د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

تهافت الشركات

سبقت الاشارة إلى سالف استغلال البترول السوداني على يد الرأسمال الأميركي ممثلاً في شركة شفرون، والتي وضع خروج الجيش الشعبي لتحرير السودان على نظام جعفر نميري حداً لنشاطها في السودان، ثم عادت للمبادرة بعد الانتفاضة الشعبية أبريل 1985م، إلا أن استمرار دورات القتال بين الجيش الشعبي والجيش الحكومي حال دون اتصال ما انقطع، بالاضافة إلى عين الريبة التي لازمت علاقة الحكم الديموقراطي بحلفاء جعفر نميري وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية. على كل وضع انقلاب الجبهة الاسلامية في يونيو 1989م نهاية لآمال شفرون في استثمار آمن، حيث اشتد لهيب الحرب في أقاليم البترول السودانية حتى فاق كل سابقة، بما هو ركيزة الصراع المحورية. هذا بالاضافة إلى صبغة الاسلاموية المتمردة التي تبختر بها النظام أول عهده فصد عن نفسه أصدقاء محتملين من بينهم مصر والولايات المتحدة، والإثنان يشتركان في الحنق على ديموقراطية السودان، بعد أن أطاحت بحليفهما المؤتمن. في العام 1990م أكملت شفرون رحلة صيدها في السودان بالتخلي عن امتيازاتها في أبو جابرة وشارف، ذلك بعد أن بلغت جملة استثماراتها مليار دولار أميركي تشهد عليها 87 بئر خلفتها للوارثين، 31 منها في دارفور وجنوب كردفان (المركز العربي لأبحاث البترول، 1993م: ص 396). استثار النظام غضب بلدان الخليج العربي بموقفه الداعم لصدام حسين خلال حربه ضد الكويت 1990م فحجبت عنه صادر البترول، لكن ثمار ذلك كانت صداقة سريعة الذوبان مع ايران، صادفت هوى عند المعجبين بثورة الخميني من الاسلاميين السودانيين، وهم تيار مؤثر في الجبهة الاسلامية الحاكمة. الصين بدورها كانت على أتم الجاهزية لتشغل الموقع الذي أخلاه الاتحاد السوفييتي، بسقوطه المدوي، في الحلبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالذات وقد دشنت الولايات المتحدة تحت قيادة بوش الأب مشروعها لنظام عالمي جديد لا مكان فيه سوى لقطب واحد، فكأنما ورثت الصين حلفاء السوفييت السابقين في المنطقة بوضع اليد، لكن دون ضجيج آيديولوجي، وإنما بدبلوماسية مداهنة. بذا وجد الخارجون على النظام العالمي يد الصين ممتدة، كما اليها سعوا. من ذلك صفقة السلاح البالغ حجمها 300 مليون دولار التي تمت في مارس 1991م بين قيادة الجيش السوداني والصين بتمويل ايراني. الايرانيون بدورهم مدوا النظام في ديسمبر 1991م بقرض قدره 17 مليون دولار ووعدوا بآخر قدره 150 مليون دولار كان الشاه قد خص به جعفر نميري (سودان أبديت، 2000م).

 

بدأت في ذات الفترة محاولات النظام انعاش اهتمام الرأسمال الدولي بما تحت سيطرته من موارد بترولية فعقد في يناير 1992م أولى الصفقات للاستكشاف البترولي مع شركة (لندين) التي أوكل لها القيام بمسوح جيوفيزيائية في منطقة الامتياز الواقعة بين طوكر وحلايب براً وبحراً والممتدة لمساحة 38,400 كيلومتر مربع. بدرجة أعلى اشتد ضغط الحكومة على شفرون إما أن تستأنف الانتاج في مناطق امتيازها جنوب السودان، أو أن تبيع وتغادر كلية، حتى أذعنت شفرون وباعت منتصف 1992م استثمارها البالغ مليار دولار لشركة كونكورب إنترناشيونال المملوكة لرجل الأعمال السوداني محمد جار النبي بمبلغ زهيد قدره 25 مليون دولار (تقرير الشرق الأوسط الاقتصادي، 22/06/92م). وسيط الصفقة كان مايك فريني، مدير شركة (Chemex) ومقرها (بيكرسفيلد) في (كاليفورنيا): الشركة الممثلة لكونكورب إنترناشيونال في الولايات المتحدة الأميركية. تأسست كونكورب في العام 1976م ولها نشاطات في السودان والولايات المتحدة ويوغندا وتشاد والامارات العربية والمملكة السعودية والهند، حيث راكمت خبرة خمسة عشر عاماً في بناء المدراس في السعودية، بالاضافة إلى انشاء الطرق والجسور! على رأس الشركة محمد عبد الله جار النبي: أحد أبكار الحركة الاسلامية ومرشح الجبهة القومية الاسلامية في انتخابات 1986م، والرجل المقرب من عراب النظام حينها د. حسن الترابي. تقف خلف الشركة رأسمالية الجبهة ممثلة في شيخ عبد الباسط وعثمان خالد مضوي والطيب النص. كما أن لذات المجموعة عين داخل شفرون نفسها، حيث غادر مديرها العام في السودان عبد اللطيف وداعة الله موقعه بعد خروج الشركة من البلاد ليشغل منصب الرجل الثاني في كونكورب إنترناشيونال (التحالف من أجل العدالة الدولية، فبراير 2006م: ص 9). لا بد من التساؤل عن العوامل التي دفعت بشيفرون إلى التخلي عن مليارها نظير ملايين قليلة، بل التخلي عن كشوفات بترولية واعدة لصالح شركة صغيرة من صلب النخبة الحاكمة لا تعدو أن تكون مجرد حلقة (سمسرة) في سلسلة صفقات ستحيل البترول السوداني إلى قادر آخر منافس لشفرون بعد استقطاع عمولة الطريق. لعلها عوامل متداخلة: اشتعال حرب تهدد مناطق البترول؛ تدهور علاقات الشركة مع حكومة السودان؛ الضغط السياسي من الحكومة الأميركية؛ واعتبارات الشركة الخاصة. العوامل الثلاثة الأولى بينة الفاعلية، أما بخصوص الأخير، فقد قدرت الشركة حينها الاحتياطي البترولي المتوفر في حقلي هجليج والوحدة بحجم 236 مليون برميل فقط، ما كان دافعاً للزهد فيه بحسبان انخفاض أسعار البترول في السوق العالمي وارتفاع تكلفة نقل الانتاج السوداني. من جهة أخرى بدت للشركة فرص أخرى أوفر ربحاً في مناطق انتاج جديدة مثل كازخستان. كما قلل من صدمة الانسحاب بالدرجة الأولى حقيقة أن شيفرون كانت تتمتع باعفاء ضريبي على أعمالها في السودان من جانب الحكومة الأميركية مقداره 550 مليون دولار (باتيي، 2006م: ص 16).
هكذا أحكمت الطبقة الحاكمة من رأسماليي الجبهة وسياسييها قبضتها على مورد المستقبل في السودان ودون أي تكلفة تذكر، بل بربح وفير في هيئة عمولة صفقة سلسة توفرت لها عوامل النجاح بفرض الحرب في جنوب السودان، والعداء بين الحكومة الأميركية وحكومة السودان، واملاءات سوق البترول الدولي. بذا بدأ عصر جديد في الاقتصاد السياسي السوداني، لا مقابل له في الحقيقة في تاريخ بلادنا، خلا ارهاصات أولية، وثق لها أستاذنا كمال الجزولي بعبارة لاذعة الصدق تصح أن تكون منشأ بحث طويل، حيث يقول أن تاريخ السودان المعاصر ما هو إلا مرحلتين: ما قبل انشاء بنك فيصل الاسلامي، وما بعده!
بطبيعة الحال ما كانت كونكورب إنترناشيونال مؤهلة تكنولوجياً أو مالياً لتقوم بعبء الاستثمار المكلف في أقاليم البترول السودانية، خاصة وما زالت مسألة نقل الخام عالقة تنتظر بناء أنبوب يصل مناطق الانتاج بمنفذ التصدير على البحر الأحمر. كونكورب كانت يد الطبقة الحاكمة للاستيلاء على امتيازات انتاج البترول السوداني، ومن ثم طرحها مرة أخرى في السوق العالمي وفقاً لشروط جديدة توافق أهدافها الكلية، إذ لم تتجاوز مساهمة الشركة الفعلية انتاج اثنين ألف برميل في اليوم من مصفاة صغيرة في حقل أبوجابرة بغرض الدعاية السياسية حتى يتسنى اقناع الرأي العام بفتوحات النظام الاقتصادية. في أكتوبر 1992م باعت كونكورب امتيازات شفرون السابقة لقزم بترولي آخر: شركة ستيت بتروليوم (State Petroleum) الكندية التي يرأسها الباكستاني لفتور خان، والتي يعتبر مصدر تمويلها الأصلي شركة تراياد للاستثمار (Triad Investment) المملوكة للموغول السعودي عدنان خاشقجي، رفيق نميري الأول، حيث يملك زايد جان خياني أحد العاملين في تراياد نصيباً عظيماً من أسهم ستيت بتروليوم. كانت آراكيس للطاقة (Arakis Energy) الكندية قد تقدمت قبلها بأشهر، في يونيو 1992م، بعرض لشراء ستيت بتروليوم، مع اعلان عزمها الاستثمار في قطاع البترول السوداني. كما سعت للحصول على ختم البنك الدولي عبر طلب قرض من (وكالة الضمان الاستثماري متعدد الأطراف) مقداره 50 مليون دولار، وبداية تفاوض سرعان ما انقطع مع (هيئة التمويل الدولية). أعلنت آراكيس أنها بصدد الحصول على دفعة أولى مقدارها 25 مليون دولار من جملة تمويل مقداره 250 مليون دولار تعهدت به شركة خاشقجي (تراياد) ومقرها لندن، ذلك عبر الوسيط صاحب الأسهم في ستيت بتروليوم زايد جان خياني (التحالف، مصدر سابق: ص 15). بنهاية العام كانت كل من ستيت بتروليوم وآراكيس للطاقة تسيطران على قطاع البترول السوداني، من ثم أكملت آراكيس مشروعها شراء ستيت بتروليوم، ونالت بالتالي كامل حقوق التنقيب في هجليج والوحدة في مايو 1994م. عهد آراكيس الملكي انتهى بعد عامين فقط من هذا التاريخ، حيث باعت الشركة في العام 1996م 75% من أسهمها للكونسورتيوم المكون من الشركة الصينية الوطنية للبترول (CNPC)، وشركة البترول الماليزية (Petronas)، وشركة (Sudapet) السودانية. ثم ما لبثت أن تنازلت عام 1998م عن المتبقي لها من الأسهم والامتيازات والأصول في صفقة استيعاب ودية لشركة كندية أخرى مقرها كالغاري: تاليسمان للطاقة (Talisman Energy)، وريثة البترول البريطانية – كندا (British Petroleum Canada). بحسب الصفقة، نال أصحاب الأسهم في آراكيس سهماً واحداً من أسهم تاليسمان نظير كل عشرة أسهم في آراكيس، ما مجموعه حينها 296 مليون دولار (التحالف، مصدر سابق: ص 19). علة ذلك الرئيسة أن آراكيس فشلت في اصطياد التمويل اللازم لعملياتها رغم سيل من المحاولات القانونية وغير القانونية، حيث كانت استثماراتها في السودان صرحاً من الطموحات أكثر من كونها قدرات ملموسة. كانت تقديرات آراكيس أنها تحتاج في الحد الأدني 750 مليون دولار أميركي لمواصلة الانتاج في السودان. وبالتالي لزم أن تبحث الشركة الصغيرة عن تمويل بنكي، ما وجدت إليه سبيلاً، إذ صدت البنوك الدولية عن هكذا مخاطرة بسبب ما يدور من صراع عسكري حول مناطق البترول، وعموم الوضع السياسي والاقتصادي في السودان. كانت أكثر الفرص معقولية تعهد “المجموعة العربية الدولية” (Arab Group Int.) التي يرأسها الأمير سلطان بن سعود عام 1995م، ذلك الذي هلك بانسحاب آراكيس نتيجة اهمال المجموعة تسديد دفعة التمويل الابتدائية ومقدارها 50 مليون دولار. والعلة أن وزير النفط السعودي هشام ناظر فقد منصبه في أغسطس 1995م جراء تغيير وزاري، حيث كان الرجل مسانداً نافذاً للمجموعة العربية ولصفقتها مع آراكيس (فانكوفر صن، 03/08/95م). تعرضت آراكيس لاحقاً للملاحقة القضائية من قبل مساهميها نتيجة عجز الشركة عن كشف تفاصيل الصفقة مع المجموعة العربية. كما طالت الملاحقة مدير الشركة تيري الكساندر بتهمة بيع الأسهم بالباطن. أخيراً تم طرد الشركة من بورصة فانكوفر بأمر (مفوضية برتش كولومبيا الأمنية)، التي أوقعت على مديرها تيري الكساندر غرامة مالية قدرها 1,2 مليون دولار. ثم جاءت الضربة القاضية بتجميد نشاط الشركة في بورصة ناسداك (باتيي، مصدر سابق: ص 18). كان مدير آراكيس قد جعل من النشاط المشبوه وسيلة للحصول على التمويل الذي رفضت البنوك توفيره، حيث عمد إلى الاتجار بأسهم الشركة خارج البورصة، وأسس شركات وهمية في أكثر من محمية ضريبية، منها جرسي وجزر فرجين البريطانية وليشتنشتاين وجزر الباهاماس وجزر الجانيل. وبذا تمكن من بيع 23 مليون سهم من أسهم آراكيس لشركات واقعة سراً تحت سيطرته، وصنع وهماً من الاقبال على آراكيس، ما زاد من قيمة أسهمها في السوق الدولي، رغم أنه ما من فلس واحد دخل حصيلة الشركة، بل كانت جميع قفزات أسهمها مضاربات محضة. مثلاً، في فبراير 1995م كانت قيمة سهم آراكيس في السوق الكندية لا تتجاوز 4,75 دولار كندي، ارتفعت إلى 33 دولار كندي في يوليو 1995م بعد اعلان صفقة (المجموعة العربية)، لتبلغ قيمة الشركة الكلية 1,8 مليار دولار كندي (التحالف، مصدر سابق: ص 16 – 17). على الأرض لم يتجاوز الانتاج عام 1998م، أي وقت انتقل الأمر برمته إلى عهدة الصين، سقف 3200 برميل في اليوم، هذا بازاء زعم آراكيس أنها استثمرت ما يفوق 125 مليون دولار في مناطق امتيازها. إذن، نال الجميع حظاً من خير موردنا الوطني، مضاربين، ورأسماليين وهميين، وعملاء شركات، وبالطبع نخبة مفتاحية، تسقط كل صفقة في حضنها نصيباً. فمن نصير الإمبريالية والاستعمار يا ترى، ومن يتلاعب بمقدرات الوطن، ومن لا يعرف من (الثوابت) سوى مصلحته المباشرة والآنية؟ عافاك الله تأمل!

المصادر
(1)
Sudan Update, Raising the Stakes: Oil and Conflict in Sudan, 2000.
(2)
Arab Petroleum Research Centre, Arab Oil & Gas Directory, Paris, 1993.
(3)
Chevron Sells Oil Interests in Sudan to Local Firm, Middle East Economic Survey, 22/06/1992.
(4)
Coalition for International Justice, Soil and Oil: Dirty Business in Sudan, Washington DC, February 2006.
(5)
Luke A. Patey, A Complex Reality: The Strategic Behaviour of Multinational Oil Corporations and the New Wars in Sudan, Danish Institute for International Studies, Copenhagen, 2006.
(6)
David Baines, Arakis Energy’s Shares Tumble on Enormous Volume, Vancouver Sun, 03/08/1995.