مشروع الجزيرة والسودان “الحديث
 

فكتوريا برنال – جامعة كاليفورنيا – ارفين

ترجمة عصام على عبدالحليم

(…) بأن الحكومة هذا ( الحمار الحرون ) فى اعتقادهم ، قررت ايضا ( …) أن تنظم اراضيهم كلها فى مشروع زراعى كبير تشرف عليه الحكومة نفسها بما لها من قوة وسلطان ؟ وجدوا بلدهم فجأة تعج بالمساحين والمهندسين والمفتشين.

– الطيب صالح ، عرس الزين

فى نفس الوقت الذى كان ايفانز برتكارد يجرى فيه ابحاثه عن الزاندى والنوير فى جنوب السودان ، – وهى تلك الابحاث التى تحقق حظا من الشهرة الحالية – كانت المتغيرات تسعى فى السهول العظيمة الممتدة بين النيلين جنوب الخرطوم لتغير مجرى التاريخ السودانى . كان البريطانيون يعملون فى شراكة مع راس المال العالمى على تحويل ملايين الافدنة المأهولة بالمزارعين والرعاة ، الى مشروع مروى ضخم لزراعة القطن . بدا العمل فى المشروع فى 1925 ، ليغدو اكبر مشاريع الرى المركزية فى العالم . ولا زال المشروع مستمرا فى العمل حتى اليوم فى ظل ادارة الحكومة السودانية .

تهدف هذه الدراسة الى تقديم فهم جديد للمشروع ، وربما فهم جديد لمشاريع التنمية عموما ، وذلك بتركيز الانتباه على الابعاد الرمزية لمثل تلك المشاريع الضخمة ، وهو مالم تفعله العديد من الدراسات التى ركزت فقط على الترتيتب الاقتصادى للمشروع ومجموع السياسات التى حكمته . فاذا اقتفينا اثار ميشل (1988) فى تحديده مهمة الاستعمار باعتبارها تهدف – فى الحقيقة والمجاز – الى خلق نظام عالمى ، الى ترتيب العالم ؛ يمثل مشروع الجزيرة فى هذا الصدد ليقدم اسطع النماذج . فقنوات الرى الممتدة فى اميال واميال , والحواشات المتتالية مرصوصة فى اتساق مضطرد يملأ الفراغ ، والمواعيد الموقوتة للعمليات الزراعية، كلها ، تخلق تحديدا صارما للزمن ، الضباط الزراعيون والموظفون يفتشون ، يسجلون ويفرضون النظام .. كلها عناصر فى بنية تطمح فى التحكم على الناس فى منطقة الجزيرة . يجب – اذن- فهم مشروع الجزيرة “كمؤسسة للضبط والمراقبة ” ، باستخدام لغة فوكو ، وفى سبيل الوصول الى هذا الغرض ، يتوجب علينا ازاحة البعد الاقتصادى( العاتى) للمشروع من موقعه المركزى حتى نستطيع النظر الى خصائصه الثقافية النوعية ؛ بحيث يصبح التعامل الاقتصادى مجرد احد الوسائط التى تساهم فى بناء تعقيد العلاقات الاجتماعية . بالنظر الى المشروع الزراعى واعتباره مؤسسة للضبط والمراقبة ، يتضح دوره فى بناء العلاقات الاجتماعية الكلونيالية وبالتحديد العلاقة بين الحكام والمحكومين .(1) وبهذا الفهم فإن مشروع الجزيرة يمثل جزءا من رؤية استعمارية اكبر لبناء نظام سياسى ولتأسيس علاقات السلطة . ينحصر اهتمامى هنا ليس فى الدور الذى لعبه المشروع فى عملية استعمار السودان ، بل كيف لمشروع مثل هذا معنى – كما يبدو – باهداف اقتصادية محددة ان يمتلىء ويفيض بقيم غير اقتصادية ومعان ثقافية لقد لفتت الدراسات فى الاقتصاد الاخلاقى للمزارعين الانتباه الى المعانى والقيم المغروزة فى سلوكهم الاقتصادى . كثيرا ما تقارن سلوكياتهم – فى وضوح – بالتصرفات الاقتصادية للغرب ، والتى يفترض فيها انها صادرة عن حساب عقلى ، تقودها اهداف اقتصادية محددة ( اورسوف 1993 ؛ اسكوت 1976 ) . تمتلىء العبارات الاستعمارية بصدد المشروع ، بمثل هذه الافتراضات ، وقد تضمنتها كل النصوص التى كتبت لاحقا عن المشروع . إن الانتباه للمعانى الثقافية للمشروع كما عبر عنها الفكر البريطانى ، تقترح ان مثل هذه المشاريع تتضمن اكثر كثيرا من مجرد المصالح الاقتصادية للقوة الحاكمة . هذه المعانى الثقافية يمكن اخذها كتعبيرات عن مايمكن تسميته : ” الاقتصاد الاخلاقى الكلونيالى “.(2) فالعقل والحساب يبدوان كوظيفة للعقل الاوربى وليس كمبادئ ( او جنود ) للافعال الكلونيالية ، تقدم من خلالها الحضارة الغربية ، وتميزهم فى نفس الوقت عن اولئك الخاضعين لحكمهم . ويمكن قراءة الخطاب الكلونيالى عن التنمية الزراعية بإعتباره تأكيدات ثقافية مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية للامبراطورية فى نفس الوقت الذى ترتبط فيه بالمحاصيل .

بالرغم من ان المشروع لم يكن ناجحا تماما بمقاييس الاداء الاقتصادى ، ولكنه نجح فى العهد الاستعمارى كرمز للحداثة الاقتصادية ، وكنصب تذكارى لقيم العقل والضبط والنظام ،
واستمر يؤدى دوره كرمز للتقدم حتى اليوم بفضل من قوة جهاز الدولة .
يعتمد بحثى فى الاقتصاد الاخلاقى الكولونيالي لمشروع الجزيرة بشكل اساسى على كتاب ارثر جيتسكل ، والذى ابتدأ العمل فى الجزيرة فى 1923 ، ليتولى ادارة المشروع فى 1945 حتى تقاعده فى 1952 . نشر جيتسكل كتابه المعنون ” الجزيرة : قصة تنمية فى السودان ” فى 1959، اى بعد استقلال السودان . وقد قام الكتاب فى صفحاته ( التى بلغ عددها 357 صفحة ) على استلهام التجربة الشخصية لجيتسكل الى جانب مصادر كولونيالية اخرى . يمثل الكتاب نصا مهما لاستكشاف الاقتصاد الاخلاقى للاستعمار ، لانه كُتب بواسطة احد اهم اللاعبين فى مشروع الجزيرة ، والحقيقة ان مجرد اهتمام جيتسكل بالكتابة عن المشروع لهو امر يومئ بالكثير . لم يكن مشروع الجزيرة مجرد عمل اقتصادى ، بل كان رمز عالي مشيد من مادة غنية تزخر بالمعانى ، ولقد كتب جيتسكل فى مقدمة كتابه ان الثيمة الاساسية لنصه هى السوال : ” ماذا يمثل العالم الغربى ؟ ” .
بالرغم من تعدد البحوث عن مشروع الجزيرة ( بارنت ( ) 1977 ، بارنت وعبدالكريم 1991 ، وجيتسكل 1959 ) إلا أن الاسئلة التى عالجتها هذه البحوث كانت محدودة فى مداها ( انظر بربال لتجد نموذجا للنقد ) . كثير من الدراسين لمشروع الجزيرة يلجأون لجيتسكل كمصدر ، ولكنهم ياخذون قليلا من المعلومات بدون معالجة نقدية لنصه ومنطلقاته . لقد سيطرت الحوارات بصدد الوضع الطبقى للمزارعين على كثير من الدراسات الاجتماعية التى اجريت على المشروع ، كما عكس بعضها اهتمامات النيوماركسين بعلاقات الانتاج وموضوعة الاستغلال . ولكننا نركز هنا على ثقافة القوة ، وهى التى لم تصادف انتباها كبيرا فى كل تلك الدراسات السابق ذكرها . يقوم التحليل هنا بتناول نص جيتسكل كمنتج لثقافة استعمارية ، ونعتمده – مع مصادر اخرى – لفحص المعنى الرمزى لمشروع الجزيرة كما فهمه المستعمرون ، و لفحص الطرق التى اتبعها المشروع لغرز العلاقات الاجتماعية والسياسية للاستعمار . بينما لا تذكر ولا تنتبه الوثائق الاستعمارية لتصورات السودانيين حول مشروع القطن ، الا اننا – وبالرغم من ذلك – استطعنا لملمة بعض التصور للصراع بين النظام الاستعمارى والسودانيين الخاضعين له ، من بعض صفحات تلك الوثائق . ولقد تعمقت نظرتنا – ايضا – لتجربة السودانيين مع هذه المشاريع باستشارة التواريخ الشفاهية ، يحكيها المزارعون من قرية ودالعباس التى اجريت فيها بحثى الميدانى فى الثمانينات ( من القرن العشرين) .
تقع ود العباس على قرب من النيل الازرق فى منطقة الجزيرة ، وقد تم ضمها الى مشروع الجزيرة فى 1954 . تقترح حالة مشروع الجزيرة إن انشاء المشاريع التنموية ليس عملا اقتصاديا فى طبيعته بدءا ، بل هو عمل لبناء مؤسسات للضبط والتنظيم ، تقوم بتأسيس السلطة ، تقنن للاخلاق وترتب العلاقات الاجتماعية . ومشروع الجزيرة يتشارك فى هذه الخصائص مع العديد من مشاريع التنمية التى اقيمت بعد الفترة الاستعمارية .

Imperialism, (Agri)culture, and Modernity :
الامبريالية ، الزراعة/الثقافة والحداثة :

خرطة ؛ هى كل ما يحتل الصفحة الاولى لكتاب جيتسكل . وهى خرطة ليست ككل الخرط ، وإنما تصويرا مميزا . فهى ترسم الملامح الاساسية لاقليم الجزيرة موقعة على خريطة انجلترا ( انظر الشكل (1)) . فى هذه الخرطة يجرى النيل الازرق من خزان سنار عند لندن ليلتقى بالنيل الابيض – على مسافة من ليفربول – عند الخرطوم . وبينما ان الوظيفة الظاهرة للخرطة هى توضيح المساحة الضخمة للمشروع للقارئ الانجليزى ، الا أن ذلك ليس هو كل ما تنجزه .
فبموضعة مشروع الجزيرة فى انجلترا ، تقوم الخرطة بتقرير حيازة انجلترا للجزيرة منتزعة لها كليا عن اى محتوى سودانى . وهكذا فالخرطة توضح شيئا عن الطريقة التى تعامل بها صانعوا السياسة الكلونيالية مع سهول الجزيرة وسكانها . وبينما يطرح الخطاب الكلونيالى البريطانى التنمية الزراعية باعتبارها نتاج الحساب العقلى الصرف ؛ تأتى الخطط البريطانية بصدد السودان متشابكة ومرتبطة مع الافتراضات الكلونيالية الخاصة بالنظام العالمى ، وحق بريطانيا فى ترتيب العالم . وفى هذا الاطار ينطرح العلم والعقل كعناصر مفتاحية لخطاب يعبر البريطانيون من خلاله عن انفسهم كقوة تقدم وحداثة ، ويضعون انفسهم بذلك فوق ما يعتبرونه العالم ” التقليدى ” المتخلف للسودانيين.
تبدأ الحكوة المسترسلة لجيتسكل عن السودان فى القرن العشرين ، بربطه ” بالانطباعات الطفولية للعهد القديم “( ص 64 ) يذكر ان قوى الطبيعة والقدر تحل محل الفعل الانسانى .
استعماريو الفترة يكتبون بنفس الطريقة ، كما فى تجربة لى إستاك والذى كتب عن ” مصالح السودان ” وكأن المنطقة نفسها تطلب ان يتم تحريكها بشكل محدد ( اقتطف فى جيتسكل ص 64 ) .
السودانيون يغيبون – بشكل واضح فى هذه الكتابات – كفاعلين وصانعين لمصائرهم كما فى : ” السودان المفطوم بالفقر ، يبحث عن طرق لرفع مستوى حياته “( جيتسكل ص 58 ). فعبارات كهذه تستمر فى اعادة انتاج انثربولوجيا تمنع الامكانات الانسانية لسكان البسيطة الذين لا يراهم الانثربولوجى الاعشى .

والحقيقة ، إنه اذا كان للسودان ان يحقق غاياته و مصيره ، فإن سكانه الغافلين عن الخطة الالهية العظيمة بصدد منطقتهم ، يمثلون العائق لهذه الخطة من وجهة نظر البريطانين . فالجهل والخرافة والتعصب – هى ثيمات عامة فى الوصف الاستعمارى للسودانين – تأتى كمقابلات للعقلانية التى يتصف بها الرجل ” المتحضر ” . وكما ذكر صحفى بريطانى فى 1904 : ” إن الجهل الكبير والخرافة المنتشرة هى العقبات الرئسية التى تواجه البريطانين فى السودان ” (بيل 1969 ) . ولا تقصَر التقارير الحكومية فى هذا المجال ، فهى تصف سكان الجزيرة بمتبلدى الحس ، كسالى ومتعصبين (جيتسكل ص 89 ).
فى 1900 كتب السير ريجنالد ونجت – الحاكم العام للسودان ، بعد ان رأى سهول الجزيرة مغطاة بحقول الذرة : ” لو انه اتضحت جدوى نظام للرى فى الجزيرة ، فإنها ستصبح صومعة ضخمة كافية لملاقاة الطلب ليس فقط فى السودان ، بل فى باقى الاقطار الاخرى “( جيتسكل ص 36 ). ولكن ، لو أن الغايات الكبرى من وجهة نظر البريطانيين اقتضت رى الجزيرة ، فإن خطط الرى ذات التركيب الرأسمالى العالى ( والتى تفرض بناء خزان فى النيل الازرق عند سنار ) يمكن تبريرها فقط بانتاج محاصيل نقدية مربحة . ومن خلال هذا التسبيب الملتوى ( ابتدأ بالذرة لينتهى بالقطن ) ظهر انتاج القطن باعتباره الاستخدام ” العقلى” الوحيد لسهول الجزيرة . لقد كان انتاج القطن مبررا من وجهة النظر الاقتصادية بسبب من سوق عالمى نشيط وبسسب من احتياجه فى الصناعة البريطانية ، ولكن لم يكن هناك اعتبارا لاى بدائل حتى وبعد ان اثبت القطن صعوبة انتاجه فى الظروف السودانية على غير ماكان متوقعا ، وبالرغم من تدنى الاسعار عن مستواها المتوقع فى الحسابات الابتدائية للربحية.
بالرغم من التخطيط العقلى والخبرة الفنية فى تصميم مشروع الجزيرة ، الا ان هذا المشروع الضخم احتوى على اغراء قوى للمستعمر، يختلف تماما عما يمكن ان ينتجه . لقد عانق المشروع الخيال البريطانى حتى تمت مقارنته بمشروع بناما ( هسيبرى 1923) ، وبالاهرامات فى المانشستر جارديان (رانسوم 1925) . لقد مثل المشروع انتصارا للحضارة الحديثة على الطبيعة والتقاليد الجاهلة ، وتبريرا لاستعمار البلد . من النادر ان يتحدث موظفى الاستعمار عن المشروع بدون الاشارة الى ” علميته ” و “عقلانيته” و ” حداثيته ” . فمثلا السير جيفرى ارشر – الحاكم العام فى العشرينات ( من القرن العشرين) – يصف مشروع الجزيرة باعتباره تطبيق ” العلم الغربى على الظروف الاقتصادية المحلية ” ( اقتطف فى جيتسكل ص 91 ). جيتسكل نفسه كتب : ” بانجاز السيطرة على استخدام الارض ، والاصرار على شروط ايجار الوحدات الاقتصادية القائمة على نظام دورة زراعية سليمة ، ادخلت الحكومة على مجتمع السودانيين امتيازات عادة ما تتوفر حصرا للمشاريع العقارية الكبيرة , لانه – فقط – على مثل تلك الاسس يتم الاستخدم الاكفأ لوسائل الزراعة الحديثة ( ص 86 ). كان وجود العلم والعقل والكفاءة متحققا- ( فى الحقيقة ) فى براح الفكرة اكثر منه فى المحتوى ، فهى اشياء يتوارد ذكرها كالالهة الغربية ، يكفى ذكرها لان تحل البركة على المشروع . ولكن الحسابات الكلونيالية ( اى المحتوى العملى ) لتكلفة راس المال وقيمة القطن المتوقع انتاجه من المشروع ، جاءت شتراء غير مقدسة مما فرض مراجعتها مرارا . لقد وجد إف. تى هوبكنسون – وهو المنهدس الذى بعثت به انجلترا لدراسة تكلفة بناء المشروع – سؤا اداريا منتشرا وعمالة زائدة وغياب كفاءة مقيم (دالى 1986 ). وجد هوبكنسون مفارقة كبيرة بين التقديرات الرسمية والتكلفة الحقيقة لاقامة للمشروع ( دالى ص 424 ).(5) وصف المعلومات ب ” الغزيرة ، ولكنها غير مقنعة ” ، كما وصف انظمة الحسابات “بالسيئة لدرجة مخيبة للامال ” . لقد وقفت الات الحفر الضخمة عاطلة ، بينما استخدم العمال ايديهم ليزيلوا اطنانا من الحجارة . تم استخدام حوالى 25 الف عامل بينما احتاج العمل الى 7 الف عامل ( هوبكنسون كما ورد فى دالى ص 441 ).
لقد افاد قطن الجزيرة صناعة النسيج البريطانية فى نهاية الامر . ولكن ، بالنسبة للاستعماريين العاملين فى ادارة السودان او فى ادارة المشروع ، كان انجاز المشروع هدفا فى حد ذاته .
فربحية المشروع لم تكن واضحة من وجهة نظر اقتصادية بحتة . ففى كل مرة يظهر فيها عدم مناسبة التكاليف الحقيقية لخزان سنار مع توقعات الانتاج ، تلجأ الادارة الى زيادة المساحة المروية بما ينتج تخفيض التكاليف النسبية للخزان فتظهر الحسابات فى الميزانية بشكل افضل، وتثبت جدوى المشروع (دالى 1986 ؛ جيتسكل 1959 ) . ولقد اتضحت معاناة الحكومة الاستعمارية للخسارة فى المشروع مرة – تقريبا – فى كل سنتين منذ قيام المشروع فى 1925 وحتى عام 1946 , وهى نفس الفترة التى شهد فيها السوق العالمى ازدهارا فى اسعار القطن (جيتسكل ص 268 ).
إن فهم مشروع الجزيرة كوسيلة لتأسيس علاقات القوة والتعبير عنها ، يفيد تماما فى فهم اقامة وتوسيع مشروع الجزيرة ( والمشاريع المشابهة) فى عهد الاستعمار وبعده ، بالرغم من بدئه و استمراره فى تسجيل اداء اقتصادى فاشل.

 

النقش والمحو على نصب تذكارى : بناء مشروع الجزيرة

كان الهدف بناء حالات الحضور والغياب ، ومعرفة اين وكيف يمكن تحديد اماكن تواجد الافراد .كان الهدف بناء نظام اتصال مفيد ، امتلاك القدرة فى كل لحظة على مراقبة سلوك الافراد وتقديره والحكم عليه وحساب قيمته وخصائصه – ميشل فوكو ، الضبط والعقاب.

لقد جاء تشييد مشروع الجزيرة كتعبير وتعميم – متواقت – للقوة البريطانية . ولقد مثل المدى الذى تجاهل فيه البريطانيون الانماط السابقة لاستعمال الارض والتنظيم الاجتماعى ، خاصية مميزة لمشروع الجزيرة ( والمشاريع الصغيرة التى سبقته ) . فلو ان المعرفة قوة ، كذلك يصير استمرار الجهل قوة مخاتلة تمنح الامتياز المعرفى للحكام .
لقد مثل مشروع الجزيرة محاولة ، ليس فقط لاعادة تشكيل المجتمع الريفى السودانى ، بل محاولة لخلق مجتمع سودانى كلونيالى : اى مجتمع متجانس من مزارعين منضبطين مخلصين للعمل . لم يحاول البريطانيون تعديل الممارسات المحلية بل عملوا على تحطيمها جذريا ، وذلك بادخال انظمة جديدة – من اختراعهم – للانتاج وعلاقاته . كانت هذه المشاريع مقتطعات ساد فيها التحكم الكلونيالى الكامل على مجريات الحياة اليومية للسكان بدرجة غير مسبوقة .

بنى رجل الاعمال والصناعى الامريكى ” لى هنت ” اول مشروع استعمارى لزراعة القطن فى السودان فى 1900 . وقد منحته السلطة الاستعمارية حق الاستثمار فى ارض الزيداب ، حيث انشأ شركة المزارع السودانية المتحدة ( ) . وفى شراكة مع السلطة الاستعمارية ، اقامت الشركة مجموعة من المشاريع لزراعة القطن فى السودان من بينها مشروع الجزيرة .(8) . وبعد عدد من المحاولات الفاشلة ، بما فيها ما اقترحه هنت باستجلاب مجموعة من ” الزنوج المدربين ” من الولايات المتحدة ، تم تبنى نظام ايجار الارض الذى مارسته الشركة فى الزيداب . ( للاسف لا نعرف الكثير عن خطة هنت المتطرفة من جيتسكل سوى انه قد تم تجريب مجموعة واحدة فقط من الزنوج المهاجرين)( جيتسكل ص 52 ) . لم ينجح نظام ايجار الارض فى بداياته الاولى ، فقد رفضه المزارعون السودانيون ، فمنحت عقود الايجار لمزارعين مصريين (9) . تمكن مشروع الزيداب من اكتساب مزارعين سودانيين فى 1908 ، بعد ان ضم مساحات من الارض كانت تروى عن طريق الساقية. وبملاحظة سير العمليات الزراعية ، واداء المشروع ، رحبوا بفكرة الماء يترقرق وفيرا من فم الطلمبات . ولكن ما ناب المزارعين كان اكثر من مجرد سقيا توفرها الطلمبات .
فى 1911 انشأ مشروع اخر فى امتداد سهول الجزيرة عند طيبة ، فى شراكة بين الحكومة الاستعمارية و شركة المزارع السودانية المتحدة ، تبعته مجموعة من مشاريع الطلمبات فى الحاج عبدالله 1921 ، وود النو فى 1923 . وبينما كانت هذه المشاريع صغيرة الحجم نسبيا ، تاركة موارد مجزية للسكان المحليين خارج حدودها ، جاء مشروع الجزيرة ليستولى على الاف الهكتارات ، كانت وطنا للسكان المحليين ، يزرعونها ، يمارسون فيها الرعى ويحيون . وباكتمال خزان سنار فى 1925 وافتتاح المشروع ، امتدت مساحته لتغطى حوالى 240 الف فدان (100,800 هكتار ) . فقد السكان المحليون سيطرتهم على الارض ، واصبحت الان متاحة لهم فقط من خلال ايجار يوقعون عقوده مع الادارة . لقد حطم البريطانيون نظام الزراعة الاهلى ، وخربوا نظام الرعى . ولكن ذلك لم يعن انتصار نظام الضبط الكلونيالى ، فقد انشأ السودانيون انظمة جديدة ومتنوعة حول مشاريع القطن (برنال 1991 ).

شحيحة هى الدراسات والبحوث التى اجريت عن سهل الجزيرة قبل المشروع ، مما يدعو لشدة الاسف ، ويدفع بقضايا اساسية الى مساجلات الاختلاف ويجعلها نهبا لتعدد وجهات النظر .(10) لكن – وبالرغم من ذلك – تتوافر الدلائل على وجود سهل الجزيرة ضمن نظام اقتصادى معقد و متنوع . فقد سجل السودانيون استعمالات مختلفة ومتنوعة لسهول الجزيرة – فى مقابلة مفارقة للتصور الاستعمارى عن مجتمع مكتف بذاته ، مكون من زارعين للقطن فى مساحات تمتد لاميال عديدة تحيطها قنوات للرى فى اضطراد دقيق . وفى تنوع الممارسة الاقتصادية وتعقدها تبدَى سهل الجزيرة كجزء من علاقات اقتصادية واجتماعية اكبر واعمق . وبينما اعتبر البريطانيون المزارعين السودانين جهلاء ، فان المعرفة التى بحوزتنا عن الزراعة الاهلية فى الجزيرة ( راندل 1958 ) والمناطق المجاورة ، مثل ود العباس ( برنال 1991 ) تثبت انجازات باهرة للمزارعين المحليين فى تطوير انظمة زراعية معقدة . فقد استفاد المزارعون على ضفاف الانهار من ثلاثة مواسم ومجالات زراعية ، شملت الامطار ، الجروف والجزائر التى يخلفها انحسار النيل الازرق . ولقد استخدم الرعاة سهول الجزيرة كمراعى موسمية . واخترقت طرق التجارة سهول الجزيرة رابطة لها بام درمان واجزاء فى الشمال ، واثيوبيا الى الجنوب الشرقى ، والبحر الاحمر الى جهة الشمال الشرقى (برنال 1991 ؛ راندل 1958 ). تتوسط الجزيرة – ايضا – طرق الحجاج القادمين من غرب افريقيا ومتوجهين الى مكة . وبين حركة التجار والرعاة والحجاج اتسعت ارتباطات الجزيرة ، وتنوعت واتاحت من سهلها زمانا و مكانا لتقاطع الطرق و الاثنيات ( بارنت 1977) . لقد شاركت الجزيرة بنصيب وافر فى تجارة واسعة للذرة ومنتجات الحيوان ، فتعددت فيها الاسواق ومراكز التجارة المحلية . ولكن ، تجاهل البريطانيون كل ذلك او جهلوه ، وعاملوا سهول الجزيرة كصفحة بيضاء يستطيعون ان ينقشوا فيها تصوراتهم لمجتمع من المزارعين يتم لفهم حول وظيفة مركزية هى زراعة القطن .

قام قانون ارض الجزيرة الصادر فى 1921 بالغاء حقوق تملك الارض القائمة ، واعاد توزيع الارض كحيازات مروية مؤجرة لانتاج القطن . فرض القانون استئجار الارض من اصحابها الاصليين بواسطة المشروع ( بواقع عشر قروش للفدان ) فى المقابل يمتلك صاحب الارض الاصلى حق تأجيرها من المشروع كأرض مروية . القانون فى نظر جيتسكل ” اتاح طريقة عبقرية لاحكام السيطرة على الارض بدون انتهاك الحقوق التقليدية للتملك ” (ص85). ينظر الدارسون السودانيون للامر بشكل مختلف: يعتقد خلف الله ان علاقات ايجار الارض فى مشروع الجزيرة ” تساوى تاميما للارض بواسطة الادارة الاستعمارية ” (1981 ؛ ص 67) . يكتب سعيد ” ارَخ مشروع الجزيرة لبداية تغريب عدد كبير من المزارعين والرعاة السودانيين عن وسائل انتاج كانت جزءا من ملكيتهم “(1982 ؛ ص 88) . تذكر احد مزارعى ود العباس – من الذين تحدثت اليهم- الايام الاولى لانشاء المشروع بامتعاض يمكن وصفه ” بغضب الحيازة المنتهكة ” ، قائلا : ” لم يشتروا الارض ، ادعوا انها تخص الحكومة . لم يحادثهم احد . فقط جاءوا واخذوا الارض . قال الناس ’ اعطونا تعويضا ماليا عن الارض ‘ ولكنهم قالوا ’ كلا ، سنعطيكم عقود ايجار ” .

لم تكن اهداف قانون ارض الجزيرة خلق مجموعة من السكان ممن انتزعت عنهم اراضيهم ، بل تكوين مجموعة من المزارعين متحكم فيها بشكل عالى . تم توزيع مزارع ( حواشات ) تبلغ مساحتها الثلاثون فدانا وزعت على مواطنى الجزيرة واخرين ممن جاءوا مهاجرين الى المشروع من غرب افريقيا . خصصت فى كل حواشة عشرة من الافدنة لزراعة القطن ، عشرة اخرى تترك بورا ، خمسة من الافدنة لزراعة الذرة وخمسة تزرع باللوبيا ، تحت نظام الدورة السنوية . فرضت القوانين زراعة المساحة المخصصة بالقطن ، بينما يجد المزارع بعض الحرية فى زراعة المحاصيل الاخرى . يقوم المشروع بتوفير الرى والمدخلات الزراعية ، كما يسيطر على فزر القطن وتحديد درجاته وحلجه وتسويقه (بارنت 1977) .

لقد تساءل جيتسكل نفسه عن كيف استطاعت السلطة الاستعمارية اخذ الارض بدون اى عنف مباشر . وقد قدر ان السكان ” قبلوا حقيقة ان الارض اخذت عن طريق الحرب ، وتمت ادارتها بشكل عادل فى مرحلة السلم (ص 90).(13) هذا السطر بالتحديد من الكتاب يضع فرض مشروع الجزيرة فى محتوى من القوة العسكرية الغاشمة . انها واحدة من حيل مشروع الجزيرة الماكرة ، تلك التى تظهر القوة البريطانية وتخفيها فى نفس الوقت . وصف بارنت لمشروع الجزيرة فى السبعينات ( من القرن العشرين ) يستحق القراءة ، وذلك للحس الذى ينقله بصدد نظام صنعه البشر ، ولكنه كلى للدرجة التى يصبح فيها طبيعيا : كبيئة ، تكون الجزيرة مساحة مسيطر عليها كليا بطرق الاستخدام التى فرضها عليها الانسان . انها كذلك – وبنفس القدر – مثلها مثل اى من مدن لانكاستر القذرة ، والتى اندفعت الى حيز الوجود بسبب من حاجتها الى القطن . وكما انتصبت المحالج فى ضخامة مرعبة مهددة لمنازل الحرفيين الصغيرة فى مانشستر وبولتون ، صارت تكنولوجيا الانتاج خصيصة حاضرة باستمرار فى المشهد العام فى الجزيرة وكأنها من طبائع الاشياء ، يغرق حضورها فى الاعتياد وينسى وجودها بعد فترة من الزمن . فنجتهد ان نذكر انفسنا بان هندسة قنوات الرى هى رمز لترتيب الانسان لبيئته وليست جزءا طبيعا من التمدد الواسع للطين ( بارنت 1977 ؛ ص 28 ) . لقد مثلت شبكة قنوات الجزيرة والاميال المرصوصة من الحقول تعبيرا ماديا عن القوة البريطانية ، ومن خلال العمليات اليومية للمشروع ، اخفيت العلاقة بين الحاكمين والمحكومين فى دورات الرى الروتينية وجدولة العمليات الزراعية والتفتيش والمحاسبة .

المحاسبة واستعمار التقاليد:

بينما تم التعامل مع منطقة الجزيرة كماعون خال فى صفاتها الزراعية والثقافية ، اختار البريطانيون من” التقاليد ” المحلية ما ناسبهم كمفسر عقلانى او مبررا للسياسة الاستعمارية . فعندما كانوا يقدمون مشروع الجزيرة كزراعة ” حديثة ” وعلمية ، كانوا يبحثون عن شرعية لبعض سياساتهم بموضعة اصولها فى ” التقاليد ” السودانية . كان اختراع التقاليد ( والسلبطة) بواسطة المسئولين الاستعماريين ممارسة مشهورة وعامة فى افريقيا ( كوهين 1983) . قدمت التقاليد فائدتها فى اخفاء الطبيعة الاعتباطية للترتيب الاقتصادى لانتاج القطن (عن انفسهم وربما عن السودانيين) ، فانتاج القطن لم يتأسس سوى على قدرة الاستعماريين فرض شروطهم على المواطنين السودانيين . ولما لم يحضرنا تسجيلا جيدا لتاريخ حقائق الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة قبل المشروع ، استطاع الاستعماريون تجاهل التاريخ المحلى وتمكنوا من اختراع ماض و “تقاليد ” سودانية تناسبهم وتنطرح كليا كجزء من النظام الاستعمارى . هذه ” التقاليد ” فى وجودها الشائه والمنفصل عن محتواها والثابت والمثبت كجزء من بنية واسعة من البيروقراطية ، تمثل الفهم الامبريالى للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية فى تقابله وتغايره مع الفهم السودانى .

دفع مستحقات المزارع عن القطن ، يمثل نموذجا اخرا لاختراع التقاليد لدعم السلطة الاستعمارية .(14) ففى طيبة ( محطة للطلمبات فى الجزيرة قبل البناء المتوسع للمشروع ) دفع المزارعون ايجارا واحدا عاما مقابل الارض والماء يخصم من نصيبهم فى ارباح القطن . اقترح مدير مشروع طيبة دبليو ديفى هجر نظام الايجار لصالح ” نظام مشاركة ” (جيتسكل 1959) . ولقد وضحت طبيعة هذه ” المشاركة ” فى التغييب الكامل لاستشارة السودانيين بصدد التغيير المقترح ، فقد تم فرضها ببساطة حينما لازال حصاد القطن جاريا . لم يكن نظام الشراكة فى الربح امرا بسيطا ، وقد تم الاحتفاظ به ليستمر بدون تعديلات اساسية حتى بداية الثمانينات ( من القرن العشرين ) ، بل تم تبنيه فى المشاريع الاخرى فى الزمن الاستعمارى وبعده ( على 1983) . تأسس نظام الشراكة فى الربح – حسب ديفى – على تجربة اتقافات تقسيم المحصول التى حكمت نظام الزراعة بالساقية . وقد تلقى ديفى معارفه عن الامر من ” شيوخ ” محليين فى فداسى شرحوا له العملية كالاتى : ينال صاحب الارض العشر ، ينال صاحب الساقية العشر ، عشرين ينالهما مالك البهيمة ، مورد العليق ينال (2 على 13) ، مورد الحبوب والمخصبات ينال (4 على 13) وينال المزارع خمسى المنتوج النهائى (جيتسكل ص 69) . يعطى نظام الشراكة فى الجزيرة المزارع نصيبا وقدره 40% من ربح القطن الذى انتجته مزرعته بينما تأخذ الحكومة والشركة الباقى ، يتقاسماه ، حيث تاخذ الحكومة 35% والشركة 25% ( تم تعديلها لاحقا لتصير نسبة الحكومة 40% والشركة 20% )( دالى ص425 ) .

لقد مثلت الساقية – عموما – عنصرا صغيرا فى اقتصاد الجزيرة ، وبالتالى فان العلاقات الانتاجية التى حكمت زراعة الساقية ، لم تكن هى العلاقات التى حكمت الاغلبية الواسعة من المزارعين فى اقليم الجزيرة. (15) الى جانب ذلك ، فينما تبدو قسمة ارباح القطن فى المشروع منسجمة مع ” التقاليد ” ، الا انها فى الحقيقة تفارقها تماما ولسبب بسيط ، وهو أن الاتفاقات القائمة حول زراعة الساقية تعاملت فى قسمة المحصول وليس الربح . لقد ادخلت قسمة الربح عناصر جديدة غيرت المعنى العملى للشراكة ، تغيرا عميقا . عامل المخاطرة – مثلا – هو احد العناصر الجديدة التى غابت فى اتفاقيات الشراكة حول زراعة الساقية . وهى مخاطرة متعلقة بتذبذبات الاسعار فى السوق العالمية للقطن . النظام المحاسبى ، هو عنصر اخر فى تغيير الممارسة التقليدية الحقيقة ، فقد كان توزيع المحصول بين الشركاء فى زراعة الساقية بسيطا ومباشرا مقارنة بحساب تكلفة الانتاج والتسويق والربح . هذا الاخير تقوم بتصميمه والتحكم فيه السلطة الاستعمارية ، مما منحها درجة من القوة والتحكم فى عائد قطن المزارع لم يكن يتميز به اى من الشركاء فى نظام الساقية .(16) يعلَمنا كتاب جيتسكل شيئا عن الكيفية التى خبر بها السودانيون نظام شراكة الربح ، ويورد ان بعض مزارعى المشروع ” اعتقدوا ان ما يأتيهم من دخل يتقرر باشكال سرية غامضة يتحكم فيها اولئك الذين قاموا باستخدامهم “(ص188).(17) فى 1937 نشرت جريدة سودانية مقالا تصف فيه المزارع بالغارق فى الشك ينتابه ” عندما يرى ال20% – نصيب الشركة – تبنى القصور والفخامة ، بينما هو يعانى الاملاق غصبا عن نصيبه البالغ من القدر 40% ( النيل ، وردت فى بارنت 1977 ص121) .

مع التذبذب العالى لانتاجية القطن ، تحتاز المشاركة فى المخاطرة على اهمية عالية من حيث تاثيرها على الترتيبات المتعلقة بالمشاركة فى الارباح . لم يذكر دافى كيف تم اقتسام المخاطرة فى نظام الزراعة بالساقية ، ولكنى اعتقد انه يتم تحملها بشكل متساو بين كل اطراف الشراكة كما هو الحال الماثل الان فى فى اتفاقات شراكة المحصول فى ود العباس. فهناك يتم تقاسم المحصول ببساطة بغض النظر عن حجمه ، اما اذا فقد المحصول كليا فيتحمل الشركاء الخسارة ، ولا تصيب الديون احدا . اما فى النظام الاستعمارى فمن الممكن ان يخرج المزراع مديونا للادارة بعد موسم من الكد الشاق فى حقول القطن . وحقيقة الامر ، فلقد مثلت الديون ظاهرة عامة وسط المزارعيين منذ الايام الابتدائية فى مشروع الزيداب . بل اكثر من هذا ، فان نصيب المزارع من المخاطرة اكبر فى اختلال التناسب ؛ فتحت النظام الحسابى الذى اخترعه البريطانيون تستطيع الشركة ان تخصم اى ديون سابقة على المزارع من نصيبه من الربح ، وقد كانت الديون ظاهرة عامة . وترتب على هذا اخذ ارباح قطن المزارعين ذوى الانتاجية العالية ، لاسترداد تكلفة مدخلات الانتاج التى يوفرها المشروع لمزارعين تعانى انتاجيتهم من الانخفاض ( او مزارعين نصيبهم اكبر – بالاحرى – فى مقاومة علاقات الانتاج فى المشروع ). ضمن اشياء اخرى ، فهذا البناء الزائف لمجتمع يضم كل المزارعين ، تجمع ارباحهم وخسائرهم فى حقيبة محاسبة واحدة ، يقف فى تعارض مع الفردانية الاقتصادية المتحضرة والتى رأى البريطانيون فى انفسهم ممثلا لها . الى جانب ذلك ، حكم البريطانيون بعدم شرعية نظام الائتمان الزراعى الاهلى ، وهو النظام القائم فى الاستدانة برهن المحصول ( نظام الشيل ) ، ولكنهم لم يعملوا على حل مشكلة ديون المزارع ، بل عملوا على لمها وتركيزها تحت سيطرتهم ، بإنشاء بيروقراطية استعمارية تحل محل مانح القروض الاهلى . وعلى غير العلاقة بمانح القروض الاهلى ، لم تكن العلاقة بين المزارعين وادارة المشروع محكومة بالانتماء المشترك للمجتمع المحلى ، بل محكومة بعلاقة فردية يمثل المستعمرالبريطانى طرفها المسيطر . وقد تم تفنين ذلك بنصوص قانونية قاطعة ضمنت فى نصوص العقود المكونة من وثيقتي ” اتفاقية الايجار ” و ” الظروف العامة للايجار ” ، والتى يقوم بتوقيعها المزارع ( او البصم عليها ) . إن التحديد المتصلب للالتزامات الاقتصادية ، يقوم بها المستعمر منفردا ، يختلف فى تمايز حاد عن الممارسات الاقتصادية الاهلية المرنة التى اعترفت بالمحتوى الواسع للعلاقات الاجتماعية التى يتم فى داخلها النشاط الاقتصادى . وبناءا على هذا الفرق الثقافى فى الممارستين ، يشير بارنت الى ان نظام المشاركة فى الارباح جاء مفارقا تماما للتقاليد (بارنت ص93). ان الطبيعة التفاوضية (والشخصية) للعلاقات الاقتصادية الاهلية تمثل بعدا حاضرا فى ممارسة نظام الشيل . فهناك ” علاقة اجتماعية معقدة بين مانح القروض والمزارع ، فالمانح يداوم اتصالا مستمرا بالمزارع ، الشيل يمثل ممارسة مغروزة فى مجتمع القرية ’ فهناك نوع من الالتزام الاخلاقى بتقديم المساعدة فى وقت الضيق ‘ ” ( شو 1966 ). فى المقابل يقدم مشروع الجزيرة القروض فقط لمقابلة تكاليف زراعة القطن تحدد فى مبالغ ثابته تصرف لمقابلة احتياجات عمليات زراعية محددة ، ويتم صرفها فقط فى اوقات محددة ، تحين بعد نجاح الحقل فى اختبار التفتيش . بالرغم من هذه المحددات نجح مزارعوا ود العباس فى توجيه بعض هذه القروض لمقابلة بعض حاجات الاستهلاك وبعض احتياجاتهم الحياتية الملحة الاخرى . ومن المحتمل ان يكون ذلك مافعله بقية المزارعين فى النواحى الاخري من المشروع . بالرغم من اشاراتهم المختارة ” للتقاليد ” ، قام البريطانيون بفرض نظام جديد من العلاقات الاقتصادية الاجتماعية على المزارعين السودانيين . وهو نظام اتت مكوناته الاساسية فى مفارقة واسعة للممارسات والمفاهيم السودانية. ولكنه سيكون من الخظأ الجسيم اعتبار ذلك حالة بسيطة من التعارض بين الاقتصاد الاخلاقى للمستعمرين ( السودانيين ) والاقتصاد ” العقلانى ” للاستعماريين الغربيين: فقد اعترض البريطانيون على الممارسة السودانية إستنادا على اسباب اخلاقية وعلى اسباب متعلقة بالكفاءة . فلقد رأى البريطانيون فى المرونة و الشخصانية فى الاعتماد المتبادل ، والسلطة التى تميز المجتمع الانسانى ، رأوا فيها تدنيا يأتيها من طبيعتها او اصلها ، وعليه – كمثال – اعلن مأمور المنطقة فى محافظة النيل الازرق ان المؤسسات التى قامت على الحكم غير المباشر غير كفؤة ” لانها قامت على انظمة وراثية وتعانى من امراض المحسوبية “(وردت فى جيتسكل ص215). ولقد قارن صحفى انجليزى سياسات الضرائب للحكومات السودانية السابقة مع السياسات البريطانية فى السودان ليقرر : إن غياب المعرفة اليقينية بحجم الضرائب التى يجب فرضها ترتب عليه تغيرها المستمر تبعا للظروف فى كل سنة . فالحكومة تسعى للحصول على كل ما تستطيع اليه سبيلا ، ففى السنوات الجيدة تتحصل الحكومة على كميات كبيرة من الضرائب ، ولكن فى السنوات السيئة تاخذ القليل او لاتأخذ شيئا . اما فى النظام الغربى فيتحتم دفع كمية معقولة ثابتة من الضرائب فى كل سنة، حيث لايعتبر الانهيار الكلى او الجزئى للمحصول سببا لالغائها او عدم دفعها . والنظام الاخير – بالطبع – هو الاكثر عدلا والاحكم اقتصاديا ( بيل 1969 ص 248-249) . بينما من السهل رؤية كيف تم استخلاص هذه الاشكال القانونية الصارمة لللوائح المنظمة للمشروع من الثقافة الاستعمارية البريطانية ، الا ان محتوى هذه اللوائح لا يمكن استخلاصه او ارجاعه فقط لاعتبارات الكفاة وموجهات تعظيم الربح . فبغض النظر عن الدقة فى تحديد او صياغة تلك اللوائح الا ان تطبيقها إتسم بقدر من الاعتباط وبقدر من فقدان الرؤية المستقبلية ، كما فى حالة اقتراح ديفى الخاص ” بالحساب المشترك ” . ولم تكن اللوائح المنظمة للمشروع تخضع لمراجعة دورية او منتظمة – وهو الامر الذى تتطلبه الكفاءة – بل بالعكس فقوانين المشروع انجزت بناء سلطة قانونية غير قابلة للمساءلة . ( فعلا ، كم هو مدهش الحجم الضئيل من الاصلاح الذى عرفته هذه المشاريع فى تاريخها و حتى اليوم ). إن البنية الادارية ومجموع السياسات الخاصة بمشروع الجزيرة لم تأت باى دافع من العقلانية الاقتصادية المحضة المحصنة بقدرما حكمها مبدأ اخلاقى مختلف: هو المبدا الذى يقرر سمؤ البريطانيين فوق السودانيين .

لقد جوبه فرض السلطة الاستعمارية – سوى ان تخفت فى ” التقاليد ” او لم تتخف – بمقاومة المزارعين الباسلة والبارعة فى طرق متنوعة . رفض المزارعون فى الزيداب قبول فكرة الاستئجار فى البداية ، (وذلك قبل بداية العمل بنظام الحساب المشترك) . فشل محصول القطن فى الزيداب فرفض المزارعون دفع الايجار ، فلجأت الشركة الى قطع الماء عن بعض المزارعين والى المحكمة تقاضى بعضهم الاخر ( جيتسكل ص68) . يكتب جيتسكل ايضا ” للوصول الى كل المزارعين ، حددت الادارة اسعارا منخفضة للايجار أملت ان تكون جاذبة ، وذلك لان فكرة ايجار ثابت بغض النظر عن المحصول هى فكرة غريبة بالنسبة للمزارعبن المحليين الذين تعودوا على تذبذبات الانتاج باسباب الطبيعة والجراد وحالات النهر المتقلبة (ص 68). عندما اقيم اول مشروع للطلمبات فى الجزيرة فى عام 1911 كمقدمة لمشروع الجزيرة ، لم يقبل اى من مزراعى المنطقة علاقات الايجار ، ولقد ارجع جيتسكل ذلك الى خصائص الاهالى المتمثلة فى ” كراهيتهم الكاملة للتغيير “، الا انه- وبالرغم من ذلك – يذكر تغييرا سريعا فى موقفهم ضد الايجار ، بعد ان خلق الجفاف جاذبية ظاهرة لتلك العقود (ص59).

على النفيض من افتراضات الاستعماريين حول ارتباط السودانيين بالتقاليد ، كان وعى المزارعين بمصالحهم واضحا فى مقاومتهم الناصحة لادخال نظام المشاركة فى الربح ، فى طيبة عام 1913 . فبعيدا جدا عن استكانة وادعة للتقاليد ، نهض المزارعون محتجين على التحول الى نظام الشراكة فى الارباح ، والتى قدر لها اثرا يتنج تخفيض مداخيلهم بمقدار 70% ( جيتسكل ص 71) . احتج المزارعون رافعين العرائض ، وتسببوا فى عدد من الاضطرابات ، كانت كافية لتحرك حاكم المحافظة ( ميجر ديكنسون ) واضطلاعه بتحقيق . اورد ديكنسون فى تقريره ما عبر عنه احد المزارعين قائلا ” نحن لا نعرف ماذا سيحدث فى الخطوة القادمة ، فقد نرسل الى السجون مقيدين .. لا احد يعرف ماذا سيحدث “(ديكنسون ، ورد فى جيتسكل ص156) . لقد احس المزارعون فعلا بحالة السجن يفرضها المشروع نفسه كما عكس بعض الادب الشعبى المتداول حينذاك . ولقد اورد جيتسكل قولا مأثورا يصف الرجل فى الضفة الشرقية بالطليق كراعى ، بينما يتحدث عن الرجل فى الضفة الغربية ( منطقة المشروع ) كالجندى فى معسكر (ص156 ).

تتسم هذه الشذرات باهمية عالية فى الوقت الذى تقل فيه الوثائق المسجلة لمعاناة السودانيين تجربة فرض مشروع الجزيرة . مذكرة دبليو كلارك تسلط بعض الضوء على فهم السودانيين للامر ، فهو اول موظف استعمارى قام بالاتصال بالسكان المحليين بصدد قيام مشروع الجزيرة . سجل كلارك اسبابهم فى مقاومة الفكرة كما يلى : ” سيتحول الشيوخ الى نكرات ، بينما يصير موظفى الشركة ملوكا للبلد ” . ” انا اسيطر الان على مساحات واسعة من الاراضى المطرية ، ولكن تحت ظل المشروع ، ساحتاز على 30 فدان فقط ، تماما كما يفعل عبدى ” . ” نحن نكره هذه الخطوط المستقيمة ، نحن نفضل ان نجوع مرة فى كل عدد من السنين مع احتفاظنا بحرية حركتنا مع قطعاننا ، على ان تمتلئ بطوننا ونحن محصورين فى هذه المربعات الصغيرة والكريهة ، يعاقبونك بالغرامة اذا تحركت خارج حدودها.”(20) ” ستقوى رؤوس اطفالنا وتكبر روؤس عبيدنا ، وعندها سوف لايعتبرون سلطاننا ” (كلارك، اورده جيتسكل ص202) .

يتضح من هذه المصادر ان المستعمرين اعتمدوا بشكل اساسى على عقلانية اقتصادية لتبرير المشروع ، وبشكل ثانوى على ” التقاليد” . اما المزارعون فقد استمروا متسقين فى اعتبار المشروع كنظام جديد من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية . لقد خشى علية القوم ( من شيوخ وملاك عبيد) تأثير المشروع على اوضاعهم ، ولكننا لانعرف تصورات وردود فعل الفئات الاخرى ( كالنساء والعبيد ) وذلك لان المصادر اهتمت باصوات الصفوة . بإكتمال المشروع تساوى الجميع فى موقع خاضع للرسميين فى المشروع . خبر المزارعون المشروع كنظام للسيطرة ، فاولئك المزارعون الذين اورد عنهم ديكنسون وجيتسكل اعلاه – مثلا – لم يكونوا بصدد الشكوى والتذمر بل كانوا بنتقدون علاقات القوة غير المتساوية الكائنة فى قلب ذلك المشروع . لقد حمل التنظيم الاستعمارى لمشاريع القطن – سوى تم التعبير عنه فى رداء الحداثة او التقليد – نفس المعنى للسودانيين : الخضوع للسلطة الاستعمارية.

 

التحرر وتشييد السلطة الاستعمارية :

المشروع ] وفر له [ المزارع ] الحبوب ، المخصبات ، المبيدات والمراقبة
-ارثر جيتسكل ؛ الجزيرة : قصة تنمية فى السودان

رأى التصور الاستعمارى للجزيرة مجتمعا من المزارعين السودانيين ، يتسم بالاستقرار والتجانس الاقتصادي . المزارعون السودانيون – فى نظر التصور الاستعمارى – هم من يمثلون عماد الاقتصاد السودانى وليس الزارعين الاستعماريين وذلك – كما قال لورد ادوارد سيسل ” لان السودان – ليس و لايمكن ان يكون – بلدا مناسبا للاستيطان الاروبى الدائم ” (جيتسكل ص46) . فى 1904 اورد الحالكم العام ان غالبية الموظفين الاستعماريين يحبذون “خلق طبقة من الملاك الزراعيين ” ( جيتسكل ص43) . ولقد عبر جى جيلان ( ) السكرتير الادارى فى 1930 ” ان السودان – والحمد لله – لايمكن ان يكون بلدا صناعيا بشكل طبيعى ” ( ورد فى ساندرسون 1985:115) . وهكذا ، كما اعتبر البريطانيون السودان مؤهلا بشكل خاص لزراعة القطن ، فانهم اعتبروا ان الزراعة هى المهنة و الوضع الصحيح للسودانيين وعاملوا اى سودانى ذى حظوة اجتماعية باشكال من التوجس و الارتياب .

نظرالموظفون الاستعماريون – وبشكل عام – بقدر من الانفة والازدراء الى القيادات التقليدية السودانية ، وبقدر اكبر من الاحتقار للسودانيين والذين – من خلال التعليم او السكنى فى المدينة او اى طرائق اخرى – حصلوا على معرفة غربية الطابع ، اعتبرت المدن حواضن للفساد والمناهضة ، ومصدرا للغربنة اللقيطة والتى من شانها ان تدمر الثقافة والاخلاق السودانية .( ساندرسون ص 115) . لقد تفادى البريطانيون – خصوصا – خلق فئة افندية من المستخدمين السودانيين ( دالى 1986: 362) . لقد استخدم نظام الحكم غير المباشر لتقليل الحاجة الى تعليم السودانيين ولعزل المتعلمين من القوة السياسية (دالى 1991) . وقد جاء فى التعبيرات البريطانية ان المدارس لم تنتج سودانيين متعلمين ، بل ” اهالى نصف متعلمين ” (دالى 1986:379) وهى عبارة تحتضن بوضوح الفكرة العنصرية التى تدعى انه فى الواقع لايوجد شىء مثل ” المواطن المتعلم “، طالما ، – وبغض النظر عن التدريب – أن المواطن الاهلى هو دائما المواطن الاهلى و بالتالى هو دائما ادنى من الانسان الغربى . ولقد اعتبر البريطانيون – ايضا – المتيسرين من السودانيين كالتجار وملاك الاراضى زميمين ومثيرين للاشمئزاز. ولقد اعتبرت الصفوة المحلية متخلفة وعديمة الكرامة . وهكذا اصبحت القيادة البريطانية ضرورية لوضع السودانيين فى طريق التقدم . ( فولر 1984) . وبينما تناقش البريطانيون فيما بينهم حول الاشكال التى يجب ان تتخذها قيادتهم للسودانيين ( فدور القطاع الخاص مقابل الدور الحكومى ، ودور السودانيين – بالذات المتعلمين – فى الادارة ، كلها كانت مواضيع اساسية ) الا ان ” حاجة ” السودان للحكم البريطانى لم تكن موضع تساؤل او نقاش .

يمكن النظر لمشروع الجزيرة كتعبير مادى مهم لنوع المجتمع ” الحديث ” الذى اراد البريطانيون خلقه فى السودان . الا انه فى بعض معانيه كان يطرح حالة من التعارض مع السياسات البريطانية تجاه المناطق التى لم تستهدف بالتنمية حيث بذلت الجهود لتعزيز – او حتى احيانا خلق – ” التقاليد ” ، (كمشروع يتناسب – بشكل خاص – مع نظام الحكم غير المباشر ) . يطلق مشروع الجزيرة ، كمخلوق استعمارى ضخم ، سراح العلاقات الاجتماعية الاستعمارية ، لتظهر التعارضات ظاهرة وجلية ، بين الرغبة فى ضم الرعايا وابعادهم فى نفس الوقت ( توماس 1994) ، وبين الحاجة لتمويل الاقتصاد ، والتحكم فى نفس الوقت فى نتائجه من التغيير الاجتماعى والسياسى . ايتدءا من العام 1920 اتبع البريطانيون سياسة الحكم غير المباشر فى السودان تحت لافتة ” الادارة الاهلية ” وهى النظام الذى احتفظ بالسودانيين بعيدا عن كل مستويات الادارة الكلونيالية الا تلك الدنيا منها . وقد شغل موظفون مصريون تلك الوظائف التى لم يشغلها البريطانيون ( دالى 1991) . قامت الدولة الاستعمارية بمنح اراض لاقامة مشاريع للطلمبات فى النيل الابيض لبعض وجهاء السودانيين. جاءت هذه السياسة – حسب وجهة نظر جيتسكل ” – مشابهة لسياسة مشيخات الارض والبترول فى الشرق الاوسط ، وحملت تهديدات عظيمة بتخريب السلطات التقليدية بدلا عن مدها بالحيوية ، وحملت خطر انتاج نظام ” باشوات ” بدلا عن انظمة زراعية تقدمية ” (ص203).

لقد تم اتباع سياسات اكثر شدة فى مشروع الجزيرة عما سواه فى فى بقاع السودان ، وقد احتفظت هذه السياسات بكل مواقع السلطة للاستعماريين البريطانيين ، وقد تم تبرير ذلك فى الخطاب الكلكونيالى باسم المساواة والحرية الفردية .(22) فقد تم مدح المشروع مليا لتحريره السودانيين من عسف الخضوع للتقاليد . وقد ادعت وثيقة استعمارية مجهولة المؤلف انه : ” قبل مشروع الجزيرة ، منحت طبيعة الحياة المحلية فرصا قليلة لنجاح المشاريع الفردية ، كما ان الناس عاشوا فى خضوع لسلطات ابوية ، مكنت الاب من التحكم فى كامل ملكية افراد الاسرة ، حتى بعد تزوج الابناء “(وردت فى بارنت 1977:90) . لقد هدف الاستعماريون فى هندسة المشروع الى تخفيض كل المزارعين الى ظروف متشابهة ، كما هدفوا الى تفادى خلق مواقع مسئولية يضطلع بها المزارعون . وبكلمات جيتسكل كانت ادارة مشروع الجزيرة ” ادارة مباشرة ، عملت بوعى وقصد لتحرير الافراد من سيطرة الاسياد والاباء ، وذلك بخلق فرص للاسقلال الاقتصادى الفردى والذى بدونه لاستمروا خاضعين “(ص99). ولقد اتضح ان القيمة العالية التى وضعها البريطانيون على المساواة بين السودانيين ، كانت متساوقة مع انعدام المساواة بين المستعمِرين والمستعمرَين ، بل ان الواحدة منهما تؤكد الاخرى.
وبالرغم من الخطاب البريطانى حول تحرر الافراد ، الا ان مشروع الجزيرة قام مستلهما نموذج البنية الاسرية للمزارع ، والذى هو نموذج الرجل مالك الارض الذى يستخدم زوجته و ابناءه . حرمت المرأة عموما من عقود ايجار الارض – عند تأسيس المشروع – حتى ولو امتلكت ارضا فى قطاع الزراعة المطرية . ويبدو ان الامر تفسره شكاوى البريطانيين بصدد المزارعين حيث قدروا ان ” نساءهم مارسن القليل من عمل الحقول ، وأن ابناءهم بحثوا عن وظائف بعيدا عن الارض ” (جيتسكل 1959).

انتجت جهود البريطانيين لإعاقة ظهور التفاوت بين السودانيين اصلد البنى الزراعية التراتبية التى يمكن تخيلها . لقد كانت البنية الرسمية للمشروع بنية بيروقراطية جامدة ، وضع المزارعين في مستواها الادنى . ولقد وصفت مقالة فى جريدة النيل العلاقات بين الادارة والمزارعين باعتبارها ” طغيان مطلق ” ( النيل 1937، وردت فى بارنت 1977:21) . وبينما تطلبت البنى الاساسية الضخمة والاستثمار الرأسمالى لبناء المشروع ونظام الرى ، شكلا من اشكال التخطيط المركزى ؛ الا ان الرى لم يكن الوظيفة الاساسية للبنية الادارية السلطوية التى انشاءها البريطانيون . فقد وجدت مرتبطة كثيرا بمهام التحكم على المزارعين السودانيين وقليلا بالتحكم فى توزيع المياه . كان اصدار القرار فى المشروع مركزيا بشكل عالى ، بينما اتيح للمزارعين براحا محدودا جدا يمارسون فيه مهام الحقل . فلقد حدد لهم اى المحاصيل يزرعون ، اى مساحة تزرع ومتى يؤدون واجبات رعاية الحقل . لم يستشيرهم احد بصدد مدخلات انتاج القطن ( مثل الحراثة ورش المبيدات ) . لوائح المشروع وموظفيه هم من يحددون للمزارعين ما يفعلون ومتى يفعلونه ، والمفتشون يفتشون الحقول للتأكد من تنفيذ الاوامر الخاصة بعمليات انتاج القطن فى مواقيتها واكتمالها . لم يكن للمرازعين رأى فى توقيت و كيفية زراعة القطن ، قطفه وفرزه وحلجه ومكان بيعه واسعاره . فالقرارات اما تتخذها الادارة او تحددها اللوائح الجامدة ، تنظم استخدام الارض ومواقيت الزراعة ، و يضمن تنفيذها المفتشون .

البنية المركزية لاصدار القرار ، والمواعيد الصارمة المفروضة تقف فى تعارض وتغاير للاستراتيجيات المتنوعة للزراعة السودانية قبل المشروع ، التى تميزت بالمبادرة الفردية والمرونة والتى استمرت فى الوجود خارج مشاريع الحكومة الاستعمارية (برنال 1991، ابراهيم 1979).
كان المزارعون فى الجزيرة ( وود العباس ) يؤقتون زراعتهم ببدء فصل المطر ، وعند انحسار مياه فيضان النيل الازرق. ولكنهم – الان كمزارعين فى المشروع ، فإن ممارستهم للزراعة تفرض عليهم بمواسم زراعية يحددها توافر المياه ( والتى بدورها تحددها الادارة ) وينجزون عمليات زراعية محددة فى مواقيت محددة ، وعليه فان النظام الاستعمارى فرض – ضمن اشياء اخرى – احساسا جديدا بالزمن على المزارعين تمثله تلك الجدولة السنوية لممارسة الزراعة ، مفصولة عن معارف السودانيين الحميمة ببيئاتهم وتغيراتها الموسمية . كان التقويم الزراعى السنوى للمشروع تعبيرا ماديا ورمزيا عن علاقات القوة من خلال ترتيب الزمن تضطلع به السلطة الاستعمارية فارضة له على السودانيين . (24)

يعتقد البريطانيون فى فهمهم للزراعة ” الحديثة ” انها تتميز ليس فقط بمدخلات الانتاج ، بل بشكلها نفسه وبالجدولة والنظام (كوبر 1992) . وبينما رأى البريطانيون دورهم متمثلا فى تقديم ” المساعدة ” للمزارعين السودانيين ، لكن فى واقع الامر كانت المهمة الاستعمارية مهتمة اكثر بخلق ” مزارعين صالحين ” من خلال توجيه وضبط نشاطهم فى الحقول . فقد عنت طبيعة المشروع ان ” المزارع الجيد ” هو بالضرورة الذى ينفذ الاوامر البريطانية . غرض النظام يقوم هنا على تنظيم مجموعة ريفية وتأهيلها لقبول ليس فقط صعوبات انتاج القطن المروى بل قبول السلطة البريطانية ايضا . وعليه ، فان قانون ” الشروط العامة للايجار ” لا يفرض فقط فلاحة الثلاثين فدان المقررة ، بل ان يفلحها المزارع ” بالدرجة التى تصادف قبول ورضاء الشركة ، كما ان علية الامتثال للاوامر المناسبة التى يصدرها موظفى الشركة ” ( جيتسكل ص340).
فى الوقت الذى خلق فيه الاستعماريون – وبشكل منهجى – مجتمعا من المزارعين الخاضعين ، الا انهم فى رغبتهم لخدمة اغراض معينة ، تعاملوا معهم – تظاهرا – وكأنهم حرين ، فالمزارعون ” شركاء ” للحكومة الاستعمارية وشركة المزارع السودانية المتحدة . وصف الحاكم العام (1925) ، السير جيفرى ارشر، وصف المشروع فى لحظة افتتاحه ، باعتباره ” مشاركة يدير فيها السكان الاصليون والحكومة والشركة المشروع انابة عن الحكومة ، ينال كل منهم نصيبا فى الربح متفقا عليه “(جيتسكل ص91) . التوقيع الشعائرى على عقد الايجار بواسطة كل مزارع يقترح – بالطبع – ان المزارعين السودانيين والسلطة الاستعمارية مجرد اطارف فى عقد قانونى ، وهى صورة تتجاهل المحتوى السياسى للظروف الغاصبة التى اسس فيها البريطانيون المشروع ووضعوا فيها شروط الايجار منفردين .(25) لقد توظفت فكرة اعتبار مزارع الجزيرة كطرف ” مستقل ” فى الاتفاقية و “كشريك ” للمستعمر ” ، كحكوة قانونية مركزية للمشروع ، تعكس – فى عالم مصغر – الفنتازيا الاستعمارية التى ادعت قبول السودانيين ( وكل الشعوب المستعمرة ) للحكم البريطانى بكامل الرضا والتسليم .

فى سبيل الحفاظ على فكرة الاخذ والعطاء بين الشركاء ، حاولت التمثلات الاستعمارية للمشروع ان تنفى الدرجة العالية من الاضطراب الذى سببه المشروع للحياه فى الجزيرة ، و الدرجة العالية من اخضاعها للسلطة الاستعمارية . يشير الحاكم العام – مثلا – الى ان المزارع يفلح ارضا هى ملكيته الخاصة ، وان ما اعتاد عليه من نظام اجتماعى يبقى بدون تعديل . ويقول انه فى الحقيقة ، وكما نجتهد فى تطوير المؤسسات الاهلية الموجودة ، باضافة عناصر متسقة من بلدان اكثر تحررا ، فقد اجتهدنا – فى مشروع الجزيرة – فى تطوير نظام الزراعة الاهلي باستخدام المناهج العلمية بدون تغيير التطور الاجتماعى الطبيعى للمجتمع (ورد فى جيتسكل ص91) . وبينما تتحدد مهمة البريطانيين فى الخطاب الاستعمارى باعتبارها مختصة ” بتعليم ” السودانيين حتى يصيروا مزارعين جيدين ، الا ان معظم المفتشين الزراعيين البريطانيين المستخدمين فى المشروع لم يكونوا حائزين على اى مؤهلات زراعية (فولر 142:1984). و فى الحقيقة كان مسئول وزارة الزراعة السودانية ( اثناء مرحلة التخطيط لمشروع الجزيرة ) رجلا عسكريا هو الكلونيل ويلكنسون والذى لم يجلب سوى معارف قليلة بالزراعة لا تتجاوز كونه ” جناينى مجتهد ” ( جيتسكل ص 63 ) . فى الخطاب الاستعمارى يتبدى المزارعون السودانيون اقل شانا بالضرورة – و مثلهم “انصاف المتعلمين السودانيين” – ، بينما يفترض فى الاستعماريين البريطانيين امتلاك المعرفة المتخصصة . اوضحت التركيبة الواقعية للمشروع – فى مفارقتها للخطاب الاستعمارى الزاعق بتطوير الزراعة الاهلية – ان السلطة الاستعمارية لم تكن تثق بقدرات المزارعين السودانيين على استصدار الاحكام الصائبة او حتى انجاز العمليات الزراعية بالشكل المطلوب بدون تحكم بريطانى صارم . و فى الحقيقة ، عاملت السلطة الاستعمارية المزارعين السودانيين بقدر كبير من الازدراء . فقد قارنوهم بالفلاح المصرى ، وذلك بسسب فكرتهم عن تعود الاخير على مشاق الزراعة الكثيفة (جيسكل 1959) . فى تقرير عن المشروع ، اصدره الحاكم العام فى 1929 ، اشار الى ” قلة المبادرة لمجموعة من البسطاء القدريين ” ( جيتسكل ص164) . جيتسكل نفسه وصف ” شخصية ” مزارعى الجزيرة كالاتى : ” انهم لايميلون طبيعيا الى الروتين المستقر ، يسعدون فى عروض التفاخر ويكرهون البخل ولا يصبرون على المناقشات التى تدعو للاقتصاد فى الانفاق , وفى النهاية فهم كسولون كما هو متوقع فى هذا المناخ ” (ص225) . ان تمثيل جيتسكل مثير للاهتمام بصفة خاصة لانه يعرض مزارعى الجزيرة كنقيض فعلى لللانضباط وللاقتصاد وللمزارع الجاد والذى هو جماع الخصائص فى نموذج الاستعماريين.

لقد اعترض المزارعون السودانيون على فرض انتاج القطن بطرق عديدة . ولقد قام الصراع بين المزارعين والسلطة الاستعمارية – بشكل اساسى – حول مساهمة عمل المزارعين فى انتاج القطن . وقد مثل هذا بعدا مهما باعتبار ان مشاريع القطن قامت – وبشكل واسع – على محاولة التحكم على عمل المزارع . لم يكن للمزارع اى تحكم فى قرارات زراعة القطن ، او فى القرارات التى تحدد مصيره بعد الحصاد . وبالتالى ، لم يكن امامهم سوى العمليات الزراعية نفسها للتعبير عن اعتراضاتهم ، وقد مارسوا ذلك بحجب العمل . وقد تم تثبيت هذه الممارسة فى تيار التاكيدات المتواترة من قبل الاستعماريين بعدم كفاية العمل المبذول فى انتاج القطن . وبدلا عن الاعتراف بمقاومة السودانيين ، يقوم الخطاب الاستعمارى بعكس تصورات عن السودانيين باعتبارهم كسالى تنقصهم الكفاءة .(26) فى 1937 اصدرت شركة المزارع السودانية المتحدة تقريرا ورد فيه : ” إن خمول سكان الجزيرة يجعل عدم الاعتماد على المهاجرين امرا مستحيلا ” (فول ( ) 1981:242) .(27) وفى التقرير الادارى الشهرى للمحافظة ( فى احد شهور 1942) وردت نقطة تصف المزارعين بالخاملين ” خمول المناطق الداخلية للاستوائية “(دالى ص190) . ويعلق جيتسكل بان التهديد بالطرد والعقوبات الاخرى ” لم تكن فعالة بالذات عنما يكون المزارع البديل ليس افضل حالا ” وكأن الممارسة الزراعية السيئة هى – ببساطة خصائص وراثية للسودانيين ، بدلا عن ان تكون رد فعل لظروف قهرية فى المشروع .(جيتسكل ص 103) . استعمل البريطانيون كذلك ” التقاليد ” كمفسر لغياب حماس المزارعين لزراعة القطن ، و لجوئهم للعمل المأجور . لقد كانت افكار المستعمرين وتصوراتهم عن الجزيرة قبل المشروع ، ترى فيها مجتمعا يضم مجموعة كبيرة من الاقطاعيين ، يملكون اعدادا من العبيد ، يستخدموهم فى القيام بالاعمال الزراعية. اعتبر الاستعماريون أن السودانيون يمتلكون قدرا من الانفة والترفع عن الزراعة ” بسبب من ارتباطها السابق بالعبودية “( كالويك ( )1955:177). لم تكتف السلطة الاستعمارية بتقديم السودانيين ككسالى ، بلا كفاءة ومترفعين عن العمل الزراعى بل قدمتهم ايضا ” كاغنياء متبطلين “. ولقد استخدم جيتسكل هذا التعبير فى احد خطاباته (كما ورد فى دالى ص426) ، بينما سجلت مداخلة فى التقريرالادارى الشهرى لمحافظة النيل الازرق (1942) وصفا للمزارعين باعتبارهم ” طبقة مالكى الارض من المتبطلين كريمى المحتد ” (دالى ص190) . اما سير هارولد وودنج ( ) فيسخر من المزارعين بوصفهم ب ” السادة المحترمين ، المزارعين ” ( ) وب” السادة المحترمين التنابلة ” (جيتسكل ص257)(28) . ولقد اغتاظ البريطانيون بشكل خاص من استخدام قوة العمل المأجور فى لقيط القطن والذى هو من العمليات التى تتطلب عملا كثيفا ويقع جزءا منها فى شهورمن السنة تمتاز بارتفاع عالى لدرجات الحرارة . لقد كان استخدام قوة العمل المأجور جزءا روتينيا فى عمليات انتاج القطن فى الزيداب وفى كل ما تلاه من المشاريع الزراعية . وقد وجد اعتبارا رسميا للدرجة التى وفرت فيها ادارة المشروع ميزانية بستلف منها المزارعون لمقابلة احتياجاتهم من قوة العمل المأجور . ولكن – وبالرغم من ذلك – اعتبر البريطانيون استخدام العمل المأجور نوعا من الفخامة الفارغة .(29) يكتب جيتسكل ، وبينما يحاول الاخرون التخطيط لمستقبل المجتمع ، لمجتمع يقوم على كفاءة مزارعين منتجين ، يقومون هم ( اى المزارعين ) باظهار تفضيلات للمستقبل يقومون فيها كمزارعين من السادة ، محترمين ، يقومون – اول مايقومون – بصرف المال الاضافى الذى جلبه لهم المشروع فى ايجار اخرين يقومون بكل العمل (ص225).

إن تمثيل المزارعيين ليس فقط ككسالى بل كمتبطلين ومترفعين مع استخدام كلمة السيد المحترم فى سخرية ، يظهر شيئا عن الاقتصاد الاخلاقى الذى يؤسس للخطاب الاستعمارى بصدد المزارعين . فوفقا لهذا الاقتصاد الاخلاقى تأتى تصرفات السودانيين – عندما لا تطابق مع نوايا المخططين الاستعماريين واداريى المشروع – مسببة باخفاق السودانيين الاخلاقى الاصيل ؛ فمن وجهة نظر الاستعماريين ياتى اهمال القطن واستخدام قوة العمل المأجور ، او الطموح للارتقاء الى اكثر من مجرد مزارع قطن ليس كعقبة امام تحقيق الاهداف الاستعمارية ، وانما دليل على فساد الشخصية . لقد تعارضت هذه “التصرفات ” مع تصورات استعمارية اساسية لمجتمع للمزارعين السودانيين كانوا يسعون لخلقه فى مشروع الجزيرة . ان النبرة الاخلاقية للخطاب الاستعمارى تجعل الامر واضحا : ليست انتاجية القطن هى ما يواجه المخاطر بل كل النظام الاستعمارى ، ذلك النظام الذى يعرف فيه الرعايا مكانهم ، يلزمونه بلا تطلع لعيشة ” السادة المحترمين ” . ولقد وضّحت حادثة المدرسة، والتى وقعت فى عشرينات القرن العشرين ، بعضا من هذا التناقض فى مهمة الاستعمار. ففى زيارة لمأمور المنطقة لاحد المدارس ، قام بارسال اى طالب يلبس الاحذية الغربية الى منزله لاستبدالها بالمركوب ( حذاء شعبى ) ، فالمهمة الاستعمارية هنا هى “تقدم ” المحليين ولكن دون السماح لهم بالشعور بالاستحقاق او التطلع لنفس الاشياء المتوافرة فى منال المستعمرين .

ان رفض الاستعماريين الاعتراف رسميا بمقاومة المزارعيين لنظام القطن المفروض ، مكنهم من تاكيد وجهة نظرهم حول عدم قدرة المزارعين السودانيين على تحمل المسئولية ، مما مكنهم من تبرير البنية القمعية للمشروع . ان خطاب الاستعماريين حول ” احتياج ” السودانيين للمراقبة يمكن فهمه باعتباره طريقة اخرى للحديث عن الغصب . فبينما راى البريطانيون انفسهم كمحررين للسودانيين من سلطة التقاليد ، الا انهم اعتبروا اى تقدم للسودانيين فى مناصب ادارية فى المشروع وضعا مفعما بالخطر . ولكن ، وبالرغم من ذلك ، اضطرت السلطات الاستعمارية لمنح بعض الوظائف لقيادات المزارعين وللمتعلمين السودانيين على اثر تنامى الحركة الوطنية فى السودان وباقى مستعمرات الامبراطورية . وقد كتب السير دوجلاس نيوبولد فى 1940 : ” اذا لم يستطع السودانيون فى الوقت القريب ان ينالوا بعضا من المشاركة المرتفعة فى شأن ادارة المشروع ، فاننا سنكون مقبلين الى عهد من المشاكل والاضطراب ” (هندرسون ص31). ولقد سميت السياسة التى استهدفت ضم السودانيين الى مراقى الادارة ” بالتخفيض” . والمصطلح فى خصاصته لايمنح سوى الريبة ، فبينما التطور يرتبط مباشرة بالعمليات الطبيعية ” والارتقاء ” فانه من الممكن استنتاج نوع الصور الذهنية التى يدفعها مصطلح التخفيض الى الاذهان الاستعمارية ( ربما التطور المعكوس) . انعكست مخاوف الاستعماريين من السماح بتولى السودانيين لمواقع المسئولية فى تعبيرات حددت خوفهم من الخطر المتمثل فى خلق ” طغاة محليين ” (بارنت ص127) ، او – كما فى تعبيرات جيتسكل – ” الاتوقرطية الصغيرة ” او ” صغار الموظفين من النوع شديد السوء “(ص210) . هذه التعبيرات تقترح ان الاستعمارين لم يتصوروا ان السودانيين يمكنهم ان يتولوا اى مستوى من المسئولية ارفع من مقامات ” صغيرة” ؛ فالانسان المحلى ” نصف المتعلم ” وابن الغربنة ” اللقيط” هو خليط يهدد بتغبيش الفواصل العنصرية/الاستعمارية بين الحكام والمحكومين . ولقد رفضت التخفيض الاجزاء الاخرى من الادارة الاستعمارية خارج المشروع ، ولم يكن متصورا انقاص عدد الموظفين البريطانيين قبل 1964 ؛ وقد قدر مسئول اخر ان الامر يحتاج بين اريعين الى خمسين سنة قبل ان يصبح فى امكان السودانيين التقدم نحو مواقع المسئولية . (دالى ص144-145 ). ردد جيتسكل نفس الافكار الاستعمارية فى وصفه لمجتمع مشروع الجزيرة ومواطنيه :” كمجتمع يمتلك نصف معرفة ، يرفض اعضاؤه وبشكل متزايد توجيهات المزرعة التجريبية ( المشتل) بالرغم من انخفاض معارفهم التى لا تؤهلهم لاستيعاب الخلفية الفنية المعقدة لهذه التوجيهات ؛ وبالرغم من غياب علاقتهم بمسئولية اصدار مثل هذه التوجيهات ( ص225) . يبدو جيتسكل – بمقاييس اليوم – مثالا نموذجيا للتوجهات الامبريالية ، الا انه – حقيقة يمكن اعتباره تقدميا وبشكل نسبى قياسا بزمنه ، حتى ان بعض مسئولى السلطة الاستعمارية رأوا فيه شخصا” متمدنا جدا واشتراكى ” (دالى ص308)، وتعريفه الذاتى لافضليته على السودانيين – بالرغم من انه عامل على خدمتهم – هى مسألة تطابق النمط السائد تماما . وكما تم تصوير مقاومة المزارعين السودانيين لمشروع القطن باعتبارها كسل وانعدام للكفاءة ، وسببا للضبط و التأديب الكلونيالى ؛ تم تصوير البنية الادارية لمشروع الجزيرة كمنتج تبرره المبادرة الغائبة من قبل السودانيين . وفى مناقشته لامكانية مساهمة السودانيين فى ادارة المشروع يحدد جيتسكل ” لقد ثبتت حكمة تغذيتهم بالملعقة فى السنين الاولى (..) ولكن لو اراد المزارعون الوقوف على اقدامهم ، فعليهم تغيير عادة الوقوف انتظارا حتى ينظم لهم كل شئ ” (جيتسكل ص206) .(32) ولقد وجد الاستعمار البريطانى تبريراته منتشرة فى عبارات مشابهة فى شهادة احد المفتشين الاداريين السابقين عندما ذكر : ” لقد بذل السودانيون جهودا ذاتية قليلة من اجل جعل مقامهم فى هذة الارض سعيدا واكثر راحة “(سانديسون، ورد فى شوتلر 1984:108) . بالطبع لم يكن هدف المشروع الاستعمارى البريطانى هو جعل السودانيين ” مرتاحين فى سعادة ” ، كما لم يكن هدف مواطنى الجزيرة هو الانتظار ” ليهبط عليهم نظام زراعى جديد ” . لقد اقيم مشروع الجزيرة بارادة استعمارية ، ولقد فرضت المشروع – من خلال التراتبية البيروقراطية وصرامة جداول الانتاج – سلطة استعمارية قائمة متسلطة على المزارعيين للدرجة التى لم تتح لهم سوى فرص جد قليلة لممارسة اى قدرات ادارية او حتى مبادرة . ولقد كان الاستثناء المهم لذلك هو مبادرة المزارعين خارج المشروع وفى معارضة لقوانينه . ولقد تضمن هذا اعطاؤهم الاولوية لمحصول الذرة مقابل القطن ، واشتغالهم فى انشطة اخرى ، واعتمادهم على مصادر خارج الزراعة لتحصيل عيشهم ، كالتجارة والرعى ، كلها انشطة نأت بعيدا عن الخضوع للسيطرة الاستعمارية التى تحيط زراعة القطن .

قاومت شركة المزارع السودانية المتحدة – وهى المدير المباشر للمشروع – اتجاهات مشاركة السودانيين فى السلطة باكثر مما فعلت السلطة الاستعمارية . وقد تم تصوير هذا الانقسام باعتباره نقاشا بين اولئك الذين راوا دورا للبيرطانيين كوكلاء ، واولئك الذين رأوا فى الربح العامل الحاسم . ( بارنت 1977) ، ولكن من الممكن ان يفهم الامر باعتباره تعبيرا عن التوتر بين حكومة محدودة الموارد وبين رأسمالية لايمكن احتواؤها ببنى ادارية . لقد شعر بعض المسؤلين البريطانيين فى السودان بسلطاتهم يهددها الرأسمال الخاص فى سعيه لتحديد تطور السودان . فالبريطانيون فى محاولاتهم لحماية السودانيين من الشركة ، كانوا يحاولون تثبيت انهم هم المسئولين فى نهاية الامر . ولكن بالرغم من تلك النقاشات بين الاستعماريين ، استمرت السياسات والممارسات فى الجزيرة باقية ومستمرة منتصبة كحجارة صماء . فالنقد الموجه من السودانيين والمستعمرين انفسهم جاء محدود الاثر ( والحقيقة انه ، الى اليوم لاتجد المناداة بدور متعاظم للمزارعين اذانا صاغية ).(33) ولقد ساهمت الحرب العالمية الثانية – من خلال نقص عدد الموظفين البريطانيين فى خلق ضرورة مساهمة السودانيين فى المستويات الدنيا فى ادارة المشروع .

ابتدأ مزارعوا الجزيرة فى التنظيم فى نهاية الاربعينات ( من القرن العشرين) وخلقوا منظمة تمثيلية رسمية قدمت مطالب كبيرة . لم يطالب المزارعون بنسبة اكبر فى ارباح القطن ، بل طالبوا بالمشاركة فى اتخاذ القرارات بصدد زراعة القطن ، تصنيفه وبيعه الى جانب مراجعة حسابات المشروع (بارنت) . نجح المزارعون فى الحصول على نسبة كبيرة من ارباح القطن ، ولكنهم لم ينجحوا فى تحقيق مطالبهم الاخرى والتى كان من شانها احداث تغييرات كبيرة فى بنية القوة فى المشروع .
لقد جاءت الحجة الاستعمارية ضد مساهمة السودانيين فى ادارة المشروع – كما هو متوقع – مطروحة فى تعابير عدم الكفاءة وفقر الاداء الذى لايمكن الا ان تنتجه مشاركتهم ( انظر اسوان 1954ص 33) . من الواضح ان ما يؤسس لتلك الحجة هو الخوف على مصير الترتيب الاخلاقى الذى قضى بحق البريطانيين فى الحكم وحقهم فى الحكم المنضبط بلا تساهل . ولذلك لم ير جيتسكل تعارضا بين ” الاستقلال ” والسيطرة البريطانية عنما كتب فى 1940 ” انه من غير الممكن الدفاع عن فكرة ارجاع المزارعين – الذين تذوقوا الاستقلال الاقتصادى – لحالة الخضوع تحت سيطرة مجموعة مختارة من المحليين تمتلك القوة فوق معاشهم ، اى تلك القوة التى يمارسها حاليا الموظفون البريطانيون ” ( بارنت ص27-126). إن تغزز البريطانيين من التجار وملاك الارض السودانيين ، واحتقارهم للزعامات ” التقليدية ” وخوفهم من ” الاتوقراطية الصغيرة” وانصاف المتعلمين المحليين تقترح انهم رأوا فى السودانيين الذين ارتفع وضعهم عن المزارع ، تهديدا ضمنيا للتنظيم الاستعمارى الذى ترد فيه الثروة والقوة كمحظيات بريطانية .

كانت قناعات البريطانيين الكاملة فى السودان الكلونيالى ، انه توجد مجموعة صغيرة فقط من السودانيين الذين يمكنهم الجلوس على بعض مقاعد المسئولية.( د. جون بلوس، ورد فة فولر1984:162) وقد عبر السير هوبرت هادلستون ( الحاكم العام 1945) عن ذلك جليا عندما كتب : يتطلب الامر” مقايسا عالية من الكفاءة ” كما ان ” معرفة جيدة باللغة الانجليزية وفترة تدريب فى المملكة المتحدة هى من الامور ذات الاهمية المطلقة ، [ الى جانب ذلك ] فانه من غير العدل ان تضع السودانيين فى وظائف – واضح تماما انهم – لايستطيعون اداء متطلباتها “( دالى 1991 ص199) . وبكلمات استعمارى بريطانى اخر ” فانه من غير المنطقى وغبر المرغوب ان يعمل البريطانيون تحت إمرة سودانى ( دالى ص145) . وقد اورد جيتسكل ان الموظفين البريطانيين فى مشروع الجزيرة – وهو من بينهم – اعترضوا على وضع اى سودانى فى منصب ادارى : ” فالمدير ، كما اعتقدنا ، لم يكن بوسعه تعلم وظيفته مبتدئا من منصب قيادى ، بل عليه التدرج من اسفل الى اعلى ” (ص324) . واضح هنا ان جيتسكل وزملاؤه تجاهلوا حقيقة انه تحت طائلة النظام الاستعمارى احتل البريطانيون كل مواقع المسئولية ، بينما استمر السودانيون فى العمل فى المشروع لاكثر من عشرين سنة ، فى غياب تام لامكانية الترقى ” والتدرج من اسفل الى اعلى ” . مارس الخطاب الكلونيالى حول الحرية الاقتصادية الفردية فلاحته فى تركيزه على العلاقات بين السودانيين ، ولكنه كف نظره ، وإستقصر حديثه دون فحص علاقات عدم التساوى بين البريطانيين والسودانيين ، فهذه كانت فى نظر الخطاب، من طبائع الاشياء ( نوع من طبيعة ترتيب العالم ) مكنهم من تقديم نظام من العمل الاكراهى باعتباره تحررا .

خلاصة :

العالم مابعد الكلونيالى – ربما – هو العالم الذى نعيش فيه بعد الاستعمار ولكن ليس بدونه
-نيكولاس ديركس ، الكلونيالية والثقافة

ان مشروع الجزيرة ( وانتاج القطن ) ليس شيئا من اشياء الذاكرة الاستعمارية ، بل بنية وهيطة تحتل موقعا مركزيا فى سودان اليوم . لقد استمر مشروع الجزيرة فى العمل لاكثر من سبعين سنة بدون اى تعديلات اساسية . اكثر من هذا ، لعب هذا المشروع – لوحده – دورا طاغيا فى تحديد وجهة المبادرات التنموية اللاحقة فى السودان وفى تشكيل الاقتصاد السودلنى ككل . (34) لايتمثل تراث مشروع الجزيرة – فقط – فى التحول الاقتصادى العميق الذى احدثه ، بل – ايضا – فى افق الحداثة الذى مثله . لقد مثل المشروع بالنسبة للسودانيين ، نموذجا للتنمية بكل معانى الكلمة . لقد حافظت الحكومات وادارات المشروع المتعاقبة – ليس فقط – على بنية وسياسات المشروع بدون نقد فاحص ، بل طورت مناطق جديدة محتزية نفس النموذج .

بلغ حجم المساحة المروية فى صباح الاستقلال فى 1956 حوالى 840 الف فدان ؛ وقد بلغ حجم المساحة المروية فى السودان فى ثمانينات القرن العشرين حوالى الاثنين مليون هكتار ( معظمها مشاريع مشابهة للجزيرة ) ومن المتوقع ان تصل الي 2.5 مليون فى سنة 2000 (هوروتز () ؛ ابراهيم 1984). (35) يبلغ عدد العاملين والقاطنين فى هذه المشاريع ما يتجاوز الاثنين مليون سودانى.(36) ساهم مشروع الجزيرة ، فيما مضى من العقود القريبة ، بحوالى نصف عائد الصادر السودانى ( زكريا 1986) ويستمر مشروع الجزيرة كقطعة مركزية للتنمية فى ذلك المجتمع الزراعى . ان قلة المشاريع الاستثمارية الاخرى تضفى على مشروع الجزيرة اهمية حيوية عالية بالنسبة للدولة ، بالذات وان ما ينتجه من قطن يمثل مصدرا كبيرا من مصادر عائد الصادرات (بارنت وعبدالكريم 1991). وهو موقع لايتأتى من قدرة المزارعين فى انتاجة بطريقة تضمن الربح ، وإنما بسبب من ممارسة الدولة على السيطرة الكاملة على عملية انتاجه .(برنال 1988أ) ، ولقد استمر البيروقراطيين السودانيين – كسلفهم – ينظرون لمشاكل الانتاج ( كضعف الانتاجية مثلا) باعتبارها نتاج لكسل المزارعين وضعف احساسهم بالمسئولية ، بدلا عن رؤيتها كانعكاسات سلبية لهذه المشاريع نفسها(برنال 1991)

لم يصبح مشروع الجزيرة والمشاريع المروية الاخرى لزراعة القطن محط اهتمام نقدى ولامصدر قلق لرجال الدولة والتكنوقراطيين ، فقد حملها الخيال الوطنى كجزء من الهوية السودانية . وقد ظهرت اشارات للمشاريع فى التصوير الادبى للحياه الريفية كما عكسته بعض الاعمال الادبية السودانية، منها ماورد فى بعض اعمال الروائي السودانى الطيب صالح . ففى احد قصصه يحكى عن خطة السلطة الاستعمارية لبناء محطة طلمبات فى نفس الموقع الذى تحتله شجرة يعتقد الاهالى ببركتها وقيمتها الروحية:
قررت الحكومة مرة قطعها عندما ارادوا أن ينظموا مشروعا زراعبا ، وقالوا ان موضع الدومة هذا هو خير موضع لاقامة مكنة الماء . اهل بلدنا كما تراهم منصرفون كل الى هم يومه ، و لا اذكر انهم ثاروا على شىء قط. ولكنهم عندما سمعوا بامر قطع الدومة ، هبوا عن اخرهم هبة رجل واحد ، و سدوا على مفتش المركز السبيل. كان ذلك فى عهد الحكم الاجنبى . واعانهم الذباب ايضا ، ذباب البقر . وعلا اللغط من حول الرجل يقولون له اذا قطعتم الدومة فاننا سنحارب الحكومة حتى نموت عن اخرنا . وفعل الذباب فعله فى وجة الرجل.
فشتت اوراقه فى الماء ، وسمعناه يصيح : ” خلاص .. فى دومة ..مافيش مشروع ” (1970:4) -الطيب صالح ، دومة ودحامد

والحقيقة قامت المشاريع ، وهى التى تبقت واستمرت لتصير مصدرا للفخر الوطنى ورمزا ” للسودان الحديث ” ، ولذلك ، مثلا ، نجد تصويرا لمجموعة من النساء يجمعن القطن فى المشروع مخلدا فى طابعة بريدية ، وقد علق – متضايقا – احد معارفى من السودانيين على معالجاتى الناقدة لمشروع الجزيرة : ” نعم ، كانت هناك بعض المشاكل بخصوص المشروع ، ولكن هذ المشروع يمثل افضل ما نحتازه فى السودان ” ، ويبدو انه كان يشعر بان السودان يتم قياسه- مجددا – وفقا لمعايير غربية تحاول ان تقيم الحجة على تخلفه مما يجعله فى احتياج للغرب . من المتوقع ان يجد الزائرون من الغرب قليلا جدا مما يتطابق مع مفاهيمهم حول النظام والكفاءة ، ولكن من المؤكد انهم يستطيعون على الاقل تقدير مشروع الجزيرة ، فهو – لازال- يمثل اكثر من مجرد موقع انتاجى ، فهو اثر تذكارى او رمز للحداثة . فى الثمانينات اصدر مجلس ادارة المشروع نشرة ، تباهت بالمشروع باعتباره :” مثال عظيم لقدرة السودانيين على تخطيط وتنفيذ وادارة المشاريع الزراعية (مجلس الادارة 1980) . وقد صار المشروع فى النشرة ، ممثلا للشخصية السودانية ، فهى لاتذكر الحكم الاستعمارى حتى فى فقرة تعنونت ب ” خلفية تاريخية “(37) ولكن السيرة الاستعمارية رغم ذلك لا تغيب كليا عن النص حيث يتم – كمثال – الاشارة للحكومة ، مجلس الادارة والمزارعين كشركاء ، لايزال ، يتولون ” مسئولياتهم تبعا لقانون يسمح بالمرونة العالية من اجل اكبر انتاج ممكن ” ( مجلس الادارة 1980).

يطرح هذا التحليل تحديا للنظرة الاقتصادية الضيقة للاستعمار ، و يوضح قصور الفكرة التى تطرح تصورا للقوة تتمثل فقط فى الاستغلال ( او المقاومة له) ، فالكلونيالية كما الرأسمالية لا يقعان خارج الثقافة . وفى بعض الاطر ، كالاطار الذى تمثله الجزيرة ، يمكن فهم العلم والعقلانية – على افضل وجه – ليس كمبادئ للفعل بل كأسس لمطلب القوة ، ففى حالة الجزيرة يمكن قراءة العلم والعقلانية فى تمثيلهما للحداثة كنقيض ” للتقاليد فاقدة العقل ” ، كعناصر للخطاب الكلونيالى والذى حاول البريطانيون من خلاله تأسيس وارساء شرعية علاقات عدم التساوى بينهم وبين السودانيين .

بالرغم من وفرة باهرة فى الادب المنتج حول الترميز السياسى والثقافة الكلونيالية ، صادف بعضه مجدا (كوربى 1993 ؛ هوبسبون و رينجر 1983 ؛ ميشيل 1988) ، الا أن مشاريع التنمية بدت فيه اقل وضوحا كحوامل وادوات لخلق – والتعبير عن – الرموز الثقافية والسياسية . فعلاقات الانتاج يتم بناءها تقافيا وبشكل مستمر ، فهى لايمكن ان تكون مجرد ترتيبات اقتصادية (داونز 1995) . حقا ، حتى فى الغرب – حيث يمكن التفكير فى الرأسمالية باعتبارها مستمرة فى اشكال غير متغيرة – قامت المناقشة حول ” الاقتصاد كبراح اساسى لانتاج المعانى ” وبعيد جدا من التحرر من التبعات الثقافية ( سالينس1976 ص211) .
بالتاكيد ، لا يحتاز مشروع الجزيرة على مظاهر الابهة المتوافرة فى مهرجانات التتويج او المعارض الضخمة المقامة له ، بل فى حقيقة الامر ، يلفت النظر برتابته وروتينه ؛ ولكنه لايزال اثرا للثقافة . لانه ، كيف تم بناء هذا الاعتياد على الروتين ، وكيف تم نشره على مدى العقود ، اذا لم يكن ذلك بتطبيع النظام السياسى؟ فالمشروع منظور اليه من هذا المدخل او الاضاءة يأتى او ينكشف كمشروع للضبط والتنظيم بقدر ما هو مشروع للتنمية . والحقيقة ، ومن وجهة النظر الكلونيالية يبدو التنظيم .. تنمية؛ طالما اعتبر التنظيم مفيدا – فى البدء- بغض النظر عن مساهمته فى زيادة الدخول او الانتاجية . ولكن تتحدى حالة مشروع الجزيرة وجهة النظر التى تدعى قيام المؤسسات الرأسمالية – ضروريا – على العقلانية ، وتحاصر بسياج الاسئلة الدور المركزى المفترض للسوق فى تنظيم السلوك الاقتصادى فى النظام الرأسمالى . لقد كان مشروع الجزيرة اقتصادا موجها بدرجة عالية ، لم تكن الاهمية فيه للقيم الراسمالية مثل الكفاءة وتعظيم الربح ، بل قيمته الاخلاقية والسياسية القائمة فى تسلط البنية الاستعمارية على رقاب الناس وموارد الكون الطبيعية . ليس فريدا ، هذا المشروع فى سهل الجزيرة ، ولكن خصائصه – كبنية تكنولوجية للقوة ، والتى انجزت ترسيخا لعلاقات سلطوية اخضعت السكان المحليين – تسلط لنا اضواءا كاشفة للمشاريع المعاصرة وتلك التى انشئت فى العهد الاستعمارى ( انظر فيرجسون 1991) . إن حالة مشروع الجزيرة تقترح انه لايمكن فهم مشاريع التنمية كليا الا فى حالة اعتبارها كانظمة لترتيب العلاقات الاجتماعية وكحامل لتشفير ، والتعبير عن ، قيم اخلاقية .