د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

إمبريالية عدم الاكتراث

تفحص العلاقة بين الصين والسلطة في بلادنا يدفع بالباحث إلى النظر في مجمل التطور الذي طال العلاقات الصينية الافريقية منذ اكتشاف الصين لاقتصاد السوق مدخلاً للنفوذ الدولي، ومعبراً للمصالح الصينية في العالم الثالث، لا سيما تلك التي تتصل بالموارد الخام، وفي مقدمتها البترول. دفعت أشراط داخلية وخارجية بدول المركز الامبريالي التقليدية، غرب أوروبا والولايات المتحدة، إلى تبني هيكل الديموقراطية الليبرالية، على أقل تقدير، كمقياس لادراج دول في صف الأصدقاء وأخريات في صف الأعداء، وهي أشراط، على ضعف حجيتها في مقام السلطان الامبريالي، تعكس وجهاً من أوجه النضال الأممي من أجل الحريات وحقوق الإنسان. وذلك رغم أن المثال الديموقراطي يرتبط عملياً وتطبيقياً في الذهن السياسي الامبريالي بثوابت اقتصادية تتعارض موضوعياً مع أي محتوى ديموقراطي، أي اقتصاد “الليبرالية الجديدة”. بخلاف هذه الانتباهة الغربية، الشعبية بالأساس، لموضوعة الحرية، اعتمدت الصين في علاقاتها الدولية محاكاة “دغيلة” لمناهج الامبريالية الباكرة في التعاطي مع دول الهامش الاقتصادي، بحيث لا تنظر أبعد من أرنبة مصالحها، وتتبع أسلوباً أريحياً في التعامل مع السلطات السياسية التي توافقها المصالح وتتعاون معها، بغض النظر عن نتائج مثل هذه التحالفات على مصالح الشعوب التي تثير ثرواتها شهوة التوسعية الصينية. ولعل افريقيا تقدم الأمثلة الأفضل في هذا المجال، فالصين هي الطرف الخفي في أكثر من صراع افريقي داخلي، وذلك بدعمها الاقتصادي المباشر لسلطات سياسية، تعتبر في أقل تقدير محل ارتياب، وذلك بلغة عفة التعابير، من بينها حكومات السودان وأنغولا وزيمبابوي. تجد الهرولة الصينية نحو افريقيا تفسيرها المباشر في احتياجات هذا الماموث السكاني والصناعي البترولية، حيث تجاوز استهلاك الصين للبترول عام 2003م معدل استهلاك اليابان، لتصبح الصين ثاني أكبر مستهلك للبترول في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية. وذلك تبعاً لمعدلات نمو الاقتصاد الصيني خلال العقدين السابقين والتي بلغ متوسطها السنوي 9%. تحولت الصين منذ العام 1993م إلى مستورد للبترول، بعد أن كانت أكبر مصدر له في القارة الآسيوية. ويتوقع أن يتجاوز اعتماد الصين على البترول المستورد عتبة 45% من استهلاكها للطاقة بحلول العام 2045م. على أساس هذه الحقيقة أعلنت الحكومة الصينية عزمها تجميع احتياطي استراتيجي من البترول الخام خلال الخمسة أعوام القادمة حجمه 100 مليون برميل، يقيها شر الطوارئ. وقد أكدت هذا العام أنها بدأت بالفعل في ضخ مدخراتها البترولية في صهاريج ضخمة بالقرب من مصفاة (زينهاي) في اقليم (زيجيانغ)، وهي المصفاة الأكبر سعة في الصين (رويترز، 3/11/06م). بالنظر إلى الغليان السياسي والاجتماعي الذي يشهده الشرق الأوسط، والذي يهدد مصادر البترول ويزيد من سعره في السوق العالمي، خاصة بعد اعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب على الإرهاب عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا يستغرب سعي الصين تأمين احتياجاتها من الطاقة بالمسارعة إلى استغلال، وكذلك احتكار مصادر البترول حديثة الاكتشاف في القارة الافريقية، ومن ثم تقليص اعتمادها على البترول العربي. حتى إذا تطلب ذلك تدخل الصين بصورة أو أخرى لضمان سلامة مواقع التنقيب والاستخراج عبر تعزيز القدرة العسكرية لطرف ضد آخر في بلدان أغلبها تفتك بها حروبات أهلية محورها الأساسي هذه المورد الملعون. في هذا السياق استثمرت الشركات الصينية ما مجموعه 175 مليون دولار في قطاعات البترول الافريقي خلال العام 2005م. في أوائل العام 2006م اشترت الصين 45% من حقل أكبو البحري النيجيري بقيمة مقدارها 2,7 مليار دولار، ثم انضمت إلى شريك محلي للاستثمار في حقل بحري أنغولي برأس مال قدره 725 مليون دولار (فوربس، 10/09/06م). الواقع اليوم أن ثلث واردات الصين البترولية (31%) مصدرها افريقيا، بينما انخفضت نسبة الشرق الأوسط إلى 48%. في الفترة من يناير إلى سبتمبر من العام الجاري كان حجم وارد البترول الافريقي إلى الصين كما يلي: ليبيا (3 مليون طن)، تشاد (0,5 مليون طن)، السودان (2 مليون طن)، نيجيريا (0,8 مليون طن)، غينيا الاستوائية (3,8 مليون طن)، الغابون (0,3 مليون طن)، الكونغو الديموقراطية (4,3 مليون طن)، وآنغولا (18,2 مليون طن)، هذه الأخيرة تفوقت حتى على المملكة العربية السعودية، حيث أصبحت المصدر الأول للبترول بالنسبة إلى الصين. قابلت الصين الكرم الافريقي بكرم مواز، ففي العام 2005م أصبحت الصين ثالث أكبر دولة مانحة للغذاء في العالم، هذا من ناحية، ومن الأخرى بلغ حجم الاستثمارات الصينية في القارة 6 مليار دولار، وذلك من خلال ما يربو على الثمانمائة مشروع. أما حجم التجارة الصينية مع افريقيا فقد ناهز العام الماضي مبلغ 40 مليار دولار، وهي تجارة يديرها مباشرة 80 ألف مغترب صيني في القارة يستأثرون بالوظائف التي تتيحها استثماراتهم، ويبيعون كل ما ينتجه المصنع الصيني الكوني، الأحذية والتلفزيونات والأسلحة. حركية الصين الفائقة في افريقيا يسندها احتياطي من العملة الصعبة يقارب واحد تريليون دولار، ما يسمح لها عملياً بتأمين ما ترغب من موارد افريقية، بترول أو حديد أو نحاس أو قطن، وذلك بأدني الأسعار. فالصين قد سبقت الأفارقة بالسبت وتنتظر الأحد، عبر الخمسين سنة الماضية قدمت الصين معونات اقتصادية لكل الدول الافريقية تقريباً (إلى 53 دولة)، كما قدمت 1,36 مليار دولار لواحد وثلاثين دولة عبارة عن اعفاءات ديون (نيو سترايتس تايمز، 4/11/06م). احتفاءاً برابطة الوفاء المتبادل بين الدولة الصينية والأنظمة الافريقية نظمت بكين في الفترة 3 – 5 نوفمبر الجاري لقاء قمة بين القيادة الصينية ورؤساء الدول والحكومات الافريقية حيث حجت قيادات خمسين دولة إلى العاصمة بكين. اللقاء الجامع (مجموع عدد عضوية الوفود 1700 فرد) انتهى إلى عقد صفقات بين 12 شركة صينية وعدد من الدول الافريقية قيمتها الكلية 1,9 مليار دولار، تشمل بناء طريق سريع في نيجيريا، وشبكة تلفونات ريفية في غانا، ومسبك للألمونيوم في مصر، ومشروع للنحاس في زامبيا. بدوره وعد الرئيس الصيني هو جينتاو حلفاؤه بقروض في حدود 5 مليار دولار، تقدمها الصين إلى السائلين بحلول العام 2009م، بالإضافة إلى مضاعفة حجم المعونات والمنح إلى القارة. كما أبدت القمة سرورها بتوسع التجارة الصينية الافريقية التي يتوقع أن تبلغ هذا العام 50 مليار دولار، مع تأكيد العزم المشترك أن تصل إلى 100 مليار دولار في العام 2010م، وذلك من خلال “شراكة استراتيجية” و”خطة عمل” دشنها المجتمعون في الحضرة الصينية (رويترز، 5/11/06م).

بالطبع، تُسوِّق الصين هيمنتها على التجارة والموارد الافريقية باعتبارها نمطاً “تقدمياً” من التعاون بين دول الجنوب، بل نمط مناهض للإمبريالية. وهي كلمة حق أريد بها أكثر من باطل. الصين التي هي في الوقت الحاضر ثاني أكبر مستهلك للبترول، ورابع أكبر اقتصاد في العالم، ليست في حساب الرأسمالية المعاصرة من دول الهامش الجنوبي، وإنما يتيح لها توسعها المستمر في تصدير رأس المال، وتصدير السلع الصناعية، والسيطرة على أسعار المواد الخام، واحكام احتكارها لمصادر هذه المواد علاقات قوة مع شركائها التجاريين من الافارقة تقارب النمط “الكولونيالي”، لكن منزوع “الرسالة الحضارية”؛ الصين تشتري الموارد الافريقية بأرخص الأثمان، وتغرق أسواق ذات البلدان بمنتوجات صينية رخيصة تهدد بالكلية أي إنتاج وطني، وهو تكرار بائس لما ظلت القارة تعانيه من استغلال عبر تاريخ الاستعمار والاستعمار الجديد، فكأنما استبدلت القارة سيداً بسيد آخر مع تغيير العنوان. فضل السيد الصيني على غيره أنه لا يتورع البتة في تجويد الفساد الإمبريالي، فإلى الصين تهوي أفئدة قادة افريقيا لجزرتين إثنين: المعونات والقروض التي تغطي بها أنظمة سقيمة عوراتها؛ والسلاح، الذي تضمن به بقائها على سدة الحكم. بحسب تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي باعت الصين لدول افريقية خلال الفترة من 1996 إلى 2003م كميات من السلاح التقليدي بلغت 10% من واردات افريقيا من السلاح، لتأتي الصين في المرتبة الثانية بعد روسيا كمصدر للسلاح في افريقيا. على سبيل المثال، اشترى السودان من الأفاضل الصينين طائرات مقاتلة بقيمة 100 مليون دولار، وكذلك أسلحة متعددة أخرى. وإلى الجارتين المتحاربتين اثيوبيا واريتريا باعت الصين أسلحة بقيمة 1 مليار دولار، ذلك قبل وخلال الحرب الحدودية بينهما 1998 – 2000م. أما زيمبابوي فقد اشترت من الصين في العام 2004م معدات عسكرية من بينها 12 طائرة مقاتلة بقيمة 200 مليون دولار (مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، 12/01/06م).

المصادر
(1)
Reuters, Delegates from 48 African countries are attending the 3-5 Nov China-Africa Ministerial Summit in Beijing, 3/11/2006.
(2)
New Straits Times, Beijing courts a continent, 4/11/2006.
(3)
Reuters, China Africa end summit with deals and aid pledge, 5/11/06.
(4)
Esther Pan, China Africa and Oil, Council on Foreign Relations, 12/01/2006.
(5)
Forbes, China’s Oil Safari, 10/09/2006.