تقديم الخبير في البنك الدولي

الدكتور سلمان محمد احمد سلمان

عرض صديق عبد الهادي

الجزء الاول

كجزءٍ من المساهمة في بلورة دورٍ جديد للمهاجرين السودانيين، درج المكتب الثفافي للجالية الامريكية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، و هي واحدة من انشط الجاليات في الولايات المتحدة الامريكية ، علي إقامة نشاطات ثقافية متميزة ، إحتلت فيها القضايا المتعلقة بالوطن ـ السودان ـ و بهموم شعبه حيزاً براحاً.

مما لا خلاف حوله أن المهاجرين السودانيين في كل انحاء العالم اصبحوا

يحـتـاجون اليوم ،اكثر من اي وقتٍ مضى، لان يكونوا اكثر ارتباطاً بالوطن الام و بقضاياه بعد ان اضحى العالم ، فعلاً و ليس مجازاً، قرية واحدة، قد لا تكون مترامية الاطراف ، و لكنها في الوقت نفسه ليست صغيرة الي ذلك الحد الذي امست تتبدى فيه لمنْ جاشت بانفسهم بدائع ثورة المعلومات. ضمن ذلك النشاط الدؤوب قدم المكتب الثقافي للجالية الامريكية السودانية في يوم 10 مايو 2008م ، الخبير السوداني في البنك الدولي الدكتور سلمان محمد احمد سلمان في ندوة عن مشروع الجزيرة في السودان. و ذلك ما نحاول ان نعرض له في هذه المقالات.

مقدمــة/

من ضمن الاسباب التي عنت بوجوب عرض هذه الندوة علي اكبر عدد من القراء في السودان و خارجه هو ان اهمية موضوع مشروع الجزيرة في السودان اصبحت لا تأتي من تاريخه او سنواته الثمانيين التي سلفت ، و انما هي تاتي من مستقبله. فالسودان اليوم يمر بادق مراحل تاريخه ليس علي المستوى السياسي، كما يفهم الكثيرون، و انما علي المستوى الاقتصادي اكثر تحديداً، حيث ان قضايا الثروة و توزيعها ، و قد يكون لاول مرة في تاريخه الحديث، قُدِر لها ان تكون محل تركيز و إهتمام ، بل ان ضرورة معالجتها العادلة و السليمة اصبحت تشكل، و باجماع السودانيين، الضمان الاساس لوقف النزيف و قيام السلام و الوحدة.
اما السبب الآخر هو ان الدكتور سلمان محمداحمد سلمان فوق تخصصه النادر في قانون المياه علي مستوى العالم و تمثيله للبنك الدولي في هذا المجال ، فإنه خبير مشهودٌ له بالتزام الرصانة البحثية و محفوظٌ له مثابرته علي مراصفة التجويد، و في هذا الصدد سيجد القاري ان وقائع هذه الندوة لاتحيد عن ذلك التاكيد.

في الدائم الاعم ، ان القارئ يسعى، بل و يتوق احياناً اكثر من الباحث نفسه، الي التاكد من ان المعلومة ليست هي المحجة و المقصد في ذاتها و انما تحليلها و ربطها بظرفها و علاقتها بوقائع الحالة في شمولها هو في نهاية المطاف مما يساعد علي التصدي و المواجهة المسئولة للقضايا الشائكة، و ذلك ما هو مطلوبٌ في معالجة وضع كالذي في مشروع الجزيرة. هذا ما حاول ان يقوله الدكتور سلمان ، و كذلك ايضاً ما حاول ان يؤكد به موقفه الثابت من احترام الاختلاف المبني علي المعرفة. و هذا موقف يجد كل التقدير ، بل و هو في جوهره مبتغى كل عارف.

وقائع الندوة:

السؤالان المدخل/

طرح د. سلمان سؤالين كمدخلٍ لمحاضرته ،الاول ، ما هي علاقة المتحدث بمشروع الجزيرة و ما هي المقومات و الارضية التي ارتكز عليها في تقديمه لهذه الندوة عن المشروع؟ .

اما السؤال الثاني فهو لم كل هذا الاهتمام الكبير و المفاجئ من قبل السياسيين ، حكومة و معارضة، اكاديميين ، منظمات مجتمع مدني، و بل كافة قطاعات الشعب السوداني بمشروع الجزيرة؟!!!.

يشير د. سلمان في اجابته عن السؤال الاول الي أنه و بسبب تفاقم مشاكل مشروع الجزيرة بدءاً من منتصف السبعينات في القرن المنصرم لجأت الحكومات المتعاقبة الي تكوين لجان و كذلك الي الاستعانة بالمنظمات الدولية للنظر في امر المشروع و مشاكله، و من ثم تقديم توصيات لعلاج تلك المشاكل. فعند هذه النقطة ، و كما اشار، جاءت علاقته هو بالمشروع ، و ذلك بحكم عمله في البنك الدولي. تناول بشكلٍ خاص اللجنة التي كونت في بداية عام 1998م و قدمت تقريرها في نوفمبر عام 1998م.حيث ذكر بان اهم توصياتها هي ، اولا قيام شركة مساهمة تؤول اليها ملكية مشروع الجزيرة بحيث تكون الاصول المملوكة حالياً للدولة اسهماً لها، و يُطلب من القطاع الخاص و المصارف التجارية و الزراع و العاملين بالمشروع و المواطنين الراغبين المساهمة في هذه الشركة. و يمكن للحكومة ان تبيع أسهمها في هذه الشركة إن ارادت.

ثانياً اوصت اللجنة بان توقع الشركة عقوداً لعلاقات الانتاج مع جميع الزراع سنوياً.
ترددت الحكومة في قبول هذه التوصيات ، و اتصلت في عام 1999م بالبنك الدولي ـ الحديث هنا للدكتور سلمان ـ و طلبت من البنك دراسة مشاكل المشروع ، و تقديم توصيات لحلها مع النظر في مقترحات و توصيات لجنة عام 1998م. لابد هنا من الاشارة الي حقيقة ان علاقة البنك و حكومة السودان كان ان وصلت الي طريق مسدود في العام 1993م ، و ذلك بسبب توقف حكومة السودان عن سدادها للقروض المستحقة عليها للبنك الدولي. و قد قام البنك بالفعل في ذلك العام بالغاء المشاريع التي كان يقوم بتمويلها في السودان، و كذلك قام بإغلاق مكتبه في الخرطوم. برغمه وافق البنك علي الطلب و تم تكوين فريق عمل مشترك بينه و حكومة السودان. ضمّ الفريق الي جانب ممثلي البنك متخصصين من السودانيين في مجالات الزراعة، الري، و الاقتصاد من خارج الحكومة. و قد اصدر الفريق تقريره في اكتوبر 2000م تحت عنوان ” السودان: خيارات التنمية المستدامة في مشروع الجزيرة”.

في اوائل عام 2002م طلبت حكومة السودان من البنك الدولي المساهمة في مناقشة و تطبيق مقترحات التقرير الذي قٌدِم اليها في العام 2000م. طُلِب من د. سلمان الالتحاق بفريق عمل البنك الدولي لتقديم المشورة و العون في المقترحات الخاصة بادارة الموارد المائية في مشروع الجزيرة و ذلك بوصفه المستشار القانوني لشئون المياه في البنك الدولي. و كان ان اصبح واحداً من اعضاء ذلك الفريق بالفعل. اشار د. سلمان الي حقيقة انه قام و خلال الخمسة اعوام الماضية ، بزيارة مشروع الجزيرة سبع مرات، و طاف علي عدد كبير من اقسامه و إلتقى بعددٍ كبيرٍ من المزارعين و الموظفين و اتحاد المزارعين و كذلك بادارة المشروع. ذلك العمل اتاح له فرصة التعرف بشكلٍ ادق و عميق علي مشاكل المشروع و معوقات انتاجه، علي حسب ما ذكر، بل انه قال بان تلك المهمة التي قام بها ستظل من اكثر المهام التي قام بها خلال فترة عمله المديدة بالبنك، اهميةً. فتلك كانت هي ركيزة علاقته بمشروع الجزيرة و ركيزة استقائه المعلومات مما مكنه من الحديث عن المشروع.

يُلاحظ دائماً ان د.سلمان ، وفي كل ندواته، يكون حريصاً علي تاكيد ان الآراء و الافكار التي ترد منه لا تمثل و باي حال من الاحوال و لا تعبر عن آراء البنك الدولي او اراء و افكار اي فريق يعمل من ضمنه.، و انما هي بالضرورة افكاره الخاصة. وهذه بحق فضيلة علمية رفيعة لا يتمسك بها الا منْ عمر وجدانهم بالشجاعة المهنية. لانه ، و كما هو معلوم، ليس هناك من مأمنٍ اضمن لإتقاء سهام النقد من الإستجارة بظل الغير!!!.

وفي اجابته عن السؤال الثاني، يرى د. سلمان ان ذلك الاهتمام المتزايد الحالي بمشروع الجزيرة مرده الي ازمة الغذاء الحادة التي تنتظم العالم اليوم، و التي تهدد الكثير من دوله. و قد تجلت تلك الازمة في عدة مظاهر، منها:
(*) الارتفاع الجنوني لاسعار السلع الغذائية الاساسية في العالم.
(*) التخوف الذي ابدته معظم الدول من المشاكل المصاحبة لهذا الارتفاع مما حدى بها الي اتخاذ اجراءات تحد من تصدير المواد الغذائية خارج حدودها.
(*) تسبب اعلاه في قلة العرض مما ادى و يؤدي بالنتيجة الي ارتفاع الاسعار. و بالطبع كان للسودان نصيبه في ذلك.
من جانبٍ آخر كانت هناك اسباب وراء تلك الازمة الغذائية التي تجلت مظاهرها فيما سبق ذكره. و يمكن اجمال تلك الاسباب فيما يلي /
اولاً/ الازدياد المطرد لسكان العالم. في عام 1900م كان عدد سكان العالم 1,6 مليار، اي اقل من مليارين من البشر. وصل الي 6,1 مليار في العام 2000م، و من المتوقع ان يصل عدد سكان المعمورة الي 9 مليارات بحلول 2050م. لابد من القول بانه و بالنتيجة زادت كذلك الهجرة من الريف الي المدينة.
شهدت الطبقة الوسطى توسعاً عددياً في اكثر دولتين كثافة في العالم، و هما الهند و الصين، و قد زادت كذلك القوة الشرائية لتلك الطبقة ايضاً. فيما يخص الهجرة من الريف الي المدينة نرى ان تلك الظاهرة اصبحت اكثر وضوحاً في السودان حيث اصبحت المدن و خاصة الخرطوم مراكزاً لاستقبال تلك الهجرة ـ الكثافة السكانية فيها تقارب 10 مليون نسمة ـ ، فذلك يعني فيما يعني الهجرة من الذرة الي القمح استعمالاً . و معلومٌ ان السودان يستورد 60% من احتياجاته في القمح من الخارج!!!.
و توضح الاحصائيات و المعلومات المتوفرة ان عائدات الانتاج بالنسبة لاكثر الحبوب اهمية علي مستوى البلدان النامية في العالم قد شهدت تناقصاً كبيراً. و تلك المحاصيل هي القمح ، الذرة الشامي و الارز. مثلاً بالنسبة للقمح فقد تناقص معدل النمو السنوي في انتاجه بين عامي 1961م و 2000م من 10,25% تقريباً الي 1% تقريباً!!!. فهذه احصائيات تقف دليلاً علي ما ذكرنا اعلاه، فإنها بالقطع تعني الكثير بالنسبة للمهتمين بامر الغذاء في العالم.
ثانياً/ المتغيرات المناخية ، و خاصةً الاحتباس الحراري فقد اثر سلباً علي الانتاج الزراعي في اقطارٍ كثيرة من العالم و كمثال علي ذلك ان استراليا قد توقفت عن زراعة الارز و قللت كثيراً من زراعة القمح بسبب الجفاف. تقول الاحصائيات ان صافي عائد انتاج الفدان من الارز يعادل حوالي 240 دولاراً في حين ان صافي العائد بالنسبة لنفس الفدان من العنب يعادل 1680 دولاراً. بالتاكيد إذا ما كنا نعلم ان الارقام لا تكذب، فان خيار المزارعين الاستراليين سيكون واضحاً وهو التقليل من زراعة اي محصولٍ آخر عدا العنب.
ثالثاً/ اثر استعمال الحبوب خاصة الذرة الشامي في انتاج الوقود الحيوي سلباً علي المساحات المزروعة بغرض انتاج الحبوب لاجل الغذاء و ذلك بالضغط عليها و تقليل مساحتها، مما ادى الي وصف انتاج الوقود الحيوي بانه “جريمة ضد الانسانية”!!!.
رابعاً/ ارتفاع اسعار المحروقات انعكس في زيادة اسعار المدخلات الزراعية ، مما ادى الي ارتفاع تكاليف الانتاج.
خامساً/ ضعف الدولار و انخفاضه اثر في ارتفاع الاسعار ـ لاحظ ارتفاع سعر البترول ـ حيث وصل سعر البرميل الي 130 دولار و هو ضعف سعر البرميل في نفس الوقت من العام الماضي مثلاً. سادساً/ المضاربات المستقبلية باسواق السلع ، و قد شمل ذلك القمح و الارز.
سابعاً/ اجراءات الحد من تصدير المواد الغذائية بواسطة بعض الدول ادى الي شحها و من ثمّ الي ارتفاع اسعارها في كثير من دول العالم مما تسبب في الكثير من الاضطرابات و الاحتجاجات الدامية في عدد من الدول مثل هاييتي، مصر، بوركينا فاسو و غيرها.
ثامناً/ الدعم الذي تقدمه الدول الصناعية الكبري لمزارعيها افقد المزارعين في البلدان الاخرى القدرة علي المنافسة، و قد اثر ذلك سلباً علي الانتاج في تلك الدول. و تاسعاً/ تدني الاستثمارات العالمية في القطاع الزراعي و احجام القطاع الخاص عن الاستثمار فيه بسبب المخاطر المتوقعة، حيث هبط من 1,9 مليار دولار في عام 1981م الي اقل من مليار دولار في عام 2001م.

تلك هي الاسباب التي انتجت الازمة الغذائية علي مستوى العالم، و التي انعكست بشكلٍ واضح في عدم مقدرة الناس، في كثير من بلدان العالم ، علي شراء المواد الاساسية حيث ارتفعت اسعار الحبوب و خاصة الضرورية منها كالارز، القمح و الذرة الشامي بنسبة تراوحت بين 50% و 300% في الفترة من يناير 2007م و حتى مايو من العام الجاري 2008م فقط.
علي اية حال، لابد لنا من اضاءة بعض الحقائق علي المستوى الاقليمي لان ذلك سيساعد كثيراً في الاقتراب من الموضوع الذي نحن بصدده. من تلك الحقائق ان العالم العربي يستورد 76% من المواد الغذائية التي يستهلكها من الخارج، و في سبيل توفير ذلك يتم صرف حوالي 40 مليار دولار سنوياً، اي حوالي 3,5 مليار شهرياً بواقع 120 مليون دولار يومياً!!!.
و من تلك الحقائق ايضاً ان مصر تستهلك حوالي 14 مليون طناً من القمح سنوياً ، تستورد منها ما يعادل 7 مليون طن من الخارج. و كذلك السودان يدور في نفس الرحى إذ يستهلك مليونين طن من القمح و يستورد منها 1,3 مليون طن من الخارج.
الآن يمكن تصور الوضع الاقليمي ـ علي الاقل في الوطن العربي ـ حين يتم ربط هذه الحقائق بحقيقة ان 60% من المياه الجارية في الوطن العربي تأتي اليه من خارج حدوده. فذلك وضعٌ معقد، علي إثره استيقظ العالم العربي علي اهمية مسألة “الامن الغذائي” و من ثم ادرك اهمية و امكانيات السودان الزراعية.
الناس في السودان ليسوا بمعزلٍ عن ذلك او عما يجرى علي صعيد العالم، فقد كان لابد لهم ايضاً من التأمل ، و من نفس النافذة التي اطل منها العالم، في مسألة ” الامن الغذائي”، و من ثم القاء نظرة متأنية علي القطاع الزراعي و الذي يمثل مشروع الجزيرة مركز الثقل فيه، حيث انه الاكبر مساحةً و الاقدم عمراً، و الذي قد يكون و بمعايير مختلفة الاوفر حظاً في تخفيف ذلك الهاجس المتعلق بمسالة “الامن الغذائي” ، اقله علي مستوى الوطن.

الجزء الثاني

خلفية المشروع /

معلومٌ ان الحديث عن مشروع الجزيرة قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمسالة زراعة القطن في السودان. اصبح من غير الممكن التفكير في مشروع الجزيرة دون ربطه بالقطن، و لقد لعبت عوامل كثيرة دوراً في ترسيخ ذلك الربط سواءً إن كانت سياسة الدولة، او سائل الاعلام بكل اشكالها ، او المناهج التعليمية في المراحل المختلفة، حيث كان الضوء مسلطاً علي مشروع الجزيرة و انتاجه للقطن و آثار ذلك علي الخزينة و الدخل القومي و من ثمّ علي التنمية في السودان بشكلٍ عام. هنالك عوامل تاريخية لا يستقيم بدونها الحديث عن مشروع الجزيرة و مسألة زراعة القطن فيه. إن الانبهار بذلك النجاح الساطع الذي حققه مشروع الجزيرة في تبني زراعة القطن خلال زمن طويل من تاريخه ، لايرجع فقط الي الانتاجية العالية التي حققها المشروع في ذلك المحصول خلال جزءٍ كبير من عمره، و انما يرجع ايضاً و تاريخياً الي فشل التجارب السابقة لمحاولة زراعة القطن في مناطق مختلفة من السودان، و في عهود تاريخية مختلفة كذلك. فمثلاً، في ستينيات القرن التاسع عشر و ابان الحكم التركي فشلت محاولة ممتاز باشا لزراعة القطن في دلتا القاش و طوكر، و ذلك لاسباب تتعلق بالتربة و المياه و المناخ و الامن في تلك المنطقة. ولبعض الاسباب المشتركة مع تجربة ممتاز باشا ـ التربة و المناخ ـ فشلت ايضاً تجربة المستثمر الامريكي ” لي هنت” في منطقة الزيداب في عامي 1906م و 1907م.

و للمرة الثانية، ايضاً، فشلت التجربة في دلتا القاش و طوكر ، و التي قامت بها شركة كسلا الزراعية اثناء الحكم الثنائي و لنفس الاسباب التي ادت لفشل تجربة ممتاز باشا. في العام 1911م اتجهت انظار ادارة الحكم الثنائي نحو الجزيرة . بدأت بالفعل التجربة بواسطة شركة السودان الزراعية ، و ذلك بزراعة 250 فدان في منطقة طيبة لتروى بالري الصناعي عن طريق الطلمبات. ادى نجاح هذه التجربة الي زيادة تدريجية في الرقعة الممنوحة من الارض لشركة السودان الزراعية.
تضافرت عوامل كثيرة في نجاح التحربة و من ثم ميلاد و تطور مشروع الجزيرة. و يمكن تلخيص هذ العوامل في الآتي /
اولاً/ خصوبة التربة، اوضحت انه لن يكن هناك احتياج كبير للسماد و للمخصبات.
ثانياً/ طبيعة التربة و تماسكها قلل من تسرب المياه و ساعد علي بقائها لري القطن.
ثالثاً/ القرب من النيلين ـ الازرق و الابيض ـ ساعد وأدى الي بناء السدود و زيادة و تنظيم عملية الري.
رابعاً/ طبيعة الارض المنبسطة ساعدت ، و هذه من اهم الاسباب، علي الري الانسيابي الطبيعي. و قد ادى ذلك ، بالطبع ، الي تقليل تكلفة الانتاج مقارنةً بالري الصناعي.
خامساً/ العامل المناخي حيث ساعد فصل الصيف بحرارته العالية جداً و جفافه علي القضاء علي كثير من الآفات و الحشرات في المشروع و قلل بذلك من الاعتماد علي المبيدات.
سادساً/ الكثافة السكانية في منطقة الجزيرة كانت معقولة ، ثم انه كانت لهم خبرة حيث مارس معظمهم الزراعة المطرية.
سابعاً/ موقع الجزيرة في وسط السودان سهّل من هجرة مزارعين آخرين و كذلك عمال موسميين. كما و انه سهّل الوصول اليها من الخرطوم، و نقل القطن منها الي الخرطوم و من ثم الي بورتسودان و منها بحراً الي مصانع الغزل و النسيج في لانكشير ببريطانيا و التي كانت تنتظر بفارغ صبرٍ و نهمٍ شديد الي نجاح تجربة مشروع الجزيرة.
واضحٌ انه و مما لاشك فيه ان وجود عوامل كهذه لايمكن ان تؤدي الا لاختيارٍ امثل ، و بالفعل كان اختيار منطقة الجزيرة لاجراء التجربة، ومن ثمّ لقيام المشروع، اختياراً موفقاً.

التطورات التي لازمت قيام المشروع/

بعد موسمين من بدأ تجربة طيبة في العام 1911م، بدأت الإدارة البريطانية في السودان في الاقتناع بنجاح تجربة زراعة القطن في منطقة الجزيرة. و شرعت الادارة في التفاوض مع لندن و القاهرة لاجل اكمال انشاء المشروع. تركز التفاوض علي نقطتين اساسيتين /
الاولى / التفاوض مع لندن علي ضرورة الحصول علي قرض وذلك لبناء خزان سنار لاجل ري المشروع ومن ثمّ التوسع فيه.
الثانية/ التفاوض مع القاهرة لاجل تأمين موافقتها علي كمية المياه التي يمكن استعمالها لري المشروع من خزان سنار علي النيل الازرق.
فيما يخص النقطة الاولى وافقت لندن و بعد مفاوضات طويلة علي منح الخرطوم قرضاً بمبلغ ثلاثة مليون جنيه استرليني و هي تكلفة بناء الخزان، إلا ان الحرب العالمية الاولى اوقفت التحضيرات لبنائه ، و لم يبدأ العمل فيه الا بعد انتهائها. اكتمل العمل في الخزان في العام 1925م، و هو التاريخ الرسمي لبداية مشروع الجزيرة.
اما فيما يخص النقطة الثانية فقد وافقت مصر علي بدء العمل في مشروع الجزيرة و بناء خزان سنار شريطة الا تتجاوز مساحة الارض المروية 300,000 فدان (ثلاثمائة الف فدان). و كُفل لمصر الحق في بناء خزان جبل اولياء. و هنا يبقى من الضروري الاشارة الي، و كذلك تسجيل الملاحظة الهامة ، ان بدء الري في مشروع الجزيرة و كذلك كل اطوار التوسع في الرقعة المروية فيه اعتمدت اعتماداً كاملاً علي موافقة مصر بسبب ان مياه الري تسحب بكاملها من النيل الازرق.
التزمت ادارة الحكم الثنائي بهذه المساحة حتى عام 1929م عندما تم توقيع اتفاقية مياه النيل لعام 1929م و التي حددت حصة السودان في مياه النيل بـ 1,3 مليار متر مكعب، إرتفعت فيما بعد لتصل الي 4 مليار متر مكعب، مقابل 24 مليار متر مكعب لصالح مصر، ارتفعت فيما بعد لتصل الي 48 مليار متر مكعب. و نتيجةً لذلك بدأت الادارة البريطانية التوسع في المساحة المروية في مشروع الجزيرة. و قد تدرج التوسع خلال المراحل التالية/
1- في العام 1926م كانت المساحة 300,000 فدان،
2- في العام 1929م وصلت المساحة الي 379,000 فدان،
3- في العام 1931م وصلت المساحة الي 527,000 فدان،
4- في العام 1953م كان ان وصلت الي مليون فدان.

إثر توقيع اتفاقية مياه النيل بين مصر و السودان في العام 1959م ارتفعت حصة السودان الي 18,5 مليار متر مكعب مقبل 55,5 مليار متر مكعب لصالح مصر. ادى ذلك الوضع الي بناء خزان الروصيرص الذي اكتمل العمل فيه في العام 1964م، و من ثمّ بدأ التوسع في مشروع الجزيرة ليشمل امتداد المناقل و لتصل بذلك مساحة المشروع الي 1,800,000 فدان في العام 1966م. استمرت المساحة في التوسع حيث وصلت الآن، العام 2008م ، الي 2,200,000 فدان.
يُلاحظ انه خلال اربعين عاماً اي من 1926م و حتى 1966م كان ان زادت مساحة المشروع بما يعادل مليون و نصف فدان في حين انها لم تزد في الاربعين سنة الماضية سوى باربعمائة الف فدان فقط، اي باقل من نصف المليون فدان.
من اهم التطورات التاريخية و التي انبنت عليها تحولات ضخمة في مسار المشروع ماحدث في العام 1950م ، حيث انتهى العقد الموقع بين حكومة الحكم الثنائي و شركة السودان الزراعية التي كانت تدير المشروع. و قد حلّ محل الشركة “مجلس ادارة مشروع الجزيرة”، و المكون معظمه من سودانيين. ذلك كان هو الوقت الذي صدر فيه قانون مشروع الجزيرة للعام 1950م.
في الفترة من 1950م و حتى 1955م ادار المشروع كل من البريطانيين “آرثر جيتسكل” و “جورج ريبي” ، حيث كانت فترة الاول من 1950م الي 1953م، و الآخر من 1953م الي 1955م. و لقد كان السيد مكي عباس اول محافظ سوداني لمشروع الجزيرة، و بلغة الادب السياسي فيما بعد الاستقلال كان هو اول من بدأت به سودنة الادارة العليا في مشروع الجزيرة.
هنالك محاور اخرى يمكن تلمسها في مسار التطورات التي حدثت في مشروع الجزيرة. و هذه المحاور تتلخص في الآتي/

المحور الاول، علاقات الانتاج/

ارتكزت فكرة مشروع الجزيرة علي علاقةٍ و شراكةٍ ثلاثية بين الحكومة، الشركة و الزراع، و ذلك باعتبار الآتي،
الحكومة هي التي تملك السد و القنوات و الاراضي ( ياتي موضوع بحث ملكية الاراضي لاحقاً) . الشركة هي التي تقوم بادارة المشروع و ايضاً التمويل ـ بالطبع للقطن فقط و لا يشمل اي محصول آخر ـ ، و تشرف كذلك علي انتاج القطن. و اخيراً، الزراع و هم الذين يقومون بزراعة القطن في الحواشات تحت اشراف الشركة.
و تجدر الاشارة الي انه من المسائل، ذات الطابع المعقد، التي واجهت الحكومة و الشركة هي محاولة تحديد اسم لهولاء الزراع. و قد ذهب التفكير فيها مناحي مختلفة ، اولاً ، هؤلاء الزراع لا يملكون الارض ، و ليست لديهم حرية القرار فيما يزرعون و لا حرية تمويله او حتى تسويقه، فلذلك لا يمكن تسميتهم “مزارعين”. ثانياً، برزت فكرة تسميتهم “شركاء” ، إلا ان النظر صُرف عن ذلك الاسم لان طريقة تقسيم الارباح التي كانت تُطبق لم تكن تعكس الفكرة الحقيقة للشراكة، لان الارباح كانت توزع بعد خصم تكلفة الانتاج من الزراع. ثالثاً، تناولت بعض المكاتبات امكانية تسميتهم بـ “عمال زراعيين” ولكنه لم يتم اعتبار هذا الاسم لان العامل يستحق “اجراً ثابتاً” او التزاماً باجر من مستخدمه نظير عمل محدد و ليس جزءاً من الارباح كما هو مُطبق وقت قيام المشروع، حيث كانت الارباح توزع علي اساس النسب. و لقد كانت تلك النسب توزع كالآتي/
الحكومة نصيبها 40%، الزراع نصيبهم 40% ، و الشركة الزراعية نصيبها 20%. ظلت تلك النسب سارية من العام 1925م و حتى العام 1950م و هو العام الذي انتهى فيه العقد مع الشركة السودانية للزراعة. و تمّ فيه تعديلُ هذه التسب.
و أخيراً استقر الرأي علي تسمية هؤلاء الزراع “مستأجرين” . و هي تسمية، برغم استقرار الرأي عليها،فإنها ليست دقيقة، لان المستاجرين انفسهم، وكما هو معلومٌ، لديهم شيئٌ من الحرية في شأن الارض التي يستأجرونها ، علي الاقل في كيفية استخدامها، إلا ان الزراع في مشروع الجزيرة لا يتمتعون بأي قدر من هذا القبيل.
اما التعديل المشار اليه اعلاه فقد رفع نسبة ارباح الزراع الي 42% و الحكومة الي 42% و حدد نسبة ارباح ادارة مشروع الجزيرة بـ 10%. كما اضاف البنود التالية وهي الخدمات الاجتماعية و المجالس المحلية و صندوق الاحتياطي و حدد نسبة 2% لكل منها. و في العام 1965م و تقديراً لدور المزارعين في ثورة اكتوبر تمّ رفع نسبة ارباحهم الي 48% و خُفضت نسبة ارباح الحكومة الي 36%. و في العام 1981م تم استبدال الحساب المشترك ( و الذي يتم بقتضاه خصم التكلفة الاجمالية لكل الزراع من العائد الاجمالي لمحصول القطن و يوزيع الباقي علي الزراع) بالحساب الفردي (و الذي يتحمل فيه كل زارع تكلفة انتاج قطنه منفرداً). و تبع هذا التغيير ادخال نظام الرسوم الادارية و التي يدفع بمقتضاها كل زارع رسوم الاراضي و المياه. و هذا تحولٌ اثار الكثير من الجدل.
و لابد من ملاحظة ان نظام توزيع الارباح بعد خصم كافة تكاليف الانتاج ينقصه العدل تجاه المزارعين، خاصة في السنوات التي تدنى فيها انتاج القطن كما حدث ذلك في الثلاثينيات من القرن الماضي. و لمعالجة هذا الوضع كان ان سُمح للمزارعين بزراعة 5 افدنة من الذرة و 5 اخرى من اللوبيا وذلك لاستخدامهم الخاص دون شراكة مع الحكومة او الشركة الزراعية و ادارة المشروع لاحقاً.
إن اتفاقية الايجارة التي اقرت الشراكة مبدأً قد اعطت الشركة الزراعية الحق في ان تقوم باي دورٍ للمستأجر حال فشله القيام به علي ان تخصم التكاليف المترتبة علي ذلك من ارباح المستأجر. و يلاحظ كذلك ان التركيبة المحصولية للدورة الزراعية في المشروع قد شهدت هي الاخرى تغييرات مختلفة قبل ان تستقر في الفترة بين تسعينيات القرن الماضي و حتى العام 2005م علي زراعة (1) القطن، (2) القمح، (3) الفول السوداني و الخضروات، (4) الذرة، و (5) البور .

المحور الثاني، الاراضي/

بعد أن استقرت الامور لادارة الحكم الثنائي ، بدأت في تسوية و تسجيل الاراضي التي استطاع مستعملوها اثبات ملكيتها. وجدت الادارة ان جزءاً من الاراضي التي سيقوم عليها مشروع الجزيرة هي ملك حر لبعض الافراد. و بناءاً عليه و بعد عدة مداولات قررت الادارة الا تنزع هذه الاراضي من اصحابها للصالح العام و تعوضهم كما يقر القانون. جاء القرار بشكله ذلك لعدة اسباب ، منها ، اولاً/ الخوف ان يؤدي نزع هذه الاراضي الي اضطرابات وثورات. ثانياً/ الخوف الا تنجح زراعة القطن ، و التي هي الاساس الذي قام عليه المشروع، و ثالثاً/ التكلفة العالية للتعويضات التي كانت ستدفع لملاك الاراضي في حالة نزع هذه الاراضي. و قد كان ان نزعت الحكومة بعض الاراضي لاقامة المباني و القنوات و فامت بدفع تعويض و قدره جنيهاً واحداً عن كل فدان.
لهذه الاسباب تقرر ان يتم تاجير الاراضي الملك الحر من ملاكها ايجاراً قسرياً بواقع عشرة قروش ـ اي ريال ـ للفدان في العام الواحد. و من ثمّ تضاف تلك الاراضي الي الاراضي الحكومية، علي ان يتم تاجير هذه الاراضي كلها في شكل حواشات للمزارعين حتى ولو كانوا ملاكاً.
علي إثر ذلك صدر قانون “اراضي الجزيرة” لعام 1927م لاجل تقنين و تنظيم ايجار الاراضي الملك الحر للحكومة و لمدة 40 عاماً، انتهت في العام 1967م. وهو العام الذي طالب فيه بعض الملاك ـ هم وراث في غالبيتهم ـ باعادة اراضيهم اليهم، في حين طالب آخرون منهم بزيادة الايجار ليواكب الاسعار وقتها. كونت لجنة لهذا الغرض ، إلا انها لم تصدر تقريرها حتى قيام انقلاب 25 مايو 1969م. و منذ ذلك التاريخ ظلّ موضوع “اراضي الجزيرة الملك الحر”، و هي 900 الف فدان، موضوعاً تتناقله ايدي اللجان حتى يومنا هذا. و من اميز اللجان التي تناولته هي اللجنة التي ترأسها المستشار القانوني الاستاذ عبدالله احمد مهدي و التي اصدرت تقريرها عام 2003م. و يمتاز هذا التقرير بالدقة و العمق في تحليل مسألة الاراضي هذه.
رفض الملاك استلام الـ 10 قروش منذ العام 1972م مطالبين بتعديلها الي ما يعادل القيمة الحقيقية للـ 10 قروش في العام 1927م. فبرغم تكوينهم لجمعيتهم المعروفة بـ “جمعية ملاك مشروع الجزيرة”، و تمثيلهم في عدة لجان ، بل و برغم صدور قانون 2005م ، (و الذي يؤكد الملكية و لكنه ينزع هذه الاراضي مقابل تعويض عادل) فإن مسالة الاراضي في مشروع الجزيرة لم يتم حسمها بالشكل الكافي بعد!!!. و هنا لابد من القول بانه ما لم تتم معالجة هذه المسالة و بقدر الحاحها فإنها ستكون حجر عثرة في طريق تطور المشروع.

الجـــزء الثــــالث

الملامح العامة و الوضعية الحالية لمشروع الجزيرة

1- تنظيم المشروع/

من الملامح الاساسية لمشروع الجزيرة هي مساحته و التي تبلغ 2,2 مليون فدان. تم تنظيم هذه المساحة في 18 قسم تراوحت مساحة كل قسم بين 60 الف الي 190 الف فدان. تمّ تقسيم كل قسم الي عدة تفاتيش ـ و هي جمع تفتيش . تفاوت عدد تفاتيش الاقسام بين 4 الي 8 تفاتيش للقسم الواحد.و كذلك تمّ توزيع التفتيش الواحد الي نِمر و مفردها “نمرة”، و مساحة النمرة الواحدة تساوي 90 فداناً. ينتهي التنظيم في تقسيم النمرة الواحدة الي حواشات، و تتفاوت مساحة الحواشة بين 10 و 40 فدان في الجزيرة رغم ان معظم الحواشات مساحتها 20 فدان. اما في المناقل فتتراوح مساحة الحواشة الواحدة بين 7,5 الي 30 فدان رغم ان معظم الحواشات مساحتها 15 فدان. من بين اشكال التنظيم نكتفي بتفصيل الاقسام لانها اكثر الوحدات تلخيصاً لملامح المشروع كما و انها تلعب دورهاً في الطريقة التي يعتمد عليها في انتخاب و اختيار الممثلين في تنظيم الزراع النقابي و المعروف بـ “اتحاد مزارعي الجزيرة و المناقل”. تلك الاقسام، حسب ترتيبها المعروفة به ، هي/
(1) القسم الجنوبي (2) قسم الحوش (3) القسم الاوسط (4) قسم المسلمية (5) قسم وادي شعير (6) قسم ود حبـوبه (7) القسم الشمالي (8) القسم الشمالي الغربي (9) قسم ابو قوته (10) القسم الشرقي (11) قسم المكاشفي (12) قسم الشوال (13) قسم الجاموسي (14) قسم الماطوري (15) قسم معتوق (16) قسم المنسي (17) قسم التحاميد ،و اخيراً (18) قسم الهـدى.
و يلاحظ ان القسم الشرقي هو القسم الوحيد الذي يقع خارج منطقة الجزيرة و لا يروى من الخزان، حيث انه يقع في منطقة شرق النيل ، و يروى بالطلمبات. يتبع هذا القسم ادارياً لمشروع الجزيرة و يضم كل من ود الفضل، حداف، و الحرقة/ نور الدين.
ويعتقد البعض ـ وهذا فهمٌ سائد ـ ان مشروع الجزيرة هو اكبر مشروع زراعي في العالم تحت ادارة واحدة. وهذا الاعتقاد ليس صحيحاً، إذ ان هناك عدة مشاريع اكبر منه مساحةًً تحت ادارة واحدة.

2- التركيبة السكانية للمشروع

و القوى العاملة فيه/

يضم المشروع حوالي 128 الف زارع ، و يكِّونون مع اسرهم حوالي مليون نسمة. هناك حوالي 150 الف عامل موسمي و يكِّونون مع اسرهم اكثر من مليون نسمة، و يعيشون في اوضاعٍ سيئة و معظمهم في معسكرات تعرف بـ”الكنابي”، و الواحد منها “كمبو”. وضعهم بشكلٍ عام أسوأ من وضع الزراع و الذين يعيش معظمهم أيضاً في حالة من الفقر.
هنالك 5 الف عامل و موظف يتبعون او يعملون في ادارة مشروع الجزيرة ، و لقد كان هذا العدد يبلغ حوالي 10 الف عامل و موظف خلال الثمانينيات من القرن الفائت، خصوصاً بعد الانتقال الي الحساب الفردي و الذي احتاجت الادارة بسسببه الي عددٍ كبيرٍ من المحاسبين. و يمكن ان يعتبر هذا النقص واحداً من المؤشرات علي التحولات التي مرت بالمشروع.
يقع ثلث ولاية الجزيرة تحت ادارة المشروع و يتأثر 80% من سكان الجزيرة و البالغ عددهم 6 مليون بشكل مباشر او غير مباشر بالمشروع. تُمثل ولاية الجزيرة في مجلس ادارة المشروع.و لابد من الاشارة الي ان بالمشروع ثروة حيوانية تُقدر ب حوالي 3 مليون رأس من المواشي.

3- أصول المشروع/

تتكون اصول المشروع و التي تمتلكها الدولة ممثلة في وزارة المالية من الآتي:
أ- الاراضي التي تملكها الحكومة و التي تبلغ مساحتها حوالي 1,3 مليون فدان. (يجب ملاحظة ان الـ900 الف فدان المتبقية هي اراضي ملك حر، كما اشرنا سابقاً).
ب- مراكز الخدمات ، او مراكز التكلفة ، و التي تشمل:
* 14 محلجاً ، 7 منها في مارنجان،6 في الحصاحيصا و محلج واحد في الباقير.
* الورش الهندسية
* سكك حديد الجزيرة، و تغطي 1300 كيلو متر ، و
* شبكة الاتصالات.
ج- اسطول من السيارات و الآليات(تركتورات و حاصدات).
د- مخازن سعتها التخزينية تُقدر بحوالي 2,5 مليون طن.
هـ- مباني سكنية و مكاتب و شبكة للطرق.
و- هيئة البحوث الزراعية ، و التي كانت فيما سبق تعرف بـ “محطة ابحاث الجزيرة”
ز- شبكة الري و طولها حوالي 150,680 كيلو متر و هي بدورها تتكون من :
* قناتين رئيسيتين طولهما معاً 260 كيلو متر
*11 قناه فرعية ، (تعرف محلياً بـ”الميجر”) ، و طولها 650 كيلو متر
* 107 قناة كبرى ( و تعرف محلياً بـ “الكنار”)و طولها 1,650 كيلو متر
* 1,570 قناه صغرى ( و تعرف محلياً بـ “الترعة”) و طولها 8,120 كيلو متر
* 29,000 ابو عشرين و طولها 40,000 كيلو متر ، و اخيراً
* 350,000 ابو ستة و طولها يبلغ حوالي 100,000 كيلومتر.
هكذا كان مشروع الجزيرة علي قدرٍ عالٍ من التنظيم، إلا ان هذه الشبكة و التي كانت تمثل شريان الحياة لمشروع الجزيرة اصابها الكثير من التدهور. و بالنتيجة لحق ذلك التدهور بمجمل نشاط المشروع و عملية الانتاج فيه.

4- القوانين التي نظمت و تنظم عمل المشروع/

خضع العمل بالمشروع منذ قيامه لقوانين منظمة له و منظمة كذلك للعلاقة بين اطرفه المعروفة و هي حكومة السودان ، ادارة مشروع الجزيرة و التي جاءت خلفاً لشركة السودان الزراعية في العام 1950م ، و الزراع و الذين يمثلهم اتحاد المزارعين. لم تكن تلك القوانين ثابتة و انما تحولت و تطورت حسب مراحل التطور التي شهدها المشروع عبر تاريخه. إنها لم تكن مرتبطة بتلبية احتياجات التنظيم في المشروع فحسب و انما و بنفس القدر او اكثر قد ارتبطت بالظروف و بالتحولات السياسية التي شهدها السودان.
سنشير اجمالاً للقوانين التي نظمت العمل في مشروع الجزيرة مع التركيز بشكلٍ خاص علي آخر تلك القوانين و هو قانون العام 2005م. و يمكن تتبع تلك القوانين كما يلي/ منذ البداية قام المشروع و خضع لبنود اتفاقية 1925م التي تمت بين ادارة الحكم الثنائي و شركة السودان الزراعية.و التي اوضحت حقوق و واجبات كل طرف. في العام 1926م صدرت اتفاقية الاجارة بين شركة السودان الزراعية و المستأجرين (الزراع)، و تمّ تطويرها في العام 1936م. و اعقبها في العام 1927م صدور قانون اراضي الجزيرة و الذي بمقتضاه تمت الإجارة القسرية لاراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة ، والذي حلّ مكان قانون العام 1921م.
و كذلك صدر قانون مشروع الجزيرة للعام 1950م، حيث انتقلت بموجبه ادارة مشروع الجزيرة من شركة السودان الزراعية الي ادارة مشروع الجزيرة. و بعده صدر قانون للعام 1960م لتقنين اضافة امتداد المناقل ليصبح جزءاً من مشروع الجزيرة. و تلك هي الفترة التي شهد فيها مشروع الجزيرة توسعاً كبيراً في مساحته و زيادة في عدد زراعه، و بالطبع اثر ذلك في سير تطور المشروع في جوانب عدة اقلها قوة و اتساع نفوذ اتحاد مزارعي الجزيرة و المناقل.
و في العام 1984م صدر القانون الذي قنن الحساب الفردي الذي طُبِق عملياً في العام 1981 م، عند الغاء الحساب الجماعي. و يعتبر الغاء الحساب الجماعي المشترك واحداً من التحولات المؤثرة في مسار المشروع. اثار ذلك التحول جدلاً واسعاً إن كان داخل مشروع الجزيرة و بين اطرافه او خارجه.
اما آخر قانون صدر بشأن تنظيم العمل في مشروع الجزيرة فهو قانون مشروع الجزيرة للعام 2005م و الذي وافق عليه و اجازه البرلمان الحالي اي المجلس الوطني. و سيكون الجزء الخامس من هذه السلسلة مكرس لعرض و تناول ذلك القانون.

5- دور مشروع الجزيرة في التحول الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي في السودان/

إن الحديث في هذا الجانب فيما يخص المشروع ـ و الاشارة لدكتور سلمان ـ شائك و معقد و طويل، حيث ان استجلاءه قد يحتاج الي جهودٍ متضافرة، كذلك، من ذوي الاختصاصات في حقول الاقتصاد، علم الاجتماع و علوم السكان و غيرها. و في هذا الصدد اود إضاءة الحقائق التالية/ اولاً/ احدث مشروع الجزيرة طفرة كبرى في المناحي الاقتصادية و الاجتماعية بمنطقة الجزيرة. و ساهم كذلك مساهمة بينة في الاقتصاد السوداني ككل حتى بداية السبعينيات من القرن المنصرم.
ثانياً/ صار المشروع قبلة للسودانيين من كل انحاء البلاد، و بل من دول غرب افريقيا حيث اصبح بالتالي نقطةً للتداخل بين هذه المجموعات المختلفة.
ثالثاً/ ساهم المزارعون و العاملون بالمشروع من موظفين و عمال في إرساء العمل النقابي في السودان و تطويره ليساهم بشكل فاعل في نيل السودانيين لاستقلالهم، حيث نفذ العمال و الموظفون اضراب العام 1941م و كذلك نفذ المزارعون اضراب العام 1946م بواسطة تنظيمهم المعروف بـ “جمعية المستأجرين بالجزيرة” و ذلك، بالطبع، قبل ان يتحول تنظيم المزارعين ليعرف بـ “اتحاد مزارعي الجزيرة و المناقل” كما هو الآن. كان شيخ احمد بابكر ازيرق اول رئيس لجمعية المستأجرين ، في حين ان شيخ الامين محمد الامين كان اول رئيس لاتحاد المزارعين.
لعب اتحاد المزارعين ( لاحظ انه لم يحمل اسم اتحاد المستأجرين) دوراً رائداً في ثورة اكتوبر 1964م ، و الذي علي اثره كان ان أُختير شيخ الامين محمد الامين وزيراً لحقيبة الصحة في حكومة اكتوبر 1964م. و قد كان في ذلك اعترافٌ واضحٌ بدور المزارعين في انجاز ذلك التحول السياسي الذي انتظم البلاد وقتها.
هكذا كان مشروع الجزيرة و بكل قطاعاته دائماً في قلب التحولات التي شهدها السودان، و قد اهله لذلك الموقع ليس فقط العمل النقابي القوي الذي كانت تقوم به قيادات المزارعين و العمال و الموظفين ، و انما اهله ايضاً السند الحقيقي الذي كان يقدمه لدعم الاقتصاد الوطني في كل عمومه. اعقب ازدهار المشروع تدهورٌ بدأت بوادره تلوح في مطلع السبعينيات من القرن الماضي. و هو تدهورٌ قعد بالمشروع من ان يلعب ذلك الدور الذي كان ان قام به و لعقودٍ من الزمن.
كانت هنالك اسباب كثيرة وراء ذلك التدهور. و سيكون ذلك هو محل تناولنا في الجزء القادم.

الجزء الرابــع

تــدهــور المشــروع و اسبـابه/

بدأ مشروع الجزيرة، تاريخياً ، يشهد تدهوره الملحوظ منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. ادى ذلك التدهور الي تفاقم المشاكل التي كانت موجودة اصلاً، ثم ان هناك مشاكل اخرى استجدت علي اثره مما سارع في وتيرة تراجع المشروع و علي كل المستويات. و ما تكوين اللجان المختلفة و في الفترات التاريخية المختلفة الا دليل علي احساس الحكومات المتعاقبة، و القائمين علي امره بخطورة الوضع السيئ الذي يواجهه المشروع.
كانت هناك عدة اسباب وراء تدهور مشروع الجزيرة و التي يمكن تلخيصها فيما يلي/
اولاً/ ان عمليات صيانة قنوات الري كانت متخلفة و دون التحدي الذي كانت تفرضه مشكلة الطمئ الوارد من الهضبة الاثيوبية و بكميات كبيرة، حيث بدأ يتراكم في القنوات المختلفة مما ادى الي تكاثر الحشائش و بالتالي اثر علي اداء تلك القنوات و أدى في النهاية الي ضعف أدائها في عملية الري.
ثانياً/ أثّر وجود الطمئ أيضاً علي أداء خزاني سنار و الروصيرص، حيث فقدا نصف طاقتيهما التخزينية بسببه. و هنا لابد من الإشارة الي الأثر السلبي لاحتدام التنافس علي استغلال مياه خزان الروصيرص بين الاستعمالات لاغراض الري و الاستعمالات لأجل توليد الطاقة الكهربائية إذ أن الخزان لم يكن، في الأصل، مصصماً لاداء الاثنين معاً.
ثالثاً/ كان لزيادة اسعار المحروقات عالمياً، و التي بدأت في العام 1973م، آثاراً واضحة علي المدخلات الزراعية و الوقود حيث فشلت الحكومة في توفير العملة الصعبة لأجل إستيرادها. رابعاً/ أدت زيادة الانتاج من القطن في آسيا الوسطى و الصين و الهند الي تدني أسعاره عالمياً. و قد كان لذلك أثره علي دخل المشروع من محصول القطن.
خامساً/ أدت الزيادة الكبيرة في تكاليف الانتاج الي إضعاف رغبة المزارعين في الزراعة مما أدّى الي هجرة عددٍ كبيرٍ لها و كذلك الي توقف الكثيرين منهم عن العمل فيها.
سادساً/ تحت هذه الظروف غير المواتية لم يؤد التغيير من نظام الحساب الجماعي المشترك الي الحساب الفردي للنتائج المتوقعة، خاصة و أنه كانت هناك أصلاً ليس فقط تحفظات و إنما معارضة من عددٍ من المزارعين لذلك.
سابعاً/ دخل المشروع عملياً فيما يسمى بالحلقة المفرغة او الدائرة الجهنمية، و التي تبدأ بالري الضعيف الذي يساهم فيه الاداء الضعيف لشبكة الري و عدم اشراك المزارعين في عملية الري. وذلك الري الضعيف يؤدى بالتالي الي تدني الانتاج و الذي ينعكس بدوره في مداخيل منخفضة و غير مجزية مما يتسبب في تفشي حالة من عدم الرضا بين المزارعين، هذا من جانب ،اما من الجانب الآخر فإنه يودي الي عجز في استرداد تكاليف الري و بالتالي الي ضعف تمويل الصيانة و التشغيل ، و معلومٌ ان عدم القيام بالصيانة و ضعف التشغيل لا يؤديان في نهاية الامر إلا الي وجود شبكة للري متهالكة ، و دون وظيفتها مما يؤدي الي ضعف عملية الري، و من هنا تبدأ الحلقة الشريرة في التكرار و الدوران الجهنمي!!!.
ثامناً/ التخبط في السياسات الزراعية و قصر فترات وزراء الزراعة و مديري المشروع زاد الوضع سوءاً. في فترة السبعينيات كان متوسط فترة خدمة وزير الزراعة عام و احد، كما و اننا نجد انه و منذ العام 1955م تعاقب علي المشروع عشرون محافظاً و مديراً عاماً بالاضافة الي عددٍ كبيرٍ من المديرين بالانابة.
تاسعاً/ لم تؤد محاولات اعادة تاهيل البنية التحتية للمشروع في العام 1983م الي نتاشج ايجابية بسيبب غياب الاصلاح المؤسسي.
جرت عدة محاولات في التصدي لتدهور المشروع، و كونت عدة لجان و في فترات مختلفة كما اسلفنا. و قد اعتمدت تلك اللجان بشكلٍ اساسٍ علي كتاب آرثر جيتسكل ” الجزيرة ـ قصة تنمية في السودان”، و الذي صدر في عام 1959م و لكنه ما زال المرجع الاساس لقصة قيام و تطور مشروع الجزيرة. و من اهم تلك اللجان و التقارير/
(1) تقرير محطة أبحاث الجزيرة الذي صدر عام 1963م و تناول بشكلٍ اساسٍ القضايا المتوقع حدوثها بعد إكتمال العمل في إمتداد المناقل.
(2) تقرير البنك الدولي لعام 1966م و الذي أُطلق عليه “تقرير ريتس” إشارةً الي السيد “ليونارد ريتس” رئيس فريق العمل الذي أعدّ التقرير.
(3) تقرير “اللجنة العاملة لمشروع الجزيرة” لعام 1967م. و قد ترأس تلك الجنة الدكتور حسين ادريس و قد ساهم معه في إعداد التقرير البروفيسر سمسن أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة ليدز بالمملكة المتحدة.
(4) تقرير البنك الدولي لعام 1983م، و الذي تمّت بموجبه إعادة تأهيل مشروع الجزيرة بقروض ميسرة من البنك الدولي و الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الحكومتين الايطالية و اليابانية. و قد كان شرط المانحين لتقديم عونهم إصدار قانون مشروع الجزيرة لعام 1984م، و هذا ما حدث.
(5) التقرير الوزاري في العام 1993م الذي جاء إثر التحولات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة في تلك الفترة.
(6) تقرير لجنة عام 1998م، و التي ترأسها الدكتور تاج السر مصطفى، و قد تعرضنا لهذا التقرير في الحلقة الاولى، و قد أوصى ذلك التقرير بقيام شركة مساهمة تؤول إليها ملكية مشروع الجزيرة.
(7) تقرير الفريق المشترك بين البنك الدولي و حكومة السودان لعام 2000م، و الذي أعقبه صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م.
(8) تقرير لجنة الإصلاح المؤسسي لمشروع الجزيرة برئاسة الدكتور عبدالله احمد عبدالله لعام 2004م.
(9) تقرير ورشة العمل الاولى التي انعقدت عام 2004م حول مسودة قانون مشروع الجزيرة.
(10) تقرير ورشة العمل الثانية التي ترأسها الدكتور مامون ضوء البيت ، و التي إنعقدت عام 2005م حول تطبيق قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م.
(11) تقرير لجنة عام 2007م ، و التي ترأسها الدكتور عبد الوهاب عثمان . وقد ناقش تقريرها المعوقات التي تقف في طريق تنفيذ قانون العام 2005م.

و نسبةً للطبيعة الصُحفية لهذا العرض و لضيق المساحة لن نعرض بالتفصيل لكل التقارير، و لكنا سنكتفي بالقاء بعض الضوء علي ثلاثة منها.

اولاً/ تقرير “ريتس” لعام 1966م:

كان البنك الدولي قد موّل بعض تكلفة البنية التحتية و الآليات و الدراسات الخاصة بامتداد المناقل عام 1960م. و موّل ايضاً الجزء الاكبر من تكلفة خزان الروصيرص عام 1961م بعد توقيع اتفاقية مياه النيل في العام 1959م. و عليه فقد وافق البنك الدولي علي الطلب الذي قدمته حكومة عبود في اوائل العام 1964م لدراسة مسألة التركيبة المحصولية لمشروع الجزيرة، إضافة الي الي تكوين و تحديد صلاحيات مجلس ادارة مشروع الجزيرة. و قد واصلت اللجنة اعمالها بعد قيام ثورة اكتوبر 1964م، و اصدرت تقريرها في العام 1966م. و قد عمل مع فريق البنك الدولي مجموعة من الخبراء السودانيين علي رأسهم البروفيسر “النذير دفع الله” مدير جامعة الخرطوم وقتها.
ركّز التقرير عموماً علي علاقات الانتاج داخل المشروع، و انتقد بشدة نظام الحساب الجماعي وقتها، و أشار إلي أن نظام الشراكة يقلل كثيراً من حوافز الانتاج بالنسبة للمزارع. و قد إقترح التقرير إدخال حرية إختيار المحاصيل. و لكن هذه التوصية رُفِضت بشدة بواسطة الحكومة و إدارة المشروع. اقترح التقرير ايضاً إدخال تجربة تربية الحيوان بالمشروع، و كذلك تنظيم المزارعين في جمعيات تعاونية.

ثانياً/ تقرير لجنة د. حسين إدريس:

إتفقت هذه اللجنة مع لجنة البنك الدولي في مقترح حرية اختيار المحاصيل و رأت ايضاً ان صغر مساحة الحواشة ليس اقتصادياً و أن الحيازات الكبرى أقل تكلفةً من الصغرى. و اقترحت اللجنة تجميع الحيازات في منطقة واحدة للمزارع الواحد، و رفع الحد الادنى بالنسبة للحيازة، كما و اقترحت أيضاً إلغاء نظام الشراكة و الاستعاضة عنه برسوم سنوية علي الارض. و اوصت اللجنة ايضاً بادخال اللامركزية في ادارة الاقسام، و اعطاء كل قسم الصلاحيات في ادارة العمليات الزراعية.

ثالثاً/ تقرير البنك الدولي لعام 2000م:

أعدّ هذا التقرير فريق العمل المشترك بين البنك الدولي و حكومة السودان. أشار التقرير إلي ضرورة الإجماع حول رؤية محددة عن البنية المستقبلية و التشغيلية لمشروع الجزيرة.و قد ورد في التقرير ما يلي/
” إن الرؤية لمشروع الجزيرة في هذا التقرير هي أنه سوف يصبح مركزاً لنشاط إقتصادي و إجتماعي متزايد حيث يكون القطاع الخاص قد قام بالإستثمار و إنشاء مؤسسات لمقابلة متطلبات خدمات الإنتاج الزراعي للمزارعين. و تشمل الرؤية في نهاية المطاف إنشاء سلطة مستقلة ذات إدارة خاصة تقوم بتشغيل المشروع بربح. و سوف تقوم سلطة المشروع بجعل المسئوليات عن بعض النشاطات الإدارية لا مركزية تتولاها مجموعات المزارعين ذات الكفاءة. أما مسئوليتها (بالتعاون مع الوزارات المختصة مثل وزارة الري و الموارد المائية، وزارة الزراعة و الغابات و هيئة البحوث الزراعية) فهي أن تقوم بتنظيم عملية تقديم مجموعة أساسية من الخدمات المؤسسية مثل الري، الإرشاد الزراعي و توفير و نشر المعلومات عن السوق للمزارعين علي أسس بيئية مستدامة. أخيراً فان سلطة المشروع بالتعاون مع حكومة الولاية سوف تضمن تقديم خدمات إجتماعية أفضل لكافة أعضاء مجتمع الجزيرة.”
و قد جاء في التقرير أيضاً ” أن النتيجة الرئيسية التي توصل إليها التقرير هي أن مشاكل المشروع يمكن معالجتها بنجاح و لهذا فإن الرؤية التي وصفت أعلاه يمكن تحقيقها عبر شراكة بين القطاع العام و القطاع الخاص”. و في توضيح أمر هذه الشراكة ورد في التقرير،” أن مشروع الجزيرة كمؤسسة عامة يستطيع زيادة فعاليته بدرجة كبيرة إذا ركز علي بناء و صيانة البنيات التحتية الرئيسية، التخصيص العام ( بالتشاور مع مجموعات من المزارعين) للمنطقة المروية لدورات المحاصيل المختلفة، توزيع مياه الري عن طريق القنوات الرئيسية لمقابلة الطلب علي المياه، و تقديم مجموعة خدمات أساسية مساندة للمزارعين مثل الإرشاد الزراعي، و معلومات عن السوق للسلع المنتجة في مشروع الجزيرة.
إن القطاع الخاص (و بالتحديد مجموعات المزارعين و رجال الاعمال الآخرين) يمكنه المساهمة في الكفاءة الإجمالية و عدالة المشروع و ذلك بقيامهم بتحمل المسئوليةالأساسية (عن طريق مجموعات مستخدمي المياه) عن قرارات مجموعات المزارعين حول دورات المحاصيل المفضلة، توزيع المياه عن طريق الترع الصغيرة لإشباع مطالب مجموعات المزارعين لإستخدام أمثل للمياه و إسترداد فعال لتكاليف الري و كذلك تقديم خدمات مثل الحراثة و مبيعات السماد.”
و لتنفيذ تلك الإستراتيجية أشار التقرير إلي ضرورة إتخاذ جملة خطوات تتعلق بقيادة العمل في المشروع، العون الإداري، توفير الكميات الكبيرة من المياه، تحفيز القطاع الخاص، حرية إختيار المزارعين للمحاصيل، تسويق الأقطان و كذلك إتاحة الفرصة للمزارعين في بيع و شراء حقوق الملكية داخل المشروع. و في شأن التغييرات المشار إليها أعلاه يقول التقرير،” هي تغييرات مؤسسية في المدى المتوسط و الطويل الأجل بالرغم من أن التنفيذ يمكن ان يبدأ نسبياً بسرعة. رغم كل ذلك فإنه من الضروري تحسين فعالية و كفاءة المشروع باسرع ما يمكن. و توصل الفريق المشترك إلي أن ذلك يمكن فعله بتطبيق مجموعة من الأفعال القصيرة الأجل لتحسين الحافز للمزارعين و إدارة مشروع الجزيرة مما يؤدي إلي تحسن يكاد يكون فورياً في الأداء التقني و تدفقات الدخل. و هناك دعم قوي لهذه الأعمال بين إتحاد مزارعي الجزيرة و المناقل، إدارة مشروع الجزيرة و الإداريين من الحكومة.”
و من توصيات التقرير/
” تحديد سياسة الحكومة: 1- عملية إتخاذ القرارات و التشاور: نظراً للمشاركة الكبيرة لموظفي الخدمة المدنية في إعداد هذا التقرير يوصي بأن تصدر الحكومة قراراً حول مبادئ و أسس سياسة الإصلاح المؤسسي في مشروع الجزيرة لكي تحرك عملية التشاور و التخطيط لتطبيق الإصلاحات. يوصي الفريق المشترك بأن عملية الإصلاح السياسي و المؤسسي بمشروع الجزيرة يجب أن تتضمن مشاركة مكثفة من أصحاب المصلحة بما في ذلك حكومة الولاية.
2- توصية أساسية:
يوصي التقرير بأنه في المدى القصير و المتوسط يجب أن تستمر الحكومة في الإتجاه في السنوات الأخيرة نحو تحويل العديد من مهامها للقطاع الخاص. يجب إقامة شراكة تكون فيها إدارة مشروع الجزيرة مسئولة عن بناء و صيانة منشئات البنية التحتية الرئيسية و أن يسمح لروابط مستخدمي المياه بأن تكون مسئولةً عن إدارة المياه في الترع الصغيرة و تقديم خدمات معالجة الإنتاج. و في المدى البعيد يجب أن يصبح مشروع الجزيرة هيئة مستقلة لا تربطها صلات رسمية بالحكومة.”
و يرى التقرير أن هناك خطوات لابد من إتخاذها في المستقبل المنظور/
” اولاً: قرار من الحكومة حول الرؤية المتوسطة و الأبعد مدى و التي سوف تصبح سياسة الحكومة.
ثانياً: قرار من الحكومة حول النتائج التي توصل إليها الفريق المشترك ، حول التغيير المؤسسي لتحقيق تلك الرؤية و حول أي موجهات ترغب في وضعها حول مسائل مثل السياسة العامة و توقيت و تسلسل عملية التغيير المؤسسي.
ثالثاًً: أن تعين الحكومة هيئة تكون مسئولة عن تنفيذ هذه السياسة. توصل الفريق المشترك إلي أن مجلس ادارة مشروع الجزيرة هو الهيئة المناسبة و يجب أن يساعده فريق عون إداري. رابعاً: أن تؤكد الحكومة بأن اللجنة الوزارية الموجودة لتنفيذ مشاريع الري سوف تكلف بمسئولية مراجعة تقدم تنفيذ قرارات الحكومة الخاصة بسياستها تجاه مشروع الجزيرة كجزء من إلتزامات اللجنة الوزارية الدائمة.
خامساً: يجب أن تخصص الحكومة اموالا ً لتمويل أعمال الهيئة المكلفة بتطبيق قرارات الحكومة و إستكشاف مصادر تمويل للدراسة التفصيلية عن تكلفة و فوائد تاهيل البنية التحتية لمشروع الجزيرة.
سادساً: أخيراً يجب أن يكون هناك نشر واسع لقرارات الحكومة حول سياسة المشروع بين المزارعين و أيضاً مجتمع الجزيرة الواسع و إنشاء إطار للتشاور المستمر حول الخطط المستقبلية للتغييرات المؤسسية و الإدارية في مشروع الجزيرة مع أصحاب المصالح و يشمل ذلك حكومة ولاية الجزيرة.”
و قدم التقرير العديد من التوصيات حول العديد من جوانب البنية التحتية للمشروع.
في ختام هذا الجزء من الندوة لابد من الإشارة إلي حقيقة أنه أصبح واضحاً من محاولات التصدي لمشاكل مشروع الجزيرة و من خلال تكوين اللجان و تقديم الدراسات المتعددة أن قضايا هذا المشروع كبيرة و معقدة، و أنها تحتاج إلي جهدٍ أكبر و تبني سياساتٍ معقولة تؤدي في مداها البعيد إلي إستقرار المشروع و إستقرار العلاقة بين كل أطرافه، زراعاً ، إدارةً و حكومةً. و في ضوء ذلك سيكون تناولنا لقانون العام 2005م في الجزء القادم.

الجزء الخامــس

قانـون مشروع الجزيرة للعام 2005م

الملامح الاساسية للقانون/

يعتبر صدور قانون مشروع الجزيرة فى يوليو عام 2005 من أهم التطورات التي شهدها مشروع الجزيرة منذ انشائه، ان لم نقل أنه أهم تطورٍٍٍٍٍٍٍ فى تاريخ المشروع. فقد أدخل هذا القانون تغييرات جذرية على وضعية المشروع و على نمطى الانتاج و الادارة بالمشروع. الغى هذا قانون و حلّ محل قانون 1984م، كما الغى ايضاً قانون اراضي الجزيرة لعام 1927م.
يُعرِف القانون فى المادة 4 مشروع الجزيرة بانه مشروعٌ اقتصادي و اجتماعي ذو نشاطٍ متنوع، يتمتع برعاية قومية للتنمية، وله شخصية اعتبارية مستقلة ادارياً و مالياً و فنياً و صفة تعاقبية مستديمة وخاتم عام وله حق التقاضى باسمه. كما أكّد القانون ملكية الدولة ـ ممثلة في وزارة المالية و الاقتصاد الوطنى ـ لأصول المشروع. و حدد تكوين المشروع من (1) المزارعين (2) الحكومة ممثلة فى وحداتها التى تقدم الخدمات الأساسية ومن ضمنها الرى والسلع العامة التى تشمل البحوث و وقاية النباتات والتقانة و الارشاد و الدراسات الفنية و التدريب اضافةًًً الى الادارة الاشرافية و التخطيط، و (3) القطاع الخاص بما يقدمه من خدمات تجارية مساعدة.
سنّ القانون عدداً من المبادئ الاساسية المهمة، يمكن تلخيصها في الآتي/

المبدأ الاول

هو مبدأ حرية اختيار المحاصيل الذى تضمنته المادة (5) الفقرة (هـ) من القانون، حيث اوردت،”كفالة حق المزارعين في ادارة شأنهم الانتاجي و الاقتصادي بحرية كاملة في اطار المحددات الفنية و استخدام التقانة للارتقاء بالانتاجية و تعظيم الربحية منها”. هذا النص يحتوي علي اهمية خاصة . فهو يعني ببساطة الآتي/
اولاً: فك الارتباط التاريخي بين مشروع الجزيرة و انتاج محصول القطن. ثانيا:ً انهاء الحلقة الاساسية في علاقات الانتاج داخل المشروع بين المزارعين و ادارة مشروع الجزيرة والتى تمثلت فى زراعة القطن و الاشراف عليه و تمويله. و هذا بالطبع تحولٌ كبير و جذري، و هو بلا شك اكبر تحول يمر به المشروع منذ انشائه قبل ثمانين عاماً. و رغم ان القانون كان ان صدر في العام 2005م، إلا ان تطبيق هذا المبدأ لم يتم حتى موسم 2007 ـ 2008م، كما سياتي ذلك لاحقاً في هذا المقال.
كان هذا التحول مثاراً للجدل و الخلاف حيث انتقده البعض، بل و رفضوه، باعتبار انه ينهي الدور التاريخي للمشروع في زراعة القطن، هذا من الجانب الاول، و يلغي، من الجانب الثاني، دور الدولة في تحديد اولوياتها بالنسبة للمحاصيل التي سوف تتم زراعتها، اما من الجانب الثالث فإنهم يرون ان هناك مخاطرة في زراعة محاصيل قد يكون المشروع غير مهيأ لها. واما علي صعيد المرحبين به فإنهم اولاً يرون ان المستأجر في المشروع ولأول مرة يتحول الي مزارع له حرية اتخاذ القرار فيما يريد زراعته و تحمل تبعات ذلك كاملةً. ثانياً، إنه ينهي الامتياز القسري لمحصول القطن، اما ثالثاً فإنه يضع حداً للنظام السلطوي لادارة المشروع بواسطة مجلس الادارة الذي درج علي تحديد المحاصيل و تمويل القطن و الاشراف العام عليه.

المبدأ الثاني

الذي اقره القانون في المادة (16)، هو تمليك الاراضي للمزارعين. و في هذا الشأن وردت ثلاث معالجات كما يبين من الفقرة (2)، و هي/
“أ. المزارعون أصحاب الملك الحر الذين خُصصت لهم حواشات بموجب تلك الملكية تسجل لهم تلك الحواشات ملكية عين بسجلات الأراضي.
ب. الملاك الذين لم ُتخصص لهم حواشات عند التفريقة والذين لهم فوائض أرض وفق الفقرة (أ) تؤول أراضيهم للمشروع مع تعويضهم تعويضاً عادلاً.
ج. يملّك بقية المزارعين في المشروع من غير أصحاب الملك (الحواشات) التي بحوزتهم ملكية منفعة لمدة تسعة وتسعين عاماً.”
واضحٌ ان هذه المادة قد انهت الايجار القسري للاراضي الملك الحر ، و قامت بتمليك الاراضي بالمشروع للمزارعين إما ملكية عين او ملكية منفعة. كما و انها قضت بنزع الاراضي من غير المزارعين و تعويضهم تعويضاً عادلاً. هذا هو الآخر تحولٌ جذري ينهي الاجارة القسرية التي استمرت ثمانين عاماً، غير انه ما زال تطبيق هذه المادة بعيد المنال و ذلك لمطالبة المالكين بمبالغ ضخمة تمثل كل من اولاً الايجار منذ عام1972م و ثانياً التعويض عن اراضيهم. و في صدد الايفاء بدفع هذه المبالغ ، ترى وزارة المالية انه يجب علي إدارة مشروع الجزيرة و المزارعين القيام بذلك. و لكن الواقع ان ادارة المشروع تغالب صعوبات حقيقية في دفع استحقاقات العاملين، كما و ان المزارعين ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بدفع هذه المبالغ.

المبدأ الثالث

هو اعطاء المزارع الحق في التصرف في الحواشة بالبيع او الرهن او التنازل وفق الموجهات التى يضعها المجلس. و قد ورد هذا المبدأ في المادة (17) و اثار الكثير من الجدل حيث اعتبره البعض امتداداً لحرية المزارع في ترك الزراعة ببيع حواشته و من ثمّ التحول الي عملٍ آخر ان أراد ذلك. كما رأى البعض ان ضمان حق الرهن يقتح امكانيات تمويل كبيرة للمزارعين. من جانبٍ آخر هناك منْ رأى ان اقرار مبدأ كهذا سيشجع المزارعين علي هجر الزراعة و سيؤدي بهم الي خسارة اراضيهم المرهونة في حال عجزهم عن سداد ديونهم.
لابد من الاشارة هنا الي امرين الاول هو ان تطبيق هذا المبدأ لم يتم بعد لان نقل ملكية الارض للمزارعين لم يتم بعد هو الاخر، اما الامر الثاني فهو ان ملكية الحواشة قد تمّ تقييدها بشروطٍ محددة فى المادة 16 من القانون نفسه تلخصت في استغلال الحواشة لاغراض الزراعة فقط، عدم تفتيت الملكية و اخيراً في حالة بيع الحواشة او التنازل عنها يتم تطبيق احكام الملكية بالشفعة.

المبدأ الرابع

وهو انشاء روابط مستخدمي المياه لادارة و صيانة وتشغيل قنوات الحقل بالمشروع. و هذا المبدأ اقرته المادة (19) حيث نصت، “(أ) تُنشأ روابط لمستخدمي المياه تحت إشراف المجلس على مستوى المشروع تمثل الإدارة الذاتية للمزارعين ذات شخصية اعتبارية وتسلَّم لها مهام حقيقية في إدارة استخدامات المياه بالتعاقد مع وزارة الري والموارد المائية في مجال الإمداد المائي والاستشارات الفنية.”
“(ب) تنشئ وزارة الري والموارد المائية إدارة خاصة لري مشروع الجزيرة.”
تعرضت فكرة روابط مستخدمي المياه الي نقدٍ عنيف، و من ضمن ما قُدم في ذلك النقد اولاً ، انها فكرة غريبة علي السودان و لم تطبق من قبل فى أى مشروع زراعى. ثانياً، انها فكرة تخص و ترتبط بالدول التي تعاني من شح المياه و مصادرها. ثالثاً، ان تطبيقها يلغي دور وزارة الرى و مجلس الادارة و يحيله الي المزارعين. و رابعاً، إن المزارعين غير مؤهلين للقيام بهذا الدور. و من ضمن النقد أن هذه الروابط تخلق وسيطاً جديداً بالاضافة الي وزارة الري و مجلس الادارة، و أنها ستؤدى ً الي فصل الشبكة الصغرى عن الشبكة الكبرى.
حريٌّ بالاشارة، ان فكرة روابط او اتحادات مستخدمي المياه ترجع في بروزها الي سبعينات القرن الماضي و قد تمّ تطبيقها في عدة اقطار من العالم. تعتبر الدراسة التي قدمها دكتور سلمان محمد احمد سلمان ـ ” الاطار القانوني لاتحادات مستخدمي المياه”ـ و التي قام البنك الدولي بنشرها في عدة لغات – واحدةً من الدراسات المقارنة القليلة التي تناولت تلك الفكرة. فالبرغم من ان الدراسة كان ان عالجت الاطار القانوني لروابط و اتحادات مستخدمي المياه، الا انها و من ضمن ما خلصت له هو ان مشاركة المزارعين عبر اتحادات مستخدمي المياه المنتخبة ديمقراطياً و المسجلة كشخصية اعتبارية قانونية في ادارة و تشغيل و صيانة اجزاء من انظمة الري، قد ادت فعلياً الي الآتي/
1- الاستخدام المرشد للمياه و الذي ادى و بالنتيجة الي وفورات فيها.
2- ازدياد امكانية الصيانة الجيدة لمرافق الري.
3- تقليل تكلفة التشغيل و الصيانة بصورةٍ كبيرة.
4- وضع الحد لمركزية تقديم الخدمات.
5- تمليك المزارعين و تمكينهم من صلاحيات ادارة شئونهم.

اشار مقدم الندوة الي نتائج دراسة اخري قام بنشرها في العام الماضي تحت عنوان ” الاطار القانونى لادارة الموارد المائية”. تبين من نتائج تلك الدراسة ان هناك اربعة عشر دولة من ضمن الستة عشر دولة التي شملتها الدراسة قد قامت بتبني فكرة “اتحادات مستخدمي المياه” و طبقتها بصورة مكثفة و تأكد نجاحها في تحقيق اهدافها، وأن الاصلاح المؤسسى فى قطاع الرى فى معظم أنحاء العالم قد تبنى فكرة انشاء روابط مستخدمى المياه. بل ان بعض الدول قد شكلت اتحادات لهذه الروابط وأناطت بها مسئولية تشغيل و صيانة القنوات الكبرى و الرئيسية، وأنه فى دولة شيلى قامت هذه الروابط بشراء القنوات والخزانات من الدولة وتقوم بادارتها كمالك وليس فقط تحت عقد ادارة.
نصّ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م في المادة 28.(4) علي ان ” يتم تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمي المياه بعد تأهيلها”. ولكن، و بما ان التاهيل لم يتم بعد فإن انشاء الروابط و تسليم قنوات الحقل لها لم يتم بعد هو الآخر.

المبدأ الخامس:

تقليص دور مجلس الادارة: تعرض القانون لتشكيل و تحديد اختصاصات و سلطات مجلس ادارة مشروع الجزيرة. ويتكون المجلس من رئيس يعينه رئيس الجمهورية وأربعة عشر عضواً. و يُمثل المزارعون فى المجلس بنسبة لا تقل عن 40% من عضوية المجلس. و يشمل المجلس أيضاً ممثّل للعاملين بالمشروع و ممثلين للوزارات المختصة (تشمل المالية، الزراعة، الرى، التقانة، بنك السودان، و وزارة الزراعة باقليم الجزيرة.) قلص القانون دور المجلس تقليصاً واضحا, و تتضمن المادة 9ً اختصاصات مجلس الادارة والتى تتلخص فى:
(‌أ) وضع الأسس العلمية للدراسات البحثية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لحسن استخدام موارد المشروع لتحقيق أعلى معدلات ربحية ممكنة.
(‌ب) وضع السياسات التشجيعية العادلة لتنفيذ سياسات الدولة الإستراتيجية للمحاصيل الزراعية.
(‌ج) إدارة وتطوير الخدمات الأساسية المتمثلة في البحوث ووقاية النباتات والتقانة والإرشاد وإكثار البذور والتدريب والطرق الداخلية.
(‌د) إرساء نظام تكافلي يسمح بتعويض المزارع المجد حال تعرضه للآفات والكوارث الطبيعية.
(‌ه) وضع المحددات الفنية للتركيبة المحصولية والدورة الزراعية.
(‌و) اعتماد الخطط والبرامج المرفوعة من المدير العام (و الذى يقوم بتعيينه المجلس).
(‌ز) تحديد فئة خدماته التي يؤديها بالتنسيق والاتفاق مع الجهات المختصة ويتم تحصيلها من المزارعين بواسطة روابط مستخدمي المياه.
يتضح من هذا العرض أن دور المجلس قد تقّلص و ينحصر فى البحوث و الاستشارات و الدراسات و وضع السياسات الزراعية، و أن عليه أن يتحصل على فئة خدماته من المزارعين. كما تجدر الاشارة أيضاً الى أن الغاء نظام زراعة القطن القسرية أدىً الي التقليل من اعتمادات المجلس المالية بسبب تناقص دخل المجلس من عائدات تمويل محصول القطن و المدخلات الزراعية.

هذه هى المبادئ الخمسة الأساسية التى يرتكزعليها القانون. و لابد من الاشارة هنا الي انه من بين هذه المبادئ لم يتم غير تطبيق مبدأ حرية اختيار المحاصيل، و الذي طُبِق في هذا الموسم 2007م/2008م. وبمقارنة بينه و الموسم السابق 2006م/2007م نجد ان المساحة المزروعة قطناً قد تقلصت الي حوالى 90 الف فدان هذا الموسم بدلاً عن حوالى 250,000 فدان في الموسم السابق، بينما زادت المساحة المزروعة قمحاً لتصل الي حوالى 427,000 فدان و قد كانت حوالى 294,000 فدان في الموسم الماضي. و هذا الابتعاد الكبير عن زراعة القطن لا بد أن يكون مؤشراً على تجربة المزارعين مع محصول القطن من النواحى الاقتصادية و الفنية و الادارية و غيرها من المناحى.
كذلك تم اعادة تشكيل مجلس الادارة حسب مقتضيات المادة 6 من القانون. و يُلاحظ أن وزير الزراعة لم يعد رئيساً للمجلس وهذا تأكيدٌ للوضع الذى ساد فى السنوات الخمس الماضية وألغى رئاسة وزير الزراعة للمجلس والتى كانت قد تضمنتها القوانين السابقة للمشروع.
تبقى مسألة ادارة المياه و قضية الأراضى و كذلك المشاكل و العقبات التى تقف فى وجه تطبيق و تفعيل القانون، وهذا ما سنتعرض له فى الحلقة القادمة والاخيرة من هذه السلسلة من المقالات.

الجزء السادس – الخاتمة

اوضحت الحلقات الخمس الماضيه أن مشروع الجزيرة مرّ خلال سنواته الثمانين الماضيه بعدّة مراحل. وقد انتظمت كل مرحلةٍ جوانبُ من التطورات و المتغيرات. و يمكن تقسيم هذه المراحل الي اربعة:

أولاً: مرحلة نشأة المشروع و تطوره – 1925 – 1950
تم خلال هذه المرحلة وضع القواعد الآساسية التي تنظم العمل بالمشروع و تقنن علاقات الانتاج به. و هذه العلاقات تميزت، فيما تميزت به، بالخلط بين نظامٍ رأسماليٍ و آخر اشتراكيٍ. برزالنظام الرأسمالي في تركيبة الشركة الزراعية السودانية وطريقة ادارتها للمشروع. فالشركة شركة مساهمة مسجلة فى الآسواق المالية فى لندن و لها آلاف المساهمين من مؤسسات وأفراد يملكون فيها أسهماً و يتوقعون عائداً وفيراً منها كل عام. لذا كان هم الشركة الأساسي تحقيق أكبر قدر من الأرباح ارضاءً لهؤلاء الساهمين. و قد كان هذا هو السبب الأساسي الذى جعل الشركة تحمّل الزراع تكلفة الانتاج بدلاّ من تحملها بواسطة الشركاء الثلاثة – الحكومة و الشركة و الزراع ــ، و تبذل قصارى جهدها فى تقليل تكلفة الانتاج و تعزيز أرباحها.
من الناحية الأخرى كان نظام العلاقات بين الزراع أنفسهم نظاماّ اشتراكياّ تكافلياً يتحمّل فيه الزراع كمجموعةّ تكلفة زراعة القطن و توزّع الأرباح عليهم بعد خصم التكلفة الاجمالية، و ليس الفردية، لزراعته. و لكن تحت هذا النظام استوى المزارع الدؤوب الجاد بنظيره الذى لا يملك نفس المقومات. اذن فقد كان اطار علاقات الانتاج اطاراً رأسمالياً و كان المضمون اشتراكياً تكافلياً. تميزت العلاقة أيضاّ ببعدٍ انضباطىٍ سلطوىٍ اشبه ما يكون بالنظام العسكرى. فالأوامر تصدر من موظفى الشركة للزراع في كل صغيرة و كبيرة تخص زراعة القطن بدءً باعداد الأرض، و استلام التقاوى و السماد، و متى تتم الزراعة و متى تتم ازالة الحشائش و كذلك أوقات الرى و الرش و استعمال السماد و المبيدات و متى يتم جنى القطن و تسليمه للشركة و استلام الأرباح، بعد خصم التكلفة. و ليس هنالك اشراكٌ للزراع فى تفاصيل أىٍٍٍ من هذه العمليات، وليس لديهم بديلٌ غير اطاعة هذه الأوامر. و لتأكيد هذا النمط السلطوى فقد أعطت اتفاقية الاجارة بين الشركة و المستأجر الحق للشركة فى القيام بأىٍ من هذه الأعمال اذا فشل أىٌ من الزراع فى القيام بها وتحميله التكلفة المالية كاملةّ، و قد إنعكست ممارسة ذلك الحق في تطبيق ما عُرِف بين المزارعين بنظام “الطُلبة”. بعد أعوام قليلة من ادخال هذا النظام السلطوى لزراعة القطن بالمشروع بدأت بعض الثقوب تظهر فيه – ماذا يحدث اذا كان العائد للزراع ضعيفاّ أو لم يكن هناك عائد بسبب قلة الانتاج أو ضعف الأسعار؟ جاءت الاجابة فى تليين ذلك النظام قليلاً باعطاء الزراع حق زراعة الذرة واللوبية فى مساحة صغيرة اخرى، و يكون الناتج كلّه حقاً للزراع، و لكن بدون تمويل من الشركة. فهذان المحصولان قُصِد منهما امتصاص عدم رضاء الزراع وايضاً تحسين التربة. و قد قامت الشركة أيضاّ فى أواخر الأربعينات بانشاء صندوق الاحتياطى لمساعدة الزراع فى السنوات العجاف. غير هذا فقد ظل النظام السلطوى لعلاقات الانتاج كما هو طوال هذه الفترة.
امتد هذا النظام السلطوى الي ادارة الأراضى أيضاّ. فملاك الأراضى الذين أُعطوا أراضيهم أو جزءاً منها كحواشات اُعطيت لهم هذه الأراضى تحت عقد اجارة نزع منهم كل حقوق الملكية، وأصبح هؤلاء الملاك أجراء لأرضهم تحدد لهم الشركة ما يجب أن يفعلوه فى أرضٍ هى ملكهم. و قد كان الغرض وراء هذا الاجراء الغريب وضع أراضى المشروع كلها من الناحية القانونية و العملية تحت ادارة و سيطرة الشركة و تجريد الملاك من اى حقوقٍ تتصل بملكيتهم لهذه الأراضى. فالأجرة التى يتقاضاها هؤلاء الملاك أسقطت حقوقهم فى الأرض و فرضت عليهم اطاعة أوامر الجهة التى تدفع لهم الأجرة. ترسّخ هذا النظام السلطوى خلال ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضى و أصبح نظام العمل المعروف و المألوف بالمشروع حتى بعد أن انتهى عقد الشراكة و آلت ادارة المشروع لمجلس الادارة السوداني. و كما ذكرنا فقد لعب العمل النقابي دوراً كبيراً في مشروع الجزيرة نتج عنه زيادة نسبة ارباح المزارعين، و لكنه لم يُحدث تغييراً ذا شأن فى علاقات الانتاج.

ثانياّ: مرحلة التوسع فى المشروع – 1950- 1975
انتهى عقد الادارة بين شركة السودان الزراعية و حكومة العهد الثنائى عام 1950 وانتقلت الادارة فى ذلك العام الى مجلس ادارة مشروع الجزيرة. وقد صدر فى ذلك العام قانون مشروع الجزيرة لعام 1950 والذى كان أول قانون ينظم العمل بصورة متكاملة فى المشروع.
تسمى بعض الكتب والتقارير هذه النقلة بانها “تأميم للمشروع”، و هذه التسمية ليست دقيقة لأن الأراضى و الخزان و القنوات بالمشروع لم تكن ملكاً للشركة حتى تؤمم، بل كانت ملكاً للحكومة، تديرها الشركة بمقتضى عقد ادارة انتهى ذاك العام ولم يتم تجديده. نتج عن هذا التغيير زيادة نسبة أرباح المزارعين و الحكومة بعد أن قلت نسبة أرباح مجلس ادارة المشروع. و زادت نسبة أرباح المزارعين مرّةً ثانية بعد ثورة اكتوبر ولكن هذه المرة على حساب نصيب الحكومة. عدا هذا فقد استمرت علاقات الانتاج على ما كانت عليه ابان فترة ادارة الشركة للمشروع. كانت مساحة المشروع قد وصلت الى حوالى مليون فدان عام 1950، و كانت الدراسات الخاصة بامتداد المناقل قد قاربت الاكتمال. و فى عام 1954 بدأت المفاوضات مع مصر بغرض السماح للسودان ببناء خزان الروصيرص لرى امتداد المناقل. و رغم أنه تمّ الاتفاق بين السودان و مصر على بناء خزانى الروصيرص و أسوان، الاّ ان الخلافات حول حصة السودان ظلت عالقة و لم تحسم الاّ بعد عام من وصول الفريق عبود الى السلطة وتوقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959. مع اكتمال خزان الروصيرص بدأ التوسع فى امتداد المناقل و بلغت مساحة المشروع اثر ذلك مليون و ثمانمائة الف فدان وتوسعت البنية التحتية من قنوات رى وطرق ومبانى و ارتفع عدد موظفى المشروع بصورةٍ كبيرة. و صدر قانون مشروع الجزيرة لعام 1960 لينظم هذا التوسع. و بذاك التوسع أصبح مشروع الجزيرة من أكبر المشاريع فى العالم تحت ادارة واحدة. و كما ذكرنا من قبل فالمشروع ليس أكبر مشروعٍ فى العالم كما يعتقد الكثيرون. فهناك عدة مشاريع فى العالم أكبرمنه مساحةً.

ثالثاّ: مرحلة التدهور و البحث عن حلول – 1975-2005
مع هذا التوسع بدأت مشاكل المشروع فى البروز الى السطح. فقد بدأت البنية التحتية التى تمّ إنشاؤها قبل أكثر من أربعين عاماّ فى التآكل والتدهور، و بدأت أسعار القطن العالمية فى التدنى و ارتفعت تكلفة الانتاج بصورة حادة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وزاد الوضع سوءاّ بسبب التقلب فى السياسات الاقتصادية و الزراعية فى السودان فى السبعينات.
برزت أيضاً فى هذه الفترة مشكلة الأراضى الملك الحر. فقد انتهى عقد الايجار عام 1967 و طالب بعض الملاك باعادة اراضيهم اليهم بينما طالب آخرون برفع قيمة الايجار ليواكب الغلاء و تدهور الجنيه السودانى، و فى بداية السبعينات توقف الملاك عن استلام الايجار حيث أنه لم تعد له قيمة.
امتد التدهور ليشمل خزانى سنار والوصيرص. فبسبب كميات الطمى التى يأتى بها النيل الأزرق من الهضبة الاثيوبية فقد خزان سنار جزءاً كبيراً من امكانياته التخزينية وبدأت هذه المشاكل نفسها تعترى خزان الروصيرص و قنوات الرى بالمشروع، ولم تعد مياه الرى تصل بعض الحواشات بسبب تراكم الطمى و الأعشاب فى هذه القنوات.
تكونت فى هذه الفترة عُدة لجان، الواحدة بعد الأخرى، لدراسة هذه المشاكل ومحاولة ايجاد الحلول لها. و قد كان من ابرز التوصيات توصية الغاء نظام الحساب الجماعى واستبداله بالحساب الفردى و التى طُبقت عام 1981. أثار ذلك التغيير جدلاً حاداً فى أوساط المزارعين والمهتمين بأمر المشروع، بين مؤيدٍ يرى فى ذلك التغييرأملاً فى حلحلة مشاكل المشروع، و معارضٍ يرى فيه طعنةً لنظام التكافل الاجتماعى الذى ساد المشروع لأكثر من نصف قرن من الزمان.
و على الرغم من أن البنك الدولى والصندوق العربى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية و مانحين آخرين قد مولوا اعادة تأهيل المشروع بمبلغ فاق المائتى مليون دولار، الا أن هذا الجهد لم يكن كافياً لأن يعيد للمشروع فاعليته بسب عدم مصاحبته بالاصلاح المؤسسى. و لم يغير صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 1984 شيئأ فى أمر هذا التدهور على الرغم من زيادة تمثيل المزارعين فى مجلس الادارة.

رابعا:مرحلة قانون 2005 وآثاره و مستقبل المشروع
اتسمت تقارير اللجان المختلفة التى كُونت للنظر فى أمر مشروع الجزيرة بالاختلافات فى مرتكزاتها و تحليلاتها لمشاكل المشروع، وعليه فقد اختلفت وتضاربت توصياتها. غير أن عددا من هذه اللجان اتفقت على ضرورة اعادة النظر فى مسألة الشراكة وأيضا على دور الزراع فى علاقات الانتاج خصوصا مسالة التركيبة المحصولية. فى هذا الأثناء كانت مشاكل زراعة القطن آخذةً فى الازدياد و أسعاره العالمية آخذة فى التدهور.
عليه لم يكن أمراً مستغرباً بالنسبة للذين تابعوا تطورات و متغيرات المشروع أن يقوم قانون 2005 بادخال و تقنين مبدأ حرية اختيار المحاصيل. هذا التغيير الجذرى لم ينه فقط الارتباط التاريخى بين المشروع و محصول القطن و انما أنهى أيضاً ما تبقى من محاور علاقات الانتاج و قّلص بصورةٍ كبيرة دور مجلس ادارة مشروع الجزيرة فيما يختص بتمويل القطن و الاشراف على زراعته. طُبق مبدأ حرية اختيار المحاصيل عام 2007 رغم صدور القانون فى عام 2005، و نتج عنه انخفاضٌ حادٌ فى المساحات المزروعة قطناً و زيادةٌ ملحوظة فى المساحات المزروعة قمحاً و ذرةً، ولكن كان هناك انخفاض فى المساحة الكلية المزروعة بالمشروع. فقد تمّ فى موسم 2007 -2008 زراعة حوالى مليون ومائتى الف فدان فقط من مساحة المشروع الكليّة البالغة مليونين و مائتي الف فدان (أى أن المساحةالمزروعة بلغت حوالى 55% فقط من مساحة المشروع). يُلاحظ أيضا الانخفاض في انتاجية الفدان بالنسبة للقمح مقارنة بالموسم السابق من قرابة الطن للفدان فى موسم 2006 – 2007 الى حوالى ثلاثة أرباع الطن هذا الموسم. و يعود هذا الانخفاض فى رأى مقدم الندوة الى عوامل عدة تتلخص فى التمويل و التسويق و الضرائب و نظام الرى.

(*) بالنسبة للتمويل فإنّه بالرغم من وجود البنك الزراعى و بنك المزارع فى أجزاء كبيرة من المشروع الا أن التمويل لمزارعى المشروع ما زال ضعيفا. و مع التوقف عن زراعة القطن فسوف يتوقف التمويل من ادارة المشروع الذى كان مرتبطاً أساساً بالقطن. عليه فإنّ مسألة التمويل تحتاج لحلول سريعة و فعّالة. و يُؤمّل أن يلعب البنك السودانى الأردنى المزمع انشاؤه فى ولاية الجزيرة دوراً قيادياً فى التمويل بأن يكون بنكا تنمويا و ليس تجاريا.

(*) بالنسبة للتسويق فقد كانت شركة أقطان السودان تقوم بتسويق القطن و يقوم المزارع بتسويق المحاصيل الأخرى. و الآن مع حرية اختيار المحاصيل فلا بد من ايجاد سبلٍ لمساعدة المزارعين فى تسويق هذه المحاصيل حتى يحصد المزارع ثمار جهده بدل أن تذهب هذه الثمار الى الوسطاء سواءً كانوا بنوكاً أو شركاتٍ أو أفراد.

(*) بالنسبة للضرائب فقد بلغت ذروتها عام 1996م عندما قاربت نصف انتاج المزارع. و على الرغم من الغاء الكثير من الضرائب المركزية، الاّّ أن الضرائب و الأتاوات و الجبايات الولائية و المحلية و كذلك رسوم الجمارك المركزية على بعض مدخلات و آليات الانتاج عالية جداً مما جعل المزارعين يضجون بالشكوى منها . و قد أثيرت هذه المسألة عدة مرات فى المجلس الوطنى واللجان المختلفة التى أُوكل اليها أمر تطوير ونهضة الزراعة، وعليه لا بد من ايجاد حلول فورية و فعالة لها. لقد تم اعداد مجموعة من الدراسات حول مواضيع التمويل و التسويق و الضرائب و تم تقديم بعض هذه الدراسات خلال ورشتى العمل الخاصتين بمشروع الجزيرة اللتين عُقِدتا فى العامين 2004م و 2005م. و تشمل هذه الدراسات مجموعة من المقترحات البناءة و التى يمكن الاستفادة منها فى هذه المجالات.

(*) بالنسبة لنظام الرى فقد أشار قانون 2005م الى أن تسليم قنوات الحقل لروابط مستخدمى المياه يتم بعد تاهيل هذه القنوات، و هذا اعتراف واضح من القانون (والمسؤولين) بالوضع غير الفعال لهذه القنوات. ان قنوات الرى هى شريان المشروع، كما يجب الاشارة الى أن المشروع يستهلك سنويا حوالى 8 مليار متر مكعب من المياه من حصة السودان البالغة 18,5 مليار تحت اتفاقية مياه النيل لعام 1959م (أى أن المشروع يستهلك حوالى 40% من حصةالسودان). و لكن الاستعمال غير المرشد و غير الكفء لهذه الكمية الكبيرة من المياه بسبب تدهور القنوات و مشاكل ادارة المياه سيظل عقبةً كبرى ليس فقط للمشروع و انما للسودان نفسه فى نقاشه و مفاوضاته مع الدول المشاطئة الأخرى لنهر النيل. و كما هو معروف فان هذه الدول بدأت تطالب بحقوقها فى مياه النيل.
من ناحيةٍ اخرى فقد أشار مقدم الندوة د. سلمان الى الدور الفعّال الذى تقوم به هذه الروابط فى دولٍ كثيرة من العالم فى ادارة مياه الرى، و أوضح أنه فى بعض الدول تدير اتحادات روابط مستخدمى المياه القنوات الكبرى و الرئيسية (وليس الصغرى فقط)، و تعرض كذلك للوفورات التى نتجت فى المياه و فى تكلفة الصيانة والتشغيل إثر تولى روابط مستخدمى المياه لهذه المهام. و لابد من التأكيد أن هذه الروابط ليست سوى جمعيات تعاونية ينتخبها أعضاؤها بطريقة ديمقراطية ويحاسبونها وفق اللوائح المنظمة للرابطة. و لابد كذلك من الاشارة الى أن ادارة قنوات الرى بواسطة هذه الروابط تحكمها اتفاقية مع وزارة الرى و أن هذه الروابط ملزمةٌ بتطبيق بنود الاتفاقية.

(*)لابد من الاشارة هنا الى مشكلة الأراضى الملك الحر فى المشروع، و ايجاد حلٍ لها وفق قانون 2005م الذى اعترف بالملكية و سنّ نزْع هذه الاراضى مقابل التعويض العادل. ان توصيات لجنة 2003م تُعرض حلاً وسطاً بين مطالب الملاك الشاسعة و تجاهل السلطات لهذه المشكلة و يمكن الرجوع الي هذه التوصيات و الاهتداء بها. و لابد لذلك الحل ان يكون حلاً توفيقياً يأخذ في الاعتبار، أولاً، ان هذه الاراضي ملكٌ لاصحابها و أنهم لم يتلقوا عنها إيجاراً لاكثر من 35 سنةً، ثم ثانياً،و بالمقابل لابد من من الاخذ في الاعتبار ان تلك الارض كانت ارضاً تروى بالامطار ، و ان بعض اصحابها مُنِحوا حواشات و ان آخرين مُنِحوا إيجاراً لمدة 45 سنةً. فهاتان النقطتان لابد من إعتبارهما في أي سعيٍ يُرجى نجاحه في الوصول الي اي صيغة توفيقية تخص معضلة الاراضي في مشروع الجزيرة.

و نختتم هذه المقالات من حيث بدأناها. إنّ العالم يواجه اليوم أزمة غذاء حادة تتمثل فى الارتفاع الجنونى لاسعار السلع الأساسية بسب قلة العرض. وقد تأثرت حتى الآن أكثر من 22 دولةً بهذه الأزمة، و يتعرض أكثر من مائة مليون نسمة فى هذه الدول للجوع بسبب نقص الغذاء. و قد بلغت هذه الأزمة مداها عندما أوشك محصول الأرز على الاختفاء من الأسواق العالمية بسبب توقف الدول المنتجة (تحديدا تايلاند و الهند و الصين و فيتنام) عن تصديره. وقد ارتفع سعر الطن من الأرز خلال العام الماضى من 300 دولار الى حوالى 1000 دولار. أما بالنسبة للقمح فقد قلت الكميات المنتجة فى استراليا و الصين بسبب الجفاف و توقفت الأرجنتين و أوكرانيا عن تصدير القمح لفترة من الوقت وعاودت التصدير لاحقاً و لكن بكميات محدودة. نتج عن هذا ان تضاعف سعر الطن من القمح خلال العام الماضي من 200 دولار الى حوالى 400 دولار. و قد حدث نفس الشىء بالنسبة للذرة الشامية و فول الصويا و انعكست هذه الزيادات في الاسعار كذلك على السلع الغذائية الاخرى.
لقد أوضحت الأمم المتحدة الشهر الماضى أن 29 دولةً قد أوقفت تماماً أو قللت بقدرٍ كبير تصدير المواد الغذائية خارج حدودها أو فرضت عليها رسوم جمركية عالية أو قيود أخرى مثل تحديد الكميات التى يمكن تصديرها. حاولت بعض الدول مثل اليابان و سويسرا اللجوء الى منظمة التجارة العالمية لارغام هذه الدول على وقف هذه الاجراءات الحمائية و لكن اتضح أن معاهدة المنظمة لا تعطيها الحق فى التدخل فى مثل هذه الاجراءات، وأن كل ما تفرضه المعاهدة على هذه الدول هو أن تقوم تلك الدول باخطار المنظمة نيتها في اتخاذ هذه الاجراءات لا أكثر. و كان قد اتضح من قبل محدودية امكانية المنظمة فى التدخل لوقف ذلك الدعم الضخم الذى تقدمه الدول الصناعية لمزارعيها والذى أفقد مزارعى الدول النامية القدرة على التنافس.
لقد بدأت الدول المختلفة تتعامل مع هذه الأزمة بشتى السبل. فقد قررت الصين، بسبب الجفاف والنمو السكانى و ازدياد الطلب على المواد الغذائية بازدياد الطبقة الوسطى، اتخاذ كل الاجراءات المطلوبة لرفع معدّل انتاجية الفدان الواحد من طنٍ واحد للقمح لتصل الآن الى قرابة الطن و نصف الطن من القمح للفدان، بينما اتخذت الكثير من الدول مثل الهند و المكسيك و الفلبين قرارات متعددة لترشيد استهلاك المياه فى مجال الرى. و تسارعت وتيرة الاصلاح المؤسسى لقطاعى الزراعة و الرى فى عددٍ كبيرٍ من دول العالم. و بسب شح المياه فى كثير من هذه الدول فقد تركزت الجهود على تحسين أداء الأراضى المعمّرة أصلاً بدلاً من استصلاح أراضى جديدة تحتاج الى استثماراتٍ ضخمةٍ و مياه جديدة قد لا تكون متوفرةً أصلاً.
ان مشروع الجزيرة بتجربته التاريخية الطويلة و الثرية، ومساحته الواسعة، و امكانياته المتاحة الهائلة يستطيع ببعض الجهد و الإرادة السياسية أن يوفر للسودان احتياجاته الغذائية من القمح و أن يوفر لولاية الجزيرة احتياجاتها من الذرة، علي ان يكون ذلك وفقاً لمبدأ حرية اختيار المحاصيل للمزارع و الذي كفله قانون 2005م. فاذا استطعنا أن نرفع انتاجية الفدان الى 1,2 طن (و هذا متوسط انتاج الفدان فى معظم الدول) ونجحنا فى زراعة ثلثى المشروع قمحًا فان هذا سيوفر احتياج السودان كله من القمح كاملاً، بينما يمكن ان يوفر الثلث المتبقى من أراضى المشروع احتياجات ولاية الجزيرة من الذرة والمواد الغذائية الأخرى.
ولكن هذا الحلم لن يتحقق إلا باتباع السياسات السليمة فيما يتعلق بادارة المياه (بعد تأهيل قنوات الرى تأهيلا كاملا) و الضرائب و التمويل والتسويق، و توضيح ما تبقى من علاقات الانتاج بين المزارعين و ادارة مشروع الجزيرة. وقتها سيجد المزارع ما يكفى من الحوافز لكى يضع جلّ طاقته فى الانتاج و يساهم مساهمةً فعّالةً فى حلحلة مسألة الأمن الغذائى و التى هى بلا شك هاجس كل الشعب السودانى