النهضة والمقاومة في ممارسة الحزب الشيوعي السوداني

د. عبد الله علي إبراهيم

دكتور عبد الله علي ابراهيم واحدٌ من اعلام الاكاديميين و الباحثين و المثقفين السودانيين. تخرج في جامعة الخرطوم. تحصل علي درجة الدكتوراة في الدراسات الانثروبولوجية و الفلكلور بجامعة انديانا في الولايات المتحدة الامريكية ،في العام 1978م. كتب دكتور عبد الله علي ابراهيم و نشر بغزارة، باللغتين العربية و الانجليزية، في شئون الثقافة السودانية و القضايا

الفكرية و السياسية المختلفة. و قد استند في انتاجه الوفير ذلك الي خبرة طويلة في النشاط السياسي. فبقدر ما له من آراءٍ مثيرة فإن الغالبية من قرائه يجمعون علي فرادة اللغة و جزالتها لديه.

 

عمل دكتور عبد الله علي ابراهيم استاذا بجامعة الخرطوم في السودان، و هو يعمل الآن استاذاً للدرسات الافريقية و التاريخ الاسلامي بجامعة ميسوري في الولايات المتحدة الامريكية.

 

مقدمة المؤلف

ألهمت الماركسية حتى أعدائها في النضال السديد ضد الاستعمار الغربي بما وفرت لهم من تحليل دقيق للاستعمار وبواعثه الاقتصادية. ولكنها لم تنجح مثل نجاحها الأول في تحليل حقائق أوضاع الدول التي استقلت من ربقة الاستعمار. وقد يميل المرء للقول بأن هذا غير مستعجب من نظرية أوربية الأصل وافدة لا علم لها بمجتمع أفريقيا وغيره. ويغري بمثل هذا النظر عن كساد الماركسية هرج النظم الماركسية المزعومة في أفريقيا التي خرجت للناس من فوهة البندقية وعاشت ما عاشت بفضل الدعم السوفيتي.

يريد هذا الكتيب أن يقترح نظراً مغايراً لعاهة الماركسية المظنونة. يريد الكتاب القول بأن مصدر فشل الماركسية في الاشتباك مع الوقائع الأفريقية ليس من نقص باطن فيها. بل هو نقص ترتب عن تراخي المعتقدين فيها عن جعلها أداة رافعة للنهضة الأفريقية مثلما كانت أداة صائبة في مقاومة الاستعمار. وهذا تراخ عام شمل من شغلوا مواقع في الدول المنسوبة للاشتراكية في أفريقيا أو من ظلوا يقاومون بلا هوادة الأنظمة الجائرة في بلادهم. ومن رأي الكتاب أن هذه الفئة المصابرة لم تستثمر الماركسية خلال هذه المقاومة لتنفذ إلى قضايا مجتمعها الدقيقة متجاوزة الشعار إلى لب الماركسية. صفوة الموضوع أن الماركسية لم تٌجرب أصلاً في الإحاطة بواقع أفريقيا المستقلة ليصدق القول عن غربتها وشذوذها عنه.

سيفحص الكتيب معارضة الحزب الشيوعي (تأسس 1946) للنظام دولة الإنقاذ القائمة (1989-2006) ليخلص إلى أن مقاومة الحزب الماهرة المكلفة للنظام حالت دون تطبيق ماركسي خلاق يحيط بمجتمع السودان إحاطة ينفذ بها الحزب إلى عتبة النهضة التي هي البعث الوطني الديمقراطي في مصطلحة. وسينظر الكتاب في وجهين من وجوه هذه المعارضة. وهما أولاً ما اتٌهم به النظام من استرقاق في الجنوب خلال الحرب الأهلية، وثانياً صور البشاعة التي اتصفت بها سياساته في نزاع ولاية دارفور الغربية. فقد حمل الحزب على النظام ونسب سياساته في المسألتين إلى خيلاء عرقه العربي الإسلامي. وخاض الحزب في مسألة العرق والعنصرية بغير شيخ. فقد تمسك الحزب بأسبقية التحليل الطبقي على ما عداه حسب السائد عن الماركسية آنذاك. ولم يتدرب على معالجة العرق على ضوء الماركسية برغم إلحاف دوائر ومنابر مختلفة له لكي يفتح باب الاجتهاد الماركسي في مساس العرق بمتاعب السودان. وكانت هذه فرصته الغراء ليتطابق مع منهجه الذي أذاعه عن نفسه بأنه إنما يطبق الماركسية بصورة خلاقة على واقع السودان. وهكذا أضاع الحزب الفرصة على الماركسية لتنفذ إلى دقائق المجتمع السوداني بصورة ذكية يتآخى فيها التحليل الطبقي والعنصري والجندري. ليس هناك في الماركسية نفسها ما يدمغها ب”الأجنبية أو الاستيراد” طالما ارتبطت بممارسة خلاقة نيرة مساءلة أمام قوي الكادحين بشكل رئيسي. وقد تمتع الحزب الشيوعي بهذا الصحو الاجتماعي والنظري عهداً ما ولكن أصابه الوهن من فرط معارضة مديدة للنظم العسكرية.

ولما سادت النظرة العرقية الإثنية في تحليل أوجاع بناء الأمة المستقلة الحرة في السودان أهمل الناس اعتبار الأسس المادية التي تَخَلَّقت فيها المنازع العرقية وطموحاتها. وسنرى في الكتاب أن هذه النظرة الثقافية للنزاع السوداني تغلبت على النظرة المادية التى روج لها الحزب الشيوعي منذ نشأته في 1946. فقد نسب الشيوعيون منذ ذلك العهد الخلاف الأهلي إلى الحظوظ المتفاوتة التي نالتها أقاليم وشعوب السودان المختلفة بالنظر إلى التطور غير المتساو الذي تركها الاستعمار عليها. فقد نمى الاستعمار من المناطق ما استطاع إليه سبيلا بما خدم غرضه وبتكلفة قليلة وترك المناطق غير الجاذبة بلا تنمية. وهكذا ورثنا تناقضات يستكثر بها الإقليم بها حظوة الإقليم المميز. وأراد الشيوعيون أن لا يجعلوا من هذا الاستكثار سبباً للنزاع والخصام. ولهذه الغاية بثوا وعياً بمنشأ هذه الحظوات المحسودة وكابدوا لإعلاء قضية التنمية والتنمية المٌستدرَكة. فقد تحسبوا من أن يتفجر هذا الحسد، وهو تناقض ثانوي في الأمة المرزوءة بإرث الاستعمار وحبائل الاستعمار الجديد، إلى تناقض رئيسي يفسد على الأمة الوعي بمحنتها وتَدَبٌر طرق الخلاص منها.

وتعاورت الحزب حالات من المغامرات السياسية الإثارية وغيرها، كما سنعرض لطرف منها في الكتاب، جعلت نظرته المادية للمأزق السوداني هي الدنيا ونظرة صفوة الإثنيات السودانية هي العليا. ومما زكى النظرة الإثنية بشكل خاص هو أن أول حروب السودان الأهلية في الجنوب بدت ثقافية بين العرب والمسلمين من جهة والأفارقة المسيحيين “الوثنيين” على ما جرت به العبارة دائماً. فقد كانت حرباً واجهت فيها الحكومة المركزية (الموصوفة بأنها كانت دائماً وأبداً إسلامو عربية) القومية الجنوبية الثائرة. ولم ير الناس في ملابسات هذه الحرب مصالح مادية شكلت عظمة النزاع وعبأت الناس حولها. فلم يكن الجنوب قبل النفط المٌستَجِد شئياً مذكوراً من حيث الموارد تستأهل حرباً. ولم يكن بالجنوب من الشماليين سوى تجار الجملة والقطاعي المعروفين بالجلابة (من جلب البضاعة)، وهم فئة قليلة ، والجيش. ولما غابت عن النزاع العظمة المادية السمينة بدا أن الأمر كله أمر سيطرة واستعلاء وقهر ثقافي. وليس هذا كله صحيحاً. ولا نريد له مع ذلك أن يستوقفنا هنا.

كان نزاع دارفور كريهاً جديداً. غير أنه رمي بثقل كبير لصالح تفسير النزاعات السودانية بالرجوع الدقيق إلى اقتصادها السياسي لا إلى مجرد مٌضَمناتها الثقافية العرقية لا غير، أي ما أطلقنا عليه في كتابنا هذا نهج الأرومة. فقد زعزع نزاع دارفور عقائد وملابسات روجت لنهج الأرومة أي التفسير العرقي الثقافي، أو الهوية، للصراع الأهلي في الجنوب. فخلافاً للجنوبيين من هم على ملة المسيحية وغالبهم على كريم المعتقدات الأفريقية، فأهل دارفور مسلمون عن بكرة أبيهم. بل هم كانوا واحدة من أكبر القواعد الدعوة لتطبيق الشريعة. فواحد من أوائل نواب الحركة الإسلامية في برلمان 1965 من الدوائر الجغرافية كان من دائرة شمال دارفور ومن جماعة الزغاوة. ناهيك عن نفوذ حرب الأمة، الغالب فيه أنصار مهدي القرن التاسع عشر، على الولاية حتى صارت دوائرها الانتخابية حكراً له. وتواثق الدارفوريون بآصرة الإسلام مع الجماعات العربية في السودان. فالعربية لغتهم الثانية السائغة للعلم بالدين ولغة التفاهم بإحسان بينهم. زد على ذلك أن الأفارقة في دارفور هم أهل الملك والدار والسلطان وسادوا على الجماعات العربية منذ القرن الخامس عشر.ومع أن التفريق بين العرب والزرقة تفريق ثقافي متبع في دارفور إلا إنه خلا من شحنة الاستعلاء الثقافي الفج الذي طبع علاقات الشمال والجنوب. وهي علاقات تضمنت نخاسة شمالية للجنوبيين خلال القرن التاسع عشر تركت ذكرى مؤرقة مستفزة لأهل الجنوب. ونتيجة لهذا يفقد التفسير العرقي الثقافي ركناً كبيراً من أركانه حين لا يكون اشمئزاز جماعة من أخرى ساماً ومهيناً. فمهما قلنا عن تباين “العرب” والزرقة” في دارفور فهو لم يتسم بالاستفحال الذي وسم تباين العرب الشماليين والأفارقة الجنوبيين.

من جهة ثالثة جاء نزاع دارفور إلى المائدة، في عبارة للفرنجة، بالاقتصاد السياسي لتحليل حروب السودان الأهلية كما لم يفعل نزاع الجنوب إلا بعد اكتشاف البترول من قريب جداً. فسنرى في الكتاب أن النزاع دار وسيدور حول حقوق تملك الأرض والانتفاع منها مما يعرف ب”الحاكورة” . فقد تضرر عرب وأفارقة معاً في دارفور من إرث الحاكورة. وهو نظام متوارث في ملكية الأرض قصر ملكية الأرض المعلومة لجماعة “قبلية” معلومة وحرم الجماعات الأخرى من الانتفاع الطليق المتساو منها إلا بشروط التباعة المهينة لصاحب الملك ولقاء رسوم معلومة. وسنفصل في هذا الأمر طويلاً في الكتاب. وصفوة القول هنا أن نظام الحاكورة اصطنع مواطنتين: واحدة “قبلية” مميزة بعرف تاريخي في تملك الأرض وأخرى “سودانية” لا تسمن ولا تغني من شيء. فلن ترفعك سودانيتك للتساوي مع صاحب الحاكورة ولن تشفع لك إذا نزحت بفعل الجفاف والتصحر لتأوي إلى قطعة تحسبها من الوطن وهي ليست منه. وسيكون شاغل هذا الكتاب بيان كيف طعن الصراع على الموارد المحدودة في عرف الحاكورة وعرضه للمساءلة. فقد أراد المحرومون من الحاكورة أن ينعموا برزق في بلدهم كمواطنين سودانيين حظوظهم على قدم وساق مع الآخرين تٌصَرِف معاشهم وموارده دولة وطنية لا جماعة وطنية مخصوصة.

وهذا الكتاب محاولة منا لتزكية التفسير المادي لتحليل الخصومات السودانية. ولست أريد بالطبع التهوين من عنصر العرق والثقافة. فهذه طاقة لا مهرب منها وتلتبس بتدافع الناس في المعاش التباساً ذكياً لم نبلغ من معرفته الغاية بعد. فالكتاب يشدد على التفسير المادي للنزاعات الذي أسميته “بنهج الحاكورة” حتى نرد التفسير العرقي والثقافي، الذي اسميه “نهج الجنجويد” إلى حجمه المناسب في فهم الإشكال الدارفوري . والجنجويد هي الجماعات المنسوبة إلى “عرب” دارفور وشاد التي أخرجت أكثر الأفريقيين الفور وغيرهم من أرضهم بسياسة الترويع والتذبيح والأرض المحروقة. ومما زاد من جاذبية هذا التفسير الثقافي أن حكومة الأنقاذ الإسلامية، التي لا صليح لها في العالم المتنفذ، متهمة بالضلوع في استنفار الجنجويد لقمع “التمرد” المسلح في دارفور منذ عام 2004.

وللنهج الجنجويدي سوق نافقة في تحليل محنة دارفور بحيث يمكن للمرء أن يٌتَهم بعدم الحساسية لهذه المحنة وقسوة الجنجويد إذا جئت للمائدة بنهج آخر. وتستفحل مثل هذه التهمة إذا كان النهج الجديد ينظر في معطيات مادية كالأرض وتملكها. فهي معطيات معقدة تحتاج إلى صبر وكدح لا وقت لهما في زفة الإعلام وثوانيه العزيزة المعدودة. ولكن الحق حق. وحل عقدة النزاع للمدى البعيد تفرض على المرء المطلع على شأن ما أن ينصح بما عَلِم. والدين النصيحة. ووجدت أن الدكتور ألكس دي وال، وهو من ذوي الاطلاع الحسن بمجتمع دارفور، قد سبقني إلى الدفع بنهج الحواكير قدماً لفهم محنة دارفور والتماس الحلول طويلة التيلة لها. ففي مذكرته التي كتبها بطلب من هيئة العون الأمريكية عام 2005 جعل الأسبقية للنظر في مسألة الحواكير لحل نزاع دارفور على نزع سلاح الجنجويد. ونزع السلاح من هؤلاء القوم ظل المطلب الأول، أو الذي لا غيره، في أجندة الدول والمنظمات المشغولة بأمر دارفور. بل هبط دي وال بمطلب تجريد الجنجويد من سلاحهم إلى المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. فرجل في مثل علم دي وال بدارفور قد خلص إلى أن الجنجويد، على عظم جريرتهم، عرض لجوهر المسألة.

ويريد الكتاب رد النزاعات السودانية إلى اقتصادها السياسي في جدل دقيق مع الحزب الشيوعي السوداني في نظره وممارسته في مسألتي الرق ونراع دارفور. فقد حال هذا الحزب، الذي يترسم الماركسية حتى إشعار آخر، دون الماركسية والنفاذ إلى الأسس المادية لتلك النزاعات ومترتباتها. فقد استسهل المعارضة “بنهج الجنجويد”. واسقط النظر المادي للمسالة حين لم يبتدر ثقافة سياسية معارضة قائمة على الوعي ب” نهج الحاكورة”. والماركسية بالطبع أداة لا منازع لها في تحليل نظم مثل الحاكورة. وبلغت من ذلك حداً مبالغاً فيه حتى سميت بعض ماديتها بالمبتذلة. وقد لا مس الحزب الشيوعي نظم الحاكورة كما سنرى في الكتاب ولكنه فاتها “حٌوفَة” كما نقول في دلالة التغاضي الكامل للشيء.

مؤاخذتي للحزب في تغليب المعارضة بغير الماركسية قديمة. فقد عاب تقرير المؤتمر الرابع في 1967 على الحزب هذا الضرب من المعارضة. فالتقرير قال إن الحزب عارض نظام عبود العسكري كمحض نظام عسكري لا كنظام اجتماعي طبقي أداته العسكرية. ولم يفق الحزب حتى الآن من مثل هذه المعارضة التي لا يحتاج الواحد فيها للماركسية. وكنت طلبت من الرفاق بالحزب، وكنت بين حلقة المتفرغين، أن ينتهزوا سانحة مصالحة نميري لهم في 1978 ليأخذوا “نَفَسٌهم” وليهجروا معارضة “عودة الجيش إلى الثكنات” إلى المعارضة ل”طَوِيلة”، كما نقول، التي لا تنتهي بسقوط النظم الردئية فحسب بل تتدرج بنا في مدارج النهضة. وسأحكي عن هذه الملابسات في يوم قريب.

وقد وجدت مصداقاً لخطتي عن القيادة المتدبرة “التي تراجع ولا تتراجع” (وهي عبارة ابتذلها الرئيس نميري في معرض ترويج تنازلاته الكبرى عن أهداف انقلابه في مايو 1969) في كلمة لنقابي بريطاني اختم بها هذه المقدمة. فقد وقعت عيني في جريدة الإندبندت (7 يوليو 2003) البريطانية على نعي للنقابي الإنجليزي توم جاكسون. وذكر له الناعي كلمة قالها حين رفض أن تشارك نقابته في إضراب عام سنة 1973. ووصف جاكسون الإضراب بأنه فكرة حمقاء لم يكن مقدراً للعمال أن يحققوا به أي شئ. وقال: “إنه لأمر سيء أن لا تكسب من وراء إضرابك ولكنه من الإجرام أن تقود الرجال والنساء في معركة تعرف مسبقاً أنها خاسرة. وهذا مربط تدمير الثورية في الناس.” وأضاف: “إن القيادة لا تقتصر على القفز فوق الخنادق المٌحَصنة وأيدينا على سيوفنا جاهزين للهجوم. خلافاً لذلك فالقيادة في بعض الأوقات تقتضي أن تلزم الجابرة وتفكر وترسم خطة وتنمي وحدة الهدف وتحمل الناس بالرفق نحو سياسة موحدة للنشاط وتقرر بشأن الإستراتيجية. تعني القيادة أحياناً أن تصدع برأي غير سائد ولا مقبول لعلمك أنه الرأي السديد وأن تكف عن تكرار الرأي الرائج عالماً أنه مفارق للصواب. فكل أبله بوسعه أن يستصرخ قواته: “هجوم، عليكم بهم”. فتاريخنا العسكري حافل بذكر جنرالات شذاذ مرصعين بالنياشين ممن كان سبيلهم للشهرة هو مقابر الحرب التي اكتظت بموتى العمال ترامت الجثة على الجثة. إنني لاستبشع عقلية” اهجموا أصْلِهم ناراً”.

أصيل الماركسية:
المقاومة والنهضة في فكر وممارسة الحزب الشيوعي السوداني

# “لا يقتصر عمل الحركة الاجتماعية التقدمية على حشد بسيط لإحصاءات جور النظم الحاكمة أو تدبيج عرضحالات بمظالمها. فالحركات المحسنة بين الحركات الاجتماعية تفعل فينا فعل الشعر العظيم. فهذا الشعر يرحل بنا إلى فضاء آخر، ويجعلنا نعيش رعب عالمنا للمرة الثانية، وأهم من ذلك كله، فهو يعيننا على تخيل مجتمع جديد حقاً” كاتب راح علىّ اسمه.

# “شايل جبل مرة بلا وقاية” حكمة من دارفور

أصيل الماركسية في الحزب الشيوعي

لا ماركسية بعد اليوم

ربما قرر مؤتمر الحزب الشيوعي القادم، وهو الخامس منذ تأسيسه في 1946، طلاقه مع الماركسية طلاق بينونة. فقد بشرت بهذا الطلاق جماعة غير واضحة الحجم والأثر بعد في المناقشات العامة التي جرت بمثابة تحضير للمؤتمر. بل إن مشروع اللائحة المقدّم له نزع الماركسية من فراداتها كأيدولجية الحزب الوحيدة وشملها ضمن عقائد أخرى يهتدي بها في نظره وممارسته. أهم من ذلك كله أن بعض أميز كادر الحزب قد خرج عنه في 1995 في خضم تيار سُمي “حق” نادى بغير مواربة بأن الماركسية نظرية قاصرة فات زمانها ومات مغنيها. وأردفوا أن المعاني المتفق عليها في الحزب حول البعث الوطني و نصرة المستضعفين لن تقوم لها قائمة ما أنفك يستظل بالماركسية.

نريد في هذه الورقة أن ندقّق في صدق الزعم بأن البعث الوطني المتفق عليه سيكسب من تخلي الحزب الشيوعي (الذي سيتخذ اسماً جديداً في سياق هذا المشروع) عن الماركسية. وسنعرض للمسألة من زاوية أخرى طلباً للعصف الذهني. فمما يستوجب الخشية أن يستسهل الشيوعيون رمي الماركسية في سلة مهملاتهم بالنظر الى تهافت تطبيقها في حقولها الأوربية البكر تهافتاً يجعل تخلي الحزب الشيوعي السوداني، وهو عيشة في سوق الغزل، ضربة لازب. بل تجد من غير الشيوعيين من يستكثر على الشيوعيين، أو على البعض منهم، التمسك بها مايزال بينما استدبرها مَن هم أعرف بها في بئياتها الأوربية الأصل. فمثل هذا التوقع الشيوعي، أو التوقع منهم، قد يعفيهم من التفكر في التنصل من الماركسية بصورة مسؤولة. وهذا التنصل عظيم الخطر بالنظر إلى التأثير الغالب للماركسية في السودان، دون سواها، في بلورة المشروع السياسي الفريد لمستضعفي السودان منذ منتصف الأربعينات سواء من جهة التحرر الوطني أو التغيير والعدالة الاجتماعيين. ولسنا نريد لعصفنا الفكري هذا بالطبع أن يمنع طلاق الشيوعيين المتوقع من الماركسية بل غايتنا منه ألا يقعوا في أبغض الحلال بضربة لازب بدون إعمال ذكي للعقل والعاطفة معاً.

من رأينا في هذه الورقة أن الحزب الشيوعي في واقع الأمر ليس بصدد اطراح الماركسية في مؤتمره القادم. الأحرى أنه قد تخلي عنها، منذ عهد طويل، سوى الذكرى منها أو صداها الحاكي. وهذه هي الزاوية الأخرى التي نستقدمها لدائرة النقاش حتى لا يظن من تهيّأوا لهجر الماركسية في المؤتمر الخامس أنهم يأتون بجديد. وعليه فالشيوعيون إن اسقطوا الماركسية كأيدولجية لحزبهم في المؤتمر الخامس فهم ما زادوا عن فقدان شئ لم يوظّفوه على رأي الأمريكيين. فقد بدا لي الحزب الشيوعي منذ عهد بعيد حزباً انشغل بمعارضة نظم ديكاتورية بلغت سنوات حكمها نحو 40 عاماً منذ استقلال السودان لنحو نصف قرن. وقد أحسن الحزب مقاومة هذه النظم وضحّى تضحية مشهودة. غير أنها مقاومة يحسنها أي أحد غيره وبغير حاجة للماركسية. فقد قل في الحزب تباعاً الاسترشاد بالماركسية حتى تتأسس مقاومته للنظم الطاغية على هدي ماركسي يستنطق هذه النظم منشأها الطبقي والعرقي والبطرياركي ليوطن تكتيكاته للمقاومة بين المستضعفين، بشكل رئيسي ، بالنظر إلى استطاعتهم ومصلحتهم، وليضمن إن هزّ الشجرة أن تسقط الثمار في عبه لا كيفما اتفق. وهذه آفاق البعث الوطنى التي رنا لها الشيوعيون وعجموا كنانتهم وتخيروا لها الماركسية سهماً لا يخيب. ولما غطت المقاومة على هذه الآفاق تحول الحزب الشيوعي إلى حزب معارض ذي همة مميزة بالفعل ولكني كسبه من المعارضة مثله مثل كل حزب آخر.

واتوقف قليلاً هنا للتمييز بين المقاومة والنهضة حتى يقف القارئ على كساد الماركسية في الحزب الشيوعي. وجدت الدكتور مارك موريس، وقد كان زميلاً لي بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة، ميز بين الهمتين بصورة لماحة مفيدة لغرضنا هنا. فقد جاء بهما في سياق دراسة له عن مجاهد مكسيكي على عهد الاستعمار الأسباني لها في القرن الثامن عشر. فالمجاهد، باسكال مورينو، من غمار الناس واختاره أهله ليكون قيماً على شأنهم مع المستعمرين. واغتنم مورينو هذه السانحة ليخرج بدعوة للإصلاح معتمداً على قاعدته الراسخة بين مواطنيه وإحسانه لغتهم المحلية، وحسن دربته في منطقها المفحم، وبلاغتها الآسرة. وأضحت اللغة عنده أثراً دالاً على موهبة قومه في التعبير، وأداة تستنهضهم للعلا. وقد وظفها مورينو بهذين الصفتين كطاقة تاريخية لنهضة قومه. وأراد موريس من هذه الدراسة أن يوضح أن مورينو لم يكتف ب “المقاومة” للحكم الأجنبي كيفما اتفق. فقد اقترنت عنده المقاومة ب”النهضة” بإحسانه مصطلح بلاغتهم المسمي “الحب والشرف”. فهو لم يجتزئ هذه البلاغة ليلهب ظهور قومه للذود عن الحمى ورد الدخيل ومحو عار الاحتلال كما نفعل باستعادة أبيات شهرية لمهيرة بت عبود في حض قومها الشايقية لرد اسماعيل باشا وجيشه على أعقابهم في 1821. خلافاً لذلك حمل مورينو مصطلح قومه كبؤرة يكتشفون بها أنفسهم بأنفسهم ويستردون بها عافيتهم التاريخية.

ولم اجد عبارة شافية في طلاق المقاومة عن النهضة في ممارسة الحزب الشيوعيي مثل التي جاءت في الماركسية وقضايا الثورة السودانية وهو التقرير المجاز في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي في 1967. ويكاد التقرير أن يكون شكوى كظيمة من أن الحزب لم يتمتع بفسحة مستقرة من الوقت لتعميق الماركسية بين صفوفه أو العناية بتربية عضويته (من طلائع ثورة أكتوبر 1964 كما سماهم) بعبارة أخرى. فقد نهض الحزب مباشرة “وسط ضجيج الحركة الثورية” حتى أن مثقفيه أنفسهم تلقوا عموميات الماركسية وهم في خضم الصراع ضد الاستعمار بصورة أصبحت وحدة تفكيره قائمة علي البرنامج السياسي لا الأساس الأيدلوجي. وقوَّت هذه الناحية في تكوينه اتجاهات يسارية حالت دونه ودون أن يكتشف طرقاً متعددة للعمل السياسي، في ظروف صودر فيها ذلك العمل ، غير المنشور والإثارة و”النشاط الإثاري العملي”. وترتب علي هذا أن انقطعت اتصالاته اليومية بالجماهير وأخفق في أن “يرتبط بالحياة في اكثر من أفق”. والشاهد هنا تعليق التقرير السلبي لمقاصد مقاومة الحزب الجرئية لنظام الفريق عبود (1958-1964). فقد وصفها بأنها كانت تقليدية جرت في إطار الجو العام الذي كان حبيس “الخلاص من الديكتاتورية العسكرية والرغبة في التخلص منها وحسب”. وزاد التقرير بقوله إن الحزب واجه النظام كديكتاتورية عسكرية ولم يواجهه كنظام طبقي أداته العسكرية. والمواجهة الأخيرة هي ما يعتد به الماركسي لبلوغ التغيير الاجتماعي المفضي للبعث الوطني. فالمقاومة الضريرة احتطابُ ليل.

الماركسية والريف، المفاجآت غير السارة

ربما أصاب الأستاذ الخاتم عدلان (وآخرون) في استقالته عن الحزب الشيوعي في قوله إن الحزب لم يستطع استيعاب القضايا المعقدة للتركيبة السودانية مما ضرب عليه عزلة أصبح بها “إزاء الجنوبيين حزب للشماليين، وإزاء الريف حزب للمدينة، وإزاء المرأة حزب للرجال”. وإصابة الخاتم في ما ذهب إليه قاتلة. فقد سبقه الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب 1949-1971 إلى بعض هذا القول منذ أكثر من أربعين عاماً. فقد أخذ على حزبه اقتصاره على مسائل الشمال وبنادره حتى صار الجنوبيون يعدونه حزباً للشمال ،كما يراه أهل الريف حزباً للمدن والأقسام “المتقدمة من الجماهير”.

وقد حالت دون الحزب والانغماس في الريف السوداني حوائل من الحداثة كما فهمها لا كما ينبغي لها أن تكون. وليس أدني تلك الحوائل لغته التي صور بها الريف بصورة استدبرته ونفته عن زماننا بجعله أثراً خالفاًً من عهود خلت. فمصطلح الحزب عن الريف زاخر بأوصاف التخلف والتبلد وإثقال الكاهل. ولا غرابة. فمعلوم أن الماركسية بنت البندر وتشوبها نعرة البندر على التخوم. وقد اشتهرت عن ماركس قوله “بلاهة الريف”. ونجد هذا المصطلح المثبط عن الريف في وثيقة شيوعية عمدة هي الماركسية وقضايا الثورة السودانية. فهي تصف الريف وحياته في “القطاع التقليدي” فتقول إن اقتصاده متخلف تابع للنفوذ الأجنبي. فهذا القطاع، الذي ينتج 56% من الإنتاج الأهلي، في قول الشيوعيين، يعتمد على الآلات القديمة التي نكتشفها بين حضاراتنا القديمة. فهو “يحط بثقله على اقتصاديات البلاد” ونجد أنفسنا حياله نرتد إلى “عهود ما قبل القرون الوسطى”. وهو بالتالي يحبس ” أغلبية شعوبنا (87% من السكان) في عهود غابرة لا علاقة لها بالنور أو التقدم”. وهذا القطاع الأثري، بحيطانه الغليظة، “يكتم أنفاس الجماهير فيه”. وقد ذاق منه الحزب والجماهير المتقدمة الأمرين حين استثارت القوى الرجعية “عنف البادية والجماهير المتخلفة” ليصب جام غضبه على الشيوعيين. ومهمة الحزب حيال هذا القطاع هو هز ساكنه بجلبه “إلي حياة المعرفة وفي إطار البعث الوطني الجديد” وإدخال “الحياة والحركة وسط الجماهير” فيه.

فالقطاع الحديث مدعو من الحزب أن يوسع قاعدة الإنتاج ويدخل “مراكز للتقدم” في القطاع التقليدي وجذب سكانه بطريقة ثابتة ومؤثرة إلى ميدان الحداثة. وهذا، عندي، ذم للريف لا تحليل لاقتصاده وسياساته.

الجنوب: حمار الحزب في العقبة

كانت حرب الجنوب الأهلية هي ساحة شقاء الحزب الشيوعي الباكرة والكبرى بالقطاع التقليدي. فقد طالت واستطالت حتى خشي الحزب منها أن تصبح عبئاً على الحركة الشعبية الديمقراطية في قطاع الحزب الحديث. فقد جاء في الماركسية وقضايا الثورة السودانية أن الجنوب مشكلة كأداء تواجه قضايا النهضة الوطنية الديمقراطية. فالحركة الجنوبية ذات طابع تغلب عليه معاداة النهوض الوطني والتحرر من التبعية الاستعمارية وتطور الثورة الديمقراطية. وقد فاقم من طابع هذه المعادة السياسات الرجعية للفئات الحاكمة. وأصبحت حركة الجنوب بذلك عبئاً على الحركة الشعبية الديمقراطية مع أن الجنوب، كأقلية قومية، له مصلحة في انجاز تلك الثورة.

ولم يمر عام على المؤتمر الرابع حتى صدرت وثيقة بعنوان قضايا ما بعد المؤتمر الرابع عن اجتماع اللجنة المركزية في مارس 1969. واصطلحت الوثيقة على تسمية القطاع التقليدي من جنوب وبواد للأنصار، وهم محبو الأمام المهدي الذي عاش في القرن التاسع عشر، وغيرهم ب” “التكوينات غير الرأسمالية”. وهنا اعترف الحزب بوضوح بأنه قد صار حزباً للمدن و “للأقسام المتقدمة من الجماهير”. فهو في نظر الوثيقة قد قصر عن تنمية صيغة شاملة للعمل الثوري بعد نشاطاته الناجحة بين رعاة مديرية كردفان في الخمسينات. وتساءل التقرير إن كان للماركسية فرصة لاستنهاض أهل هذه التكوينات السابقة للرأسمالية. واسترجع قول لينين للعاملين الثوريين في شرق روسيا القيصرية بقدرة الماركسية على استنهاض شعوبهم متى اكتشفوا اللغة والوسائل والأشكال التنظيمية لتقديم الماركسية لها.

وعاد الحزب في قضايا ما بعد المؤتمر الرابع (1968) إلى مسألة الجنوب في محاولة لتخطي مخاوفه التي أذاعها عنه في مؤتمره الرابع. وتركزت في الخشية من انتكاس الحركة الثورية في الشمال من جراء حركة القوميين الجنوبيين الضالعة مع الاستعمار في غالبها. فقد تعلم الحزب من خبرة ثورة أكتوبر 1964كيف استنزفت متاعب الجنوب طاقات الثوريين الشماليين. ومع ذلك تمسك الحزب بالعمل الدؤوب في الجنوب برغم أن معظم حركة الجنوب القومية لا تلقى قبوله. وأشارت قضايا ما بعد المؤتمر الرابع إلى تناقض قائم في كون الحزب والقوى التقدمية هي أخلص القوى في تحالفها مع جماهير الجنوب إلا أن أقساماً كبيرة ومؤثرة بين ممثلي هذه الجماهير لا تقدر هذه الحقيقة. بل قد يذهبون إلى معاداة القوى الديمقراطية .والأنكى أنهم يعدون الحزب الشيوعي في عداد سائر الشماليين. وغلبت المحاذير أيضاً على نظرة الحزب للبادية في قضايا ما بعد المؤتمرالرابع. وانطوت لغته على الإعياء حيالها. فجماهير الأنصار “عبء” آخر يقع على عاتق الحركة الثورية. وقد ظل الأنصار يشكلون هذا العبء لفترة طويلة خلال فترة النضال الوطني. فقد استخدمهم عداة التقدم في منعطفات وطنية لوقف تطور البلاد. فهم عبء ومعالجة شأنهم في الحزب عبء ثقيل. وهذه لغة ناكصة عن الريف.

تجدد اهتمام الحزب بالجنوب بصورة إيجابية في ملابسات انقلاب الرئيس النميري في مايو 1969. فقد كان الشيوعيون وراء إعلان التاسع من يونيو لذلك العام. وتولى السيد جوزيف قرنق، عضو المكتب السياسي للحزب، وزارة شؤون الجنوب. وخلص الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب (1949-1971) من هذه التجربة (في كتيب حول البرنامج، آخر ما كتب قبل إعدامه في 1971) من عمل الحزب على مستوى الدولة في الجنوب قائلاً إنه متى ما نجح الحكم الذاتي المقترح سيطرح الشيوعيون “في مرحلة البناء الاشتراكي شعار حق تقرير المصير للقوميات” وسيختار الجنوب البقاء في الدولة السودانية الاشتراكية على محصلة هذه التطورات الإيجابية. وهذا شح سياسي تصوّر به عبد الخالق أن مقاليد التطور بيد الحزب ولم يجعل فرجة للتطورات الدرامية التي أسفرت عن جعل تقرير المصير حقاً في صلح نيفاشا بين حكومة السودان والحركة الشعبية عام 2004 حتى قبل أن نبلغ من أمرنا شئياً في تدرّج عبد الخالق آنف الذكر.

وتناول كتيب حول البرنامج أوضاع “التجمعات القومية والقبلية” في سياق الدعوة للثورة الديمقراطية التي أراد لها عبد الخالق أن تتغلغل في المجتمع. ولعل القفزة التي جاء بها حول البرنامج حيال الديمقراطية هو التزام الشيوعيين بمبدأ تمثيل المواطنين في برلمان منتخب. ولكنه سرعان ما انتكس بهذا التمثيل وحصره في القوى الوطنية الديمقراطية الواعية حتى يأذن وعي القطاعات الأخرى بتمتعها بهذا الحق لاحقاً. كما أن “حول البرنامج” مس التحاذر العرقي بين الأقوام السودانية حين وصى بدخول الدولة في ميدان السلع بالشراء والتوزيع في القطاع التقليدي لإزالة الوسطاء الطفيليين الذين يستحوذون على جزء من الفائض عن طريق التجارة والتحكم في السلع. وقال إن هذا سيقع برداً وسلاما على القوميات والقبائل في القطاع التقليدي لأن أغلب هؤلاء الوسطاء هم الآن من القومية العربية مما خلق شيئًا من الحذر والعنت في بعض الأحيان.

لم يصمد الحزب عند وجهته للتوافر علي مسائل الجنوب والبادية السودانية كقضايا للنهضة أمام مزاج المقاومة الذي أخذ بمجامع الحزب بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 الذي ذهب بزهرة القيادة الشيوعية ورد هذه النكسة، في قول أحدهم، إلى طفولة ثانية. وقد ساد هذا المزاج تقويمه لإتفاقية أديس أبابا التي نجح خصم الشيوعيين وسفاحهم الأشر، الرئيس نميري، في عقدها مع الجنوبيين بعد نحو 6 اشهر من ضربته القاصمة للانقلاب الذي اتهم الشيوعيين بتدبيره. وجاء تقويم الشيوعيين للاتفاقية واجهة لمتاعبهم مع نميري وآخرين أكثر منه تحليلاً مستقلاً للحدث في بواطنه السياسية والقومية منها بوجه خاص. ومن أهم مصادر ضيق الشيوعيين من الاتفاقية قناعتهم بأنهم كانوا بصدد إبرام اتفاقية أفضل كان يعد لها السيد جوزيف قرنق، وزير شؤون الجنوب، قبل فاجعة انقلاب 1971 يوليو. ولذا ساد في أدبهم أن أتفاقية أديس أبابا حل برجوازي ووجهة سياسية انتهازية قائمة على التنازلات والمكاسب المؤقتة. ومن رأي الحزب أن تكتيك العصابات، الموصوف بالتمرد، هو “ثغرة لينفذ الاستعمار الجديد إلى جسد السياسية السودانية”. ومع تفهم الحزب للدوافع السياسية لمن حملوا السلاح إلا أنهم لم يجنوا سوى الفتات من الاتفاقية في حين بشم قادتهم الوالغين في الفساد المدعومين بالاستعمار الجديد وإسرائيل. فهولاء القادة المترفون هم نواة طبقة رأسمالية روّضها الجلابة، وهم التجار الشماليون في الجنوب، بالشراكة والرشوة. وعليه فهي ستناوئ سير البلاد في طريق التطور غير الرأسمالي. وأخذت نعرة المقاومة من الحزب كل مأخذ حتى قال إن السلام لن يسود في الجنوب قبل الإطاحة بنميري وأعوانه جنوبيين وشماليين.

وحاول الحزب في تقويمه للاتفاقية أن يرسى تحليله علي قاعدة طبقية. فقد قال محقاً إن الحكم الذاتي للجنوب جاء طريقاً قويماً ليتخطى عقلية التعالي القومي للبرجوازية وشبه الإقطاع في الشمال ، ولمواجهة دعوات الفدريشن والانفصال في الجنوب. وبهذه الصفة فهو حل اقتضاه صراع طبقي ولن يقع أو يثمر بمثل اتفاقية أديس أبابا( 1972) التي هي حل إداري عسكري قطف ثماره قادة التمرد وتقوّى به نميري المستبد. ورفع الحزب عقيرته مرة أخرى بالهتاف المعارض بوجوب الإطاحة بنميري وحلفائه ليستعيد الحكم الذاتي معناه ولتقوم سلطة وطنية ديمقراطية للشمال والجنوب قادرة على تطبيقه باستقامة. ويقول الحزب إنه متى لاحت الاشتراكية في نهاية هذا الطريق أزف موعد تقرير المصير للقوميات الجنوبية.

ومما يدلل على سوء ظن الحزب باتفاقية أديس أبابا وانسداد نفسه منها أنه انتهز أول سانحة لعمل مضاد لنظامها في الجنوب، وهو انقلاب جوبا المؤود في فبراير 1977 ، للبرهان على أن رأي الحزب السلبي في الاتفاقية كان صحيحاً. وذكّر الحزب الناس أنه قال في 1972، بعد الترحيب بوقف نزيف الدم، إن الاتفاقية ستؤدي إلى “تحكم قيادات التمرد المشبوهة، وقيام برجوازية بيروقراطية متعصبة تعادي وحدة البلاد، وعاجزة عن تلبية المطالب الحيوية للجنوبيين”. وإن الاتفاقية لن تؤدي إلى استقرار البلاد بل زعزعتها. وقد أثبتت الانقلاب الفاشل صدق قول الحزب هذا. وهكذا استثمر الحزب الانقلاب ليبرهن صدق قوله في 1972 إن الاتفاقية كانت استسلاماً للمتمردين وتسليماً لجنوب البلاد لهم “كجزء من الصفقة الشاملة مع الاستعمار”. وأضاف بأن عَرّابي الصفقة هم مجلس الكنائس العالمي والإمبراطور هيلا سيلاسي وعميل المخابرات الأمريكية منصور خالد ممن تآزروا “لخلق حكومة إقليمية في الجنوب تخدم مصالح الاستعمار في قلب القارة الأفريقية.”

ولعل أكبر ضحية لهذا التشويش الشيوعي من جهة الجنوب هو تعطيل الحزب الاجتهاد في آفاق الحكم الذاتي الإقليمي للقوميات المستضعفة، الذي كان أول من جاهر به في خمسينات القرن الماضي، ليبلغ به ما بلغناه منه اليوم من حق لتقرير المصير. فلم يقبل الحزب بمبدأ تقرير المصير للجنوب بالكلية. وأصر على أن تلك القوميات لن تنال هذا الحق إلا في ظل الاشتراكية ودون نيلها هذا الحق -قبل ذلك- خرط القتاد. وقد استخار الحزب في هذا الموقف تشوشه من جهة تمزق الوطن و من جهة أخرى سوء ظنه بالاثنيين، الجنوبيين والشماليين واكتفاءه من الماركسية بالتطبيق الإستاليني اللئيم لها في الاتحاد السوفيتي دون سخاء لينين الذي تمسك بتقرير المصير للقوميات بغير لبس أو إرجاء.

وقد قبل الحزب بهذا الحق مضطراً في الوثيقة المسماة “قرارات أسمرا المصيرية” التي تواثقت عليها المعارضة السودانية لنظام الإنقاذ عام 1995. فحتى نهاية العقد الثامن من القرن الماضي ظل الأستاذ محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي منذ 1971، يتمنّع على اعتبار حق القوميات لتقرير مصيرها مما يوافق واقع السودان. وهيأ حوار لجريدة الميدان الشيوعية مع نقد (نشر في قضايا الديمقراطية في السودان، 2002) أن يوضح موقف حزبه المٌرْجئ لمنح القوميات السودانية حق تقرير المصير. فقد انبرى بالنقد للشيوعيين الأستاذ طه ابراهيم لمفارقتهم اللينينية بحجب هذا الحق عن القوميات. وقال إنهم إنما يسوّفون في الحق خشية استفزاز جمهرة الشماليين بهذه الليننية القحة. وقال نقد في رده إن طه لم يقف على كامل عقيدة الماركسيين حول حق القوميات في تقرير مصيرها. فهو ليس حقاً جامداً من جهة الإلزام. فقد تحفظ طه نفسه من جهة منح هذا الحق متى انصرف به الناس إلى إقامة دويلات منفصلة وعد ذلك رجعية. واغتنم نقد تحفظ طه هذا ليقول إن هذا اعتبار رافق تفكير وممارسة الشيوعيين طويلاً في سياق قناعتهم بالبدء من وقائع الوضع في السودان لا النقل المسطري من النصوص أو تجارب الآخرين. فأساس عمل الحزب وحدة السودان في مواجهة الاستعمار قديمه وجديده ولن يتنازل لحركة انفصالية في الجنوب بتبني ذلك الحق مهما قيل من إجازة الدولية الاشتراكية له. وزاد بأن الدكتور جون قرنق لم يطلب حتى الحكم الذاتي ناهيك عن تقرير المصير بل طلب سوداناً جديداً تتساوى فرص الجميع به في الحكم والثروة.وقال بإن الحق يصبح تقدمياً حين يخدم وحدة الوطن وتآخي قومياته ورفع عنجهية القومية الكبيرة وتلافي العنصرية المضادة في القوميات الأخرى. ورجع إلى كتاب عبد الخالق حول البرنامج الذى قيد الحق بنشؤ سلطة وطنية ديمقراطية.

نصحهم ستوكلي كارمايكل بمنعرج اللوى

وسنعرض هنا لبعض الفرص المهدرة التي سنحت للحزب ليلقى أثقال القضايا التي أخرجتها الأرياف مستعداً لا مستدركاً. ومن هذه الأثقال مسألة العرق والطبقة والسياسة. فلو تخطى الحزب عقله المعارض لهيأت له هذه السوانح أن يرفع سقفه النظري وينوع نشاطه ليلامس البعث الوطني من أقطاره جميعاً.

أذاع استوكلي كارمايكل، من مؤسسي حركة القوة السوداء في ستينات القرن الماضي في الولايات المتحدة، في محاضراته بدار الثقافة واتحاد المعلمين ودار اساتذة جامعة الخرطوم بمدينة الخرطوم في شتاء 1970 فكرة حبيبة لأفارقة الشتات مفادها أن سمة الصراع الرئيسية لعصرنا هي صراع البيضان والسودان. وهذا مخالف بلا شك لعقيدة الماركسيين السودانيين الذين يرون التناقض الرئيسي في عالمنا هو صراع الرأسمالية والاشتراكية. ولما أصمّ الماركسيون في السودان آذانهم عن قول كارمايكل بارتداف وعي بالسلالة والعنصر إلى الوعي بالطبقة أضاعوا نصحاً ضحى الغد لم يرشدوا إليه حتى تكاثف الوعي بالعرق واستبدت مشاعر الضيق بعنصرية “الجلابة” في الثمانينات وشقت طريقها إلى أدب العمل السياسي المسلح في الجنوب وغيره وإلى العالم بأسره.

أجور للشمالي بغض النظر

وربما تسرب من بين أيدي الماركسيين السودانيين وعي آخر بالعرق وسياساته من جراء الطريقة التي استخفوا بها بالموضوع حتى لو جاءهم من ماركسيين سودانيين غير شماليين. فقد نشرت جريدة “الميدان” السرية (أغسطس-سبتمبر 1984) عرضاً ونقداً لبرنامج جماعة “نام” وهي حركة العمل الوطني الجنوبية الماركسية. وقد استبشرت الميدان في عرضها بتبني جماعة جنوبية شابة للماركسية في ملابسات تبلور قوى جنوبية رضعت وعياً بالنضال من الحرب الأهلية وفي منافيها الأفريقية. غير أن عرض الميدان لم يجد في أفكار الوثيقة المخصوصة سوى ما يكتم منه “الغيظ صبراً على النقاش.” وهذه عبارة كاتب الميدان. فقد شخصًّت منظمة”نام” وضع السودان بأنه يعاني من الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني العربي. وقوام هذا الاستعمار في نظر “نام” جماعة سكانية لا تزيد عن 30% من السكان في حين يسيطرون على كل الثروة والسلطان. استنكرت الميدان تقدير “نام” ذلك قائلة إن منطلق مصطلحات الوثيقة الماركسية عنصرية وبعيدة كل البعد “عن أي فكر ديمقراطي إنساني أو فكر تقدمي أو ماركسي”. ونبهت الميدان محقة أن اكثر أفراد الثلاثين بالمائة من الجماعة الموصوفة بالعرب عمال ومزارعون وكادحون تعرضوا للاستغلال أو ناضلوا لسودان اشتراكي. وهذا حجة غراء بالطبع ولكن من يعانون من الاضطهاد العرقي لهم منطق آخر. فهم يحتجون بأن أبناء العرق السيد من الفقراء والمساكين ينالون أجراً زائداً على ما عداهم بمحض انتمائهم لذلك العرق المتمكّن. وقد سمّى الباحثون هذا الأجر الزائد ب “أجور البياض” في نظرهم للصراع العنصري في الولايات المتحدة. وهي أجور ينالها حتى فقراء البيض لأجل بياض جلدهم.

وتكاد الميدان تعلن ردة برنامج “نام” عن الماركسية بقولها إن “النظرة العنصرية التي تتبناها الوثيقة تنسف أي اساس يسند محاولاتها لتحليل الواقع الجنوبي تحليلاً طبقياً”. واستطردت الميدان تلقي على جماعة “نام” محاضرة عن الماركسية والطبقة بصورة لم تخل من أستاذية. وفيها أخذت عليهم، مثلهم مثل سائر الثوريين الأفريقيين، الانبهار بأدبيات الماركسية الأوربية أو الصينية أو من أمريكا اللاتينية بغير دراسة موضوعية لباطن مجتمعاتهم. وجدّدت قولها أو تحذيرها من أن تعمى مصطلحات الماركسية الواردة في الوثيقة الأبصار عن “رؤية المنطلقات العنصرية العرقية التي تحجب عن أصحابها آفاق المستقبل لشعب السودان”.

ولم يخطر لكاتب الميدان أن مساهمة هؤلاء الماركسيين الجنوبيين، مثلهم مثل كارمايكل، هو في جعل العرق موضوعاً للنظر السياسي الماركسي مهما شطحت بهم العبارة. فالميدان سريعة إلى دمغ الوثيقة بالعنصرية متى ما تحدثت عن “الاستعمار الاستيطاني” وتعده إدعاءاً يكتم المرء غيظه منه ويناقش. وتدفع الميدان تهمة”نام” للشمال بالاستعمار الاستيطاني بقولها إن عدد الجنوبيين في الشمال أكبر بمئات المرات من عدد الشماليين في الجنوب. واتفقنا على سداد مصطلح الاستعمار الاستيطاني على الحالة السودانية أم لم نتفق فليس الأمر في مثل هذه المسألة أمر عدد وإنما هو أمر شوكة وإخضاع. فقد استعمرنا الإنجليز وكانوا بيننا فئة قليلة جداً.