د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

“تاليسمان” في الميدان

لا تثريب على حكم يضع جل اللوم الناقم في تعضيد حكم الطغاة الاسلاميين وتمكينهم بوسيلة الحرب أو السلم على الصين، لكن الصين ليست الوحيدة التي يوجهها الشره الرأسمالي، فقد كان دورها توفير البترول، وقود آلة الجبهة، أما الآلة نفسها وأجزاءها وصيانتها فهي مهام اضطلعت بها أطراف متعددة تشمل شركات وهيئات استثمارية من كندا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وألمانيا، والنمسا، والسويد، وروسيا، وبولندا، والهند، وماليزيا. بالطبع لم يقتصر التعاون على تكنولوجيا البترول فقط، إنما أمدت روسيا مثلاً السودان بطائرات ومروحيات مقاتلة، ووفرت بولندا دبابات حديثة، كما أستطاعت حكومة الخرطوم اقامة صناعة عسكرية محلية بعون روسي (لويس، 2004م: ص 7 – 8). من ثم ليس الأمر جماع مصالح صينية – (جبهجية) فقط، إنما بنظرة أوسع تقاطع شبكي لاملاءات السوق العالمي، واستمرار دموي لاندراج السودان كتابع طرفي في هيكل الرأسمالية الدولية: برجوازية طرفية تقوم بدور المستبد الداخلي، والوكيل المحلي لطبقة سوبر- رأسمالية متعولمة.

بهذا المدخل يمكن عقل دور الشركات الغربية في بناء القدرات البترولية والعسكرية للنظام الحاكم، لكن الحادث أن هذا الدور لم يستمر سوى لفترة قصيرة، وذلك في المقام الأول لاتساع الاحتجاج الدولي الشعبي، الغربي بالأساس، على هذا الدور وتعاظمه، بخاصة من جهة منظمات حقوق الانسان، ما أجبر أكثر من شركة غربية على الانسحاب من أقاليم البترول السودانية، رغم أنها ما قضت منها وطراً. في ما يخص الرأسمالية الصينية، كان هذا الوضع مدعاة حبور ونشوة، إذ بذلك انفردت في مجال ابتعد عنه المنافسون، وأصبحت لها اليد العليا في منطقة بكر.

ربما كانت قصة (تاليسمان) في السودان الأكثر دلالة على فعالية التضامن الدولي المناهض لحروب السودان النفطية، وفضل إمبريالية (متقدمة) على أخرى (متخلفة)! فالأولى متاحة على الأقل لرأي عام في بلدانها الأم يمكن استمالته لجهة الانتصار لقضية عادلة، أما الثانية فطابعها الصمم والبكم والعمى. لعل مقولة (تروتسكي) الحكيمة حول الاتباع تضيف لهذه الاشارة قدراً من التماسك، حيث يقول: “عند اتباعها الأشكال الجديدة الملحقة لا تأخذ المجتمعات المتأخرة بالبدايات ولا بمراحل التطور، وإنما تلتقط النتيجة النهائية ليس إلا. وفي الواقع تذهب أبعد من ذلك، فالمجتمعات المتأخرة لا تحاكي المنتج كما هو موجود في بلاد المصدر، إنما تحقق الفكرة المثالية للمنتج. وهي على ذلك قادرة بفعل أنها في موقع المتبع المقلد. هذا يفسر لماذا تبدو الأشكال الجديدة في المجتمعات المتأخرة متقنة أكثر مما هي عليه في المجتمعات المتقدمة، فالعلة أن المجتمعات المتقدمة تقترب من المثال ولا تحققه، حيث تتوسله شيئاً فشيئاً عبر عملية التطور المضنية وبتجاذب الاحتمالات التاريخية.” إذا استبدلنا منتج (تروتسكي) بالسنن الإمبريالية تتبدى لنا شراسة الإمبريالية الصينية المستترة وفعاليتها التي تماثل بل تتفوق على إمبريالية القرن التاسع عشر البريطانية فتلك شابها قصور تاريخي اسمه الآيديولوجيا وطلبت لنفسها تبريرات مكلفة وغير اقتصادية البتة ثقافية المنشأ من نوع “عبء الرجل الأبيض” نشر الحضارة في العالم، أما الصينيون فدأبهم مراكمة الأرباح، أي جوهر المسعى الإمبريالي، ولا حضارة ولا رسالة ولا يحزنون. لذا ربما وافقت الصين هوى الاسلاميين أكثر من غيرها، فقد تركت لهم الرسالة، واكتفت بالحصيلة، دون انشغال بحضور ثقافي أو ما شابه، فمنتهى التبرير الذي تنشغل به الصين دعاية اعلامية من قبيل التعاون بين أقطار العالم الثالث، وحتى هذا الشعار يبدو أقنومة من عصر انقضى.

ورثت (تاليسمان إنرجي) تركة الفرع الكندي لـ(بريتيش بتروليوم) (BP Canada)، ذلك الذي أنشئ في أوائل خمسينات القرن الماضي. في العام 1992م باعت (بريتيش بتروليوم) حصتها البالغة 57% في فرعها الكندي للجمهور، من ثم تغير إسم الشركة في 31 ديسمبر 1992م إلى (تاليسمان إنرجي). منذ انشائها ابتدرت (تاليسمان) حملة للتوسع عبر شراء شركات وامتيازات بترولية، ما نجم عنه اكتسابها لأصول في مناطق متفرقة من العالم منها بحر الشمال والجزائر وإندونيسيا، فقد تمكنت من شراء شركات (إنكور) 1993م، و(بو فالي إنرجي) 1994م، و(قول بتروليوم) 1996م، و(بمبينا ريسورسز) 1997م، و(آراكيس إنرجي) 1998م، و(ريغل إنرجي) 1999م، و(فيستا مدستريم سولوشنز) 2004م، و(بالادين رسورسز) 2005م. في الوقت الحاضر تنشط (تاليسمان) في أكثر من 16 دولة حول العالم، ولها مشاريع تنقيب واستكشاف وانتاج في أميركا الشمالية، وبحر الشمال، وجنوب شرق آسيا، وأستراليا، وشمال افريقيا، وترينيداد وتوباغو، كما تشارك في أعمال في آلاسكا، وكولومبيا، والغابون، والبيرو، وقطر، ورومانيا. الشركة مسجلة في كل من بورصة نيويورك، وتورونتو (موقع الشركة على الإنترنت، 18/12/06م).

الذي حدث أن تاليسمان بشرائها آراكيس إنرجي في العام 1998م أصبحت شريكاًَ في الكونسورتيوم الدولي المعني باستثمار البترول السوداني، وذلك بحسب الحصص التالية: الشركة الوطنية الصينية (40%)، شركة البترول الوطنية الماليزية – بتروناس (30%)، تاليسمان إنرجي (25%)، وسودابت (5%) (النفط والغاز، 11/11/00م). رغم أن غزوة تاليسمان السودان لم تستمر وقتاً طويلاً يشفي تعطشها للأرباح، إلا أنها لم تغادر السودان خاسرة، بل بالعكس جنت أرباحاً طائلة، حيث ارتفعت عائدات استثمارات الشركة في السودان من 184 مليون دولار كندي في العام 2000م إلى 310 مليون دولار كندي في العام 2002م، ما يساوي 22% من دخل الشركة الكلي (باتيي، 2006: ص 20). تحصلت تاليسمان عام 1998م على نصيب آراكيس إنرجي بسعر 180 مليون دولار، وغادرت السودان بعد بيع نصيبها إلى (ONGC Videsh Ltd.)، فرع للشركة الوطنية الهندية للبترول، في عملية اكتملت في مارس 2003م، بمبلغ 758 مليون دولار (آيرين، 30/10/02م). مساهمة تاليسمان الرئيسة كانت المشاركة الفاعلة تمويلاً وتنفيذاً في بناء خط الأنابيب الواصل بين مناطق الانتاج في هجليج والوحدة وبين ميناء التصدير على البحر الأحمر بطول 1600 كيلومتر. بالفعل ارتفع الانتاج بمساعدة تاليسمان في هذه الفترة من لا شئ يذكر إلى 250 ألف برميل في اليوم، ذلك بعد أن تمكنت القوات الحكومية بعون لوجستي من الشركة، بالذات توفير مدارج أرضية للقاذفات والمقاتلات الحكومية، من اخلاء أرض البترول من سكانها إما بالقتل أو التشريد. أما السلطة فقد حققت عبر هذا الدرب الدموي منعة لم تكن لتحلم بها أضغاثاً إذ ارتفع دخلها السنوي من البترول إلى مبلغ 1 مليار دولار (لويس، مصدر سابق: ص 24). الفضل من ناحية أخرى يعود إلى ارتفاع أسعار البترول في أواخر العام 1999م الذي تزامن مع أول ضخات الصادر السوداني، وبذا تبادلت السفن الحاملة للبترول والأخرى الحاملة للسلاح المواقع على الميناء، الأولى ذاهبة والثانية قادمة (فان فاكتور، 2003، مسودة: ص 2).

المعارضة الشعبية الكندية والأميركية لاستثمارات تاليسمان في السودان، والمستندة إلى تقارير متتابعة لانتهاكات حقوق الانسان في مناطق التنقيب صادرة عن مؤسسات مثل آمنستي إنترناشيونال (1996م، 1997م) وهيومان رايتس ووتش (1993م، 1994م، 1996م)، بالاضافة إلى تقرير “هاركر” الصادر عن لجنة تحقيق مفوضة من وزير الخارجية الكندي (2000م)، كانت هي المعول الأساس الذي أدى إلى تقويض أعمال تاليسمان في السودان. أو كما عبر عن ذلك مدير الشركة جيم بوكيي غداة بيع نصيب تاليسمان بقوله: “تناقصت قيمة أسهم تاليسمان في الاعتبار العام جراء المخاطر السياسية الناجمة عن استثمارات الشركة في السودان، ولقد عبر لي أصحاب الأسهم عن ضجرهم من ضرورة متابعة وتحليل الأحداث ذات الصلة بالسودان” (ضمن كوبرين، 2004: ص 426). بمجرد شراء تاليسمان لآراكيس إنترناشيونال ابتدرت منظمات مدنية وحقوقية في الولايات المتحدة وكندا حملة منسقة لتبصير الرأي العام بصلات النفط والدم في الحرب الأهلية جنوب السودان، مستهدفة بالخاصة صانعي القرار والمشرعين، وفي المقام الأول أصحاب الأسهم، وهم في الغالب ليسوا أشخاصاً طبيعيين وإنما صناديق معاشات استثمارية، وبالتالي أكثر عرضة لنفوذ الرأي العام. وذلك بغرض دفع الأطراف المعنية للعدول عن الاستثمار في السودان إما اختياراً أو جبراً عبر دعاوى قضائية. استجابة لحملة الضغط المضطردة انسلت عدة جهات من شراكة تاليسمان في الفترة 1999 – 2000م، من بينها صندوق معاشات المعلمين بتكساس، صندوق معاشات الموظفين بنيوجرسي، وصندوق معاشات مدينة نيويورك (ضمن المصدر السابق: ص 440). في كندا انسحب بنك مواطني فانكوفر من تاليسمان، وكذلك جامعة تورونتو، وجامعة يورك، واتحاد المعلمين بمدينة انتاريو (باتيي، 2006م: ص 22). في نوفمبر 2001م تقدم محامي عن الكنيسة المشيخانية في السودان وآخرين بدعوى قضائية ضد تاليسمان إنرجي أمام محكمة جنوب نيويورك. تم تعديل الدعوى في فبراير 2002م لتتضمن حكومة السودان. كان الاتهام الموجه إلى تاليسمان هو انتهاك حقوق الانسان بالنسبة للمسيحيين والأقليات غير المسلمة في جنوب السودان عبر قياد حملة تطهير عرقي من أجل اخلاء الأرض قصد التنقيب عن البترول، وذلك تحت قانون “مطالبات الضرر الأجنبية” (Alien Tort Claims Act) الذي يسمح للأجانب بالتقاضي أمام المحاكم الأميركية في حالة الأفعال المرتكبة في بلدان أخرى تنتهك قانون الشعوب. رغم محاولات تاليسمان الدفع باتجاه رفض الدعوى على أساس اجرائي إلا أن قاضي فدرالي في محكمة مانهاتان حكم في مارس 2003م بقبول الدعوى متغاضياً عن حجة مساسها بالعلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بالاشارة إلى اعلان الولايات المتحدة السودان دولة داعمة للارهاب، وتوقيع الرئيس بوش على قانون سلام السودان للعام 2002م (كوبرين، 2004م: ص 449 – 451). في سياق المطالبة قدم الإدعاء وثائق تثبت تورط تاليسمان بصورة أو أخرى في عمليات عسكرية استهدفت المدنيين من بينها مذكرة داخلية يعود تاريخها إلى أبريل 1999م تقول أن مدير الأمن في الكونسورتيوم كان عضواً في مجلس حكومي عالي المستوى مختص بقيادة العمليات العسكرية المتعلقة بالدفاع عن مناطق البترول، من بين أعضائه وزير الدفاع، مع التأكيد على الصلة الوثيقة التي جمعت مدير الأمن بالكونسورنيوم مع بقية أعضاء المجلس، وإطلاعه على كافة أعماله. كذلك تقدم الإدعاء بوثيقة من العام 2000م يذكر فيها المستشار الأمني لشركة تاليسمان مارك ريدنغ أن القوات السودانية شنت هجمات جوية انطلاقاً من مهابط الكونسورتيوم لمدة ستة أشهر في العام 1999م دون أن تعبر الشركة عن أي اعتراض، من ضمن ذلك هجمات قامت بها طائرات نقل مزودة بالقنابل. يتوقع، بحسب تقارير صحفية، أن تكون القضية جاهزة للفصل النهائي في يناير هذا العام 2007م (أوتاوا سيتزن، 22/10/2005م). هذا مع التنويه إلى أن مبلغ المطالبة قيد النظر مليار دولار أميركي.

“لندين” السويدية

في فبراير 1997م حصلت لندين بتروليوم السويدية على حقوق التنقيب والانتاج في مربع (5A) بولاية الوحدة، وذلك ضمن كونسورتيوم شاركت فيه بنسبة 40% ضم (OMV) النمساوية، وبتروناس الماليزية، وسودابت، حيث تكفلت لندين بمهمة التشغيل وتكاليف مشاركة سودابت صاحبة الـ(5%). بالمقارنة مع تاليسمان غادرت لندين مربع (5A) في يونيو 2003م بعد بيع حصتها لبتروناس الماليزية بمبلغ 142,5 مليون دولار أميركي، لكن سيرتها لم تثر ذات القدر من الاحتجاج الدولي، ربما لأنها، على الأقل، أبدت حساسية أعظم تجاه تعقيدات الاستثمار في أرض البترول المتنازع عليها، ومن ذلك أنها فوضت فريقاً بحثياً لانجاز تقييم سياسي اقتصادي للمنطقة في العام 1999م اعتمدت عليه كخطة عمل، كما استثمرت أكثر من 1,7 مليون يورو في برامج لتنمية المجتمع المحلي (باتروخ، 2003: ص 5). بالنظر إلى نشاط الشركة في منطقة حرب تعرضت لندين لضغط متعاظم من منظمات حقوقية أوروبية، وكذلك من الحكومة السويدية حيث صرحت وزيرة الخارجية السويدية حينها آنا ليند قائلة: “إن نشاطات لندين في السودان تعتبر سلبية بالنسبة للسويد” (باتيي، 2006: ص 28). في المحصلة أجبرت لندين على بيع حصتها في مربع (5A) انقاذا لسمعتها من اتهامات التورط في انتهاكات بالغة لحقوق الانسان، لكنها حافظت على وجود أقل في مربع (5B).

المصادر
(1)
Scott Lewis, Rejuvenating or Restraining Civil War: The Role of External Actors in the War Economies of Sudan, Bonn International Centre for Conversion, Bonn, 2004.
(2)
Website: www.talisman-energy.com, 18/12/2006.
(3)
Sheppard & Manhas, Sudan Experience Offers Corporate-Responsibility Lessons, Opportunities, Oil & Gas Journal, PennWell Corporation, 11/11/2000.
(4)
Luke A. Patey, A Complex Reality: The Strategic Behaviour of Multinational Oil Corporations and the New Wars in Sudan, Danish Institute for International Studies, Copenhagen, 2006.
(5)
IRIN, Sudan: Talisman Sells Controversial Oil Stake, 30/10/2002.
(6)
Samuel A. Van Vactor, Held Hostage: Arms and Infrastructure, Oil Development in Sudan and Chad (draft), Economic Insights Inc., May 2003.
(7)
Stephen J. Kobrin, Oil and Politics: Talisman Energy and Sudan, International Law and Politics, Vol. 36, New York University, 2004.
(8)
Kelly Patterson, The Ottawa Citizen, 22/10/2005.
(9)
Christine Batruch, Oil and Conflict: Lundin Petroleum’s Experience in Sudan, in Bailes and Frommelt (eds), Business and Security: Public-Private Sector Relationships in a New Security Environment, Stockholm International Peace Research Institute, Oxford University Press, (forthcoming 2004).