بروفسور علي عبد القادر علي

سابعاً – الفقر وقضايا النزاع :

تطورت منذ نهاية تسعينات القرن الماضي أدبيات متخصصة في محاولة لتحديد أهم العوامل التي يمكن أن تفسر النزاعات المسلحة في عدد كبير من دول العالم، خصوصاً الدول النامية وبالأخص الدول الأفريقية جنوب الصحراء. هذا وقد اتفقت الأدبيات على اعتبار الحروب الأهلية على أنها تمثل أعلى أنواع النزاع المسلح، واتفقت على تعريف

الحرب الأهلية على أنها “نزاع داخلي تكون الحكومة طرفاً فيه، ويترتب عليه عدد وفيات مرتبطة بالمعارك تبلغ ألف حالة على أقل تقدير، على أن تكون وفيات الطرف الأقوى 5 في المائة من إجمالي الوفيات على أقل تقدير”.

ويعتبر كوليير (2000-b، و 2000-a و 1999) وكوليير وهوفلر (2004-a و 1998) من رواد تطوير النظرية الاقتصادية للحروب الأهلية.وتحت هذه النظرية يفترض أن يسلك الأفراد سلوكاً رشيداً فيما يتعلق بانضمامهم لحركة متمردة على الحكومة على أساس مبررات تستند على الجشع والطمع من ناحية أو على أساس مبررات تستند على الشعور بالغبن (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وربما الديني كذلك) من ناحية أخرى. ويلاحظ في هذا الصدد أنه بغض النظر عن مبررات حمل السلاح ضدّ الحكومة، تحتاج الحركات المسلحة لمقابلة قيود مالية لتكون ذات فعالية. فلأغراض شنّ الحرب الأهلية لا بدّ للمجموعات المتمردّة من بناء تنظيمات كبيرة نسبياً تتطلب موارد مالية لأغراض دفع مرتبات المحاربين والاتباع وشراء الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية. ويلاحظ في هذا الصدد، وبما أن كل المجتمعات تعجّ بمختلف أنواع الغبن التي يمكن معها حمل السلاح، إلاّ “أن ما يفرق بين المجتمعات المسالمة وتلك التي تعاني من النزاع المسلح والعنف ليس هو وجود الغبن وإنما هو مقدرة المجموعات المتمردة من تمويل مستويات مضطردة من العنف”. وعليه في صياغة النموذج التحليلي عادةً ما يفترض أن تستوفي المجموعات المتمردة قيد للاستمرار أو البقاء يعتمد على حجم القوات المسلحة المتمردة مقارنة بحجم القوات المسلحة الحكومية بحيث توجد نسبة فاصلة للقوات تحدد الإمكانية الفعلية لانفجار النزاع المسلح بين الطرفين. ويترتب على قيد البقاء هذا، وبطريقة تلقائية، قيد مالي يتوجب على المجموعات المتمردة مقابلته لتخطّي النسبة الفاصلة للقوات المسلحة.

وبعد، تركز النظرية الاقتصادية للحرب الأهلية على إمكانية حدوث التمرد بالإضافة إلى ما يمكن أن يكمن خلفه من مبررات تتعلق بالغبن. وتتلخص أطروحة إمكانية حدوث التمرد في ملاحظة أنه إذا توفرت الفرصة في المجتمع لاندلاع نزاع مسلح فسيكون هنالك من الأفراد من سيستغل هذه الفرصة، مثله في ذلك مثل كل المستثمرين الذين يهتبلون وجود فرص متميزة للاستثمار.

على أساس من مثل هذه الصياغات الاقتصادية النظرية تطورت أدبيات تطبيقية متخصصة هدفت إلى استكشاف العوامل المسببة للنزاع، والعوامل التي تتسبب في العودة إلى النزاع(19). تستند هذه الأدبيات التطبيقية في استكشافها لمختلف العوامل المسببة تحت أي من المجالات، مثلها في ذلك مثل الأدبيات الاقتصادية التطبيقية، على عينات دولية لعدد كبير من الدول وعلى مدى زمني طويل لكل دولة بحيث يتم تقدير نماذج اقتصادية قياسية تمكن من الاختبار الإحصائي لمختلف العوامل المفسرة لمؤشر الحرب الأهلية تحت الدراسة.

وبعد، تعتبر دراسة كوليير وهوفلر وبوهنر (2007) أحدث الدراسات التي تناولت العوامل المسببة للنزاع حيث صنفت هذه العوامل في خمس مجموعات عريضة: اقتصادية، وتاريخية، واجتماعية، وجغرافية، وسياسية (بمعنى الديموقراطية ولم تكن ذات مغزوية إحصائية).هذا ودون الدخول في تفاصيل فنية يمكن تلخيص أهم النتائج فيما يلي(20).

·

العوامل الاقتصادية: يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما كان الدخل الحقيقي للفرد مرتفعاً، وكلما كان معدّل النمو الحقيقي مرتفعاً.

·

العوامل التاريخية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما طالت مدة السلام التي يتمتع بها القطر (عدد سنوات السلام)، وكلما كان القطر مستعمرة فرنسية في السابق.

·

العوامل الاجتماعية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما تمتع القطر بتجانس اجتماعي (حسب المؤشر المركب للتشتت الإثني واللغوي والديني)، وكلما اتصف الهيكل العمري للسكان بتدني نسبة الشباب في عمر 15-29 سنة، وكلما كان عدد السكان قليلاً.

·

العوامل الجغرافية : يتوقع أن ينخفض احتمال اندلاع الحرب الأهلية كلما انخفضت نسبة المساحة التي تغطيها الجبال من إجمالي مساحة القطر.

وبعد، تعتبر دراسة كوليير وهوفلر ومسودربوم (2006) من أهم الدراسات التي حاولت استكشاف العوامل التي تتسبب في ارتفاع احتمال عودة القطر إلى الحرب الأهلية بعد توقيعه لاتفاقية سلام. هذا وقد تم التركيز على تقدير دالة لاحتمال انهيار السلام خلال الحقبة الأولى من التوقيع على اتفاقية السلام.ويلاحظ في هذا الصدد أنه من 74 حالة لما بعد النزاع رصدت 33 حالة للعودة للنزاع مما يعني متوسط احتمال العودة للنزاع ما بعد السلام يبلغ 0.45. كذلك الحال، تمت ملاحظة أنه بالتركيز على الحقبة الأولى من التوقيع على اتفاقية السلام بلغ متوسط احتمال العودة للنزاع حوالي 0.42 وهو متوسط يمكّن من تقدير تأثير مختلف العوامل.

وكما كان عليه حال تقدير دالة احتمال اندلاع الحرب اشتملت المجموعات العريضة للعوامل المفسرة لاحتمال انهيار عملية السلام خلال الحقبة الأولى لتوقيع اتفاقية السلام على تلك الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والعسكرية. ودون الدخول في تفاصيل فنية يمكن تلخيص النتائج التي تمّ التوصل إليها فيما يلي (حيث تمتعت كل العوامل المذكورة أدناه بمعنوية إحصائية يعتدّ بها حسب المستويات التقليدية):

(i)

العوامل الاقتصادية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفع مستوى الدخل الحقيقي للفرد وكلما ارتفع معدل النمو الاقتصادي.

(ii)

العوامل السياسية: يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما منح النظام السياسي نحو الاستبداد (بعيداً عن الديموقراطية)، ولكن أيضاً كلما كانت هنالك انتخابات(21).

(iii)

العوامل الاجتماعية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفعت نسبة مواطني القطر في المهجر الأمريكي لإجمالي سكان القطر.

(iv)

العوامل العسكرية : يتوقع أن ينخفض احتمال انهيار عملية السلام كلما ارتفعت نفقات حفظ السلام الدولية.

وبعد، يهمنا أن نسارع لنلاحظ أن التفسير الاقتصادي للحروب الأهلية، خصوصاً في بداياته، يركز على أهمية فهم عامل الدخل الحقيقي للفرد على أنه مؤشر للفقر مما يعني أنه يمكن فهم معدّل نمو دخل الفرد على أنه مؤشر لسرعة الانتشال من حالة الفقر.

في إطار مثل هذا الفهم يمكن الربط بطريقة مباشرة بين استراتيجية للتنمية تتبنى القضاء على الفقر في المدى الزمني القصير وبين استراتيجية تجنيب الدول الوقوع في حالة حرب أهلية أو العودة للحرب الأهلية بعد توقيع اتفاقية السلام، وذلك عن طريق الدور الذي تلعبه ظاهرة الفقر في اندلاع النزاع والعودة إليه بعد السلام. هذا، وفي حالة السودان، على سبيل المثال، سوف يلاحظ المراقب الحريص أن الخطاب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان قد تمحور حول تهميش عدد كبير من أقاليم القطر في عملية التنمية منذ الاستقلال الأمر الذي انعكس في فصول اتفاقية السلام الشامل فيما يتعلق باقتسام السلطة والثروة.

ثامنـاً – ملاحظات ختامية :

قدمت هذه الورقة إستعراضاً مكثفاً، وإنتقائياً، لأهم المقترحات النظرية التي قالت بها “النظرية الراقية للتنمية” وتتبعت الورقة ما حدث لهذه المقترحات خلال النصف الثاني من القرن العشرين. هذا وقد أوضحت الورقة أن معظم المساهمات الرائدة في هذا المجال قد إستندت على رفض مقترح عالمية وشمولية النظرية النيوكلاسيكية وملاحظة عدم توفر إفتراضاتها الأساسية في الدول النامية الأمر الذي تترتب عليه ظاهرة إخفاق آلية السوق. وتعرضت هذه المساهمات للأسباب الكامنة وراء إخفاق آلية السوق والتي إشتملت على وجود الإحتكارات أو شبة الإحتكارات، ووجود الوفورات الخارجية، وتميز تقنيات الإنتاج بالعوائد المتزايدة للحجم، وعدم وجود الأسواق، وتميز الأسواق بالإستجابة البطيئة نسبة لعدم توفر المعلومات أو نسبة لضعف البنية المؤسسية، والإستجابة البطيئة لمؤشرات الأسعار بواسطة المنتجين، وعدم تحقيق إفتراض التعظيم بواسطة المنتجين والمستهلكين، وحتمية فرض الضرائب المشوهة للتخصيص التنموي للموارد. وإتفقت أدبيات إقتصاديات التنمية أن كل هذه الأسباب تفضي إلى عدم تمكن الإقتصاد من تحقيق نقطة التوازن المثلى وتتطلب تدخلاً قصدياً بواسطة الدولة بما في ذلك إتباع نهج التخطيط لإدارة الإقتصاد وتخصيص الإستثمار.

كذلك أوضحت الورقة أنه خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي، وبعد هيمنة النظرية النيوكلاسيكية على مقاليد صياغة السياسات الإقتصادية في الدول النامية، تبلورت العديد من الأفكار التنموية التي شكلت إضافات لأهم مقولات النظرية الراقية للتنمية إشتمل أهمها على:

أ

أ‌- إعادة الاحترام لدور الدولة في الاقتصاد والتبرير النظري لهذا الدور من خلال لفت النظر إلى نقد أهم افتراضات النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية والمتعلق بتوفر المعلومات الكاملة للمشاركين في عمليات التبادل الإقتصادي في ظل الأسواق، وما يترتب على ذلك من توسع مجال إخفاق آلية الأسواق. على هذا الأساس أصبحت قضايا تشوه وعدم كمال المعلومات وارتفاع المخاطر أكثر أهمية في تحليل التنمية.

ب

ب‌- تعريف أكثر شمولاً لمفهوم التنمية على أنها عملية تعنى بتوسيع الحريات الحقيقية للبشر وذلك في إطار مراجعة أساسية لمكونات الرفاة الإجتماعي من تعريفة على أساس دالة للمنفعة مُعرفة على السلع والخدمات التي يستهلكها الأفراد تحت ظل النظرية النيوكلاسيكية إلى دالة للرفاهية مُعرفة على استطاعة البشر في تحقيق حياة يرغبون فيها حيث يعكس مفهوم الاستطاعة الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر.

ت

ت‌- استنباط هدف محوري لعملية التنمية يتمثل في القضاء على الفقر في الدول النامية في مدي زمني محدود، وما يترتب على ذلك من إعادة الاحترام لمنهج تخطيط التنمية في الدول النامية.

ث‌

استنباط هدف محوري لعملية التنمية يتمثل في القضاء على الفقر في الدول النامية في مدي زمني محدود، وما يترتب على ذلك من إعادة الاحترام لمنهج تخطيط التنمية في الدول النامية.

واستعرضت الورقة أهم النتائج التي توصلت إليها الأدبيات المتخصصة في مجال استكشاف العوامل المؤثرة في اندلاع الحروب الأهلية وفي العودة مرة أخرى للنزاع المسلح بعد الاتفاق على السلام بين الأطراف المتحاربة. وأوضح الاستعراض أن أهم هذه العوامل تشتمل، ضمن ما تشتمل عليه، على الفقر (كما يستدل عليه بواسطة الدخل الحقيقي للفرد) وعلى معدل نمو الدخل الحقيقي للفرد. وتمثل هذه النتائج ربطاً تلقائياً مع أهم ما توصلت إليه أحدث التطورات الحديثة في نظرية التنمية والتي أفضت إلى أهمية أن تتبنى الدول النامية هدف الإقلال من الفقر على أنه الهدف المحوري للتنمية.

وبعد، وبغضّ النظر عن طبيعة الأسباب الكامنة حول اندلاع الحروب الأهلية هنالك اتفاق عام على أن اتفاقيات السلام عادةً ما تحاول معالجعة مختلف مظاهر الغبن التي حفزت شرائح من المجتمع لأن تلجأ للسلاح والعنف لتحقيق طموحاتها. واتفاقية السلام الشامل، بعد تضمين بنودها في الدستور، ليست استثناءً في هذا الصدد. هذا وقد نصّ الفصل الرابع من الباب الثالث عشر من الدستور في المادة 24 على أن “السودان دولة لا مركزية، وتكون مستويات الحكم فيها على الوجه التالي : (أ) مستوى الحكم القومي، (ب) مستوى الحكم في جنوب السودان، الذي يمارس السلطة فيما يتعلق بأهل جنوب السودان وولاياته، (ج) مستوى الحكم الولائي، (د) مستوى الحكم المحلي”. وفيما يتعلق بمستوى الحكم في جنوب السودان أفرد الدستور بابه الحادي عشر لحكومة جنوب السودان حيث نصّت المادة 159 على أن “تنشأ حكومة في جنوب السودان بحدوده في الأول من يناير 1956 تعرف بحكومة جنوب السودان وتتكون من أجهزة تشريعية وتنفيذية وقضائية”. ونصّت المادة 162 من الدستور على أن “تكون مسؤوليات حكومة جنوب السودان الأساسية هي ترقية الحكم الراشد والتنمية والعدالة وممارسة السلطة فيما يتعلق بجنوب السودان وولاياته، وتشكل حلقة وصل بين الحكومة القومية وولايات جنوب السودان، وحماية حقوق أهل جنوب السودان وتأمين مصالحهم”.

ونُسارع لنلاحظ أن تحقيق هدف الإقلال من الفقر كهدف محوري للتنمية في السودان تحت ظل هذا النظام اللامركزي، بحكومة مستقلة في الجنوب، سيتطلب ابتداع أُطر للتخطيط تتلاءم مع هيكل الحكم الذي توافق عليه أهل السودان في اتفاقية السلام الشامل. ويقيننا أن مثل هذا التخطيط للتنمية سيتطلب بدوره أن يتم تحليل المشاكل التنموية للقطر على أساس إقليمي (ولائي) مما سيفرض تحديات نظرية وتطبيقية على الباحثين وصناع القرار.

أ

الحريات السياسية: بمعناها العريض، بما في ذلك الحقوق المدنية، تتعلق بالفرص المتاحة للناس ليقرروا من سيحكمهم وعلى أي مبادئ، وليراقبوا وينتقدوا ويحاسبوا السلطات، وليعبروا عن آرائهم من خلال صحافة حرة، وليقرروا الإنضمام لمختلف الأحزاب السياسية. وتشتمل الحريات السياسية على الإستحقاقات المتوفرة في النظم الديموقراطية بمعناها الواسع بما في ذلك فرص السجال السياسي والمعارضة والنقد وحرية المشاركة السياسية.

ب

التسهيلات الإقتصادية: وتتعلق بالفرص المتاحة للأفراد لإستغلال الموارد الإقتصادية لأغراض الإستهلاك والإنتاج والتبادل. وتعتمد الإستحقاقات الإقتصادية للفرد على ما يملكه من موارد أو ما هو متاح من مثل هذه الموارد لإستخدامه وعلى ظروف التبادل مثل الأسعار النسبية وعمل الأسواق. وللمدى الذي يترتب فيه على عملية التنمية زيادة ثروات الأمم، تنعكس هذه الزيادة في تعزيز مقابل للإستحقاقات الإقتصادية للسكان. ولعله من الواضح أن إعتبارات توزيع منافع التنمية تلعب دوراً محورياً في العلاقة بين الدخل القومي والثروة، من جانب، وإستحقاقات الأفراد والأسر، من جانب آخر. فكيفية توزيع الزيادات في الدخل والثروة بين الأفراد والأسر يترتب عليها فروقات ذات مغزوية من الحريات التي يتمتع بها الأفراد.

ت

الفرص الإجتماعية: وتتعلق هذه بالترتيبات الإجتماعية في المجالات التي تؤثر في الحريات الحقيقية المتاحة للأفراد ليعيشوا حياة طيبة كالترتيبات المتعلقة بالتعليم والصحة. وتستمد مثل هذه الخدمات أهميتها ليس فقط من أهميتها للحياة الخاصة للأفراد وإنما أيضاً لتأثيرها على تفعيل مشاركتهم في النشاطات الإقتصادية والسياسية.

ث‌

ضمانات الشفافية: وتتعلق هذه بتعزيز الثقة في التعامل بين الناس في إطار المجتمع وهو أمر يتعلق بالحرية في التعامل بين الأفراد على أساس من ضمان الإفصاح والسلاسة. وتلعب هذه الضمانات دوراً واضحاً في الحد من الممارسات الفاسدة وعدم المسؤولية المالية والتعامل بنوايا مبطنة وغير معلنة.

ج‌

الأمان الوقائي (الحمائي): إعترافاً بأنه مهما كان من كفاءة تنظيم وعمل النظام الإقتصادي، يوجد بعض الناس في حالة من الإنكشاف تعرضهم لقدر كبير من الحرمان والمعاناة نتيجة التغيرات الفجائية التي تؤثر سلباً على أنماط حياتهم. والأمان الوقائي يُعني بتوفير شبكات حماية ورعاية إجتماعية للحيلولة دون وقوع مثل هذه الشرائح في شراك الفقر المدقع، وفي بعض الأحيان الجوع والموت. ويشتمل مجال الأمان الوقائي على ترتيبات مؤسسية ثابتة ومستمرة (كالإعانات، وبرامج الضمان الإجتماعي، والمنح الدخلية) وترتيبات إنتقالية حسبما تتطلبه الظروف (كبرامج العون الطارئة في حالات المجاعة والبرامج العامة للتشغيل).

الهوامش
(*)
المعهد العربي للتخطيط
(1)
لاحظ أننا نشير إلى المؤلف في متن الورقة بكتابة اسمه باللغة العربية في حين تثبت المرجع في قائمة المراجعة باللغة الإنجليزية.
(2)
لمعدلات نمو الدخل الحقيقي للفرد انظر علي (2006: 30، جدول رقم 1) ولمعدل النمو عام 2005 انظر صندوق النقد الدولي (2007: 23 جدول رقم 1).
(3)
انظر صندوق النقد الدولي (2007: 28، جدول رقم 5).
(4)
في نسختها النهائية تشتمل الاتفاقية على ديباجة، وست فصول وملحقين، حيث تتكون الفصول الست من : بروتوكول مشاكوس (الذي وقع في 20 يناير 2002)، واتفاقية اقتسام السلطة (26 مايو 2004)، واتفاقية اقتسام الثروة (7 يناير 2004)، واتفاقية حل النزاع في أبيي (26 مايو 2004)، واتفاقية حل النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق (26 ابريل 2004)، واتفاقية الترتيبات الأمنية (25 سبتمبر 2003).
(5)
لعلة من المعروف أن أدبيات أقتصاديات التنمية قد تراكمت مع الزمن بطريقة تستعصي على الإستعراض المكثف ويقف دليلاً على ذلك المجلدات التي حررها شينرى وسرينيفاسان (1989) و (1988) وبهرمان وسرينيفاسان (1995) والتي إشتملت على 55 مقالة إستعراضية للحالة المعرفية في إقتصاديات التنمية في 2998 صفحة من القطع الصغير. هذا بالإضافة إلى كتب القراءات والكتب المدرسية. وتشتمل الكتب المدرسية الحديثة على هيامي وجودو (2005)، وراي (1998)، وباسو (1997)، وباردان وأودري (1999).
(6)
تعرف العوائد المتزايدة للحجم في إطار دالة للإنتاج متجانسة من الدرجة على النحو التالي، حيثY هي الإنتاج و K هي عنصر رأس المال و L هي عنصر العمل: Y=F(K,L) بحيث وحيث أكبر من واحد. بمعنى أنه إذا زادت عوامل الإنتاج بنسبة متساوية يزداد الناتج بنسبة أعلى.
(7)
عادة ما تقوم الكتب المدرسية برصد إفتراضات “المنافسة الكاملة” كتجانس وحدات السلع وكثرة المشاركين بحيث لا يكون لأحد منهم تأثير على الأسعار؛ وسهولة الدخول إلى، والخروج من، السوق بالإضافة إلى ذلك إفتراض كمال المعلومات والذي ينص على أن كل المشاركين في السوق تتوفر لديهم معلومات كاملة عن الأسعار الراهنة والمبادلات الجارية وتقنيات الإنتاج وكل أنواع المعلومات التي تمكنهم من تعظيم الأرباح والمنفعة.
(8)
كما هو معروف يتلخص مقترح كفاءة النموذج التنافسي في أن كل نقطة توازن عام تتصف بالكفاءة بمعنى أنه سوف لن تكون هنالك نقطة أخرى للتوازن يكون فيها أحد المشاركين أعلى رفاهية دون أن يتضرر بقية المشاركين في النشاط الإقتصادي، وهي خاصية تعرف بأمثلية “باريتو”. كذلك الحال، فإن أي حالة باريتو مثلى يمكن إقامتها على أساس إقتصاد تنافسي يتم فيه إعادة توزيع الموروثات الإبتدائية بطريقة غير تشويهية.
(9)
انظر مير وسيرز (1984) لانطباعات رواد اقتصاديات التنمية حول مساهماتهم النظرية والتطبيقية.
(10)
تعرف “البطالة المقنعة” على أنها تعنى إنتاجية حدية للعمال مساوية للصفر. وبالطبع فإنه تحت مثل هذا الإفتراض تنهار نظرية التوزيع النيوكلاسيكية والتي تتطلب أن تتساوى الإنتاجية الحدية للعمل مع الأجر في نقطة توازن الإنتاج. وأثير السؤال حول لماذا نشاهد أجوراً موجبة في ظل البطالة المقنعة.
(11)
طور رودريك (2001) مفهوم “الانتقال الاستثماري” كمفهوم تطبيقي لإطروحة لويس فيما يتعلق بالمسألة المحورية لاقتصاديات التنمية.
(12)
كما هو معروف يتم حساب الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج من معادلة النمو التعريفية لنمو الإنتاج للعامل والتي تأخذ في شكلها العام ما يلي: حيث y هي الإنتاج للعامل و k هي رصيد رأس المال للعامل و A هي التقدم التقني. بمشاهدة يمكن حساب G(A) وهي الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج.
(13)
أنظر هيرشمان (1982) لمصادر الهجوم على نظرية التنمية والتي يمكن تلخيصها في الهجوم من جانب مدرسة التبعية في شكل أطروحة “تنمية التخلف” وتعضيد الهجوم من جانب المدرسة النيوكلاسيكية في شكل ملاحظة سوء تخصيص الموارد المترتبة على التخطيط).
(14)
أنظر البنك الدولي، (1987: 198-180) لرصد للمراجع في هذا المجال. ولكن أنظر ويد (1990) وإستجلتز (2002) وشانق (2006) لتفسير مغاير لتجربة الدول الأسيوية.
(15)
قام ويليامسون (1990) بصياغة هذا الاسم كتابة لحزمة السياسات التي اتفق عليها كل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية بمقراتها في العاصمة الأمريكية واشنطن، لنقد سياسات “وفاق واشنطن” على طريقة شهد شاهد من أهلها، أنظر أستجلتز (2002). ويلاحظ أن موقف إستجلتز لا يختلف كثيراً عما قال به عدد كبير من الاقتصاديين من الدول النامية.
(16)
راجع في هذا الصدد باسو (1997) وباردان وأودري (1999).
(17)
انظر، على سبيل المثال، راي (1998: 4-5) الذي يورد كمبرر لتأليف كتاب حول اقتصاديات التنمية تفشي ظواهر “انعدام الأسواق” و “إخفاق علم آلية الأسواق”، و “الآثار الخارجية”، و “تأثير عدالة توزيع الدخل في النمو الاقتصادي”، و “عدم كمال المعلومات”. ويلاحظ بروتن (2001) أنه على الرغم من التعمق في فهم، ومجالات، إخفاق آلية السوق مما يبرر تدخلاً أعمق للدولة في الاقتصاد إلا أن هيمنة المدرسة النيوكلاسيكية على صياغة السياسات التنموية حالت دون ذلك.
(18)
يمثل مؤشر التنمية البشرية الذي طوره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إطار تقريره السنوي حول التنمية البشرية في العالم أحد أهم المحاولات لصياغة مؤشر تجميعي لمفهوم “الإستطاعة”. وكما هو معروف تشتمل العوامل التي تدخل في هذا المؤشر على الدخل الحقيقي للفرد (إستطاعة تحقيق مستوى للمعيشة)؛ والعمر المتوقع للحياة (إستطاعة الحياة الصحية)؛ ونسب التعليم (إستطاعة المعرفة).
(19)
هنالك أيضاً أدبيات تناولت العوامل المساعدة على أساس استعادة الانتعاش الاقتصادي في فترة ما بعد النزاع (انظر على سبيل المثال، كوليير وهوفلر (2004)).
(20)
تتمتع كل العوامل المذكورة في النتائج بمعنوية إحصائية لمستويات المعنوية التقليدية من 10 في المائة وأحسن.
(21)
هنالك صعوبة في فهم هذه النتائج ربما لأسباب تتعلق بصياغة المؤشرات التي تمّ استخدامها.
المراجـــع
Ali, A.A.G., (2005), The Challenges of Poverty Reduction in Post-Conflict Sudan; Arab Planning Institute , Kuwait.  

Adelman, I., (2001), “Fallacies in Development Theory and their Implications for Policy”; in Meier and Stiglitz (2001).

Bardhan, P., and C. Udry, (1999), Development Microeconomics; Oxford University Press.

Basu, K., (1997), Analytical Development Economics: The Less Developed Economy Revisited; MIT Press, London.

Bauer, P., (1957), Economic Analysis and Policy in Underdeveloped Countries; Duke University Press, Durham, N.C.

Behrman, J., and T.N. Srinivasan, (eds.), (1995-a), Handbook of Development Economics, vol. III.B; Elsevier, Amsterdam.

Behrman, J., and T.N. Srinivasan, (eds.), (1995-b), Handbook of Development Economics, vol. III.A; Elsevier, Amsterdam.

Bruton, H., (2001), On the Search of Well-Being; University of Michigan Press, Ann Arbor.

Chang, H.J., (2006), The East Asian DevelopmentExperience: The Miracle, the Crisis and the Future; Third World Netwest, Penang, Malaysia.

Chenery, H., and T. N. Srinivasan, (eds.), (1989), Handbook of Development Economics, vol. 2; North-Holland, Amsterdam.

Chenery, H., and T. N. Srinivasan, (eds.), (1988), Handbook of Development Economics, vol. 1; North-Holland, Amsterdam.

Hall, R., and C. Jones, (1999), “Why Do Some Countries Produce So Much More Output per Worker Than Others?”; Quarterly Journal of Economics, vol. : 83-116.

Hayami, Y., and Y. Goda, (2005), Development Economics: From the Poverty to the Wealth of Nations; Clarendon Press, Oxford.

Hirschman, A., (1984), “A Dissenter’s Confession: The Strategy of Economic Development Revisted”; in Meier and Seers (eds.).

Hirschman, A., (1981), “The Rise and Decline of Development Economics”; in Essays in Trespassing, Cambridge University Press, Cambridge, U.K.

Hirschman, A., (1958), The Strategy of Economic Development, Yale University Press, New Haven, Conn.

Hoff, K., and J. Stiglitz, (2001), “Modern Economic Theory and Development”; in Meier and Stiglitz (2001).

Hoff, K., Braverman, A., and J. Stiglitz, (eds.), The Economics of Rural Organization: Theory, Practice and Policy; Oxford University Press, Oxford.

IMF, (2007), Sudan: Staff Report for 2007, Article IV Consultation and Staff-Monitored Report; www.imf.org.

Krugman, P., (1993), “Towards a Counter-Counterrevolution in Development Thoery”; Proceedings of the World Bank Annual Conference on Development Economics 1992; Washington D.C. Lewis, W. A., (1984), “Development Economics in the 1950s”; in Meier and Seers (eds.).

Lewis, W.A., (1954), “Economic Development with Unlimited Supplies of Labor”; Manchester School of Economic and Social Studies, vol. 22: 139-191.

Leibenstein, H., (1957), Economic Backwardness and Economic Growth; Wiley, New York.

Meier, G., (2001), “The Old Generation of Development Economists and the New”; in Meier and Stiglitz (2001).

Meier, G., (ed.), (1987), Pioneers in Development: Second Series; Oxford University Press, Oxford.

Meier, G., and J. Stiglitz, (eds.), (2001), Frontiers of Development Economics: The Future in Perspective; Oxford University Press, Oxford.

Meier, G., and D. Seers, (eds.), (1984), Pioneers in Development; Oxford University Press, Oxford.

Nurkse, R., (1953), Problems of Capital Formation in Underdeveloped Countries and Patterns of Trade and Development; Oxford University Press, Oxford.

Prebisch, R., (1950), The Economic Development of Latin America and Its Principal Problems; UN Economic Commission for Latin America, New York.

Rodrik, D., (1999), The New Global Economy and Developing Countries: Making Openness Work; Policy Essay no. 24, Overseas Development Council, Washington D.C.

Rosenstein-Rodan, P., (1943), “Problems of Industrialization of Eastern and South-Eastern Europe”; Economic Journal, vol. 53: 202-211.

Sen, A.K., (1999), Development as Freedom; Anchor Books, New York.

Sen, A.K., (1983), “Development: Which Way Now?”; Economic Journal, vol. 93: 745-762.

Stern, N., (1989), “The Economics of Development: A Survey”; Economic Journal, vol. 99: 597-685.

Stiglitz, J., (2002), Globalization and its Discontent; Allen Lane, Penguin Press, London.

Stiglitz, J., (2001), “Information and the Change in the Paradigm in Economics”; Nobel Prize Lecture; www.nobel.org.

Stiglitz, J., (1986), “The New Development Economics”; World Development, vol. 14, no. 2: 258-261.

Wade, R., (1990), Governing the Market: Economic Theory and the Role of Government in the East Asian Industrialization; Princeton University Press, Princeton, N.J.

Willamson, J., (1990), Latin American Adjustment: How Much Has Happened; Institute for Economics; Washington D.C., World Bank, (2006), Africa Development Indicators 2006; World Bank, Washington D.C..