مصباح كمال
تعلم مصباح غازي عسكر كمال مبادئ التأمين في بغداد عندما بدأ العمل في شركة التأمين الوطنية (1968) بعد حصوله على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بريطانية (1967). غادر العراق سنة 1977 لإكمال دراسته العليا في بريطانيا حيث حصل على شهادة ماجستير في العلوم الإدارية (1978) وبدأ العمل في إحدى شركات وساطة التأمين وإعادة التأمين في لندن ولا يزال يمارس العمل. نشر العديد من المقالات التأمينية في مجلات تأمينية عربية وإنجليزية. ساهم في إعداد معجم
انجليزي-عربي لمصطلحات التأمين وتعاون مع أحد زملائه على ترجمة كتاب عن إدارة الخطر. يدير مدونة إلكترونية اسماها مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.com/ مكرسة لدراسة قضايا التأمين في العراق من موقف نقدي، أطلقها لعدم وجود مجلة تأمينية عراقية.

 

بوب لوغان
ترجمة مصباح كمال
هذه ترجمة لمقالة نشرت بتاريخ 19/10/2003 في الموقع الإلكتروني: The Secular Web Kiosk
تحت عنوان: The Economics of Risk and Belief in the Almighty
وفي التعريف بالكاتب ذُكر التالي في الموقع:
“Bob Logan received his Ph.D. in Economics at the University of Iowa in 1986. He operates a small consulting company in Fairbanks, Alaska. He is not sure what he believes in–it depends on what you’re offering.”
جميع العبارات المحصورة بين قوسين مربعين للمترجم.
يمكن للمرء أن يتناول موضوع “الاعتقاد”belief بالله من منظور اقتصاديات الخطر. فالعقلاء من الناس “يعتقدون” [يؤمنون] بأطروحات تبدو غير عقلانية لكن اعتقادهم بها قائم على اتخاذهم قراراً اقتصادياً بشأنها – وهو قرار لا يقوم على عقلانية الأطروحات ذاتها، فاتخاذ القرار هنا مسألة إحصائية يشبه تماماً قرار شراء التأمين.
يجب أن نعترف بأن “الاعتقاد” يتكون من مكونات صادقة وغير صادقة، وهو أكثر من مجرد حالة ذهنية. فالاعتقاد ينطوي على القيام بعمل – مثل أداء الصلاة، وحضور صفوف دراسة الكتاب المقدس، وكذلك العمل على تعديل السلوك الشخصي، وهكذا دواليك. العديد من المسيحيين والمسلمين وغيرهم من الملتزمين بممارسة دينهم (والبعض يقول جميعهم) هم “يعتقدون” أو يتصرفون بدافع من مصالحهم الذاتية الاقتصادية. وهذه ليست مسألة منطقية صرفة أو حتى محض إيمان faith بحد ذاته. [الإيمان: التصديق دون تمحيص].
لنفترض أن الاعتقاد لا يفرض تكلفة عليك في الوقت الحاضر. لنفترض كذلك أن هناك فرصة واحدة في المليون بوجود رب يرمي بك في آتون من النار لأنك لم تؤمن به. لنلاحظ أن “القيمة المتوقعة” [القيمة الاحتمالية] expected value للاعتقاد إيجابية. كونك خاطئاً في الاعتقاد لا يستوجب تكلفة لكن فرصة ضئيلة بعدم الاعتقاد تستدعي عذاباً رهيباً. لذا، عليك أن تعتقد، مخافة أن تقع صدفة في محذور عدم الاعتقاد، فالاعتقاد يوفر غطاءاً تأمينياً كاملاً بدون تسديد قسط تأمين عنه.
والآن، لو زدنا من تكلفة “الاعتقاد” عن طريق فرض الامتناع عن أشياء يمكن أن تجلب لنا اللذة، أو فرض دفع [الضريبة] العُشارية [للكنيسة] وما شابهها [كالخُمس] فإننا سنصل، في النهاية، إلى نقطة بحيث يصبح “الاعتقاد” عندها غير جذابا اقتصادياً ونصبح كفاراً. ومن ناحية أخرى، عندما ترتفع التكلفة في الحياة الآخرة بالنسبة للكافر (ومقابلها ازدياد المنافع للمُؤْمِن) نرى أن الاعتقاد يصبح أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية. (الاقتصاد لا يقتصر على النقود – فهو يشمل كل ما يعتبر “تكلفة” أو “منفعة” نظير القيام، أو الامتناع عن القيام، بفعل معين). ومن النادر أن تجد مسيحياً متأكداً 100٪ في اعتقاده أو لاأدرياً agnostic يتوقف إيمانه [إيمان اللاأدري] بالله عند نقطة الصفر. ومعظمنا يصطف بين نهايتي هذا الطيف الممتد من صفر إلى المئة. وعلاوة على ذلك، هناك أحداث في حياتنا تغير هذه الاحتمالات، وأحيانا بشكل كبير جداً. وهكذا فإن اللاأدري قد يتحدث إلى الله أحياناً، وهذا موقف معقول اقتصادياً دون أن يكون “عقلانياً”. وقد يُلهم اللاأدري عندما يمر بتجربة مميتة بأن يبتهل ويتذرع إلى الله ولو مؤقتاً.
هذا الفهم يسمح لنا أيضاً أن نرى إمكانية أن تكون اقتصاديات دين ما مماثلة ولأسباب مختلفة جدا – وبالتالي أن نرى لماذا يعتقد بنفس القدر أناسٌ، يبدون عقلانيين، بأديان ذات احتمالات مختلفة اختلافا كبيراً. احتمال أن يكون أحد هذه الأديان صحيحاًً ضئيلٌ جداً ولكنه [الدين] مع ذلك يؤكد على إلحاق عواقب مروعة بالنسبة للكافر به. ودين آخر يبدو أن يكون احتمال صحته أكبر، ولكن إذا كانت العواقب بالنسبة للكافر طفيفة فإن الاقتصاديات يمكن أن تكون هي نفسها. فلا فرق في الاعتقاد بواحد أو أخر من حيث “القيمة المتوقعة” – أي احتمال وقوع الحدث مضروباً بالعقاب [أو المكافأة] أو تكلفة هذا الحدث.
ومن منظور الاحتمالات يصبح جذبنا إلى الاعتقاد وجعلنا مؤمنين ميسوراً تحت طائلة العواقب الخطيرة لعدم الاعتقاد. ما هو المطلوب لـ”نعتقد” بولادة بتولية؟ هل أن كل المسيحيين يتبنون في الواقع هذا الافتراض بالكامل وفي نفس الوقت يقبلون بما تقوله العلوم البيولوجية؟ لا – ولكن إذا كانت منافع “الاعتقاد” هي الحياة الأبدية وتكاليف عدم الاعتقاد هي الأبدية في الجحيم فحتى فرصة واحدة في الخمسين تريليون بالشك في مثل هذه الولادة ستكون لصالح الاعتقاد من الناحية الاقتصادية.
عندما نقوم أيضا بدمج فكرة تحّمُل الخطر [الموقف من الخطر] في المعادلة نستطيع أن نفهم لماذا يختلف “الاعتقاد” بين شخصين يتمتعان بنفس القدرة العقلانية. فالناس يقفون على مستويات مختلفة تجاه تحمل المخاطر. لنفترض أن فرصة خسارة 100 دولار من بعض الأحداث العشوائية هي 1٪. فإذا كنت على استعداد لدفع دولار واحد لتفادي تلك الخسارة، فإنك تُصنف في موقع المحايد تجاه الخطر. وإذا كنت على استعداد لدفع أكثر من دولار واحد فانك تصنف في موقع من لا يحب المخاطرة. وإن لم تكن على استعداد لدفع دولار واحد كنت من محبي المخاطرة.
الشخص الذي لا يحب المخاطرة يمقت فكرة خسارة 100 دولار، وهو على استعداد لدفع الكثير لتجنب الخسارة، حتى لو تطلب الأمر دفع ما يصل إلى عشرة دولارات. هذه هو بيت القصيد. الشخص الميال لتحمل الخطر بدلا من ذلك [تسديد مبلغ ضئيل لتجنب الخسارة] ميال إلى يقين الحفاظ على ما لديه من نقد الآن، وقبول إمكانية التعرض لـ”ضربة” كبيرة في المستقبل، ولو أن الاحتمالات في غير صالحه، وموقفه هو: ثم ماذا لو كان الأمر كذلك؟
ومع بقاء كل المتغيرات على حالها، فإن اثنين من الناس قد يختلفان في “الاعتقاد” رغم أنهما يُقيّمان الاحتمالات الدينية على وجه التحديد نفسه. على المستوى العقلاني يتفقان تماما على وجود الله، ومع ذلك، فإن الشخص الكاره للمخاطر يبذل بشكل ملحوظ مزيداً من الجهد في “العقيدة” من الشخص الذي يحتل موقعاً محايداً تجاه الخطر أو الشخص الميال للمخاطر. وكلاهما يقومان بشراء مزيد من غطاء التأمين على السيارات – ليس لأنهما يعتقدان أن احتمال وقوع حادث أعلى. وعندما نرى الوعاظ كبائعي بوالص التأمين يمكننا أن نراهم وهم يتنافسون على مستوى مختلف من مجرد سطحية المنطق أو العلوم البيولوجية. إن المسألة تتحد بالمنافع الأسرع أو الأفضل تحقيقاً، وأي نوع من الغطاء نحصل عليه، ومدى انخفاض أقساط التأمين، وهكذا دواليك. ليس الأمر هو أن العلم هو خارج السياق تماما – يمكننا أن نرى كيف تتطور الأديان، كيف تنشأ وكيف تنقرض مع تقدم العلم والمجتمع – ولكننا معنيون إلى حد كبير بمعالجة مسائل “الآخرة” والعلم يجابه قليلا من الصعوبة في إثبات ما هو سلبي – إي إثبات عدم وجود الحياة الآخرة. ولذلك فإن هذا التأمين [تأمين الآخرة] سيكون دائما معروضاً للبيع.
شركة التأمين (الكنيسة) يمكن أن تجتذب المعتقدين الجدد بها من خلال برامج تسويقية نشطة فيما يتعلق، مثلا، بالمجيء الثاني للمسيح في موعد يعلن عنه في المستقبل القريب. ولكن الشركة الحكيمة [الكنيسة] سوف ترى في هذا حماقة ولذلك تظل مستمرة في بيع بوالص التأمين الأساسية الممتازة [الإشارة إلى وثائق التأمين هو من باب المجاز فالمقصود بها الأطروحة الدينية بشأن ضمان أفضل للفرد المؤمن في الحياة الآخرة]. التي اختبرت لأربعة آلاف سنة والتي تبلغ أجلها [لتسديد منافعها] على أساس فردي في الحياة الآخرة. لا يمكن إثبات أن أي من هذه البوالص فشلت في الإيفاء بما يراد منها. هل للعلم مثل هذا السجل؟ أنا فقط أعرض هذا الموقف كعامل إضافي في تفسير اختيار “الاعتقاد” مقابل البديل له. هناك عوامل نفسية تتحدى وتتجاوز الاقتصاد وفروع المعرفة المماثلة إلا أن الموقف المعروض يساعدنا على فهم الآتي – الكثير من المسيحيين، إن لاحقتهم بشأن نياتهم، فإنهم يعترفون بالتناقضات في الكتاب المقدس. إنهم حقاً يشعرون بشئ من عدم الارتياح بشأن الولادة البتولية، وقيام الأموات، وصنع النبيذ من الماء وغير ذلك. وهم يعرفون أن عيد الميلاد لا يوافق ولادة المسيح وأن السبت Sabbath هو يوم السبت. وهم متيقنون تقريبا أن سفر الرؤيا هو حفنة من هراء.
لكنهم “يؤمنون” – تجنباً للعواقب. وإيمانهم يقوم على قرار اقتصادي، وكل الحجج المنطقية التي تُقدمها لا تستطيع تغير اقتصاديات هذا الاعتقاد. بل ربما قد يتفقون مع كل ما تقوله على المستوى العقلاني (على أن كل ما يرد فيه [الاعتقاد] هو غير عقلاني تماما). ولذلك، عليك التوقف من ضرب رأسك بالحائط – فالمؤمنون قد قاموا فعلاً باتخاذ قرار عقلاني بعد كل شيء – ولكن ليس على الأسس التي تظنها. فالمؤمنون يعتقدون بأن الاعتقاد هو تأمين رخيص.
ترجمة: مصباح كمال
لندن 31 آب 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
(*) نقلاً عن مجلة التأمين العراقي.