د. مجدي الجزولي

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز

الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

تشبيه ما تقدم أن الحكم وهو جذع سلطة تتغذى جذوره من التربة الاجتماعية قد استعاض عن هذه التربة بآبار البترول وخطوط أنابيبه، وحقق بالتالي علوية على المحكومين وحراكهم لا مثيل لها في تاريخنا المعاصر. بهذا المنظور يمكن ربما ادراك علة رئيسة لسحب القضية الوطنية من طاولات الداخل وبسطها مبذولة لعلاقات القوى الدولية، إذ أن المجال الحيوي للنظام الحاكم لم يعد قوى اجتماعية تسانده في الوطن إنما السوق العالمي حيث تنعقد صفقات بتروله استخراجاً وبيعاً. كذلك ودرع البترول يحمي النظام، ويجذب إليه، تبدلت علاقات الصراع معه ليصبح السلاح حرباً وسلماً سيد الموقف، فليس سواه ما يهدد الاستثمارات البترولية، ويلفت النظر الدولي، ويحقق الاعتراف والقوام السياسي، ما دام النظام على موقفه الترفع عن كل مشروعية خلا المستقاة من ريع البترول. فتح البترول في اقتصادنا الوطني أن “تحرر” الاقتصاد، نعم، لكن من قاعدته الاجتماعية، ليصبح رهناً بسلعة مفردة محورية تحتكرها السلطة وتتحكم في مفاصل إنتاجها، ونقلها، ومنافذ بيعها، وإدارة عائدها؛ وذلك بالاعتماد على شبكة دولية من الاستثمارات متعددة الجنسيات، محصنة بالضرورة ضد النفوذ الوطني غير الذي يهدد أمنها وسلامة منشآتها ونشاطها. في هذا السياق يختلف البترول عن القطن أيما اختلاف، فالقطن وهو سلعة الصادر الرئيسية في السابق يستدعي قطاعات إنتاجية متعددة كثيفة العمالة زراعية وصناعية حتى يؤتي أكلاً في السوق العالمي. بينما البترول سلعة تستحق سعرها بمجرد استخراجها، وقبل ذلك في هيئة صفقات الامتيازات التي تعقدها الحكومة والشركات الدولية الراغبة في الاستثمار. بهذا المنظور ليس البترول مجرد سلعة أخرى تضاف إلى قائمة الصادرات السودانية بل هو معول سياسي من الدرجة الأول، يضاهي اليوم وحيداً أدوار الجيش والطوائف والحركة الجماهيرية في تشكيل المصير السوداني. من ثم، لا بد من تقييم أدق لتسربه وفيضه إلى مجريات الصراع السياسي في بلادنا حرباً وسلماً. كل ذلك والسؤال مطروح: بأي وجه كان البترول بهذه الصفة سبباً مضافاً إلى أسباب الأزمة الوطنية، وبأي وجه ساهم أو يمكن أن يساهم في تطويقها.
باعتماده شبه الكامل على البترول اندرج الاقتصاد السوداني تحت عنوان “اقتصاد المعادن” وهو “كل اقتصاد يشكل فيه إنتاج المعادن على الأقل 10% من الناتج القومي، وصادر المعادن على الأقل 40% من جملة الصادرات القومية (نانكاني، 1979). بحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في مايو 2006م يشكل البترول 14.3% من الناتج القومي الاجمالي السوداني (2006م) وهي نسبة يقدر أن تزداد لتصبح في العام 2010م 17.5%، ويساوي ما يزيد على 80% من جملة الصادرات السودانية. بفضل الريع البترولي تحقق ازدياد مضطرد في الناتج القومي الاجمالي: من 13454 مليون دولار (2001م)، إلى 15109 مليون دولار (2002م)، 17680 مليون دولار (2003م)، ثم 21610 مليون دولار (2004م)، حتى 27699 مليون دولار في العام 2005م، بنسب نمو تبلغ 6.1%، 6.4%، 5.6%، 5.2% و8.0% على التوالي (صندوق النقد الدولي، تقرير السودان القطري، مايو 2006م). بالمقابل نجد أن دعم القطاعات الفقيرة لم يتجاوز في العام 2005م نسبة 2.8% من حصيلة الناتج القومي (المصدر السابق)، وذلك بإزاء حقيقة أن 93% من شعبنا واقع تحت خط الفقر بينما يستأثر 7% منه فقط بنسبة 70% من الثروة القومية (السوداني، 1 نوفمبر 2006م). تمام السخرية أن ديون السودان الخارجية قد بلغت في العام 2005م 27700 مليون دولار، أي 100% من الناتج القومي الاجمالي في ذات العام، وقد قفزت متعاظمة كما قفز ريع البترول: من 20900 مليون دولار (2001م)، إلى 23600 مليون دولار (2002م)، 25700 مليون دولار (2003م)، 26000 مليون دولار (2004م)، حتى بلغت في العام السابق 27700 مليون دولار (صندوق النقد). إذن لا شك أن السودان قد حقق بفضل البترول زيادة في ناتجه القومي بصورة اجمالية، لكنها زيادة تستأثر بها “برجوازية الدولة” بصفة احتكارية، ما يجعل البترول على المدى المتوسط والطويل “كُبَّة” سياسية اجتماعية إذا جاز التعبير، تبدو للغالبية كسلاح للفصل الطبقي أكثر منه باباً للرفاه الجماعي، وتزيد قدرة الدولة على الهندسة السياسية الاجتماعية القهرية.

تاريخ استغلال البترول السوداني

بطبيعة الحال مثل استخراج البترول السوداني جائزة كبرى تراود خيال الفئات الحاكمة في السودان منذ أول التكهن بوجوده منتصف القرن الماضي، لكن حالت عوامل شتى دون تحقيق هذه الرغبة، منها عوامل سياسية اقتصادية داخلية ومنها أولويات القوى الدولية والتكتلات الرأسمالية صاحبة التكنولوجيا اللازمة لاستغلال هذا المورد الاستراتيجي. بذات القدر طالما ترصد الغمار من السودانيين بشارة البترول بالنظر إلى نماذج الرفاه والاستهلاك الخليجي، وبإزاء تردي الأوضاع المعيشية الحضرية والريفية منذ أواخر السبعينات بدءاً بانهيار قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم الأوضاع السياسية والبيئية حرباً ومجاعات، والهجرة الضاغطة من الريف إلى الحضر. لكن كان لكل طبقة هدفها، فبينما انتظرت برجوازية الحكم من البترول فتحاً ريعياً يحررها من العقال الجماهيري، مَنّت الفئات الشعبية نفسها بتعزيز ديموقراطيتها الاجتماعية من حيث فرص التعليم وخدمات الصحة، وزيادة الدخل الفعلي للفرد، وتحسن المستوى المعيشي للكافة، وذلك بالاعتماد على مصدر قومي جديد يتوزع ريعه على قطاعات الإنتاج الزراعية والصناعية وقطاع الخدمات الاجتماعية.
كان تدشين التنقيب عن البترول في السودان أوائل الستينات إبان الدكتاتورية الأولى (1958 – 1964م) حيث قامت شركة أجيب (Agip) بأولى المحاولات في البحر الأحمر. في العام 1962م تم أنشاء شركة (Shell and BP) – السودان المحدودة، وذلك بموجب شراكة بين البترول البريطانية (BP) ورويال دتش/شل، حيث أوكل إليها تشغيل مصفاة بورت سودان التي دخلت حيز الخدمة في العام 1964م. بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا (1972م) انفتح المجال للاستثمارات البترولية في جنوب البلاد، وما تأخرت أكثر من عامين بعد التوقيع حيث تولت المهمة شركة شفرون (Chevron) عام 1974م وبدأت بالحفريات في مناطق البحر الأحمر، بانتيو، ملكال والمجلد. قامت شفرون خلال عشرين عاماً من النشاط في السودان باستثمار مليار دولار أميركي وفق تقديرات معتبرة، وأكملت حفر 52 بئر، منها 34 بئر جاهزة تقريباً التشغيل. كما توصلت عام 1976م إلى كشف مخزون للغاز الطبيعي في نواحي سواكن. في العام 1977م ابتدرت الديكتاتورية الثانية (1969 – 1985م) تطبيق سياسات “السوق الحر”، وتزامن هذا التوجه مع أولى الاكتشافات البترولية لشركة شيفرون في مناطق بانتيو وهجليج عام 1978م من جهة، ومن جهة أخرى مع تصاعد أسعار البترول وانحدار أسعار السلع الأولية في السوق العالمي. حصاد السودان من هذه المستجدات كان أزمة اقتصادية خانقة عصفت في المقام الأول بمستوى معيشة الطبقات الشعبية من حيث التضاعف الجنوني لأسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والتآكل المستمر للقدرة الشرائية. رد الفعل المنقذ على أزمة التنمية السودانية لم يختلف كثيراً عما أسفرت عنه ذات الأزمة في بلدان افريقية ولاتين أميركية أخرى، فالبلاد أصبحت رهينة الاستدانة والقروض المشروطة في هيئة برامج “التكييف الهيكلي” لصندوق النقد الذي بدأ حينها أولى مفاوضاته مع الدولة السودانية في هذا الخصوص حتى أنجزت مطلوبه الأساسي، أي تخفيض قيمة العملة الوطنية. جزاءاً للدولة السودانية على سياسة “الباب المفتوح” صادق الكونغرس الأميركي في أكتوبر عام 1979م على دعم عسكري إضافي لحكومة النميري قيمته 1,7 مليون دولار إثر وعد من وزير الدفاع الأميركي في فبراير من ذات العام ببيع السودان طائرات مقاتلة ودبابات (سودان أب ديت، 2000). في العام 1980م بدأ النميري بإعادة تقسيم الجنوب وضمن ذلك فصل مناطق بانتيو عن الاقليم، كما أصدر أمراً ببناء مصفاة البترول المنتظرة في كوستي وليس بانتيو دون تفسير فني اقتصادي شاف ما أثار تململاً سياسياً عارماً في الجنوب كان مقدمة مضافة للخروج المسلح على الدولة عام 1983م بقيادة الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان. في العام التالي أي 1981م، أعلنت شيفرون اكتشافها حوض هجليج المجاور لبانتيو بتقديرات مخزون تجاري من البترول في حدود 236 مليون برميل. من ثم قامت شيفرون وحكومة السودان بإنشاء “النيل الأبيض للبترول” مشاركة بين الطرفين، لكن دون تمثيل جنوبي في مجلس الإدارة. في سبتمبر 1982م تم تجميد خطة بناء مصفاة كوستي واستعيض عنها بمشروع أنبوب ناقل بطول 1420 كيلومتر من مناطق الإنتاج في بانتيو وهجليج إلى ساحل البحر الأحمر بين بورت سودان وسواكن. قدرت كلفة المشروع بمليار دولار أميركي، وأسند تنفيذه إلى شراكة ضمت حكومة السودان وشيفرون وشل وأبيكورب (الهيئة العربية للاستثمارات البترولية). في مارس 1984م شن الجيش الشعبي هجماته المشهورة على حقول البترول في الجنوب وقامت عناصره باختطاف ثلاثة موظفين بشركة شيفرون من قاعدة ربكونا وقتلهم، ما أجبر شركة شيفرون على وقف أعمالها في السودان والرحيل بعد عشرين عاماً من النشاط. ظلت حكومة السودان رغم ذلك متفائلة فعقدت صفقة في يوليو 1984م مع شركة “ترانزآفريكان لأنابيب البترول” الأميركية (Trans-African Pipeline Co.) لبناء خط أنابيب بطول 1760 كيلومتر عبر السودان إلى جمهورية افريقيا الوسطى ظل حبراً على ورق (المصدر السابق).
أطاحت الانتفاضة الشعبية في مارس/أبريل 1985م بديكتاتورية النميري ونتجت عن انتخابات 1986م حكومة مدنية برئاسة السيد/ الصادق المهدي. في نوفمبر 1986م قامت الحكومة بتعليق كل العقودات الخاصة ببناء خط الأنابيب. كما عادت شيفرون باحتراز وقدمت عام 1988م برنامجاً للاستكشاف والتنقيب مدته ست أعوام. يعود تاريخ الانتباهة الصينية للبترول السوداني إلى هذه الفترة، حيث قامت الصين في ذات العام بشراء قسط من امتياز شركة شيفرون. كذلك دشنت الصين شراكة مع حكومة السودان نمت لاحقاً وتطورت فحواها البترول مقابل السلاح، إذ أقدمت حكومة الصادق المهدي على عقد صفقة سلاح كبرى مع الصين، لكنها لم تجني منها فائدة، فقد سبقتها الجبهة الاسلامية بالاستيلاء على السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989م. أما السلاح فقد وجد طريقه إلى الحكومة الجديدة بتمويل إيراني (المصدر السابق) وحياد صيني غير مكترث.
نوفمبر 2006م

المصادر
(1)
Nankani, Development Problems of Oil Exporting Countries, World Bank Staff Working Paper 354, Washington DC: World Bank, 1979.
(2)
International Monetary Fund, Sudan, Staff Report for the 2006 Article IV Consultation and Staff- Monitored Programme, May 2006.
(3)
تقرير عباس حسن أحمد، جريدة “السوداني”، 1 نوفمبر 2006م.
(4)
Sudan Update, Raising the Stakes: Oil and Conflict in Sudan, 2000.