د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

افريقيا صينية أم أميركية

إن الأهمية الاستراتيجية للبترول الافريقي في مجمل الصراع الكوني حول موارد الطاقة تظهر للعيان عند اعتبار جملة حقائق أساسية: أولها أن القارة تحتوي على 7% من احتياطيات البترول المثبتة في العالم، وتضخ 11% من الانتاج العالمي، هذا بحسب تقديرات العام 2000م. بالمقارنة، لا يتجاوز نصيب أميركا الشمالية من هذه الثروة 5%، غرب أوروبا لديها 2%، أما الشرق الأوسط فيستأثر بنصيب الأسد 67%. في العام 2000م بلغت نسبة افريقيا من حصيلة الواردات البترولية إلى الولايات المتحدة الأميركية 14%، وهي ذات نسبة المملكة العربية السعودية، وذات نسبة فنزويلا. آثرت الولايات المتحدة الاعتماد على نصف القارة الغربي للحصول على 50% من وارداتها النفطية، وهو اتجاه عززته توصيات تقرير “سياسة الطاقة القومية”، الصادر عن البيت الأبيض في مايو 2001م. في الذي يلي افريقيا ذكر التقرير أن غرب القارة يعتبر أحد أسرع مصادر النفط والغاز نمواً بالنسبة للسوق الأميركي، مثله وأميركا اللاتينية. كما ثمن التقرير دور الشركات الأميركية في بناء خط الأنابيب الرابط بين تشاد والكاميرون، حيث بلغ حجم استثماراتها ضمن كونسورتيوم دولي 3,5 مليار دولار، وهو أعظم مشروع بنية تحتية تشهده القارة على طول تاريخها. إلى ذلك يضاف دور الرأسمال الأميركي في بناء أنبوب الغاز الطبيعي الغرب افريقي والممتد عبر نيجيريا وبنين وتوغو وغانا براً وبحراً على طول ألف كيلومتر بتمويل من بنك التصدير والاستيراد الأميركي. على هذا الأساس جاءت توصيات التقرير إلى الرئيس الأميركي في خصوص افريقيا كالآتي: (1) إعادة تنشيط التجارة الأميركية الافريقية، والمنبر الاقتصادي المشترك، والعلاقات الوزارية بين القارة والولايات المتحدة بغرض توثيق الارتباطات ثنائية ومتعددة الأطراف حتى يمكن خلق بيئة ملائمة لاستقبال التجارة والاستثمارات الأميركية في مجال البترول والغاز، وعليه التنويع الجغرافي لمصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة، مع التشديد على أولوية قضايا الأمن والشفافية وسرية العقود. (2) إعادة تشكيل لجنة الشراكة التجارية مع نيجيريا لتحسين المناخ بالنسبة للتجارة والاستثمارات الأميركية في مجال البترول والغاز، والدفع قدماً بمصالح البلدين في هذا المنحى. (3) العمل على ضمان استغلال منتجي البترول الأفارقة لثرواتهم بصورة مسؤولة وشفافة، وبما يعزز استقرار وأمن البيئة الاستثمارية والتجارية (البيت الأبيض، 2001م).

من الجهة الأخرى تكاد القراءة الأميركية للنفوذ الصيني المتزايد في افريقيا تماثل أدبيات التكالب الإمبريالي على القارة في القرن التاسع عشر. على سبيل المثال، تنبه ورقة صادرة عن “مؤسسة كارنيغي”، وهي مركز دراسات صاحب سطوة وقول مسموع في دوائر اتخاذ القرار الأميركية، إلى خطورة الاستهتار بالمزاحمة الصينية في افريقيا مع توبيخ الإدارة الأميركية على غفلتها المتطاولة. النصيحة الأولى التي تخلص إليها الورقة أن على الإدارة الأميركية اعتبار المنافسة الصينية في افريقيا انذاراً لها وحافزاً أن تجهد في اقناع عوام الأفارقة وقادتهم بفلاح العمل المشترك مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، بدلاً عن الاعتماد على الصين. أوردت الورقة تفسيراً سياسياً اضافياً لسحر التنين مفاده أن الولايات المتحدة دفعت بافريقيا دفعاً إلى الحضن الصيني نتيجة اهمالها للأقطار الافريقية في منابر الأمم المتحدة. من جهتها لم تتأخر الصين عن دعم مقترحات توافق الآمال الافريقية في شأن اصلاح مجلس الأمن، ومهام حفظ السلام، وقضايا العفو عن الديون. وبالتالي تمكنت من تقديم نفسها كبطل العالم النامي الحريص على مصالحه بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي لا تأبه كثيراً بطموحات الدول النامية. شددت الورقة كذلك على مفارقة الصين للقيم الأميركية من شاكلة الديموقراطية والحكم الراشد، وبالتالي ضرورة دعم هذه القيم التي ما زالت تلقى قبولاً لدى شعوب افريقيا كوسيلة مساندة في درء التهديد الصيني الماثل للسلطان الأميركي والفرنسي في القارة (آيزنمان وكورلانتزيك، مايو 2006م). مما سبق يتضح أن الصين والولايات المتحدة تشتركان في هدف واحد هو حوجة الدولتين إلى تنويع المصادر الجغرافية لوارداتهما البترولية في سبيل تحرير نفسيهما من الاعتماد على مصادر الشرق الأوسط المضطرب. في ذات الوقت تنظر الدولتان إلى القارة باعتبارها سوقاً واعداً وأرضاً بكراً تنتظر حوافر المستثمرين وتعد بأرباح طائلة ومجال مفتوح طليق للخبال الرأسمالي. اختلاف رؤية الدولتين حول الوسائل الأنسب لاهتبال الفرصة الافريقية نابع من لوازم وكوابح سياسية وآيديوليوجية تفرق بينهما، وهي اختلافات في مستوى التكتيك أكثر منه في مستوى الاستراتيجية. على هذا الأساس تتوسل الدولتان حلف الطبقات الحاكمة في افريقيا، كل من باب. الصين لا يشغلها شرط سوى (الصداقة)، وهو مفهوم دلالته الأولى عدم الاعتراف بتايوان، والتضامن المعنوي مع الصين بإزاء الانتقادات الحادة التي تتلقاها من المجتمع الدولي والرأي العام العالمي في شأن سجل حقوق الإنسان، خاصة في أعقاب مجزرة ميدان تيانامين عام 1989م. بهذا القياس طالما رأت الصين في ظروف البلدان الافريقية الفوضوية، والمقصود الفساد وضعف السلطات القضائية والزعزعة السياسية والحروب، مشهيات وليس عقبات في سبيل مشروعها الافريقي. والعلة أن الصين تستثمر في هذه الأوضاع من حيث هي، باعتبار حوجة النظم الحاكمة في البلدان سيئة السمعة إلى السند الاقتصادي الصيني، وكذلك العسكري، وبالطبع السياسي، في مواجهة مجتمع دولي طرح وراء ظهره مفهوم السيادة القطرية التقليدي، والذي تعتبره الصين ركناً أساسياً من أركان سياستها الخارجية، بالنظر إلى هشاشة أوضاعها الداخلية. عليه، وبفضل الفراغ التنافسي الناجم عن طوق الحظر الذي فرضه المجتمع الدولي على أكثر من دولة افريقية، ومن بينها السودان وزيمبابوي، تعنيفاً لها على انتهاكات حقوق الانسان والخروج على “الشرعية الدولية” و”تهديد السلام العالمي”، أصبحت الصين اللاعب الوحيد في مسرح من الأقزام، فالصين لا تلزم نفسها سياسياً أو قانونياً بقرارات مجلس الأمن التي تراها تدخلاً في شؤون الغير قياساً على بيتها من الزجاج. فعالية هذه الدائرة الجهنمية لا تخطئها عين مراقب، حيث تحصد الصين ارباحاً طائلة من رحلة الخطر الافريقية تصل نسبة 25,3%، وهي تمثل هامش الربح الأعلى جنوب الكرة الأرضية (تول، أغسطس 2005م). من جهة أخرى، استفادت الصين كل استفادة من التورع الأوروبي الأميركي عن الاستثمارات المباشرة طويلة المدى على الأرض الافريقية خوفاً من الاضطرابات السياسية والأمنية، بحيث أصبحت المقاول الأول في افريقيا، فالصين تبني كل شئ في القارة، من قاعات المؤتمرات وفلل الرؤساء حتى مشاريع البنية التحتية الضخمة من سدود ومنشآت صناعية وتعدينية، بجانب الروتيني من مطارات وشبكات اتصالات وطرق، تلك التي تعتبرها الصين منحاً صغيرة لهذه الفئة الحاكمة أو تلك تشجيعاً لها على مزيد من (الصداقة).

الصديق عند الضيق

بأي قياس كان، سياسي أو اقتصادي أو عسكري، يعتبر الحلف السوداني الصيني المثال الأشد وقعاً لما سبق شرحه حول حلقة الارتباط الصيني الافريقي والنفعية المتبادلة بين الاستبداد الغني وقرينه الفقير. فكأنما نتمثل مرة أخرى النقد الصائب لعلاقات الاستعمار الجديد: نظم فاقدة المشروعية الشعبية في أقطار العالم الثالث تتكئ على عصا غليظة من القوة القاهرة والثروة المستمدة من الاستغلال الفاسد والطفيلي لموارد شعوبها الطبيعية عن طريق شراكة رأسمالية مع مركز قوي. في هذه الحالة طبقة حاكمة منقسمة على نفسها تواجه سخطاً مستحقاً داخلياً وخارجياً، لكنها تجد حماية فعالة من قطب دولي يضاعف قدرتها مواجهة التهديد الداخلي عن طريق الدعم العسكري والمالي، ويخفف عنها الضغط الخارجي عن طريق الدعم السياسي والدبلوماسي كلما اشتدت عليها (حَارَّة).

الواقع أن تصدير البترول السوداني الذي ابتدأ بصورة فعالة عام 1999م، عامين فقط بعد ادراج السودان ضمن قائمة الدول المتهمة بدعم الارهاب الدولي، ما كان ممكناً لولا الاستثمار الصيني، حيث حازت الشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC) المملوكة للدولة النصيب الأوفر (40%) في كونسورتيوم دولي ضم شركات ماليزية وكندية “النيل العظيم” (GNPOC) عُهد إليه استخراج البترول السوداني. مع العلم أن نتيجة ادراج السودان في قائمة الارهاب كان فرض الولايات المتحدة لحزمة من العقوبات على السودان شملت حرمان الشركات الأميركية من النشاط في السودان. نظام الخرطوم وجد في البترول طوق نجاة عضد من قدرته على المساومة والمراوغة في جبهة داخلية عدائية عسكرياً وسياسياً وجماهيرياً. عليه، التهم الانفاق العسكري 60% على الأقل من ريع البترول، وبذلك استطاعت الخرطوم احكام سيطرتها على مناطق الانتاج ومواصلة حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان. الحرب التي امتدت خارج الاقليم الجنوبي إلى مناطق جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، وهضاب شرق السودان. احكام السيطرة على مناطق البترول كان يعني للخرطوم تفريغ مساحات شاسعة من سكانها، ما كان ضحيته مئات الآلاف من المواطنين الذين أبعدوا عن أوطانهم أو قضوا في سبيل البقاء. أثارت هجمات النظام الحاكم على السكان العزل ثائرة منظمات حقوقية وانسانية على مستوى العالم، وكانت نتيجة الضغط الدولي المتصل أن أجبرت الشركات الغربية على الانسحاب من قطاع البترول السوداني، وإخلاء الساحة تماماً للصاعدين الجدد، صينين وهنود وماليزيين. هؤلاء استعصموا بمواقعهم على خارطة الاستثمار النفطي في السودان وزادوا بتعزيزها نظراً لخلو المجال من المنافسين.

محل الصراع العسكري بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم أصبحت دارفور مسرحاً لصراع لا يقل عنه دموية بين الخرطوم وحركات دارفور المسلحة. هذا بعد أن توطدت أقدام التنين الصيني في الأرض السودانية، وأخرجت له من خيرها ما أخرجت. في الثلاثين من يوليو 2004 أصدر مجلس الأمن الدولي أول قراراته (رقم 1556) حول الحرب الدائرة في دارفور. أوجب القرار على النظام في الخرطوم نزع سلاح مليشيا (الجنجويد) وتحقيق العدالة في الاقليم، مع الاشارة إلى احتمال أن يتخذ المجلس اجراءات عقابية ضد السودان حال عجز عن تنفيذ ما يليه. أجاز المجلس هذا القرار باجماع أعضائه، مع امتناع الصين والباكستان عن التصويت. عندما بدا واضحاً أن النظام لا يعتزم الانصياع للشريعة الدولية أعقب المجلس قراره الأول بآخر في سبتمبر من نفس العام (رقم 1564) أعاد فيه مطالبه السابقة. على خلفية التهاب الصراع في الاقليم بعث المجلس بلجنة تحقيق إلى دارفور مهمتها تحديد ما إذا كانت الجرائم المرتكبة في الاقليم ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الانسانية، بخاصة ما إذا كانت تحقق أركان جريمة (الإبادة الجماعية). تهديد المجلس للنظام في الخرطوم جاء منزوع النصال، حيث كانت نتيجة الضغط الصيني تعديل المسودة الأولى للقرار والتي اشتملت على وعيد بـ(اتخاذ) اجراءات عقابية ملموسة إلى (النظر) في احتمال اتخاذ هكذا اجراءات. امتنعت الصين هذه المرة أيضاً عن التصويت، وكذلك فعلت روسيا والجزائر والباكستان. فضل المجلس، تجنباً للحرج، أن يأتي قراره التالي حول المسألة، بتاريخ 19 نوفمبر 2004م (1574)، خالياً من إي اشارة مباشرة إلى العقوبات، حيث اكتفى بصياغة مبهمة حول احتمال أن يواجه النظام عواقب غير محددة. تقييم ما سبق أن الصين شكلت حائط الصد الأساسي ضد أي قرار دولي يمكن أن يؤذي النظام السوداني، أي استثماراتها في البلاد. حيث أرسلت بامتناعها عن التصويت إشارة واضحة إلى بقية أعضاء مجلس الأمن مفادها أنها على استعداد لاستخدام حق النقض (الفيتو) حال أصر المجتمع الدولي على معاقبة نظام الخرطوم. والسبب بين، فالصين لا شأن لها بشؤون السودان (الداخلية) إلا إذا أصابت هذه الشؤون مصالحها بضرر: أكبر استثمارات الشركة الصينية الوطنية للبترول (CNPC) موقعها السودان، حيث تجاوزت مبلغ 3 مليار دولار. استثمارات تضمن لها حالياً نسبة 7% من وارداتها البترولية مع زيادة منتظرة. سبب مضاف لأهمية النظام بالنسبة لبكين هو تراجع الشركات الصينية أمام المنافسة الغربية في في كازاخستان والشرق الأوسط، حيث حلت محلها شركات غربية متعددة الجنسيات (وكالة أبحاث الدفاع السويدية، 2004). كذلك منيت الصين بهزيمة أخرى في سيبيريا، إذ تفوقت عليها اليابان في تهافت كوني على النفط الروسي (واشنطن بوست، 28/06/04م). مصيبة الصين الأخرى أن الاحتلال الأميركي للعراق يهدد لا شك امتيازات التنقيب والاستخراج التي حصلت عليها من حليفها السجين صدام حسين. بذات القدر تنذر الأزمة النووية الإيرانية بمخاطر قد تطيح بخطط الصين استثمار المليارات في قطاع البترول الإيراني (بي بي سي، 01/11/04م).

المصادر
(1)
National Energy Policy, Report of the National Energy Policy Development Group, The White House, May 2001.
(2)
Joshua Eisenman & Joshua Kurlantzick, China’s Africa Strategy, Current History, May 2006.
(3)
Denis M. Tull, Die Afrikapolitik der Volksrepublik China, Stiftung Wissenschaft und Politik, Deutsches Institut fuer Internationale Politik und Sicherheit, Berlin, August 2005.
(4)
Ingolf Kiesow, China’s Quest for Energy: Impact upon Foreign and Security Policy, Swedish Defence Research Agency, Stockholm, 2004.
(5)
The Undeclared Oil War, Washington Post, 28/06/2004.
(6)
China to Develop Iran Oil Field, BBC Online, 01/11/2004.
(7)
Association
(8)
Association
(9)
Association