حول الزراعة

لقد كانت جملة المساحات المزروعة بالمحاصيل في السودان حوالى (41) مليون فدان في عام 2003/2004، ثم هبط إلى (32) مليون فدان في عام 2004/2005 وكان نصيب المساحات في موسم 2003/2004 للزراعة المطرية التقليدية حوالى (25) مليون فدان أي حوالى نسبة (62%) من جملة المساحات المزروعة بالمحاصيل بجانب حوالى

(14) مليون فدان للزراعة المطرية الآلية بنسبة (43%) إضافة لمساحة (2.1) مليون فدان للزراعة المروية من النيل وروافده المتعددة وتساوي مساحة الزراعة المروية (5%) فقط من جملة المساحات المزروعة بالمحاصيل المختلفة بالسودان. كما يحتل قطاع الغابات مساحة (120) مليون فدان ويمثل قطاع الغابات حوالى أربعة أضعاف المساحات المزروعة بالمحاصيل في جميع أنحاء السودان.

دعونا نذهب مباشرة لنتعرف على مساحة كل قطاع فرعي من الزراعة النباتية وما يضيفه من قيمة لجملة الناتج المحلي الإجمالي بالاسعار الثابتة لعام 1981/1982 وكل المقارنة لعام 2004.

1

(2.1) مليون فدان من الزراعة النباتية المروية أضافت (193) مليون دينار للناتج المحلي الإجمالي.

2

(25) مليون فدان من الزراعة النباتية المطرية التقليدية أضافت (80) مليون دينار للناتج المحلي الإجمالي.

3

(14) مليون فدان من الزراعة المطرية الآلية أضافت (15) مليون دينار للناتج المحلي الإجمالي.

ونخلص إلى أن القطاع المطري – بشقيه التقليدي والألي – في الزراعة النباتية ومن مساحة (39) مليون فدان أعطى حوالى (95) مليون دينار بالاسعار الثابتة لعام 1981/1982 للناتج المحلي الإجمالي في عام 2004، وعلى النحو الآخر فإن مساحة (2.1) مليون فدان فقط في القطاع المروي أعطت (193) مليون دينار بالاسعار الثابتة لعام 1981/1982 للناتج المحلي الإجمالي في عام 2004 وبكلمات أخرة فإن مليون فدان في القطاع المطري – التقليدي والآلي – أعطتنا في عام 2004 فقط (2) مليون و(346) الف دينار بالاسعار الثابتة لعام 1981/1982 وعلى النحو الآخر فإن مليون فدان في القطاع المروي قد أعطتنا في عام 2004 حوالى (92) مليون دينار، وهذه هي المفارقة العظمى بين القطاع المروي والقطاع المطري بشقيه الآلي والتقليدي فعطاء الفدان الواحد في القطاع الزراعي النباتي المروي من النيل أوروافده يعطي حوالى (38) ضعف ما يعطي الفدان الواحد في القطاع الزراعي النباتي من القطاع المطري بشقيه الآلي والتقليدي.

ويمكن أن نعتبر هذا مقياساً للفوائد الجمة والقفزة الكبيرة المتاحة لنا وللمنتجين الزراعيين في القطاع المطري بشقيه إذا أحسن التعامل مع هذا القطاع والذي لديه فرصة للارتفاع بانتاج المحاصيل الغذائية والنقدية إذا تمكنا من توجيه المزيد من الاستثمارات الرأسمالية والمزيد ن التمويل. وفي اعتقادي إن مستقبل السودان الاقتصادي والاجتماعي يقع في تعمير القطاع المطري بشقيه النباتي والحيواني، واضعين في الاعتبار أن هذه المهمة تحقق:

أ‌

زيادة كبرى في الناتج المحلي الاجمالي من الزراعة.

ب‌

محاربة الفقر، ويعتبر القطاع المطري مستودعاً للفقراء في السودان ونصيبه أوفر في نسبة الفر المدقع.

ت‌

كل بؤر الحرب منذ حرب الجنوب إلى حروب جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان وكل المناطق المهمشة هي في هذا القطاع.

وعليه فإن تعمير هذا القطاع وإدخال التكنلوجيا البسيطة والمتوسطة والنهضة به ستزيل أو تخفف من الآثار المدمرة للتنمية غير المتوازنة التي افضت إلى الفقر والجوع وإلى الحروب المتعددة في جميع أطراف السودان، وتؤدي إلى تحسين التنمية البشرية وإنهاء أو تقليل الغبن الاجتماعي وكل هذا هو صمام الأمان للسلام المستدام. وهذا هو عين ما نقصده عندما نتحدث عن ضرورة توجيه المزيد من الموارد المالية لمساعدة ودعم المنتج الصغير بالمزيد من التنمية والتمويل لمصرفي والتكنلوجيا البسيطة والمتوسطة لتحسين إنتاجية الفدان وتقليل العمل اليدوي الشاق. وذلك في مواجهة من يرون أن الحروب في أنحاء السودان المختلفة يمكن حسمها بالعمل المسلح المكلف ودون تنفيذ برنامج إقتصادي واجتماعي عميق الأثر. فحتى النزاع المسلح حول الأرض يمكن تفاديه كلية أو التقليل منه إذا تمكنا من إحراز تنمية رأسية لزيادة إنتاجية الفدان من المحاصيل النباتية وزيادة إنتاجية ونوعية الثروة الحيوانية.

وما نقوم به من جذب الأنظار نحو ضرورة تعمير القطاع المطري التقليدي وعلى وجه الخصوص والآلي بجانبه يجيء من حقيقة المساحات الواسعة في هذا القطاع بجانب أن كمية الأمطار التي يتمتع بها هذا القطاع تساوي خمسة أضعاف نصيبنا من مياه النيل.

وحتى لا نتهم بالابتعاد عن الموضوعية ونحن نقدم المعلومات السابقة عن حالة الزراعة في السودان أو التلاعب الارقام وهي ممارسة ممكنة، فإننا نقتطف الفقرات التالية من المذكرة الاقتصادية القطرية الخاصة بالسودان بعنوان (التثبيت الاقتصادي وإعادة الإعمار)، والتي قام بإعدادها فريق من مشترك من مسؤولين حكوميين وموظفين من البنك الدولي واستشاريين، فضلاً عن موظفين من مؤسسات بحوث محلية. وقد نشأ محور تركيز وموضوعات المذكرة عن المناقشة الأولية التي أجريت في نوفمبر 2001 مع الحكومة السودانية في الخرطوم. وهذه الوثيقة التي تعتبر من وثائق البنك الدولي، تمت بمشاركة فعالة وموافقة تامة على نتائجها وكانت آخر مذكرة اقتصادية قطرية قد أعدت بشأن السودان تلك التي جرى إعدادها في عام 1990. وكما جاء في مقدمة الموجز التنفيذي حول النتائج الرئيسية نقتطف منها ما يلي:

(يمكن إيجاز بعض المشاكل المتعددة التي تواجه الاقتصاد السوداني على النحو التالي:

إرتفاع معدل النمو مع سوء التوزيع

يذخر السودان بثروات طبيعية وبشرية ضخمة، إلا أن النمو الاقتصادي والاجتماعي منذ الاستقلال في عام 1956 كان ولا يزال أقل من التوقعات. ومع ذلك وبعد سنوات طويلة من سوء الإدارة، أسهم برنامج الإصلاح الاقتصادي القوي للحكومة الحالية في إرتفاع معدل النمو الاقتصادي خلال فترة التسعينات من القرن المنصرم. كما ساعد بدء إنتاج البترول وظروف الطقس الملائمة للانتاج الزراعي في تعزيز واستمرار النمو ومع ذلك تبقى المشاكل المتعلقة بانتشار الفقر وسوء توزيع الدخول وعدم كفاية الخدمات الاجتماعية المقدمة حجر عثرة، على الرغم من ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وعوائد البترول التي نتج عنها زيادة إيرادات الحكومة.

إرتفاع تكلفة التثبيت الاقتصادي من الناحية الاجتماعية

يمكن للحكومة السودانية أن تفتخر ببرنامج التثبيت الاقتصادي الذي نفذته والذي أدى إلى تخفيض مستويات التضخم إلى أقل من (10%) بعد عام 1997 وتحسين الآفاق المستقبلية للنمو القابل للاستمرار. فقد اضطرت الحكومة نظراً لزيادة التضخم إلى أكثر من (100%) أثناء الفترة بين عامي 1992 و1996 وعدم قدرتها على الحصول على تمويل خارجي واستمرار استنزاف الموارد لتمويل الحرب الأهلية إلى ضبط الميزانية عن طريق إحداث تخفيضات كبيرة في النفقات العامة بما يزيد عن (50%) بين عامي 1992 و1998 بالمقارنة مع إجمالي الناتج المحلي، الأمر الذي تسبب في إحداث تخفيضات كبيرة في الخدمات الاجتماعية وتطوير البنية الأساسية.

الحاجة إلى مراجعة دقيقة للامركزية

وفقاً لاستراتيجية الحكومة الخاصة باللامركزية 1992 فقد نقل مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والصرف والطرق المحلية والزراعة إلى الولايات والمجتمعات المحلية، على الرغم من عدم تمتعها بأية إيرادات أو قدرة إدارية للنهوض بتلك الواجبات، الأمر الذي يتطلب بدوره زيادة مواردها وقدراتها المالية والبشرية للنهوض بمسؤولياتها المتعلقة بتوفير خدمات اجتماعية ومساندة جيدة ومن اللازم بصورة عاجلة إجراء مراجعة دقيقة للعلاقة الحالية بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ومخصصات الميزانية، والقدرات الإدارية على مستوى الولايات.

إستمرار ارتفاع معدلات الفقر

أدت السياسة الاقتصادية الصارمة للحكومة السودانية وضعف الخدمات الاجتماعية المقدمة إلى تحقيق نتائج هزيلة في مجالي تخفيض أعداد الفقراء والتنمية البشرية.ففي الوقت الذي ساعدت التدفقات الجديدة الناتجة عن النمو السريع لصناعة البترول والظروف المناخية الملائمة في تحسين وضع الاقتصاد الكلي بشكل عام، لم تظهر في الأفق أية مؤشرات على انخفاض معدلات الفقر “وفقاً لمراقبين على درجة عالية من المهارة”.

التباين الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تقزيض إستقرار الاقتصاد الكلي

من الممكن ألا يستمر الوضع المواتي للاقتصاد الكلي في ظل غياب إصلاحات هيكلية من شأنها تحقيق نمو لصالح الفقراء. حيث يمكن لاستمرار التكاليف المرتفعة للحرب وتكرار موجات الجفاف المؤكدة وتفاقم الضغوط الاجتماعية الناتجة عن تفشي حالات الفقر على نطاق واسع واتساع هوة التباين وأن تقوض جهود التثبيت الاقتصادي الناجحة للحكومة السودانية.

إرتفاع تكلفة الحرب الأهلية من جوانب عديدة

السلام شرط ضروري لتعزيز المكتسبات التي تم تحقيقها حتى الآن، ولوضع أساس لإحداث تنمية سريعة متواصلة. فقد أثبتت الحرب فداحة كلفتها فيما يتعلق بحجم المعاناة البشرية وإعاقتها للتنمية في جميع أنحاء السودان. حيث أدت إلى نزوح وتشريد الملايين من المواطنين داخل السودان، إضافة إلى وجود نصف مليون لاجيء سوداني تقريباً في معسكرات البلدان المجاورة. ويقدر إجمالي الذين لقوا حتفهم نتيجة للحرب الأهلية بحوالى مليوني مواطن. وتستمر الأطراف المتناحرة في استنزاف موارد ضخمة يمكن أن توجه إلى التنمية.

تحقيق تقدم مشجع في مفاوضات السلام

لا تزال مفاوضات السلام بين الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان مستمرة، حيث تم التوقيع على اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بين الطرفين والتوصل إلى اتفاق إطاري في يوليو 2002 يسمح بوجود حكومة انتقالية مشتركة لمدة ست سنوات ونصف يتم بعدها إجراء إستفتاء على إستقلال المناطق الجنوبية.

إعتماد مكاسب السلام على المساندة الخارجية وسياسات التنمية

وبينما يعتبر تحقيق السلام أمراً ضرورياً، فإنه لا يعد كافياً لإحداث تنمية في البلاد وتخفيض أعداد الفقراء. علاوة على ذلك، فمن الأهمية بمكان لتعزيز السلام أن يصاحبه إجراء إصلاحات إقتصادية وإدارية والتوصل إلى صيغة عادلة لاقتسام الثروات والسلطات حتى يتسنى إزالة الأسباب الجذرية الرئيسية للحرب الأهلية المستمرة منذ عقود من الزمن. إن المكاسب المرجوة من تحقيق السلام كبيرة، غير أن متطلبات إعادة الإعمار والتنمية ضخمة، وتتطلب تمويلاً خارجياً. ولا شك في أن الآفاق المستقبلية للحصول على تمويل خارجي محفوفة بصعوبات هائلة.

إعادة جدولة الديون يمثل البداية فقط

يعد السودان بلداً فقيراً مثقلاً بالديون يعاني منذ أواخر السبعينات من أعباء ديون خارجية مرتفعة ومتزايدة. وقد قدر حجم رصيد الديون بنهاية عام 2003 بحوالى (21,1) مليار دولار معظمها في شكل متأخرات.لذا فإن قدرة السودان على الحصول على تمويل خارجي محدودة، ومن الأهمية بمكان أن تأخذ الجهود الإضافية للتنمية بالسودان وضع الديون بعين الاعتبار. ونظراً لحجم الدين سيتطلب الأمر من الدائنين إتخاذ إجراءات استثنائية. ويعد وجود نهج شامل ومتعدد المراحل يشتمل على مساندة من مانحين متعددين أمراً جوهرياً. فحتى لو تمت جدولة الديون المستحقة سيستمر السودان في مواجهة صعوبات في تمويل جميع متطلبات التنمية وإعادة الإعمار . لذلك ستكون هناك حاجة لمزيد من الموارد الإضافية وسيتوقع من الحكومة السودانية على وجه عاجل أن تضع إجراءات لتحسين إدارة الموارد العامة.

البنية الأساسية في حاجة إلى إعادة تأهيل وتنمية كبرى

تفرض مساحة السودان الشاسعة وهشاشة نظمه البيئية أعباء خاصة على مرافق النقل والاتصالات وباقي خدمات البنية الأساسية الأخرى. وعلى الرغم من أن البنية الأساسية تمثل إحدى مشاكل التنمية الرئيسية في السودان لمدة زمنية طويلة، فإن الخدمات المقدمة قد تدهورت نتيجة لطول الحرب الأهلية وتخفيض الميزانية وضعف القدرة على الحصول على تمويل أجنبي. فقد تسببت قيود الميزانية المفروضة منذ أوائل التسعينات، والتي كانت ضرورية لتثبيت الاقتصاد، في تخفيضات كبيرة في ميزانية التشغيل والصيانة الخاصة بجميع مؤسسات الحكومة المسؤولة عن إدارة وتشغيل مرافق البنية الأساسية العامة. وتحتاج كافة الطرق والكباري وخطوط السكك الحديدية ومرافق النقل النهري والموانيء البحرية إلى إصلاحات وتجديدات هائلة، وكذلك الأمر بالنسبة لمرافق البنية الأساسية المركزية العامة الأخرى مثل نظم الري الضخمة ومحطات توليد الكهرباء، التي تحتاج إلى عملية تجديد وإصلاح ضخمة وضخ استثمارات جديدة، وهنالك حاجة ماسة لعمل دراسة شاملة لتحديد الأولويات الاستراتيجية لتطوير مرافق جديدة للبنية الأساسية وتجديد وإصلاح المرافق الحالية وكذلك تحديد التكلفة الإرشادية المتوقعة كأساس لتخطيط برنامج شامل لتطوير البنية الأساسية في جميع أنحاء السودان. وقد ترغب الحكومة السودانية كجزء من هذه الدراسة في تقييم فرص نقل بعض مرافق البنية الأساسية إلى القطاع الخاص.

الحاجة لإصلاح القطاع الزراعي

لا يزال القطاع الزراعي يمثل المصدر الرئيسي للنمو المتواصل في الاقتصاد السوداني، لا سيما في ظل التغيرات الرئيسية في سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات القطاعية التي أدخلتها الحكومة بهدف تحسين حوافز الانتاج في هذا القطاع منذ عام 1992. ومع ذلك مازالت نظم الانتاج والتسويق الزراعي تعاني من ضعف بين في الكفاءة بالنسبة لكل من القطاعات الفرعية للمحاصيل الرئيسية وللانتاج الحيواني، والذي يعود في بعض الأحيان إلى التدخل الحكومي . ويتعين معالجة ضعف الكفاءة من خلال تحسين خدمات المساندة وإدخال تغييرات تقنية ومؤسسية ومواصلة تخفيف القيود التنظيمية لبعض الأسواق النوعية، والاصلاح الزراعي وتطوير بنية أساسية استراتيجية ، بالاضافة إلى إيلاء الحكومة عناية خاصة للحد من التدميرالذي يصيب البيئة.

و يجب كذلك توجيه تركيز استراتيجيات تحسين الكفاءة نحو الأراضي الزراعية التقليدية المروية عن طريق الأمطار بهدف إحداث تخفيض سريع في أعداد الفقراء في المناطق الريفية.

تحسين الخدمات الاجتماعية أولوية قصوى

تشير المؤشرات الاجتماعية إلى انخفاض مستوى التنمية البشرية بشكل عام. مع وجود تباينات كبيرة فيما بين الولايات والمناطق، وفيما بين الريف والحضر. فمن المعلوم، على سبيل المثال أن حجم مخصصات الميزانية للتعليم والصحة ليس في صالح السودان مقارنة بمعظم البلدان الأفريقية. وهناك أيضاً حاجة لرفع مستوى نوعية وحجم الخدمات المقدمة من خلال إعادة توجيه مخصصات الميزانية. ويمكن أيضاً وضع برنامج للمساعدة الفنية وبناء القدرات لمساندة تلك الإجراءات اللازمة لضمان إستمرار تلك التحسينات. ويتعين أن تأخذ الاصلاحات الرامية إلى تحسين الخدمات الاجتماعية بعين الاعتبار تبني مزيد من اللامركزية المتعلقة بسلطات تعبئة الايرادات ومسؤوليات تقديم الخدمات.

مواجهة المناطق المتضررة من الحرب لمصاعب خاصة

يعيش السكان في المناطق المتضررة من الحرب حياة محفوفة بالمخاطر وذلك فيما يتعلق بإمدادات الأغذية على الرغم من القدرات الزراعية الكبيرة لا سيما في مناطق الحزام الاستوائي والمناطق الجنوبية. ويعد النقص في البنية الأساسية والقدرة المحدودة على الوصول إلى الأسواق والاعتماد على المساعدات الانسانية منذ وقت طويل والخبرة المحدودة في شؤون الإدارة المدنية من المعوقات الرئيسية لتنمية القطاع الزراعي في تلك المناطق. وتتم إدارة معظم الخدمات الاجتماعية – إن وجدت – من قبل المانحين. وعلى الرغم من وجود هياكل للإدارة المدنية فإن الإطار العام هزيل وفي حاجة إلى تمويل وبناء للقدرات على أساس منتظم، وهو ما يعني بناء المهارات والمرافق والإجراءات من الصفر. وعلى الرغم من ضخامة الاحتياجات الخاصة بإعادة الإعمار إلا أن القدرة الحالية على التنفيذ لاتزال في مراحلها الأولية.

ضرورة إيلاء إحتياجات المرأة عناية خاصة

على الرغم من وجود تطورات إيجابية بخصوص تضييق الفجوة بين الجنسين في بعض المجالات (مثل التعليم والتوظيف الرسمي)، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الإجراءات. ويظهر ذلك بشكل أكثر وضوحاً لاسيما في تلك المناطق التي تأثرت بشكل مباشر بالحرب الأهلية وبين مجموعات النازحين في الداخل حيث تعاني النساء بشدة من العنف وغياب القانون التي ظهرت نتيجة لطول أمد الحرب. فقد تعرضت الكثيرات ممن فقدن أزواجهن للاغتصاب وعدم الاستقرار وصدمات أخرى. ويبلغ عدد النساء البالغات إلى الرجال البالغين في المناطق التي تأثرت بالحرب بجنوب السودان إلى حوالى إثنين إلى واحد. في حين يبلغ عدد المتعلمات منهن حوالى واحدة من بين كل عشر نساء. ولذلك فمن الأهمية بمكان دمج البرامج المحددة لمساعدة هؤلاء النسوة في استراتيجيات التنمية الموجهة لصالح الفقراء حتى يتسنى تحقيق النتائج الإنمائية وتحسين مستوى الرفاه للمرأة.

سياسات التحرير الاقتصادي ومآلاتها

بعد إعلان سياسات التحرير الاقتصادي وإنقاذ آلية السوق بقيادة السيد/ عبدالرحيم حمدي – وزير المالية آنذاك وضمن البرنامج الثلاثي الأول للانقاذ الاقتصادي (منتصف 1990 حتى منتصف 1993) وعند قرار تبديل العملة الوطنية في مايو 1991 كان من ضمن أهدافها ما يلي: (ص 26/27) تقرير بنك السودان لعام 1991:

3- إتاحة قدر كبير من التمويل للقطاعات الاقتصادية المنتجة عن طريق رفع السقوف الائتمانية المقدرة للبنوك.

ب- سياسة بنك السودان الائتمانية (28/10/1991).

1

ألا يقل حجم التمويل الممنوح للقطاعات ذات الأولوية عن نسبة 80% من السقف المقرر لكل بنك وتشمل القطاع الزراعي، القطاع الصناعي، قطاع النقل والتخزين، قطاع الصادر وقطاع الحرفيين.

2

يقصد بقطاع بتمويل القطاعات ذات الأولوية تغطية احتياجاتها لرأس المال التشغيلي في شكل تمويل قصير الأجل ولرأس المال الثابت في شكل تمويل متوسط وطويل الأجل.

3

يجب مراعاة أن يكون التمويل الزراعي بنسبة لاتقل عن 40% من السقف المقرر لكل بنك ومازاد عن هذه النسبة يعتبر خارج السقف المقرر.

4

أن تكون جملة التمويل الممنوح بأي من الفروع العاملة بالمناطق الريفية المختلفة لا تقل عن 50% من جملة الودائع بالعملة المحلية.

 

كيف سارت الأمور عند التنفيذ الفعلي لهذه السياسات والتوجهات الإيجابية؟

لقد بلغ نصيب الزراعة من التمويل المصرفي الفعلي أعلى مستواه بنسبة (35.4%) من جملة التمويل المصرفي وذلك في ديسمبر 1993 ثم بدأ في التدهور إلى مايقل عن (30%) خلال الفترة (1993-1994) ومن المدهش أن التمويل المصرفي للزراعة قد بدأ في التدهور بسرعة فائقة بعد إنتاج وتصدير البترول السوداني إلى (22%) من جملة التمويل المصرفي في عام 2001 ومن ثم إلى (13.4%) في عام 2002 و(9.3 %) في عام 2003 و(6.6%) في عام 2004 حتى وصل إلى نسبة (4.4%) من جملة التمويل المصرفي لعام 2005. والكل يقر بأهمية الزراعة كقاطرة للتنمية في السودان وكان من المؤمل أن يتم ضخ الجزء الأكبر من عائدات البترول لقطاع الزراعة بشقيه النباتي والحيواني – وكما هو معروف – فإن البترول ينضب طال الزمن أم قصر، في حين أن المنتجات الزراعية بشقيها متجددة. ونود أن نعقد مقارنة هنا بين أسعار البترول وعائداته وأيضاً العائد من المنتجات الزراعية:

1

عائد تصدير رأس الضأن يساوي (2) إلى (3) براميل من خام البترول مقارنة مع أسعاره الحالية وقد تصل إلى مايساوي قيمة (4) إلى (5) براميل من خام البترول في حال انخفاض عائدات البترول للبرميل.

2

عائدات طن الصمغ العربي – في أقل مستوياتها – تعادل قيمة (20) إلى (30) برميلاً من خام البترول.

3

عائدات طن من السمسم – في أقل مستوياتها – تساوي عائد تصدير (10) إلى (15) برميلاً من خام البترول… الخ

4

عائد تصدير بالة من القطن تساوي عائد صادر (5) براميل بترول خام.

فقد جاءت الضرورة لضخ عائدات البترول لتنمية الزراعة بشقيها النباتي والحيواني فهي المعين الذي لا ينضب مقارنة مع انتاج وتصدير البترول.

لقد سبق أن أشرنا في مكان آخر إلى أن تمويل الزراعة في المناطق المطرية التقليدية يساوي أقل من (5%) من جملة تمويل الزراعة الكلي – وهذا يعني أن النصيب الأوفر من التمويل يذهب للقطاع الزراعي المروي بجانب القليل الذي يوجه لتمويل الزراعة المطرية شبه الآلية – ومن المعروف أن المساحات المزروعة في القطاع المروي التقليدي في عام (2003 – 2004) كانت تساوي (25) مليون فدان و(13) مليون فدان للقطاع المطري شبه الآلي و(1.8%) مليون فدان للقطاع المروي الذي رغم صغر مساحته توجه له نسبة تزيد عن (80%) من جملة التمويل الكلي للزراعة والذي أشرنا إلى تدهور نسبته من جملة التمويل الكلي من المصارف.

وهنا لابد أن نشير إلى تضاؤل نسبة التمويل المصرفي الموجه للزراعة – خاصة بعد انتاج وتصدير البترول – وفي نفس الوقت نجد أن التمويل للواردات وللتجارة المحلية والتي كانت نسبتها من التمويل المصرفي تساوي أقل من (16%) من جملة التمويل المصرفي في ديسمبر 1991 ولكنها ارتفعت إلى (51%) في عام 2005 – وهذا مؤشر خطير إلى تحول إقتصادنا من الانتاج إلى الاستهلاك – وتدهور الزراعة والصناعة في السودان قد أدى إلى زيادة الاعتماد على الغذاء المستورد “نأكل مما نزرع” والكساء المستورد “نلبس مما نصنع”.

 

ماهي مظاهر هذا التحول من الانتاج للاستهلاك من المستورد؟

1

في عام 1990 وعندما رفعت حكومة الانقاذ شعار “نأكل مما نزرع” كان استيرادنا من كل أنواع الغذاء ما جملته (72) مليون دولار وكان هذا الرقم يمثل حجم الفجوة الغذائية آنذاك. ولكننا استوردنا في عام 2005 كميات من الغذاء بلغت قيمة استيرادها (813) مليون دولار اي ما يزيد عن أحد عشر ضعف قيمة الغذاء الذي استوردناه في عام 1990 عندما رفعنا شعار” نأكل مما نزرع ” وهذ الحقيقة هي أكبر دليل على فشل الأداء في قطاع الزراعة في السودان:

2

لقد كان استيرادنا من المنسوجات ماقيمته (3) ملايين دولار في عام 1990 عندما رفعنا شعار”نلبس مما نصنع” وفي عام 2005 تم استيراد منسوجات للسودان بماقيمته (336) مليون دولار أي حوالى (113) ضعف قيمة استيرادنا، وهذه الحقيقة يمكن أن تعبر عن قعود قطاع الصناعة في السودان.

 

أشرنا سابقاً إلى ضرورة توجيه المزيد من الموارد المالية للقطاع المطري التقليدي للنهوض به باعتبار أنه القطاع الذي نمت وترعرعت فيه النزاعات المسلحة ويعتبر هذا القطاع المكمن الأول للفقر والفقر المدقع. وعليه فضرورة الإهتمام بهذا القطاع المطري التقليدي الذي يسكنه (65%) من سكان السودان، هو الطريق الوحيد لمحاربة الفقر بمساعدة صغار المنتجين الزراعيين وللسلام المستدام.

و هنا لابد أن نشير إلى العديد من الحقائق الآتية:

1

كانت جملة عدد البنوك وفروعها في السودان (696) فرعاً وانخفض هذا العدد إلى (517) فرعاً ويشمل ذلك بنك السودان وفروعه والبنوك الوطنية والمشتركة والأجنبية بالاضافة إلى البنوك المتخصصة.

2

توزيع هذه البنوك على الولايات المختلفة يشير إلى خلل لايمكنها من لعب دورها المنشود في القطاع المطري التقليدي على وجه الخصوص. فجملة فروع البنك في ولايات دارفور الكبرى وولايات كردفان الكبرى (83) فرعاً وفي ولايتي الشمالية ونهر النيل (56) فرعاً. والحال أن سكان دارفور الكبرى وكردفان الكبرى يساوون سبعة أضعاف سكان ولايتي الشمالية ونهر النيل. ليس هذا فقط بل أن الانتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني من ولايات دارفور وكردفان (من صمغ وسمسم وفول وثروة حيوانية) بما لايمكن مقارنته بالنشاط والعطاء الاقتصادي من ولايتي الشمالية ونهر النيل.

3

إن جملة الاستثمار في كل القطاع الزراعي – بشقيه النباتي والحيواني – يساوي ما نسبته (4%) من جملة الاستثمارات التي تمت في السودان خلال الخمسة عشر عاماً التي امتدت من عام 1990 حتى عام 2004.

 

قمت بدراسة للتعرف على صادرات السودان ووارداته خلال الفتره (1990 – 2004) وهي فترة خمسة عشر عاماً من عمر حكومة الانقاذ وقد تم اختيار هذه الفترة نسبة لأن إحصاءات بنك السودان بدأت العمل لإيراد حصيلة الصادرات وجملة الاستيراد بالدولار إبتداء من 1990 مما يسهل عملية المقارنة . إذ قبل 1990 كانت المعلومات عن الصادرات والاستيراد تتم بالعملة السودانية مما لا ييسر عملية المقارنة نسبة للتذبذب الهائل لقيمة العملة السودانية، هذا رغم علمنا بأن الدولار الأمريكي نفسه لم يكن مستقراً في قيمته إزاء العملات الأخرى.

كيف كان حال جملة قيمة الصادرات والواردات خلال الفترة (1990 – 2004)؟

1

لقد كانت جملة قيمة الصادرات السودانية خلال تلك الفترة تساوي (16) ملياراً و(859) مليون دولاركما كانت جملة قيمة الواردات مبلغ (25) ملياراً و(310) مليون دولار. أي أن الميزان التجاري خلال تلك الفترة كان سالباً بمقدار (10) مليارات و(140) مليون دولار.

2

أما الفترة بعد انتاج وتصدير البترول (1999 – 2005) فقد كانت جملة قيمة صادراتنا (17) ملياراً و(379) مليون دولار وجملة قيمة المستوردات (21) ملياراً و(429) مليون دولار وهذا يعني أن الميزان التجاري كان سالباً بمبلغ (4) مليارات و(50) مليون دولار.

3

لقد كانت صادراتنا – قبل تصدير البترول – بجملة (620) مليون دولار في عام 1996 و(594) مليون دولار في عام 1997 ثم (596) مليون دولار عام 1998 وعند بداية صادراتنا من البترول في عام 1999 إنخفضت قيمة صادراتنا غير البترولية في عام 2000 إلى (505) مليون دولار ثم إلى (322) مليون دولار في عام 2001. وهذا يعني أن صادراتنا غير البترولية قد انخفضت إلى أقل من (52%) في عام 1996 قبل انتاج وتصدير البترول.

 

ماهي السلع التي تم استيرادها خلال تلك الفترة؟

1

خلال خمسة عشر عاماً (1990 – 2004) قمنا باستيراد مدخلات انتاج زراعي وتشمل (السماد، المبيدات، التراكتورات، بالاضافة للبذور المحسنة) بمبلغ (625) مليون دولار وهي تساوي أقل من (3%) من جملة قيمة إسترادنا خلال تلك المدة.

2

خلال الفترة (1990 – 2004) تم استيراد مبيدات بقيمة (140) مليون دولار وتراكتورات بقيمة (135) مليون دولار ولكن على النحو الآخر تم استيراد عطور ومستحضرات تجميل بمبلغ (149) مليون دولار أي أكبر من قيمة التراكتورات وقيمة المبيدات. كما تم استيراد مشروبات معدنية وحلويات وبسكويت بقيمة (140) مليون دولار وفواكه وخضروات ومنتجاتها بقيمة (146) مليون دولار ومنتجات ألبان بقيمة (187) مليون دولار.

3

أدى الفشل في تحقيق نهضة زراعية – حسب وعد الخطة الاستراتيجية العشرية – إلى أن تم استيراد مواد غذائية بمبلغ (812) مليون دولار في عام 2005 وهي تعبر عن حجم الفجوة الغذائية الهائل إذ أن هذا يعني أن استيراد الغذاء قد تضاعف بمقدار أحد عشر ضعفاً مقارنة بعام 1990 حيث كانت جملة استيراد المواد الغذائية تساوي (72) مليون دولار وذلك عندما رفع شعار “نأكل مما نزرع” في بداية حكم الانقاذ.

4

كانت جملة استيرادنا من القمح والدقيق تساوي (1) مليار و(893) مليون دولار خلال تلك الفترة.

5

جملة قيمة استيراد المواد الغذائية خلال (1999 – 2004) تبلغ ضعف تكلفة سد مروي تقريباً كما أن جملة إستيراد القمح والدقيق تساوي قيمة سد مروي تقريباً.

6

جملة قيمة استيراد كل مدخلات الانتاج الزراعي تساوي (625) مليون دولار خلال الفترة أعلاه وقيمة استيراد راديوهات وتلفزيونات وأجهزة اتصال تساوي (733) مليون دولار وقيمة استيراد شاي وبن (600) مليون دولار وعربات صالون (599) مليون دولار.

7

جملة قيمة استيرادنا من المنسوجات خلال (1999 – 2004) تساوي (885) مليون دولار وهي تساوي (141%) من قيمة مدخلات الانتاج الزراعي المستوردة كاملة. وقد كان استيرادنا من المنسوجات بمبلغ (3) مليون دولار عندما رفعت حكومة الانقاذ شعار “نلبس مما نصنع” وقد وصلت قيمة الاستيراد للمنسوجات في عام 2005 إلى (336) مليون دولار أي (112) ضعف ما كانت عليه في بداية حكم الانقاذ.

 

ماهي خلاصة القول هنا؟

إن اقتصادنا قد تحول من اقتصاد منتج زراعياً وصناعياً إلى إقتصاد مستهلك وهو على غير ما وعدتنا به الخطة العشرية للانقاذ (1992 – 2002). والسؤال المشروع هنا:

هل كان من الممكن تحت كل مسارات الأداء – التي تحدثنا عنها – هل كان من الممكن أن تتحقق أهداف الخطة العشرية وعلى رأسها جعل الزراعة كقاطرة للتنمية في السودان؟ الإجابة لا تحتاج لفطنة القاريء.

في عام 1947 جاءت اتفاقية القات (GAAT) وتواصلت بعدها ثماني جولات حول تحرير التجارة الدولية بالاضافة إلى اتفاقيات ثنائية وإقليمية، وقد ظلت التجارة الدولية ماكينة النمو لمدة طويلة قبل ذلك وقد اختتمت تلك الجولة بما سمي (جولة أورغواي) التي انتهت في عام 1994.، حيث بدأت مناقشات جدية حول رفع الدعم عن الزراعة في الدول الصناعية الذي يترك آثاراً سلبية للغاية على الدول النامية وعلى المنتجين الزراعيين فيها على وجه الخصوص.

لقد كانت مساهمة الدول النامية في التجارة الدولية تساوي حوالى (25%) في عام 1970، ارتفعت إلى حوالى (35%) في عام 2000. كما زادت نسبة السلع المصنعة من البلدان النامية إلى (80%) من صادراتها مقابل (20%) للصادرات الزراعية التقليدية، بالاضافة إلى أن (40%) من صادرات الدول النامية تذهب إلى دول نامية أخرى، أي زادت نسبة التعامل مع الصادر في التجارة البينية بين الدول النامية ويعتبر هذا تحسناً إيجابياً.

وقد ظلت التجارة الدولية تنمو بمقدار متوسط نسبة نمو (6%) سنوياً خلال ال 20 عاماً الماضية (1980/2000) وهذه النسبة من النمو في التجارة الدولية تساوي ضعف نسبة نمو الانتاج العالمي. لقد بلغت جملة الدعم للزراعة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECO) مبلغ (327) مليار دولار في عام 2000، ويساوي هذا المبلغ (2,3%) من جملة الناتج الاجمالي (GDP) لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ذلك العام وقد أدى هذا الدعم إلى رفع العائد الكلي للزراعة بمقدار (25%) بأكثر مما كان سيتم تحقيقه دون ذلك الدعم.

إن الدعم الزراعي منخفض في إستراليا، ونيوزيلندا، وأكثر بكثير من المتوسط في آيسلندا، واليابان، والنرويج، وسويسرا، وكوريا، بينما نجد الدعم في أعلى مستوياته في الاتحاد الأوربي.

والسؤال هنا:

كيف يتم توزيع هذا الدعم؟

إن المزارع في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ينال (15) الف دولار سنوياً لمجرد أنه مزارع، وإن لم يزرع في ذلك العام وأيضاً دعماً لكل هكتار يقوم بزراعته بغض النظر عن أن هذا الهكتار أنتج أم لم ينتج، ثم بعد ذلك تتم دراسة التكلفة ويقدم له دعماً لتمكينه من الربح وهو يبيع للمستهلك في بلده وأيضاً عند وجود فوائض للصادر يتم التعرف على الأسعار العالمية ويدعم ليتم التصدير بطريقة مربحة.

إن منتجي القطن في الولايات المتحدة الأمريكية تكفل لهم حماية من كوتات الاستيراد ويتلقون دعماً للصادرات إضافة للدعم الذي يؤسس على مجريات الأسعار، وقد مثل هذا غطاءً متبعاً لحماية منتجي القطن من الآثار السلبة نتيجة للتحركات النسبية للأسعار. وفي بعض الأحيان تكون أسعار القطن مرتفعة نسبياً مقارنة بالمحاصيل البديلة. وعليه برغم انخفاض المساحات المحصودة من القطن في العالم من عام 1995 فقد اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية خطة أدت إلى زيادة الانتاج بمعدل (10%) بين 1998/2001. وفي موسم 2001/2002 وصلت صادرات القطن في أمريكا لأعلى مستوياتها من 1926/1927 بما يعادل (35%) من التجارة الدولية في سلعة القطن بينما كانت الصادرات من غير الولايات المتحدة الأمريكية في أدنى مستوياتها منذ 1984/1985. وبالطبع أدى ذلك إلى الضغط الشديد على الأسواق ولتخفيض الأسعار مما أضر كثيراً ببعض الدول من بين الدول الأقل نمواً والأقل فقراً (LDCS). وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن النقص في عائدات الصادر في الدول التي تأثرت سلباً بذلك في أعوام 2000/2001 فقد كان مايزيد عن (3%) من الناتج المحلي الاجمالي في مالي، وبنين، ومن (1%) إلى (2%) من الناتج المحلي الاجمالي في بوركينافاسو، وتشاد، وهذه الدول ليست ذات انتاج وصادر كبير للقطن وإنما تأتي مصر في المقدمة في أفريقيا ثم السودان. ولا ندري حجم الأضرار التي الحقها ذلك النمو في انتاج القطن وصادراته بمنتجي القطن في السودان ولكن من المؤكد أنها كانت عنيفة الأثر ومن الواضح أنها قد أدت إلى عزوف الكثيرين من منتجي القطن الذين بدأوا يتطلعون إلى إنتاج سلع زراعية بديلة.

وللمقارنة فإن مبادرة إعفاء الديون في هذه الدول المنتجة للقطن في أفريقيا كانت تساوي (0,81%) أي أقل من (1%) و(1,85%) من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2001. وهكذا فإن ما “تتكرم” به الدول الصناعية الكبرى من مساعدات ووعود لإعفاء ديون الدول الأقل نمواً فهي تأخذه باليد اليسرى جراء عدم عدالة التجارة الدولية.

وكمثال آخر لعدم عدالة التجارة الدولية ( وحسبما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي المشار إليه سابقاً) فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ برسوم جمركية في حدود (5%) في المتوسط على مستورداتها، ولكن لها رسوم عالية للغاية على 300 سلعة وعلى وجه الخصوص المنسوجات والملابس الجاهزة التي تمثل (90%) من قيمة مستورداتها من الدول الأكثر فقراً وهي في حدود بليون دولار سنوياً.

وفي البلدان النامية أيضاً تكون الرسوم الجمركية أعلى بنسبة (17%) على السلع الزراعية مقارنة بما هي عليه مع السلع المصنعة. وعلى النحو الآخر فإن اللوائح الفنية التي تحكم الاستيراد للبلدان الصناعية لتلائم المستوى الفني والصحي تمثل إحدى العقبات الهامة أمام الصادرات من الدول النامية للبلدان الصناعية، وهذه تفرض تكلفة على المصدرين تفوق فوائد المستهلكين في البلدان الصناعية. فاللوائح الخاصة بالأفلوتكسين في الاتحاد الأوربي تكلف أفريقيا (1,3) بليون دولار سنوياً على صادرات الحبوب والفواكه المجففة والفول السوداني مقابل احتمال إنقاذ حياة بعض البشر (الافلوتكسين هو مرض فطري يعتبر من السميات التي قد تؤدي للاصابة بالسرطان بعد حوالى 20 عاماً) لهذا يحظر تصدير الفول السوداني مثلاً إذا كانت نسبة الافلوتكسين فيه تساوي 15 جزءاً من البليون.

إن متوسط الحمائية بالتعريفة في الزراعة في الدول الصناعية تقدر بتسعة أضعاف أكبر مما هي عليه على المنتجات الصناعية ولكنها ذات حجم كبير أيضاً، فالاتحاد الأوربي ينفق (2,7) بليون يورو في العام ليجعل سلعة السكر مربحة للمنتجين في أوربا وفي نفس الوقت يغلق أسواقه أمام السكر المنتج بأسعار رخيصة من المناطق الاستوائية. وكما هو معروف فإن السودان يتمتع بادخال كوتة محددة من السكر إلى فرنسا دون أن يتم دفع الرسوم الحمائية المفروضة على مستورداتها من السكر. وعليه فإن هذا الإجراء قد أدى إلى رفع أسعار تلك الكوتة بحوالى (60%) من الأسعار العالمية وعليه يصدق القول أن الدول الصناعية الكبرى لو رفعت الرسوم الحمائية التي تفرضها على مستورداتها من السكر لانهارت صناعة السكر في فرنسا وغيرها من الدول الصناعية الكبرى. ولا يقتصر ذلك على صناع السكر بل يتعداه إلى صناعة الزيوت النباتية وغيرها. ومن المعروف أن أكبر الدول التي تنفق على الدعم هي فرنسا، التي بها حركة للمزارعين تعتبرالأعلى صوتاً في العالم، لهذا يمكن أن يؤدي رفع الدعم إلى الاطاحة بحكومات في بلدان عديدة من البلدان الصناعية الكبرى.

حقيقة مهمة لابد من ذكرها هنا، أن كل الدول الصناعية الكبرى المنضوية تحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (و هي أقل من خمسين دولة) ومن بينها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، واليابان، وكوريا، والمكسيك تقوم هذه الدول بتصنيع الجرارات والأدوات الزراعية الأخرى والسماد والمبيدات وغيرها من مدخلات الانتاج مما يجعلها في متناول المنتجين الزراعيين بالاضافة إلى حصولهم على تسهيلات مصرفية عادلة.

أما أغلب البلدان النامية فإنها تستورد كل هذه المدخلات وبأسعار قاتلة تزيد من تكلفة الانتاج زيادة مهولة. وفي دراسة لي نشرت في كتاب (إقتصاد الانقاذ والافقار الشامل) قمت بدراسة لمشروع الجزيرة وتوصلت إلى أنه في عام 1996/1997 بلغت قيمة مدخلات الانتاج المستوردة للقطن بين (60% إلى 65%) من تكلفة انتاج القطن، أي أن القطن أصبح صناعة من المواد المستوردة. أما بالنسبة للقمح فان مدخلات الانتاج المستوردة تساوي ما يقل قليلاً عن (75%) من كلفة إنتاجه.

نخلص إلى أن أكبر مساعدة للفقراء تقدمها لهم الدول الصناعية الكبرى هي رفع الدعم عن الانتاج الزراعي في بلدانها ورفع الحمائية عن سلعها المصنعة وتنفيذ ما تدعونا إليه وهو تحرير التجارة الدولية. وقد قام فريق من الاخصائيين بدراسة مايمكن أن تستفيده الدول النامية من ذلك ووجدوا أن ذلك سيضيف مبلغاً يزيد عن (100) مليار سنوياً لحصيلة صادرات الدول النامية. وهذا الرقم يفوق كثيراً كل المنح والمساعدات التي “تتكرم” بها علينا الدول الصناعية الكبرى. والحال أن هذا الدعم للزراعة والحمائية للصناعة في البلدان الصناعية الكبرى تفضيان إلى تحطيم إنتاج المنتجين الزراعيين والصناعيين في السودان وغيره من بلدان العالم الثالث.

لقد تمكنت مفوضية الانضمام لمنظمة التجارة العالمية بقيادة السيد/ بدر الدين سليمان من اكتساب العديد من المزايا المهمة في ناحية دعم المنتج الصغير للدرء الجزئي للأثار السالبة للدعم في البلدان الصناعية ولكن لاحياة لمن تنادي، فمازالت حكومة السودان تتجاهل تلك الحقائق التي تم اكتسابها لصالح السودان ولاتعيرها أدنى اعتبار.

لقد نمت حركة واسعة وعميقة الأثر من بين الدول النامية بقيادة البرازيل والهند وهي تسعى إلى إلغاء الدعم والحمائية في البلدان الصناعية وهي تحقق نجاحات عديدة هنا وهناك، ومن الواجب أن يصبح السودان دولة فاعلة في هذه الجبهة العريضة الهادفة لإبعاد الآثار السلبية المدمرة على المنتجين الزراعيين والصناعيين في البلدان النامية.

نشر بصحيفة الخرطوم بتاريخ 8 يناير 2007