الاستاذ محمد عبده كبج كاتب وباحث في قضايا الاقتصاد السوداني، نشر العديد من المقالات التي تناولت بالتحليل الكثير من القضايا الاقتصادية الحيوية، مثل قضايا البترول، الميزانية العامة، الزراعة وغيرها. نشر له معهد البديل بجامعة كمبرج كتاب “السودان، اقتصاد الانقاذ والافقار الشامل”، وهو يعتبر من الكتب القليلة التي

تناولت في تشريح عميق جوانب واداء الاقتصاد السوداني في ظل نظام الجبهة الاسلامية.

 

سيقوم موقع سودانيز ايكونومست بنشر كتابات الاستاذ محمد عبده كبج تباعاً وذلك لما لها من فائدة معرفية لا تضاهي خاصة فيما يتعلق بقضايا السودان الاقتصادية وما يترتب عليها علي المستويين السياسي والاجتماعي. وتامل ادارة الموقع في ان تثير هذه الكتابات الجادة والعميقة حواراً مفيداً بين المهتمين من قراء وكتاب.

حول الزراعة

الكل يؤمن بأن الزراعة هي قاطرة التنمية في السودان وهي القطاع المقدم لسبل كسب العيش للأغلبية الساحقة من المواطنين وقد أكدت هذا المعنى حكومة الانقاذ بعد انقلابها العسكري في 30 يونيو 1989 إذ جاء في بيانها الأول ما يلي (لا يختلف اثنان حول الامكانيات الطبيعية الهائلة التي تنعم بها بلادنا في مجالات الزراعة والانتاج الحيواني مما دفع كثير من الهيئات والمنظمات والشركات لإجراء الدراسات وإعداد المشروعات الصالحة للاستثمار والتنمية في بلادنا. ورغم ذلك فقد ظلت الأزمة الاقتصادية والمعاشية تنمو وتزداد يوماً بعد يوم حتى ضاق الحال بكل فرد وكل أسرة وضرب الفقر والبؤس قطاعات واسعة من أهل السودان ممن كانوا يجدون كفايتهم وانهار مستوى كثير من الأفراد والأسر إلى درجة العوز والحاجة التامة. وتدنت مرافق الخدمات الضرورية من تعليم وصحة، كل ذلك بسبب إضطراب السياسات وتخبطها وعدم استقرارها. وبسبب الصراع السياسي الذي شغل أهل الأحزاب من مراعاة الفقير والمسكين وعن التخطيط السليم للاصلاح والنهضة، وبسبب الفساد الذي خاض فيه الكبار قبل الصغار والرؤساء قبل المرؤسين فصار المنكر من محسوبية ورشوة استغلال نفوذ عرفاً ومنهجاً وأضحى الالتجاء للقانون والمساواة بين الناس دون تمييز حزبي أو اجتماعي منكراً يحارب أهله وتسد في وجوههم الأبواب.

لقد تراكمت ديوننا الخارجية حتى بلغت أرقاماً هائلة وتنامت الفجوة بين ما نستورد ز ما نصدر وتوقفت المصانع والمزارع بسبب نقص المواد الأولية والضرورية وإعراض الناس عن الانتاج والبذل والعرق واشتغلوا بعاجل الربح الوفير من الأعمال الهامشية الضارة من تهريب وتجارة للعملة وسمسرة في مواد التموين والأراضي ورخص الاستيراد والتصدير. وهكذا وقد كان لذلك النهج المعوج أثره السيء في إشعال التطلعات غير الموضوعية مما قاد كثير من الأفراد إلى الانحراف والوقوع في الجريمة والجري الكاذب وراء المظاهر الخادعة، وبرزت في المدينة شرائح يزداد غناها وتنمو ثروتها كل صبح دون جهد أو عرق وشرائح أخرى يقتلها الفقر أو يكاد رغم الجهد والعرق. وزاد الأمر كآبة تدفق أعداد النازحين وأطمارهم البالية وأيديهم الخالية من كل كل شيء إلا الأمل والرجاء.

إن ثورة إنقاذ السودان قد عقدت العزم على اتخاذ الإجراءات الآتية:

1

إيلاء أسبقية أولى لتأمين معاش المواطنين وكفالة الحاجات الأساسية وضبط السوق ومكافحة التهريب والضرب على أيدي المحتكرين والمتاجرين في السوق الأسود وسارقي قوت الشعب.

2

تحسين الخدمات في الريف والحضر من تعليم وصحة واتصال وطرق وموارد مائية.

3

ضبط الفساد في الخدمة العامة ومكافحة الاختلاسات ومحاربة الرشوة ومحاسبة المفسدين ومحاكمتهم بصورة جادة وناجزة وستخصص لذلك لجان تحقيق ومحاكم خاصة. ولن يستثنى منها أحد مهما كان موقعه أو مكانه.

4

دفع التنمية والانتاج وفق خطة علمية واقعية والعويل على النهضة الذاتية والموارد المحلية (إنتهى)

 

هذا هو ما جاء على لسان حكومة الانقاذ عند مجيئها للسلطة في 30 يونيو 1989 – هذه الوعود التي انقضى عليها ما يزيد عن 17 عاماً – وإذا صدق هذا الوصف لما كان في عام 1989 فإنه اليوم أكثر صدقاً وأدق تصويراً.

كيف حدث ما حدث وكيف تمزقت كل تلك الوعود وصار حالنا يغني عن سؤالنا؟

لمواجهة تلك المهام وتغيير وجه السودان وتحسين معيشة وحياة البشر أشهرت حكومة الانقاذ سياسات التحرير الاقتصادي وآلية السوق وبنت عليها الاستراتيجية القومية الشاملة ووضعت بناء عليها الخطة العشرية للتنمية (1992 – 2000) وكان النصيب الأكبر فيها للزراعة – وعند إقرار تلك الخطة العشرية اصطحبتها ضجة إعلامية عالية المستوى باعتبارها الخطة التي ستحدث قفزات في تنمية السودان والتنمية البشرية التي يستحقها إنسان السودان – فماذا كانت الحصيلة التي جناها المواطن السوداني في جميع أنحاء السودان.

ففي مجال الزراعة حدث ما يلي:

1

بشرتنا الخطة العشرية عند نهايتها بأن تصل كمية الذره إلى (20) مليون طن وقد كان انتاج الذره فعلياً (4) ملايين و(425) الف طن في آخر أعوام النظام الديمقراطي – قبل الإنقاذ – ولكن فوجئنا أن كمية إنتاج الذره عند نهاية الخطة العشرية في منتصف 2002 ما جملته (2) مليون و(825) الف طن – وهذا الانتاجج يساوي أقل من (15%) من هدف نهاية الخطة العشرية كما يساوي أيضاً ما يقل قليلاً عن (64%) من الانتاج في عام 1989 خلال آخر أعوام الحكم الديمقراطي – ليس هذا فقط بل أن كل سنوات الخطة العشرية لم تشهد أي إنتاج للذره متفوقاً على إنتاج آخر سنوات الديمقراطية ونضيف أيضاً أن جملة إنتاج موسمي 1989/1990 و1990/1991 كان كمية (2) مليون و(716) الف طن وجملة هذين الموسمين عند بداية حكم الانقاذ تساوي (61%) فقط من انتاج الذره في موسم 1988/1989 (قبل الانقاذ).

2

كان إنتاج الدخن في عام 1988/1989 (قبل الانقاذ) كمية (495) الف طن ووعدتنا الخطة العشرية عند نهايتها في منتصف 2002 أن يتحقق إنتاج (2) مليون و(49) الف طن من الدخن ولكن عند حلول نهاية الخطة العشرية كان الانتاج الفعلي (581) طناً من الدخن وهذه الكمية تساوي (28%) مما هدفت له الخطة العشرية وأيضاً بزيادة (17%) مما كان عليه إنتاج الخن في آخر أعوام الحكم الديمقراطي.

3

أما إنتاج القمح (ثالث أنواع الحبوب الغذائية في السودان) فقد هدفت الخطة العشرية إلى إنتاج (2) مليون و(297) الف طن من القمح ولكن الانتاج الفعلي للقمح كان قد كان (330) الف طن فقط عن نهاية الخطة العشرية وقد كان فعلياً (247) الف طن من القمح في العام الذي سبق نهاية الخطة العشرية والحال أن كمية (247) الف طن من القمح قد تم انتاجها في عام 1988/1989 قبل حكم الانقاذ دون ضجيج حول الاكتفاء الذاتي من القمح – ولابد أن نضيف هتا أن انتاج القمح قد وصل إلى كمية (838) الف طن في عام 1991/1992 ولكنها فقاعة سرعان ما انحسرت ووصل الانتاج إلي (172) الف طن في عام 1998/1999 وبلغ (214) الف طن في موسم 1999/2000 و(303) الف طن في موسم 2000/2001.

وهكذا نجد أن انتاج الحبوب حسب ما هدفت له الخطة العشرية قد إنهار تماماً ولم يصل إلى ما يقارب أهدافه المعلنة.

ونواصل تصوير نتائج الخطة العشرية فيما يتعلق بانتاج القطن والسمسم والفول السوداني.

4

صاحب الاهتمام بالتوسع في انتاج القمح في كل المشاريع القومية وغييرها إنحداراً في المساحات والكميات التي تم انتاجها من القطن. ففي عام 1988/1989 (قبل الانقاذ) كان انتاج القطن (514) الف طن وتدهور الانتاج بعد ذلك إلى (169) الف طن في موسم 1992/1993 و(148) الف طن في 1993/1994 ثم وصل إلى (160) الف طن في 1998/1999 و(147) الف طن في 1999/2000. لقد كان متوسط صادرات القطن من السودان خلال الفترة اليمقراطية (1986/1988) في حدود (900) الف باله ولكن بعد التوسع في انتاج القمح بعد الانقاذ إنحدرت كمية الصادرات إلى (402) الف باله وسارت كمية صادر القطن على هذا المنوال بزيادة ونقصان من عام لآخر. كما ان نقص انتاج القطن يتبعه نقص إنتاج بذرة القطن وهي مدخل إنتاج لصناعة زيوت الطعام في السودان.

5

كان من أهداف الخطة العشرية إنتاج مليون و(350) الف طن من السمسم في العام مع نهاية الخطة العشرية في منتصف عام 2002 ولكن وصل الانتاج الفعلي في ذلك الوقت إلى (122) الف طن من السمسم وهو ما يساوي (9%) فقط من هدف الخطة وقد كان انتاج السمسم في عام 1988/1989 قبل الانقاذ (194) الف طن.

6

أما في إنتاج الفول السوداني فقد كانت جملة الكمية المنجة فعلياً (550) الف طن في نهاية الخطة العشرية وكان من المؤمل حسب الخطة العشرية أن يصل الانتاج في القطاعين المروي والمطري إلى كمية (2) مليون و(108) الف طن فول سوداني أي أن ما حدث فعلاً هو إنتاج (26%) فقط مما هدفت له الخطة العشرية.

وبالطبع عندما نتناول كل هذه التفاصيل إنما نود أن نشير إلى التدهور الذي أصاب الزراعة والقطاع المطري التقليدي الذي يسكنه جوالى (65%) من سكان السودان والحال اننا نقارن الانتاج حالياً مع الانتاج الفعلي قبل ما يزيد عن 17 عاماً م الزمان. ويكفي فقط أن نقول أن سكان السودان قد تجاوز عددهم (26) مليون نسمه حسب تقديرات جهاز الإحصاء المركزي. وكما تشير المعلومات الصادرة من بنك السودان فإن الانتاج الزراعي قد أصابته الكثير من الكوارث هنا وهناك مما أدى إلى تدهور نسبته في الناتج الإجمالي. وكما تشير تقارير بنك السودان فإن نسبة نمو الزراعة في فترة ما بعد انتاج وتصدير البترول قد ظلت منخفضة. ففي عام 2000 كانت نسبة نمو الزراعة إجمالاً أقل من (1%) ثم أقل من (5%) في عام 2001 ثم (7%) في عام 2002 وانخفضت إلى (5%) في عام 2002 ثم كانت نسبة نموالزراعة سالبة بحوالى (4%) في عام 2004 وأصبح معدل النمو للزراعة حوالى (7%) في عام 2005. والحال أن نسبة نمو الزراعة حسب معطيات الخطة العشرية كانت (35%) سنوياً الشيء الذي لم يحدث رغم انتاج وتصدير البترول – وهذه حقيقة مؤسفة للغاية – كما نود أن نشير إلى ان الزراعة في السودان (الشق النباتي) يتكون من الزراعة المروية والزراعة المطرية شبه الآلية ثم الزراعة المطرية التقليدية وبتتبع نسبة نمو الزراعة شبه الآلية نجد أن نموها قد كان سالباً بنسبة (56%) في عام 2000 ثم سالب مرة أخرى بنسبة (45%) في عام 2004 كما أن الزراعة المطرية التقليدية (التي لم تدخلها الزراعة الآلية ولا مدخلات الانتاج من سماد ومبيدات حشرية وبذور محسنة فقد كانت نسبة نموها سالبة بمقدار(6%) في عام 2000 ثم سالبة بمقدار (12%) في عام 2001 ثم نسبة نموسالبة للمرة الثالثة بمقدار (25%) في عام 2004 وكل هذا يصور الدمار الذي أصاب القطاع الزراعي والفقر والجوع الذي اصاب المنتجين في القطاع الزراعي والمطري منه على وجه الخصوص. وعندما نقارن إنتاج الحبوب الرئيسية في السودان نجد أن كل إنتاج الحبوب (ذره، دخن، قمح) في موسم 2004/2005 كان أقل في كل كمية الانتاج الكلي والمساحات المزروعة وأقل من إنتاجية الفدان عندما نقارنه مع الموسم السابق له 2003/2004.

نشر بصحيفة الخرطوم بتاريخ 8 يناير 2007