د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

البترول مقابل السلاح

وفي الذهن علاقات القوى الاقليمية والدولية على عهد الديموقراطية الثالثة يمكن التقرير أن اتصال حكومة الصادق المهدي بالصين بحثاً عن السلاح أواخر الثمانينات كان مجرد غزل خجول بالمقارنة مع العلاقة العضوية التي أصبحت هي عصب حياة نظام الجبهة الاسلامية وعضد بقائه في وجه معارضة داخلية وخارجية مسلحة وسلمية، وفي وجه حنق دولي مستحق حيث طلب النظام الوغى وأراد الكريهة غير آبه بمآلات ما يفعل. إذا كان من عبارة تجمل طبيعة هذه العلاقة المكينة بين الصين والنظام فهي :”البترول مقابل السلاح”، الصين توفر التكنولوجيا والتمويل اللازم لاستغلال البترول السوداني، وتستولي بحسب امتياز شركاتها على حصة غير معلنة، ثم الصين تشتري البترول السوداني، والسودان يشتري السلاح الصيني. على هذه الشاكلة تربح الصين مرة والثانية، ويخسر السودان مرات، موارده، وماله، وأرواح بناته وبنيه.

دخل البترول قائمة الصادرات السودانية في سبتمبر من العام 1999م، حيث غادرت ميناء بورت سودان إلى الأسواق الآسيوية (سنغافورة) حمولة مقدراها 600 ألف برميل. منذها وصادر البترول السوداني هو درع النظام الواقي وكنزه الثمين الذي يبلغ حجمه المخزون بحسب تقديرات معتبره 1,6 مليار برميل. في العام المنصرم بلغ انتاج السودان من البترول 401,300 برميل في اليوم، يستهلك منه السوق المحلي 82,000 برميل في اليوم، ويتم تصدير ما مقداره 279,000 برميل في اليوم (السي آي إيه، نوفمبر 2006م). بينما تستهدف الجهات ذات الصلة زيادة الإنتاج إلى 600,000 برميل في اليوم. بهذا الحجم يشغل السودان الآن الموقع الثالث من حيث إنتاج البترول في افريقيا جنوب الصحراء حيث تفوق على كل من غينيا الاستوائية (330,000 برميل في اليوم) والكونغو برازفيل (244,000 برميل في اليوم) والغابون (237,000 برميل في اليوم)، بينما تتقدمه أنغولا (1,4 مليون برميل في اليوم) ونيجيريا (2,2 مليون برميل في اليوم). أما في شمال افريقيا فيقترب حثيثاً من مصر التي يتراجع إنتاجها منذ أوائل التسعينات (579,000 برميل في اليوم)، وتسبقه ليبيا (1,8 مليون برميل في اليوم) والجزائر (2,1 مليون برميل في اليوم) (آفرول نيوز، 9 نوفمبر 2006م). لادراك التعويذة الصينية الساكنة في قلب السياسة السودانية الداخلية والخارجية لنا أن ننظر في قائمة دول الصادر السوداني: في العام 2004م بلغت جملة الصادرات السودانية 4,9 مليار دولار، وكما سبق، 80% منها أو يزيد بترول خام، تتوزع بين ثلاثة دول، الصين التي تستأثر بنسبة 64,3% من الصادر السوداني، واليابان (13,8%) والسعودية (3,7%). من الجهة الأخرى يستورد السودان سلعاً متباينة من قائمة طويلة تبدأ بالسعودية (11,7% من الواردات إلى السودان)، الصين (10,7%)، الإمارات (6,2%)، مصر (5,2%)، ألمانيا (4,9%)، الهند (4,6%)، استراليا (4,1%)، المملكة المتحدة (4%) (إدارة معلومات الطاقة التابعة للحكومة الأميركية، مارس 2006م). في العام 2005م كانت جملة الصادر السوداني إلى الصين 3,4 مليار دولار، بينما استورد السودان من الصين ما مقداره 1,3 مليار دولار، وتجاوزت استثمارات الصين في السودان سقف 7 مليار دولار (نشرة بزنس إن آفريكا، 2 نوفمبر 2006م).

للبترول بطبيعة الحال أثر بالغ في البناء الكلي للاقتصاد، حيث ارتفعت مساهمة القطاع الصناعي (البترول في المقام الأول) في الإنتاج القومي الكلي إلى نسبة 20,3%، وتراجعت مساهمة الزراعة إلى 38,7%، أما قطاع الخدمات فتضخم إلى نسبة 41%. قراءة هذه الأرقام بصورة سليمة يتطلب النظر في توزيع العمالة السودانية بين قطاعات الإنتاج. بحسب تقديرات أواخر التسعينات تبلغ القوة العاملة في بلادنا 7,415 مليون، 80% منها ما يزال يكد في القطاع الزراعي، بينما تستوعب الصناعة 7% فقط، والخدمات 13% من القوة العاملة (السي آي إيه، مصدر سابق). إن هذه الأرقام تعني ضمن ما تعني أن البترول ضاعف أضعافاً حصيلة الخزينة العامة، هذا بديهي. لكن، ما يجود به من ريع لم يصب بالضرورة في فك جمود الاقتصاد الذي يلازمنا منذ الاستقلال، وبالتالي انقطعت بشارته عند حدود احصاءات الدخل القومي، فلا ظمآن سقى، ولا جائعاً أطعم، ولا عريان كسى، ولا مريضاً شفى، بدليل انحسار خيره عن مد قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي بالتمويل اللازم لتشغيلها، وتكدس ريعه في قطاع الخدمات فقير العمالة. لهذه الحقيقة وجه سياسي لا يمكن اغفاله، فقد ساعد الريع البترولي عبر رفده السخي لقطاع الخدمات في ترضية فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة الحضرية والصاعدين إلى عالم الأعمال من أصحاب الولاء؛ لكنه أجج نقمة الحرمان الذي تعاني منه الطبقات الشعبية في المدن، وقطاعات الاقتصاد التقليدي في الريف. وذلك من باب تغذية النهم الاستهلاكي وتسكين طموحات النمط المعيشي للبرجوازية الصغيرة مائعة الفكر السياسي وضعيفة الالتزام الاجتماعي؛ ومن الناحية الأخرى تعميم أنماط من الاستهلاك لا تستطيع الفئات الشعبية مجاراتها وإنما تنال منها أجر المشاهدة، بالإضافة إلى الاهمال المتعمد لمصادر معيشتها من حيث انقطاع التمويل عن القطاعات المنتجة. ما سبق شاهد استقطاب طبقي لا شك فيه، وتناقض لا مراء معه، فصب البترول حيث رزق الأغلبية جدب وحيث فائض الأقلية رغد. وبمحاذاة هذا الجرف الهار تسير قافلة “المؤتمر الوطني” أهلها خليط لا تجمع بينهم سوى رابطة الانتهازية وما أضعفها، ما انعقدت إلا وانفرطت ولو بعد حين.

بدرس خبرة الحروب الأهلية في بلادنا، والتي تعتبر في مستوى من المستويات تجلياً فاضحاً للأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي ازدادت تصدعاتها بالفساد البترولي، يكاد الاستقرار السياسي تحت هذه الشروط يكون مستحيلاً، بل هو بالفعل مستحيل، إلا إذا أبادت السلطة شعبها واختارت لها آخر. بهذا المنظور كان فتح البترول من جهة الفتك السياسي أن مكن السلطة من قوة مادية ترعب قبل أن تضرب، حيث استطاعت وفق معادلة البترول مقابل السلاح أن تعزز من قدرتها فض الاشتباك الاجتماعي الاقتصادي مع ما أصبح يعرف بالهامش، أي شعبها، بنحره قرباناً للأمن الوطني، فاستحال كل احتجاج إلى مؤامرة وكل طالب حق إلى متمرد. ما أفسد في الحساب النهائي على أهل القضية قضيتهم بصعود أنجم المحررين الكذبة من علياء طاولات التفاوض التي عندها تقزمت القضية الاجتماعية وذابت، لتحل محلها معادلات للقسمة والضرب. مزاد ينال فيه السائل مكتباً في القصر ومن ثم فرشاً، وإذا تزمت صندوقاً خيرياً ينتظر به كرم المانحين. أما إذا استأسد كقرينه بشوكة السلاح فقسط من ريع البترول لا يعلم له حساباً.

عملاً على استدامة النظام في السودان ما تعففت الصين يوماً عن بيع السلاح لحليفها البترولي، بغض النظر عن حظر دولي واجه السودان في هذا الصدد منذ أوائل التسعينات، وتجدد بقرارات مجلس الأمن الدولي حول الصراع في دارفور (آمنستي إنترناشيونال، 11 يونيو 2006م). مع العلم أن الصين من بين أبرز الدول المصدرة للسلاح في العالم التي تصر على عدم تقييد تجارتها بأي من الاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص، وهي عضو دائم العضوية في مجلس الأمن وتشغل الموقع الثامن عالمياً من حيث حجم صادر الأسلحة التقليدية (أكثر من مليار دولار سنوياً). في العام 2002م بلغ صادر الصين من الأسلحة الخفيفة والصغيرة 100 مليون دولار، من بينها البندقية الأكثر انتشاراً في افريقيا (AK-47) والتي تعتبر المفضلة لدى الجنود من جميع الأطراف في حروب منطقة البحيرات: الكونغو، بوروندي، رواندا، ويوغندا. كذلك قامت الصين بين عامي 2002 و2003م بتصدير مسدسات فاقت قيمتها 10 مليون دولار، وذلك إلى دول شتى، من ضمنها في القائمة الافريقية النيجر ويوغندا وبوركينا فاسو والسودان (آمنستي إنترناشيونال، يونيو 2006م). بحسب تقارير آمنستي إنترناشيونال باعت الصين للسودان خلال عهد التسعينات عدداً مقدراً من المروحيات العسكرية، كما أجرت عام 2001م إصلاحات على عدد من ماكينات المروحيات الصينية التي اشترتها بلدان من بينها الباكستان والسودان. بالإضافة إلى ذلك داومت الصين على بيع السودان شاحنات ناقلة للجنود شهدت على وجودها داخل الأراضي السودانية لجنة مراقبة تابعة للأمم المتحدة في أغسطس 2005م. بالطبع ليست الصين مصدر السلاح الوحيد في الصراعات السودانية، فمن ضمن دول أخرى اتخذت فرنسا وروسيا السودان سوقاً للأسلحة، لكن ترجح التحليلات أن الصين أصبحت مصدراً رئيسياً، إن لم يكن المصدر الأول للسلاح بالنسبة للسلطة في السودان، فهي “الجهة الأمثل لشراء الأسلحة البسيطة والرخيصة من شاكلة الكلاشنكوف، والآر بي جي، وقذائف المدفعية” (بي بي سي، 16 يونيو 2006م).

نوفمبر 2006م

المصادر
(1)
CIA, World Fact Book (Sudan), last updated 2/11/2006.
(2)
Energy Information Administration, Country Analysis Briefs (Sudan), last updated March 2006.
(3)
Mohamed Hasni, China Sudan’s biggest investor, Business in Africa, 2/11/2006.
(4)
Sudan now Africa’s third largest oil producer, Afrol News, 9/11/2006.
(5)
Amnesty International, China: Secretive arms export stoking conflict and repression, Press release, 11 June 2006.
(6)
Amnesty International, People’s Republic of China: Sustaining Conflict and Human Rights Abuses, Report, June 2006.
(7)
Tom Luard, Buyers line up for China’s arms, BBC News, 16 June 2006.