليين في التنمية، وتشكل طريقة معالجة الحكومة لموضوع الأرض والتعامل البشع مع الملاك والمزارعين المتظاهرين والمحتجين على سياستها بؤرة الضوء في قضية حقوق الإنسان في الجزيرة.

 

موضوع الأرض وعلاقات الملكية والنزاع حولها أيضا يكتسب أهمية بالغة لعلاقتها الوطيدة بعلاقات الإنتاج في المشروع وذلك لان الأرض باعتبارها احد أهم وسائل الإنتاج تعتبر العامل الحاسم الذي يحدد علاقات الإنتاج في الزراعة داخل مشروع الجزيرة، وبالتالي تحدد نسب توزيع الإنتاج بين الشركاء أياً كانوا.

 

خلفية عن قانون الأراضي السوداني:

نحاول في هذه الورقة أن نقدم نبذة تاريخية عن قوانين الأراضي، نشرح فيها عملية  تسوية وتسجيل الأراضي،  ثم ندخل في قانون ارض الجزيرة لسنة 1927م، والأوضاع القانونية التي خلقها والمشكلات المتعلقة بها، ثم نعرج على قانون 2005 والأوضاع التي يحاول أن يخلقها في مشروع الجزيرة، ثم نعمل مقارنة بين القانونين من اجل الوصول لفهم أفضل للأوضاع القانونية الآنية في الجزيرة لمشكلة الأراضي. وبالطبع سنتطرق لمشكلة الإيجارات المعقدة والعالقة حتى الآن.

 

في بداية القرن التاسع عشر كانت ملكية الأراضي تتخذ شكل الحيازات في مساحات متفاوتة تسمى البلدات. وبقيام مشروع الجزيرة في القرن العشرين قامت الحكومة بشراء بعض الأراضي واستئجار البقية. وفي عام 1899 تم إصدار أول قانون للأراضي باسم قانون ملكية الأراضي لسنة 1899م، وبموجبه تم تقنين الحيازات العرفية وتسجيلها، وحددت الضوابط لإجراءات المسوحات للأراضي وعملية تسجيل الأراضي للأفراد لأول مرة في تاريخ السودان.

 

بعد ذلك صدرت عدة قوانين بلغت ثلاثة عشر قانونا للأراضي أهمها: قانون ملكية الأراضي لسنة 1905 وقانون تسجيل الحجج لسنة 1907 ثم قانون تحديد الأراضي غير المشغولة ومساحتها لسنة 1922، ثم أخيرا قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925 والذي يعتبر أهم القوانين المتعلقة بتسجيل الأراضي والتعامل فيها. عملت جملة هذه القوانين على مسح الأراضي، وتسجيلها، ووضع الضوابط الخاصة بالتصرف في الأراضي سواء بالبيع أو الهبة أو الميراث أو غيرها، حيث اشترط التسجيل كشرط للتصرف في الأرض.

 

في عام 1906 تم تعيين أول ضابط مساحة لمساحة وتسوية أراضي وغابات الجزيرة تمهيدا لقيام مشروع الجزيرة. استمرت المسوحات وعمليات التسجيل حتى عام 1910 تقريبا. وجد ضابط التسجيل أن 80% من الأراضي مملوكة ملكية خاصة ومسجلة بموجب القوانين سالفة الذكر، وتراوح حجم الملكيات من 1500 فدان إلى فدان واحد . وفي عام 1911م صدر أول قانون أراضي خاص بأرض الجزيرة، إذ منع تحويل ملكية الأرض إلا لشخص من نفس القرية التي بها الأرض المباعة.

 

قانون ارض الجزيرة لعام 1927:

في عام 1927 صدر قانون ارض الجزيرة، تمهيدا لقيام المشروع. حاول القانون

التوفيق بين الملكية الخاصة وسيطرة الدولة على الأرض لقيام المشروع، وشجع الإيجار للحكومة. الجدير بالذكر أن الحكومة حاولت في الأول نزع الأراضي من ملاكها بشكل نهائي حتى يصبح المشروع ملكاً للدولة، ولكن تحت رفض الملاك ومقاومتهم الشديدة تم تغيير الفكرة والاستعاضة عنها بفكرة الإيجار.

 

بموجب هذا القانون تمكنت الحكومة من استئجار معظم الأراضي من الملاك باجرة رمزية تبلغ عشرة قروش للجدعة (وهي خمسة فدان، أي بما يساوي قرشين للفدان) وذلك لتخطيطها كحواشات. وحددت مدة الإيجار بأربعين سنة قابلة للتجديد، تنتهي عام 1967م. ويعتبر هذا العقد عقد إذعان، أي أن اليد العليا للحكومة حيث هي التي تحدد الشروط وقيمة الأجرة، بينما اليد السفلى لمالك الأرض، الذي لا سبيل له للاعتراض على هذا العقد. وبعد ذلك تم تسجيل هذا الإيجار في سجلات الأراضي، طبقا لما صار يعرف بنظام الكروت. أما الأراضي التي ستقام عليها منشآت دائمة كالمكاتب الإدارية ومنازل المفتشين والموظفين، فقد تم تأميمها أو مصادرتها بواقع واحد جنيه مصري للفدان، وتم تسجيلها باسم الحكومة

كذلك تمكنت حكومة السودان بموجب قانون أرض الجزيرة من شراء أو الاحتفاظ ببعض الأراضي، فأصبحت تمتلك 1.3 مليون فدان (59%) وملكيات المواطنين المؤجرة التي صدر بخصوصها القانون الجديد حوالي 900 ألف فدان (41%) من مساحة المشروع . قبل إضافة امتداد المناقل في 1959م كانت مساحة مشروع الجزيرة مليون فدان، وكان النصيب الأكبر للمزارعين. وعندما أضيف الامتداد بمساحة (1.2 مليون فدان) التي كانت معظمهما مملوكة للحكومة، أصبحت المساحة الكلية (2.2مليون فدان) تمتلك معظمها الحكومة.

 

توزيع الحواشات أو التفريقة:

بقيام المشروع تم توزيع الحواشات في الأراضي المؤجرة من الملاك و التي تملكها الحكومة معاً على المزارعين بواقع 30-40 فدانا لكل حواشة (حسب الدورة الزراعية المطبقة) . أصحاب الملك الحر تم منحهم حواشات سجلت في أسمائهم كملك حر كما كانت ارضهم، وهنالك فئات منهم نالت اكثر من حواشة وذلك حسب المساحة المملوكة للعائلة أو الفرد. كذلك تم منح حواشات لفئة من المواطنين المزارعين الذي لا يمتلكون أراضي مسجلة بأسمائهم في داخل المشروع، وتم تسجيل الحواشة لهم عن طريق الحكر. هنالك فئة تمتلك أراضي داخل المشروع مسجلة بأسمائهم كملك حر ولكنها لا تعمل بالزراعة أو لا تقيم بالجزيرة فتم استئجار الأراضي منهم عن طريق الكروت ولم يمنحوا حواشات مطلقاً. ومثال لذلك بعض اسر الأقباط التي كانت تمتلك مساحات من أراضي الجزيرة ملك حر.

 

وبموجب هذه التفريقة وعقد الإيجار تحول الملاك إلى مزارعين مستأجرين يدفعون كغيرهم إيجارا سنوياً مقابل الأرض والماء، ولم تشفع لملاك الأراضي ملكيتهم عند الحساب الفردي أو الحساب المشترك. ومع مرور الزمن أصبحت ملكيات الحواشات المتعددة تتوزع على أكثر من شخص، حتى أصبحت الحواشة الواحدة تقسم على أكثر من شخص، وذلك بسبب نظام الإرث الشرعي والتنازلات بين الأقارب.

 

 

نلاحظ أن قانون ارض الجزيرة لسنة 1927 حافظ على ملكية الأراضي لأصحابها كملك حر كما هي رغم إقامة الحواشات عليها. كما منع هذا القانون المزارعين من  التصرف في الحواشات بالبيع أو الرهن أو خلافه ولا يحق تقسيم الحواشة إلى أكثر من قسمين حيث يتطلب الأمر نتيجة لموت المزارع وأيلولة الحواشة للورثة.

كذلك اسقط قانون 1927 أي اتفاق بين المزارع وأي طرف أخر يتعلق بضمان الأرض أو منتوجها مقابل خدمات مالية أو التزامات أخرى إلا بعد موافقة مكتوبة من الحكومة، والهدف من وراء هذا هو منع المرابين من تسليف المزارعين أمولاً بضمان الحواشة أو المحصول ووقف استغلال المزارعين البسطاء.

مواد القانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م، الخاصة بموضوع الأرض من حيث الملكية وحق التصرف :

 

قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 أجازه مجلس الوزراء في يوم الأحد 19/6/2005م، وهو قانون يختلف عن قانون ارض الجزيرة لسنة 1927 من حيث الطبيعة والأهداف، فهو قانون شامل حاول معالجة العلاقات القانونية داخل مشروع الجزيرة، كما حاول معالجة موضوع ايجارة الأراضي المنتهية، ومهد لمصادرة الأراضي، وحاول إحداث تغيير في هوية المشروع، وتغيير علاقات الإنتاج، والعمل على خصخصة المشروع بشكل غير مفهوم حتى الآن. وقد جاء القانون الجديد منسجماً تماماً مع توجهات وسياسة الإنقاذ الساعية لخصخصة القطاع العام.

ملكية الحواشات في قانون 2005:

16ـ    (1)      تعتبر جميع الحواشات المخصصة للمزارعين بالمشـروع قبل صدور هذا القانون كما لو تم تمليكها بموجب أحكام هذا القانون .

(2)      تتخذ الحكومة التدابير اللازمة للآتي :

( أ)      المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خصصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضى، (قانون 27 سجل الأرض ملك حر وهذا القانون يحاول تسجل الحواشة ملك حر)

(ب)     الملاك الذين لم تخصص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أراضى وفق الفقرة  (أ ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً ،

(ج )     يملك بقية المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك (الحواشات) التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عام .( غير الملاك)

(3)      يلتزم المالك الجديد للحواشة بسداد الفئة التي يحددها المجلس كمقابل لتسجيل الحواشة ملك عين .

تكون ملكية الحواشة مقيدة بالشروط الآتية :

( أ)      استغلال الحواشة لأغراض الزراعة فحسب ،

(ب)     عدم تفتيت الملكية ،

(ج )     في حالة بيع الحواشة أو التنازل عنها تطبق أحكام كسب الملكية بالشفعة (جديد).

 

التصرف في الحواشة:

17ـ    (1)      مع مراعاة أحكام البند (5) (ج) من المادة 16 يجوز للمزارع المالك التصرف فى الحواشة بالبيع أو الرهن أو التنازل وفق الموجهات التي يضعها المجلس .

 

مقارنـــــــات بين قانون 1927 وقانون 2005م:

بقراءة نصوص قانون 2005م الخاصة بالملكية، مع قانون ارض الجزيرة لسنة 1927 نرى الصورة كما يلي:

1/ أبقى قانون 1927 على الملك الحر من أراضي المشروع كحق قائم لأهله مع دفع إيجار سنوي مقابل الانتفاع بهذه الأراضي لمدة زمنية محدودة (40) سنة وفي ذلك حفظ للملكية الخاصة رغم توزيع أجزاء منها لآخرين وشرط استخدامها وفق ضرورات المشروع الزراعية.

 

في حين أن القانون الجديد لعام  2005 ، أبقي لملاك الحواشات حواشاتهم المملوكة فقط بعد تسجيلها لهم مرة أخرى كحواشة وليست ارض ملك عين مع دفع الرسوم. وبهذا لا يعترف قانون 2005م بالملكية القديمة للأرض التي قننتها القوانين السابقة، ويحاول أن يخلق ملكية جديدة للحواشة، أو كأن قصده أن يلغي ملكية العين للأرض ويستعيض عنها بملكية جديدة للحواشة، وفي هذا إلغاء للحق التاريخي لملكية الأرض لأصحابها.

كذلك أجاز القانون الجديد مصادرة الأراضي من أصحابها الملاك الذين يملكون فائض ارض (أكثر من حواشاتهم التي خصصت لهم) والذين لهم أراض ولكن ليست لهم حواشات (كالأقباط) فهم ملزمين ببيعها للدولة أو كما قال النص تؤول للمشروع مع تعويض عادل. وهذه مصادرة دون إبداء أسباب مقنعة بشأن المصلحة العامة، خاصة وان الدولة تحاول خصخصة الملكية. أما المزارعين غير الملاك ولهم حواشات فتسجل لهم حواشاتهم ملكية منفعة لمدة 90 سنة .
2/ قانون 1927 أعطى المالك الحق (نظرياً) في قبول أو رفض الاتفاق بالأجرة المسماة بانقضاء المدة المحددة. في حين في القانون الجديد انتفى هذا الحق بالنسبة للملاك فمعظم الأراضي بالمشروع ستؤول ملكيتها للدولة مع التعويض العادل.

3/ أعطى قانون 1927 حواشات لمزارعين لا يملكون أراضي مطلقاً داخل المشروع ) مقابل إيجار سنوي مثل رسوم الأرض). ولكن في قانون 2005 تحولت الحال إلي ملكية منفعة بمدة محددة هي 90 سنة، وتم تحويل هذه الفئة لتصبح الفئة الأضعف في علاقات الملكية في المشروع.

4/ قانون 1927 منع التصرف بالبيع والتنازل والرهن ولكن أجازه في إطار التوريث الشرعي بضابط تقسيم الحواشة إلى نصفين فقط كحد أدنى. أما قانون فأتاح للملاك حق التصرف بالبيع والتنازل والرهن كما أجاز الشفعة، خلافاً للقوانين التي سبقته، مما يفتح الباب لجشع الرأسمالية المحلية والعالمية لاستغلال فقر الملاك وشراء أراضيهم.

 

لابد من ملاحظة حقيقة محددة وهي انه ومنذ صدور “قانون أرض الجزيرة لسنة 1927م”، لم تجرأ أي سلطة، وبما فيها سلطة الاستعمار، على وضع القيود على ملكية الأرض أو تغييرها (سوى عقد الإيجار) وذلك لان ملكية الأرض كانت تعتبر حقاً مقدساً لا يجوز العبث به.

 

5/ وبشكل عام كان المزارعون على مستوى واحد من حيث الملكية، ولكن القانون الجديد قسم المزارعين لفئتين من حيث ملكية الحواشات: فئة ملكية عين والفئة الأخرى ملكية منفعة . فهل سيترتب على ذلك فرق في التعامل بين الفئتين من طرف إدارة المشروع أو الشركاء والقرارات المرتبطة بهذه الشراكة على مستوياتها المختلفة سؤال يحتاج إجابة؟ وهل يؤثر ذلك على فرض مستويات مختلفة في رسوم الأرض؟

6/ كذلك يثبت القانون الجديد حق الدولة في نزع الملكيات الخاصة من أصحابها لأجل المنفعة العامة، مما يثير أسئلة كثيرة ومعقدة حول معنى المنفعة العامة في ظل مشروع الجزيرة ومكوناته، فمشروع الجزيرة يتكون من أراضي ومزارعين وحكومة، وإدارة، فهل تعتبر أي منفعة لهذه الاضلاع منفعة عامة؟ أم أن المنفعة العامة هي منفعة المشروع؟ أم الحكومة؟ ألا تعتبر منفعة جميع المزارعين بانواعهم المختلفة هي منفعة ومصلحة عامة؟ و سؤال آخر عن التعويض العادل .. من الذي يحدده ؟ الدولة أم الإدارة أم أصحاب الملك أم طرف آخر؟ أم الجميع؟

 

7/ في حين أبقى قانون سنة 1927 على ملكية الملاك الذين لم تفرق لهم حواشات (الأقباط مثلا) عمل القانون الجديد على نزع أراضيهم وملكيتهم ولم يعطهم خيار آخر مثل توزيع حوشات عليهم أم غيره من الخيارات.

8/ مأخذ آخر فهو ينحصر في إهماله دفع إيجارات لملاك الأراضي بأثر رجعي منذ عام 1967م وهو العام الذي انتهت فيه عقود الإيجار الموقعة في عام 1927م وحددت مدتها بأربعين عاماً.

9/ من مآخذ القانون الكبيرة أيضا هو التعارض بين نص هوية المشروع باعتباره شخصية قانونية مستقلة يجوز لها التملك، وبين النص في فقرة أخرى على أن أصول المشروع تؤول ملكيتها لوزارة المالية، فلماذا لا يمتلك المشروع كافة أصوله؟

 

ونتيجة لهذا التناقض تم خلق ملكيتين للأصول: ملكية الأصول الأخرى منشئات وترع وورش ومكاتب واليات وغيرها تؤول لوزارة المالية، أما ملكية الأراضي بموجب هذا القانون فهي ملك للمشروع حسب نصوصه، وهذا تناقض كبير يعقد من فهم مصطلحات مثل “المنفعة العامة” ويخلق وضعا مزدوجاً لطبيعة الملكية داخل المشروع مما يعقد من  عملية الخصخصة نفسها.

مشكلة الإيجارات:

هي احدي المشكلات المعقدة التي تواجه المشروع والملاك والحكومة.  وكما هو معروف فان عقد الإيجار انتهى عام 1967 أي قبل أربعة وأربعين سنة، وإيجارات هذه الأراضي استمرت بذات القيمة التي حددت في عام 1927م، ولم تغير قيمتها خلال هذه السنوات الطويلة وهذا ظلم ما بعده ظلم، كما لم تجدد أو تعدل بعد انتهاء فترة الأربعين عاما كما نصت العقود، حتى أصبحت لا تساوي شيئا يذكر. و أوقفت إدارة المشروع سدادها منذ أوائل الثمانينيات، مما جعل الأراضي وكأنها مصادرة من غير وجه حق أو حتى إعلان المصادرة.

 

قضية الإيجارات ومتأخراتها تشغل الان الكثيرون الآن بالجزيرة والمناقل وقد وصل الحال إلى رفع دعاوى قضائية صد المشروع بعد ان تعقدت الامور ووصلت الى طريق مسدود مع السلطة. وكان ان قامت الدولة ممثلة في وزارة العدل بتشكيل لجنة عدلية من النافذين في الوزارات المعنية (المالية، الزراعة، إدارة المشروع) وتم تمثيل الملاك بداخلها، مهمتها تحقيق هدفين الأول: تقدير قيمة الفدان في الفترة ما بين 1968م، وحتى 2005م، و الهدف الثاني هو تقدير التعويضات عن قيمة الفدان المملوك في حالة النزع بواسطة الدولة. إلا أن الحكومة تراجعت وماطلت  في الوفاء بدفع متأخرات الإيجارات التي تم الاتفاق عليها مع وزير العدل.

أثناء هذه المعركة الطويلة صدرت بعض التوصيات والتقارير المختلفة، تحفظ الملاك عليها جميعا لأنها لم تقابل طموحاتهم ولأنها كانت بعيدة كل البعد عن أسعار السوق الحالية، كما انه لم يتم التشاور أو التفاوض مع الملاك وممثليهم بشكل مباشر في جميع هذه التوصيات والتقارير.

مؤخرا أصدرت لجنة مشروع الجزيرة تقريرها الختامي وتوصياتها بشأن الأراضي حيث حددت أسعارا جديدة للأجرة وللنزع كما حددت تواريخ لبدء صرف هذه المستحقات. وكانت كالآتي:التعويضات النقدية للملك الحر بقيمة (1.585) جنيهاً للفدان.

 

رفضت لجنة الملاك الأسعار المحددة من قبل فريق التخطيط والتنسيق التابع لإدارة مشروع الجزيرة حول توفيق أوضاع أراضي المشروع وذكرت في بيانها انه لم يتم التشاور معها حول هذا الموضوع، كما قالت أن الأسعار اقل بكثير من توصيات اللجنة العدلية السابقة.

وأصدرت لجنة المبادرة بيان حذرت فيه الملاك من مغبة التفريط في حقوقهم والوقوع فريسة لمثل هذه الإعلانات.. كما وجه البيان إنذارا إلى إدارة مشروع الجزيرة بعدم التصرف في أراضي الملك الحر بالمشروع زراعة أو تعاقداً مع أية جهة أخرى إلا بعد صرف الاستحقاقات لمالكي هذه الأراضي.

استمرت مقاومة الملاك ولجنتهم فقامت السلطات الأمنية باعتقال عدد منهم وأفرجت عنهم.. عدة مرات في مدني آخرها قبل أسبوعين. وصف احد الملاك التعويضات التي وضعتها اللجنة العدلية لقيمة الإيجار والنزع بالضئيلة مشيراً إلى أن قيمة الفدان لا تساوي ثمن (نخلة) في تعويضات سد مروي.. كذلك تم رصد انتشار ظاهرة شراء الكروت من الملاك الأصليين في الفترة السابقة.

قال أحمد حمد النعيم رئيس لجنة مبادرة ملاك مشروع الجزيرة والمناقل ان الملاك لم يشركوا فى اعداد تقرير فريق التخطيط والتنسيق ،إنما طلب منهم المشاركة فى اجتماع النهضة الزراعية فقط للمباركة ،واصفا ذلك بالاهمال لاصحاب الحقوق الأصلية . وقال النعيم فى حديثه لـ(الرأي العام) نرفض هذا التقييم لاننا أهملنا من هذا التقييم ولايمكن ان تكون اللجنة التى اعدت التقرير هى الخصم والحكم ولديها السلطة والنفوذ. (الرأي العام) وطالب النعيم الدولة بضرورة الالتزام بما حددته اللجنة العدلية وان تكون حريصة فى منح المواطن حقه دون سلب حقوقه اكثر، مبيناً ان الملاك يشعرون بالإحباط وبالظلم من هذا التقييم، وتابع : سنلجأ للقانون لإرجاع الحقوق. (الرأي العام)

 

وهكذا  تنتظر أكثر من 960 ألف فدان بمشروع الجزيرة مال التعويض عن المصادرة أو النزع. وما زالت الأراضي تستغل منذ انتهاء عقد الإيجار إلى وقتنا هذا دون وجه حق.

عدد من القضايا تم رفعها في هذا الشأن:

سبق أن رفع تعدد من القضايا في هذا الشأن كانت كالآتي

قمت بتسجيل قضية لدى الإدارة القانونية بمدينة مدني (النائب العام) ضد الحكومة عام 1992 مطالباً بإرجاع الأراضي الملك لأهلنا لانتهاء العقد وسداد متأخرات الإيجار لتلك السنوات .  تم تحويل الموضوع إلى لجنة من رئيس الإدارة القانونية بمدني لدراسة الأوضاع القانونية للأراضي وتقديم توصية بخصوصها. و لم نسمع منها حتى الآن.  كذلك قام بعض الأقباط برفع قضية ضد الحكومة في محكمة الخرطوم مطالبين بإرجاع أراضيهم المستأجرة ومتأخرات الأجرة، وقد تم وقفها بناء على أوامر عليا. وفي القوت الحالي بعد انسداد كافة الطرق هددت لجنة المبادرة بطرق الوسائل القانونية الممكنة.

موضوع الخصخصة وقضية الأرض:

في ظل انتهاج السلطة لسياسات التحرير الاقتصادي وتخليها عن تمويل المشروعات الزراعية المروية، أصدرت حكومة الإنقاذ قرارها رقم 115 بتاريخ 18 أكتوبر 1992 الداعي لخصخصة مشروع الجزيرة. وتعبا لذلك عملت السلطة علي إعادة هيكلة مشروع الجزيرة، فقامت بتشريد الآلاف من الموظفين والعمال، وتحويل إدارات المشروع مثل مؤسسة الحفريات ، إدارة الهندسة الزراعية وإكثار البذور ، السكة حديد ، المحالج ، المخازن ، الاتصالات، إلى شركات سودانية تجارية خاصة.  ونتيجة لذلك دخلت الشركات الخاصة والأفراد المستثمرون والذين يبحثون عن فرص للثراء السريع، والبنوك إلى عالم مشروع الجزيرة دون خبرات أو مؤهلات فنية تذكر، وبعضها دون مؤهلات مالية اللهم إلا تبعيتها لأحد المسؤولين الكبار. فحاولت شركتي دال وشركة التنمية الإسلامية وراثة إدارة الهندسة الزراعية ذات التجربة العريقة في عملية تجهيز الأرض للزراعة من حيث الأشراف وتجويد العمل، هكذا دون خبرة  تذكر، كما حلت شركة روينا والتنمية الإسلامية محل مؤسسة الحفريات، وشركة بايونير محل إدارة إكثار البذور. والجدير بالذكر أن بعض هذه الشركات المذكورة قد تم إنشائه بليل خصيصاً ليلحق بفرصة خصخصة مشروع الجزيرة ووراثته. كما حل السماسرة ووكلاء الترحيل محل سكك حديد الجزيرة العريقة التي يمتد تاريخا لجذور الاستعمار، ودخلت البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامية المفروضة على المزارعين، والتي ينص عقد التمويل على أن المزارع لابد أن يحصل على عقد تأمين من شركة إسلامية!

 

هذا يؤكد انه قد تمت بالفعل تجربة القطاع الخاص السوداني الضعيف في مشروع الجزيرة ولكنه فشل تماماً في النهوض بالمشروع خلال السنوات الماضية. وحقيقة لا تتمتع الشركات السودانية بخبرات كبيرة في الاستثمار الكبير، ولا توجد شركات كبيرة متخصصة في الزراعة أو غيرها، كما لا توجد شركات مساهمة سودانية مملوكة للعامة متخصصة في الزراعة والاستثمار الزراعي، فجميع الشركات السودانية هي عبارة عن شركات مملوكة للأفراد أو الأسر الصغيرة. لذلك يصعب الحديث عن نجاح خصخصة سودانية بحتة في هذا المجال. كان من الممكن تحويل المشروع إلى هيئة أو شركة عامة يملكها المزارعون وملاك الأراضي، يساهم فيها الجميع، تحظى برعاية الدولة مثل ما حظيت شركة  جنرال موترز في الولايات المتحدة حتى أصبحت مضرب للمثل. what is good for GM is good for America
خلاصة القول هنا تمت تصفية أصول المشروع التي سبق أن تم تقديرها بواسطة البنك الدولي بحوالي 60 بليون دولار، ولم يبق الآن من المشروع إلا الأراضي.  تلك قصة حزينة أخرى من قصص الوطن، ولكن قضية الأراضي قضية خطيرة.
تشكلت العديد من اللجان لغرض تصفية وخصخصة مشروع الجزيرة من لجنة عبد احمد عبد الله مرورا بلجنة تاج السر مصطفى والفريق المشترك من الحكومة والبنك الدولي 2001، وانتهاء بلجنة الأتراك، والتي أوصت بإلغاء ملكية الأراضي الخاصة (الحر) وتمكين الدولة من هذه الأراضي.

 

يشعر المرء بالأسى حين يقارن بين “الطريقة الاستعمارية” في التعامل مع ملكية الأراضي وبين “الطريقة الإنقاذية” في ذات الشأن!. إن موقف الإدارة الاستعمارية حيال سؤال الأراضي كان محكوماً بالنظر البعيد فيما يخص الاستقرار، وبالفعل فقد كان لتلك السياسية التي اتبعها الاستعمار (الايجارة بدلا من النزع) الأثر الكبير في نجاح المشروع واستقرار مئات الآلاف من الأسر والملايين من أهل الجزيرة وموظفيها وعمالها. أما موقف وسياسة الإنقاذ جاء محكوماً بقصر النظر وعقلية السمسرة ومتسما بسوء النية.

 

اكبر نقطة ضعف في موضوع الخصخصة هو عملية نزع الأراضي لصالح الدولة، لماذا تصر الدولة على الملكية العامة للأراضي وهي تتحدث عن خصخصة أليس من الأولى الحفاظ على الملكية الفردية كخطوة أولى تجاه الخصخصة؟ هذا التناقض بين نزع ملكية الأفراد للصالح العام وبين مبادئ سياسة الخصخصة التي تمجد الملكية الفردية، يقودنا إلا استنتاج سوء النية المبيتة لأراضي المشروع، فقد يكون الهدف هو نزعها ثم تمليكها لنخب الإنقاذ، تمهيدا لتأجيرها أو بيعها للشركات العربية والعالمية. لذا فان سياسة الإنقاذ الساعية لانتزاع ملكية أراضي مشروع الجزيرة تتعارض تماماً مع فكرة الخصخصة مما يفتح الباب واسعا للتكهنات.

 

فلماذا لا يتم تأجيرها أو بيعها بواسطة الملاك مباشرة للمستثمرين الأجانب أو المحليين أو السماح لهم بالدخول في شراكات استثمارية مثلما يحدث في فيتنام والبرازيل وغيرها من الدول.